الاثنين، 17 أغسطس 2026

الراتب لا يكفي.. فالجمهور يأخذ حصته

 الراتب لا يكفي.. فالجمهور يأخذ حصته



حمد حسن التميمي



ينزل الراتب وحده، لكنه يُصرف بحضور جمهور كامل. جمهور يراقب السيارة، ويقارن العرس ويسأل عن وجهة الصيف، ويمنح الأشياء أسعاراً تتجاوز قيمتها الحقيقية. وبينما ينشغل صاحب الراتب بتوزيعه على البيت والمدرسة والسيارة والفواتير، يجلس ذلك الجمهور في زاوية خفية من الحساب، ينتظر نصيبه من دون أن يدفع ريالاً واحداً.


في بيوت كثيرة، عبارة «الراتب لا يكفي» وصف صادق لوجع يومي؛ فالإيجار والتعليم يلتهمان الدخل، والأقساط تؤمن أحياناً بيتاً أو سيارة تفرضها الحياة.

 لكن بجوار هذا العجز الحقيقي ينمو عجز آخر بصمت: راتب يكفي الإنسان، ثم يعجز أمام النسخة التي يعتقد أن المجتمع ينتظرها منه.

هذه الحيرة أقدم من تطبيقات البنوك. في بحث نشره عالم الأنثروبولوجيا غرانت مكراكن في «مجلة أبحاث المستهلك» عام 1986، استعاد حكاية الفيلسوف الفرنسي ديني ديدرو، الذي تلقى رداء فاخراً، ثم بدا له أثاث غرفته متواضعاً أمامه؛ فاستبدل مقتنياته تباعاً حتى جره الرداء إلى إنفاق لم يخطر له.

 سمى مكراكن ذلك «تأثير ديدرو»: 

شيء واحد يرفع سقف الصورة، فتبدأ بقية الأشياء في المطالبة بأن تلحق به.

يحدث الأمر حولنا بالطريقة نفسها. سيارة تتجاوز الحاجة، فتستدعي ساعة ومطاعم ورحلات تناسب صاحبها الجديد. وعرس يبدأ فرحاً، ثم يتحول إلى امتحان لاسم العائلة وعدد المدعوين وحجم القاعة؛ يغادر الضيوف في ليلة واحدة، ويبقى الزوجان سنوات يسددان ثمن المشهد. وبعض الهدايا تُشترى لحماية المكانة أكثر مما تُشترى تعبيراً عن المحبة.

الرفاهية في حدود القدرة متعة مستحقة، والإنسان أدرى بما يسعده. 

الخطر يبدأ عندما ينتقل القرار من الداخل إلى عيون الآخرين، فيصبح ثمن الشيء أقل أهمية من الرسالة التي يبعثها. عندها تفقد السيارة وظيفتها، ويفقد السفر راحته، ويفقد العرس فرحته؛ فكلها تتحول إلى لغة يتحدث بها الإنسان كي يثبت مكانته، حتى وهو يعرف أن المستمعين سينسونها سريعاً، ويبحثون عن مشهد جديد في اليوم التالي.

في مجتمعاتنا، يصعب فصل الكرم عن الضغط الاجتماعي؛ فالمناسبة تحمل واجبها، والاسم يحمل توقعاته، وعبارة «ماذا سيقول الناس؟» تملك سلطة تفوق أحياناً قدرة صاحب القرار. ولهذا يدخل كثيرون السباق وهم يعرفون كلفته، ثم يواصلونه لأن التراجع أمام العيون يبدو أشد قسوة من القسط أمام البنك.

أما المنصات، فقد وضعت مضمار السباق في جيوبنا. 

تعرض مقعد الطائرة وتخفي القرض، وتعرض مفتاح السيارة وتخفي القلق عند موعد السداد. نرى لحظة الوصول ونقارنها بطريقنا كله، فتبدو حياة الآخرين مكتملة، وتبدو حياتنا ناقصة مهما امتلأت. الصورة تحتفظ بالتصفيق، وترسل الفاتورة إلى صاحبها وحده.

وهنا يتجاوز الثمن كشف الحساب. 

من يعيش لحماية صورته يتحول تدريجياً إلى حارس لها؛ يعمل أكثر، ويقلق أكثر، ويحمل توتره إلى بيته، لأن المستوى الذي صنعه يحتاج دائماً إلى دليل جديد. يبدأ الترف متعة، ثم يصبح وظيفة ثانية بلا راتب ولا إجازة، ويصبح الإنسان ضيفاً في حياة بناها لإقناع الآخرين.

والمترف بهذا المعنى حالة قد تسكن الغني ومتوسط الدخل معاً؛ تبدأ حين تتحول الكماليات إلى حقوق، وحين نقترض المسافة بين حقيقتنا والصورة التي نعرضها. عندها نشتري مع الشيء قبولاً وهيبة وشهادة بأننا نجحنا، مع أن الجهة التي تصدر هذه الشهادة تلغيها فور ظهور شيء أحدث.

في الشهر المقبل، ستصل رسالة الإيداع نفسها، وسيبدأ توزيع الراتب من جديد. 

وسيبقى السؤال الذي لا يظهر في كشف الحساب: كم أنفقنا على حياتنا، وكم أنفقنا على الجمهور؟ 

كان الراتب يكفي الإنسان أحياناً، لكنه لم يكن قادراً على إطعام كل الأقنعة التي ارتداها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق