الجمعة، 19 يونيو 2026

عندما تكون ضحية البجعة السوداء

عندما تكون ضحية البجعة السوداء

 حمد حسن  التميمي

الشخص الذي يجلس بجانبك الآن ربما يستحق نجاحك أكثر منك، لكن بجعة سوداء واحدة اختارتك أنت. كلاكما ضحية البجعة، أنت ضحية اختيارها، وهو ضحية تجاهلها. هذا الكلام يزعج لأنه صحيح، ولأن أحداً لا يريد سماعه، لا الناجحون الذين يحتاجون لرواية تبرر امتيازاتهم، ولا الفاشلون الذين يحتاجون لتفسير يبرر إخفاقاتهم. 

نسيم طالب حين أصدر كتابه «البجعة السوداء» عام 2007 لم يقل إن الحظ يحكم العالم، بل قال شيئاً أكثر إزعاجاً: إن الأحداث النادرة غير المتوقعة هي التي تصنع التاريخ، وإن البشر بعد وقوعها يعيدون كتابة قصصهم لتبدو حتمية ومنطقية، كأنهم كانوا يعرفون منذ البداية أن هذا ما سيحدث. 

غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه: إذا كان الناجح يعيد كتابة قصته بعد النجاح، فهل ما تسمعه من دروس النجاح هو حكمة حقيقية أم مجرد قصة صنعها الحظ وأعادت تسميتها الإرادة؟

المشكلة ليست في الحظ، بل فيما نفعله به بعد وقوعه. الشخص الذي تغيرت حياته ببجعة سوداء واحدة، صفقة جاءت في الوقت المناسب، أو معرفة فتحت باباً لم يكن مفتوحاً، أو ظرف اقتصادي ساعده دون أن يخطط لذلك، لا يقول للناس كنت محظوظاً. يقول كنت مستعداً، وكنت أعمل بجد، وكنت أؤمن بنفسي. وهذه ليست كذبة متعمدة، بل هي آلية دفاعية يصفها طالب بالإدراك المتأخر، حيث يُقنع الإنسان نفسه بعد الحدث بأنه كان يتوقعه ويستحقه. والأخطر في هذا الإدراك المتأخر أنه معدي، يسمعه الآخرون ويصدقونه ويبنون عليه توقعاتهم عن النجاح، فيظنون أن ما حدث لغيرهم سيحدث لهم إذا اتبعوا نفس الخطوات، متجاهلين أن البجعة السوداء لا تتبع خطوات. لكن ما يزعج هذه الفكرة من زاوية مختلفة هو أن بعض الناس تتكرر بجعاتهم السوداء أكثر من غيرهم، مما يطرح سؤالاً لا إجابة مريحة له: هل ثمة شيء في الإنسان يجعله أكثر قابلية لاستقطاب البجعة، أم أن التكرار نفسه مجرد وهم يصنعه الإدراك المتأخر مرة أخرى؟

وهذا بالضبط ما يجعل خطاب النجاح خطيراً. حين يقف ناجح على منصة ويقول لك «اعمل بجد وستصل»، فهو لا يكذب عن قصد، لكنه يروي قصة ناقصة. بيل غيتس نفسه لم يصبح بيل غيتس فقط بعبقريته. في عام 1968 التحق بمدرسة ثانوية نادرة، كانت تمتلك حاسوباً في وقت لم تكن فيه الحواسيب متاحة إلا للجامعات الكبرى. 

هذه الصدفة وحدها منحته عشرة آلاف ساعة برمجة قبل أن يكمل الثانوية، وهو ما لم يحظ به أقرانه الأذكياء مثله. هذه كانت بجعته السوداء، لكنه يروي الجزء الذي رآه بعدها ويحذف البجعة نفسها لأنها تجعل قصته أقل إلهاماً وأكثر عشوائية. والجمهور يصفق لأن القصة الناقصة أجمل وأكثر تحفيزاً من الحقيقة الكاملة.

ما لا يُقال في خطابات النجاح هو أن في العالم ملايين من البشر يعملون بنفس الجد، ويؤمنون بنفس القدر، ويحلمون بنفس الطموح، لكنهم لم تأتهم بجعتهم السوداء بعد. 

ليسوا أقل كفاءة ولا أقل استحقاقاً، لكن الحدث النادر لم يختر توقيتهم ومكانهم. 

وهؤلاء حين يفشلون لا يقول لهم أحد «البجعة السوداء لم تأتك»، بل يقال لهم «لم تعمل بجد كاف»، وهذا هو الظلم الحقيقي الذي تصنعه ثقافة النجاح. وحين لا تأتيك البجعة السوداء لست فاشلاً، أنت فقط ضحية توقيت لم تختره.

حين تراجع قصة نجاحك أنت، هل تجد فيها كفاحاً حقيقياً، أم أنك تجد بجعة سوداء لم تعترف بها بعد؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق