الخميس، 1 أغسطس 2019

نضالنا القادم ضد العلم والتقنية.. قراءة في معركتنا التي لا مفر من خوضها

نضالنا القادم ضد العلم والتقنية.. 
قراءة في معركتنا التي لا مفر من خوضها
أنس حسن

قد يكون عنوان هذا المقال صادما، لكنها الحقيقة الأقرب للتحقق، فبعد قرون من الترويج للحرية باسم العلم يبدو أن العلم والتقنية يتحولان شيئا فشيئا لأكبر كوابيس الحرية على الإطلاق، بعد أن كان يروج للعلم والتقانة بأنهما قاطرة البشرية للخروج من الظلمات إلى النور ومن الاستبداد إلى الحرية، لكن يبدو أن العلم ومساراته الحديثة تحديدا قررت أخذ مسار عكسي..

في عصرنا الحالي تتضافر العلوم الطبيعية والاجتماعية فيما بينهما لخلق عالم سلطوي أكثر استبدادا وأقسى على دعاة الحرية وكل من ليس في موقع السلطة، حيث أن الهامش المفضل لحركات المعارضة والذي كان يمنحه غياب السلطة وأدواتها في المجال العام نظرا لعجزها عن ملأه أصبح الآن يضيق شيئا فشيئا بفضل التقنية والعلوم لا أي شيء آخر، وبعد أن كانت منصات التواصل الاجتماعي هي مساحة تلاقح الأفكار التي تقع خارج مظلة السلطة ورقابتها ومخبريها التقليديين، أضحت الآن أحد أهم الأدوات التي تمكن السلطة من الوصول بسهولة وسلاسة للمعارضين دون الحاجة لشهور من الرقابة والتقارير المكتوبة يدويا.
   
تقنيات الربيع العربي وصحوة السلطة:
لابد أنك تعرضت يوما ما منذ الربيع العربي وحتى يومنا هذا إلى مقولات التبشير بعصر الحريات الذي يعد به التطور التقني والعلمي في مجالات التواصل الاجتماعي والانترنت والتطبيقات، حيث أن التفاؤل الذي ساد كان واثقا بشكل قاطع بأن هذه التقنية تعد بالحرية، بل إن الرئيس الأميركي أوباما كان أحد أكبر المتفائلين بهذا الأمر وهو ما دفعه لتبني موقف إيجابي من الربيع العربي في بدايته، ومحاولة تسويقه كنجاح للنموذج الأميركي الحر في عالم التقنية، والربط بين "وائل غنيم" الناشط المصري وعمله في جوجل كامتداد للتأثير الأميركي للربيع العربي.
     

نضالنا القادم ضد العلم والتقنية.. قراءة في معركتنا التي لا مفر من خوضها

25/11/2018
قد يكون عنوان هذا المقال صادما، لكنها الحقيقة الأقرب للتحقق، فبعد قرون من الترويج للحرية باسم العلم يبدو أن العلم والتقنية يتحولان شيئا فشيئا لأكبر كوابيس الحرية على الإطلاق، بعد أن كان يروج للعلم والتقانة بأنهما قاطرة البشرية للخروج من الظلمات إلى النور ومن الاستبداد إلى الحرية، لكن يبدو أن العلم ومساراته الحديثة تحديدا قررت أخذ مسار عكسي..

في عصرنا الحالي تتضافر العلوم الطبيعية والاجتماعية فيما بينهما لخلق عالم سلطوي أكثر استبدادا وأقسى على دعاة الحرية وكل من ليس في موقع السلطة، حيث أن الهامش المفضل لحركات المعارضة والذي كان يمنحه غياب السلطة وأدواتها في المجال العام نظرا لعجزها عن ملأه أصبح الآن يضيق شيئا فشيئا بفضل التقنية والعلوم لا أي شيء آخر، وبعد أن كانت منصات التواصل الاجتماعي هي مساحة تلاقح الأفكار التي تقع خارج مظلة السلطة ورقابتها ومخبريها التقليديين، أضحت الآن أحد أهم الأدوات التي تمكن السلطة من الوصول بسهولة وسلاسة للمعارضين دون الحاجة لشهور من الرقابة والتقارير المكتوبة يدويا.
   
تقنيات الربيع العربي وصحوة السلطة:
لابد أنك تعرضت يوما ما منذ الربيع العربي وحتى يومنا هذا إلى مقولات التبشير بعصر الحريات الذي يعد به التطور التقني والعلمي في مجالات التواصل الاجتماعي والانترنت والتطبيقات، حيث أن التفاؤل الذي ساد كان واثقا بشكل قاطع بأن هذه التقنية تعد بالحرية، بل إن الرئيس الأميركي أوباما كان أحد أكبر المتفائلين بهذا الأمر وهو ما دفعه لتبني موقف إيجابي من الربيع العربي في بدايته، ومحاولة تسويقه كنجاح للنموذج الأميركي الحر في عالم التقنية، والربط بين "وائل غنيم" الناشط المصري وعمله في جوجل كامتداد للتأثير الأميركي للربيع العربي.

 هذا التفاؤل كان على موعد مع كابوس عدمي يقترب من التحقق حين تحول ثورات الربيع العربي إلى انتكاسة كبرى وتم توظيف التقنية ومنصات التواصل بشكل احترافي ومذهل في آن واحد من قبل السلطات الانقلابية التي درست على مدى أعوام الثورة هذه المنصات بشكل متقن وعملت على تشكيل استجابة مدروسة ضد الربيع العربي وأفكاره عبر أدوات "علمية وتقنية" دمجت بين هندسة نفسية لعبت على دوافع الخوف واختلال الأمن لدى الجماهير وبين التقنية التي قدمت تحليلات مفصلة عن اتجاهات الجمهور وكيفية التأثير فيه عبر "برمجيات" بحسابات افتراضية سميت لاحقا "الذباب الالكتروني" أو "اللجان الالكترونية" والتي كانت معطى تقنيا وعلميا بامتياز. 
 
وليست الدراسات النفسية للجمهور والأفراد معطيات علمية حديثة في خدمة الاستبداد، بل قامت بين الحربين العالميتين وبعدهما آلاف التجارب التي كانت تسهم بشكل رئيسي في عمليات غسيل الدماغ وتجارب "الصحفة البيضاء" النفسية والتي شكلت نواة لاحقة لما عرف لدى الليبرالية الجديدة بـ "عقيدة الصدمة"، حيث أنتجت التجارب النفسية التي مارست الصعق الممنهج على أفراد بعينهم إلى تحديث نظرية سلطوية ليبرالية قائمة على فرض تحولات اقتصادية عميقة عبر استغلال أو افتعال "صدمات" كبرى للشعوب يتم عبرها تمرير تحولات هيكلية كاملة ما كانت لتتم لولا وجود هذه الصدمة، وتم تجريب هذه الآليات الغرب قبل الشرق.

استخدمت تجارب "الصدمة" و "الصفحة البيضاء" في الإقرار القسري للسياسات الاقتصادية في بريطانيا "تاتشر" عبر هندسة مجموعة من الأزمات وافتعال حرب الفوكلاند لقمع الاحتجاجات العمالية والإضراب، ونجحت من خلالها تاتشر في ترويض الحركة العمالية في بريطانيا للأبد، كما عززت هذه التجارب حكم الجنرال الانقلابي "بيونشيه" في تشيلي، وكذلك تم فرض أنماط اقتصادية جديدة في الولايات المتحدة عبر استغلال كوارث الأعاصير مثل "كاترينا" وتغيير خرائط ديموغرافية.
  
العلوم الاجتماعية وتطوير الاستبداد:
أسهم التطور العلمي والدراسات النفسية والاجتماعية في تطوير أداء السلطة بشكل مذهل، عبر ترويض "القطيع" الشعبي، وتوظيف استراتيجيات الإلهاء والتضليل بشكل منظم ومدروس ومجرب ومثبت علميا، حتى أضحت السلطة تتضاعف سطوتها بشكل كبير منذ السبعينات وحتى وقتنا الحاضر
 
فلم تعد الاختبارات الجينية والأبحاث النفسية، وثورة المعلومات تخدم اطلاقا ما كان يعد فجرا من الحريات يصعب حجبه.. بل إن كابوس الذكاء الاصطناعي والتجارب المعملية يقوضان فعليا قدرة الناس على خلق مجالهم الخاص خارج إطار التنظيم السلطوي، فكل هذه المعلومات المستقاة من حقول الأبحاث تسهم في تعزيز القوة الأمنية والعسكرية والمعلوماتية للسلطة وليس العكس.     
  
وإذا انتقلنا إلى مزيد من حقول العلم سنجد أن حقل "الانثروبولوجيا" أو علم "الإناسة" والذي كان منوطا به دراسة الإنسان وأنماط حياته والكشف عن القوانين التي تحكم سلوكه بشكل مباشر كان أحد أدوات الاستعمار القديم في حكم الشعوب واستعبادها، وقدم تصورا عنصريا جدا في رؤيته للبشر وتصنيفهم تصنيفا عرقيا أدى في النهاية لظهور اسطورة التفوق لعرقي مما أسهم في ظهور النازية والفاشية والإبادة الجماعية والتطهير العرقي بشكل واسع.

كما أسهم علم "أنثروبولوجيا الإجرام" في التأسيس لقواعد وأدوات الضبط السلطوي من حيث مراقبة الناس وحصرهم في قواعد وتصنيفهم إجراميا، ما ساهم بشكل كبير في ظهور دولة الشرطة كما يسميها ميشيل فوكو والدولة الأمنية، وأنظمة الرقابة التي لم تقوض الجريمة بشكل كبير بقدر ما استخدمت بشكل أكبر في تقويض التحركات المعارضة للسلطة والأمن السياسي والعمليات الاستخبارية.

لا يقف الأمر عند حدود الانثروبولوجيا بل أغلب حقول "علم الاجتماع" أضحت تخدم بشكل أكبر أجندات السلطة بجوار رفيقاتها من العلوم الطبيعية وعلوم الفضاء، حيث أن دراسات الجمهور والرأي العام والإعلام أصبحت موجهة بشكل أكبر لخدمة سلطة الدولة وسلطة السوق، وأصبحت تخلق بشكل أضعف وأقل سلطة الجمهور، بالرغم من ما يبدو على التفاعلات الإعلامية الحديثة من تحرر هش من الانضباط السلطوي، وتبشير أكبر بعالم الجمهور، لكن تقنيات الضبط والسيطرة أصبحت أكثر ذكاء وأقوى في فرض تحكم السلطة بشكل تفاعلاتنا.
 
الذكاء الاصطناعي وذروة الكابوس:
ليس بعيدا عن العلوم الاجتماعية يقف الذكاء الاصطناعي كشبح يستعد لأن يمنح السلطة والسوق معا تذكرة القضاء النهائي على كل منجزات الحرية البشرية عبر الولوج غير المحدود لحياتنا اليومية عبر التقنيات الحديثة والتحكم بشكل كامل بما يمكن لنا أن نراه ومالا يجب أن نراه، فضلا عن قدراته غير المحدودة في تحليل أفعالنا وسلوكنا اليومي بدقة شديدة عبر تتبع مساراتنا اليومية وتفاعلاتنا وضحكاتنا ومشترياتنا وقراءاتنا و علاقاتنا، وأخطائنا.

ومن ثم يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل كل ذلك والتطوع بتقديم تفضيلات لنا تتحكم فيها خوارزميات يشرف عليها أصحاب السلطة إما في الشركات الكبرى أو في أجهزة الاستخبارات على السواء، ما يعني وعلى وجه الدقة التحكم التام بالمنافذ الافتراضية لحياتنا بشكل مطلق، بينما تتكفل السلطة المادية لدولة الشرطة بالتحكم المطلق بالمنافذ الواقعية لحياتنا كذلك، ما يطرح غمامة سوداء في عقل كل باحث عن الحريات الطبيعية والأساسية.

ونموذجا "فيسبوك" و "أمازون" مثالان واقعيان بشكل مريب على قدرة الذكاء الاصطناعي و "الاحتكار" و "تضخم الشركات" على فرض نموذج عالمي للتواصل وللشراء وكذلك نماذج للمراقبة والتتبع والتحليل والتأثير على توجهاتنا مثلما فضحت ذلك تحقيقات "كامريدج أناليتكا" والتي كشفت عن مدى قدرة السلطة والشركات والتقنية على العمل معا لتقويض منجزات الحريات الأساسية واستغلال المعلومات والعلم معا للتحكم بنا.

الصين والاستبداد عبر التقنية:
تعتبر الصين أكثر الدول حرصا على تحقيق كافة النماذج الاستبدادية عبر استغلال كامل وناجح ومبدع للتقنيات الحديثة والعلوم الاجتماعية والنفسية على السواء، وتؤسس عبر برمجة كشف عنها مؤخرا على خلق قواعد بيانات مليارية لمواطنيها عبر مراقبة أفعالهم الاجتماعية والإجرامية والسياسية وأرائهم وأفكارهم.
      
وتقوم التقنية هنا بجانب الهندسة الاجتماعية في خلق نظام "إله" تقني يسري في جسد الدولة يمكنه أن يصنف المواطنين كخيرين وأشرار بمجرد تتبع نظام حياتهم وأفعالهم ويترتب على ذلك إمكانية حصولهم على امتيازات أو حتى حرمانهم من الحياة والتنقل وحقوقهم كافة من خلال نظام المراقبة الشاملة الذي تكفله للدولة الصينية أنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي الضخمة.
  ويعد هذا النموذج أخطر من النموذج "الهتلري" في الضبط والسيطرة، حيث كان النظام الهتلري يحكم بالخوف والبوليس السري، في وقت كان التقنيات محدودة الوصول لحياة الناس الشخصية ما ساهم في قدرة كثيرين على التخفي والنجاة من النظام النازي. 

بينما يعتبر النموذج الصيني هو الوحش المضاعف من النظام النازي، وبعقلية لا تقل وحشية وبقوة عسكرية أكبر وبنمو اقتصادي مضاعف وبمشروع عالمي يصعب مواجهته بسهولة، وبنظام معتقلات عرقية لا يختلف كثيرا عن نظام المعسكرات النازية، بل يفوقها باعتقال مايفوق المليون شخص من مدينة واحدة فقط!.
 
هل نحن ضد العلم والتطور؟
بقدر ما تتطور هذه العلوم في قدرتها على منح السلطة تذكرة وصول لحياتنا الشخصية بشكل شامل، بقدر ما يسهم الاحتكار وتضخم الشركات العالمية وارتباطها بالسلطة السياسية في حسم انتصار هذه التقنيات لصالح الاستبداد لا الحريات، هذا الاستبداد الذي تتطور أدواته بقدر عجزنا عن توظيف التقنية والعلوم لصالح الحرية.

صحيح أن العلوم طورت كثيرا من قدرة البشر على البقاء والرفاه، وأنقذت كثيرين من مخاطر الأوبئة ورفعت معدلات متوسط العمر البشري، وكذلك قللت من وفيات المواليد، وخلقت نظاما اقتصاديا قلل من المجاعات والكوارث التي تشهدها البشرية.

لكنها على الجهة الأخرى تحولنا إلى ما يشبه "دجاجات" جيدة التغذية والصحة والنظيم في مزرعة كبيرة يتحكم بها ثنائي "السلطة والسوق"، وعليه تصبح العلوم جيدة بقدر ما هي مفيدة لخلق مواطن "السوق المثالي" الذي يمتلك قدرة جيدة على العمل لإثراء الشركات واستهلاك منتجاتها والانضباط الكامل في اتباع أوامر السلطة وقوانينها.

وبما أن الأنظمة الغربية عملت بشكل كبير على تدمير أي أفكار تعمل على تنظيم البشر خارج سياق السلطة كالنقابات العمالية والحركات الدينية المعارضة، وكذلك الحركات الطلابية، ومحاولة تجريم أي تجمعات حركية مقابل تعظيم الفردية كمعيار للتحرر، فإن البشرية تفقد بشكل تدريجي وأكيد قدرتها على المقاومة.

فلا يمكن أن يتم توظيف التقنيات لصالح الحريات والإنسان دون أن تكون هناك تجمعات منظمة تعمل على ذلك بشكل مضاد، وطالما أن العالم يتجه شيئا فشيئا للفردية ومقاومة أي حركات اجتماعية أو سياسية أو طلابية، فلا يمكن مطلقا أن تنضج أي محاولة لتوظيف التقنية بشكل يعزز قوة الجماهير أو سطوتها.
 
هذا المقال ليس وصية "انتحار" لصاحبها، بل تأطير أعتبره هاما لنضالنا القادم ولمعاركنا القادمة والذي يجب أن يستوعب بشكل كبير جدا أن العلم سيظل أكبر داعم للاستبداد طالما أنه لا يوجد عمل منظم ومستقل لتشكلات الأحرار في هذا العالم يستوعب بشكل جيد مخاطر التغول العلمي والتقني لحياتنا اليومية. 

أوراق الربيع (45).. إله الحرية




أوراق الربيع (45).. إله الحرية
محمد مختار الشنقيطي
أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان



إن لكل منظومةِ قيمٍ سياسيةٍ خلفيةً فلسفيةً تؤطرها، وتضفي عليها المعنى والمغزى الوجودي، وهي خلفية تتضمن رؤية للكون والإنسان أصلاً وغايةً ومآلاً، وهنا تقع السياسة على تخوم الأبدية، وتستمد جذورها وإطارها الأخلاقي من العقائد الغيبية. وقد لاحظ الفيلسوف السياسي الأميركي غلين تيندر أن "أغلب الأفكار السياسية -وربما كلها- تقوم على أساس مفهوم معين للطبيعة البشرية." (تيندر، الفكر السياسي: الأسئلة الأبدية، ص 18). ونصح تيندر كل باحث في الفكر السياسي بأن يبدأ بحثه بسؤالين، أولهما: "هل نحن [البشر] أشرار إلى حد عميق لا علاج له، أم أن الشر مجرد جانب سطحي يمكن إزالته عن شخصيتنا"؟  والثاني: "هل يزول الفرد كلية بالموت"؟ (ص 18) بمعنى: هل من وجود للحياة الأبدية؟
  
وتنبني كل الإجابات العملية على الرؤية الفلسفية التي ينطلق منها كل باحث في إجابة ذينك السؤالين. فموقفه من جوهرية الشر أو عرَضيته في النفس البشرية هو الذي يقوده إلى الجواب الملائم على السؤالين العمليين: "ما مدى الحرية الذي يجب أن يُمنَح للناس"؟ "وما هي درجة العنف اللازمة لإحداث التغيير"؟ (ص 18)، وموقفه من وجود الحياة الأبدية أو عدمها يقوده إلى الجواب الملائم على الأسئلة العملية في السياسة الأرضية، وهل هي وسيلة أم غاية: "فإذا كنتَ تعتقد أن الموت هو فناء تام، فإنك يجب أن تدعو الناس بطريقة ما -إذا استخدمنا كلمات نيتشه- إلى أن يكونوا (مخلصين للأرض)، وإذا لم تكن تعتقد أن الموت فناء، فإنك يجب أن تعتبر السياسات الدنيوية شيئا هاما [فقط] إلى الحد الذي تساعد فيه أو تعرقل الناس في تفسير علاقاتهم الأبدية." (ص 19-20).

فكل نظرية في الفلسفة السياسية تستبطن فهما ضمنيا للطبيعة الإنسانية والمآل الإنساني. وقد انطلقت الفلسفة السياسية -بمختلف مدارسها- من افتراضات محددة عن الطبيعة الإنسانية، منها أن المجتمع بحاجة إلى ضوابط لسلوكه تمنعه من التظالم، وأن القادة السياسيين بحاجة إلى ضوابط لقرارتهم حتى لا يقعوا في أسْر الطغيان. وعبَّر عن ذلك جيمس ماديسون في الورقة الحادية والخمسين من الأوراق الفيدرالية، فقال: "لو كان الناس ملائكة لما كان وجود الحكومة ضرورياً. ولو حكَم الملائكة مجتمعاً بشريا لانتفت الحاجة إلى وجود كوابح خارجية أو داخلية على الحُكْم أصلاً."
  
طبقا لمبدأ التكريم فإن الإنسان غاية بالمقارنة مع ما سواه من مخلوقات. ويتفرع عن ذلك منعُ استعمال الإنسان وسيلةً، وحق الإنسان في استعمال المخلوقات الأخرى وسائل
وانبثقتْ نظرية العقد الاجتماعي المعاصرة من افتراضات فلسفية عن الطبيعة البشرية، وافتراضات تاريخية عن أصل الاجتماع الإنساني في فجر التاريخ، فقد تأسس العقد الاجتماعي عند توماس هوبز على افتراض أن النفس البشرية شرِّيرة بطبيعتها، وأن حالة الطبيعة السابقة على الدولة حالة بائسة من الأنانية تتسم بأنها حالة "حرب من كل إنسان على كل إنسان آخر" (توماس هوبز، اللفياثان، ص 134). فمن دون دولة تكون "حياة الإنسان وحيدة بائسة بغيضة قاسية وقصيرة." (ص 135). فالعقد الاجتماعي عند هوبز هو تسليم عامة الناس لمستبد متوحش ينفرد بالقرار السياسي، ويُخرج الناسَ من حالة البؤس والتوحش التي يعيشونها، بينما تأسس العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو على أن النفس البشرية خيِّرة في جوهرها، بسبب "تلك البساطة السماوية والجليلة التي طبعها بها خالقها." (روسو، خطاب في أصل التفاوت، ص 52).

وفي المفهوم الإسلامي تشتمل النفس البشرية على نوازع الخير والشر معا، وكلاهما جزء أصيل من تكوينها: "وهديناه النجدين." (سورة البلد، الآية 10)، فهي كائن مركَّب لا يصلح اختزاله في بُعدٍ واحد. كما نجد في الإسلام ربطا وثيقا بين وظيفتيْ الإنسان الدنيوية والأخروية، وهما: عبادة الله والقيام بالقسط. فقد وردت العبادة في القرآن الكريم تعليلا للحكمة من الخلق: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون،" (سورة الذاريات، الآية 56). وورد القيام بالقسط تعليلا لإرسال الرسل وإنزال الكتب: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط." (سورة الحديد، الآية 25). ووردت الغايتان متلازمتين أحيانا: "قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد" (سورة الأعراف، الآية 29).

لكن الافتراضات الخيالية حول بداية الاجتماع السياسي في فجر التاريخ لا أهمية لها كثيرا من المنظور الإسلامي الذي يهمنا هنا. فالقيم السياسية الإسلامية تتأسس على أن الخالق هو الذي حدد للإنسان الأول مكانته ووظيفته على الأرض، وزوده بالهداية لشؤون حياته الفردية والجماعية. وإذا كان لا بد من تأصيل لبدء الحياة السياسية على الأرض فلسفيا، فإن الأصل الإسلامي لذلك يتلخص في مبدأيْ التكريم والاستخلاف.
  
أما مبدأ التكريم فيقضي بأن الإنسان يحتل أعلى السلَّم بين المخلوقات شرفا ونبلا، بحكم صلة العبودية الاختيارية التي تربطه بالخالق: "ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضَّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا." (سورة الإسراء، الآية 70). كما يقتضي مبدأ التكريم أن ما سوى الإنسان من مخلوقات أرضية خادمة له ومسخَّرة: "وسَخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه." (سورة الجاثية، الآية 13). وطبقا لمبدأ التكريم فإن الإنسان غاية بالمقارنة مع ما سواه من مخلوقات. ويتفرع عن ذلك منعُ استعمال الإنسان وسيلةً، وحق الإنسان في استعمال المخلوقات الأخرى وسائل، لتحقيق مصالحه وإثراء ذاته، ضمن الحدود الأخلاقية والتشريعية التي رسمها الخالق له.
   
بعض التجارب السياسية الغربية التي لم تتأسس على مناكفة الدين -مثل الثورة الأميركية- دمجت بين مفهوم الحق الطبيعي والحق الإلهي
وأما مبدأ الاستخلاف فيضع الإنسان موضع النائب عن الخالق سبحانه في تدبير الشأن الأرضي، بما يرعى صلاح الإنسان نفسه والخليقة المحيطة به، ويسهّل عليه القيام بوظيفة العبودية الاختيارية لخالقه. وللاستخلاف مدلول سياسي وهو أن الإنسان كائن سياسي بفطرته، وهذا أمرٌ أدركه ابن خلدون فلاحظ أن "الإنسان رئيسٌ بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خُلق له." (ابن خلدون، المقدمة، 185). فالأصل في الإنسان أنه قائدٌ لا مَقُودٌ، وسيِّدٌ لا مَسُودٌ، مما يعني أن إنسانية الإنسان تتنافى مع أي قهْر ديني أو سياسي.
   
ويتفرع من مبدأ الاستخلاف تمتع الإنسان بحقوق فطرية لا تقبل التنازل عنها، منها حق الحياة، وحق الحرية، وحق التملك، وحفظ الكرامة. كما يترتب على مبدأ التكريم منع امتهان كرامة الإنسان، أو انتهاك إنسانيته بأي طريقة تحط من مكانته الخاصة التي منحه الخالق إياها. ومن دون هذه الحقوق والموانع لا يتحقق مراد الخالق من هذا المخلوق العجيب. فما يُعدُّ لدى بعض فلاسفة الغرب حقوقا إنسانية طبيعية، هو في الإسلام حقوق إنسانية ذات مصدر إلهي مقدس. ولذلك لا يملك الإنسان التنازل عنها، ولا سلْبَها غيرَه من بني الإنسان. وهي في الحالتين حقوق غير تعاقدية، بل هي سابقة على التعاقد بين الناس ومتعالية عليه بحكم مصدرها الإلهي.

بل إن بعض التجارب السياسية الغربية التي لم تتأسس على مناكفة الدين -مثل الثورة الأميركية- دمجت بين مفهوم الحق الطبيعي والحق الإلهي، وقد نصت ديباجة إعلان الاستقلال الأميركي على أن البشر "مَنَحهم خالقهم حقوقا لا تقبل التنازل عنها، منها حق الحياة، والحرية، والسعي إلى السعادة." وبذلك اقتربت رؤية الثوار الأميركيين كثيرا من المفهوم الإسلامي للحقوق السياسية، باعتبارها منحة من الله، لا منحة من الطبيعة.
   
فقد ساد التلاحم بين الدين والحرية في الثورة الأميركية، وقد لاحظ ذلك أحد أهم مؤرخي الأديان الأميركيين، وهو توماسْ كِيدْ. ففي كتابه (ربُّ الحرية: تاريخٌ دينيٌّ للثورة الأميركية) أوضح هذا البحاثة الأميركي كيف كان الثوار الأميركيون يرون "التمرد على الطغاة طاعة لله" (ص 5) وكيف أن "الدين -قبل الثورة وبعدها- وفَّر المبادئ الأخلاقية والسياسية للثوار، وصاغ الأمة الأميركية الجديدة" (ص 6). وهذا بخلاف التجربة البائسة والأليمة للثورة الفرنسية التي قامت على انشطار الذات الفرنسية بسبب تحيز الكنيسة الكاثولية للاستبداد. وهي التجربة الانشطارية التي ورِثها الترك والعرب في خواتيم القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين، وتشرَّبها العلمانيون الأتراك والعرب، ولا تزال آثارها المدمرة تفعل فعْلها في مجتمعاتنا إلى اليوم.




تعرّف على القائد التركي الذي هزم الصليبيين

كمشتَكين بن الدانشمند.. 
تعرّف على القائد التركي الذي هزم الصليبيين

محمد شعبان أيوب

كانت الصرخة الصليبية في مجموع كليرمونت بجنوب فرنسا في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي عالية حين نادى البابا أوربان الثاني في جموع رعاياه بضرورة التوحد والتحرك صوب الشرق لاستخلاص بيت المقدس من "الكفار" المسلمين، كانت صرخة مُدوّية لاقت صداها في ملايين الأوروبيين، وحرّكتها روح صليبية في أرجاء غرب ووسط أوروبا كافة؛ إذ كانت تتبع صيحات الرهبان والقساوسة دون تعقل أو تفكر، سوى إرضاء للرب، ومحاولة لتكفير الذنوب والخطايا للحصول على صكوك الغفران، بالإضافة لما يتبع ذلك من استخلاص لثروات الشرق التي لا تنفد.

كانت الطريق الآمنة إلى بلاد الشام وفي القلب منها "القدس" لا تمر إلا من بلاد الأناضول (تركيا اليوم)، هذه البلاد التي كان الأتراك والتركمان قد استوطنوها منذ ثلاثين سنة فقط، بعد انتصارهم في معركة "ملاذكرد" على البيزنطيين بقيادة السلطان السلجوقي الأشهر ألب أرسلان، وكانت هذه الجموع التركية تحت حكم أسرتين كبيرتين آنذاك؛ الأولى سلاجقة الروم الذين اتخذوا من قونية في وسط الأناضول عاصمة لهم، وكانوا فرعا مهما من فروع الأسرة السلجوقية، والأسرة الثانية في شرق وشمال الأناضول أسرة بني دانشمند التركمان، ومن هؤلاء برز كمشتكين أحمد، هذا الأمير الذي أذاق الصليبيين ويلات الهزيمة، ومرارة الفاجعة.

فمن هو كمشتكين؟ وكيف ظهرت أسرته على مسرح السياسة آنذاك؟ وكيف أباد بقلّة قواته وعتاده أهم الحملات الصليبية عن بكرة أبيها ومنع خطرها عن بلاد الشام؟ وما أهم النتائج التي ترتّبت على انتصارات هذا القائد التركي الذي ظهر قبل نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي بقرن على الأقل؟
 تأسيس إمارة الدانشمند
ارتفعت مكانة الزعيم الدانشمندي عند ألب أرسلان
 لما رآه فيه من الذكاء والشجاعة والعقل، وعقد له لواء وكلّفه بفتح مناطق وسط وشمال الأناضول مثل سيواس وتوقات

كان كُمشتَكين بن دانشمند أول قائد تركي مسلم يحقق انتصارات كبرى على الصليبيين بعد سيطرتهم الخاطفة على مناطق الساحل الشامي وفلسطين، وينحدر هذا القائد من بني دانشمند، فوالده طايلو كان زعيما ومستشارا (أ) لواحدة من كبرى القبائل التركمانية التي استقرت بعد هجرات متوالية من وسط آسيا في مناطق أذربيجان وأرّان على حدود الأناضول، وكانوا قد اعتادوا على مواجهة القوات البيزنطية التي كانت تسيطر على كامل بلاد الأناضول قبل مجيء السلاجقة، ومع مجيء السلطان ألب أرسلان، واضطراره لدخول معركة ملاذكرد الحاسمة سنة 463هـ/1071م؛ فقد انضم طايلو وبني دانشمند إلى السلاجقة، وأبلوا بلاء حسنا معهم، كما دلّ السلاجقة على مكامن ضعف البيزنطيين وطرق بلادهم.
   
ارتفعت مكانة الزعيم الدانشمندي عند ألب أرسلان لما رآه فيه من الذكاء والشجاعة والعقل، وعقد له لواء وكلّفه بفتح مناطق وسط وشمال الأناضول مثل سيواس وتوقات ونكسار والبستان وملَطية، وضمن له أن البلاد المفتوحة في الأناضول كافة ستكون له ولعقبِه من بعده، بل أعطاه وثيقة مكتوبة بأن لا يتعرض أحد من السلاجقة لشيء من بلاد بني دانشمند المفتوحة مستقبلا، وكان ذلك في العام التالي بعد ملاذكرد سنة 464هـ/1072م، فظلّ طايلو لمدة 15 عاما متواصلة في صدام ومواجهة ضد البيزنطيين، واستطاع فتح كثير من بلدان الأناضول من جهة الشرق والوسط والشمال، حتى أنجز جزءا كبيرا من مهمته، واتخذ من مدينة نكسار (شمال شرق مدينة توقات التركية اليوم) عاصمة له، حتى وافاه الأجل سنة 477هـ/1084م[1].

تسلم ابنه كمشتكين أحمد بن الدانشمند الراية خلفا لوالده، ويعتبر المؤسس الحقيقي للدولة الدانشمندية في وسط وشرقي الأناضول آنذاك، بل وصلت جحافل قواته إلى مناطق شمال الأناضول مثل جانجري (شمال أنقرة اليوم) وسينوب وقصطمونية على ساحل البحر الأسود، وبينما الأمير كمشتكين يتوسع على حساب البيزنطيين في تلك المناطق، ويثبت مكانه ونفوذه؛ إذ صُدم بمجيء الحملة الصليبية الأولى التي أمدّها الإمبراطور البيزنطي أليكسوس كومنين بكل ما يملك لإيقاع الهزيمة والإذلال للمسلمين السلاجقة والدانشمنديين الذين استولوا على كثير من بلاده وممتلكاته[2].
    الصليبيون ولحظات التحول
حين تُوفي سلطان السلاجقة الأشهر مَلك شاه سنة 485هـ/1092م، كان موته سببا في دخول أبنائه وأقاربه من بعده في صراعات داخلية على الزعامة والسيطرة والنفوذ، الأمر الذي فتح الباب أمام الصليبيين للزحف بعشرات الآلاف من قواتهم للسيطرة على بلاد الشام والقدس، وجاءت حملة العامة، أي من هم من غير الجنود من الشعوب الأوروبية، والتي خلت من أي ترتيب محكم كبداية لهذه الحملات الصليبية فأبادها سلاجقة الروم قرب مدينة قونية، ولم يُبقوا منها أحدا.
    
غير أن الحملة الصليبية الأولى (1096-1099م) والتي قُدّرت بمئات الآلاف، كانت أكثر دربة وتنظيما وخبرة من الحملة السابقة، حيث أجبرت سلاجقة الروم على الانسحاب من غرب الأناضول بعد معركة دوريليوم قرب منطقة إسكي شهير فأعاد البيزنطيون الاستيلاء عليها، واتجه قادة الصليبيين جنوبا فاستولوا على أنطاكية والرُّها وطرابلس الشام وغيرها من مناطق الساحل الشامي، وانتهى بهم المطاف بالاستيلاء على بيت المقدس في قلب فلسطين بعد ارتكاب أفظع مذبحة في تاريخ العصر الإسلامي الوسيط راح فيها سبعون ألفا من سكان المدينة، وذلك سنة 492هـ/1099م[3].

استقر الصليبيون منذ ذلك الحين في إماراتهم أو دويلاتهم السرطانية الصغيرة، وكانت أكبرها وأخطرها هي إمارة أنطاكية على الحدود مع الأناضول والتي تولى زعامتها الأمير بوهمند النورماني، ذلك الأمير الصليبي الشرس الذي أنزلَ هزيمة قاسية بسلاجقة الروم "الأناضول" عند مدينة إسكي شهير، فكانت السبب الأبرز في تقهقرهم باتجاه وسط الأناضول، حيث اتخذوا من قونية عاصمة لهم، وقد شرع هذا الأمير الصليبي الخطير في توسيع نفوذ إمارته الصليبية بالعدوان على المناطق الإسلامية المحيطة به، وكان يطمع في السيطرة على مدينة حلب القريبة والكبيرة والإستراتيجية، والتي كان يحكمها آنذاك الأمير السلجوقي رضوان بن تُتش[4].

وبالفعل استطاع بوهمند الاستيلاء على عدد من القرى والقلاع القريبة من حلب، وكان يُعد خطته النهائية للاستيلاء عليها، وهي المدينة التي تُعتبر معقل شمال الشام، وباستيلاء الصليبيين عليها ستُصبح كامل بلاد الشام في الشمال والجنوب حتى دمشق في قبضتهم فيما بعد، وهو مشروع خطير لو تحقق. وبينما يستعد الصليبيون لإطباق حصارهم على حلب، جاءت استغاثة عاجلة من أمير مدينة ملَطية الأرمني في الأناضول يطلب النجدة العاجلة من حليفه بوهمند النورماندي، كي يخلصه من حصار الأمير كمشتكين بن الدانشمند، ويعلمه أنه إذا لم تأت له النجدة العاجلة ستسقط المدينة[5]، وكانت مدينة ملطية حين ذاك تعد إستراتيجية بالنسبة للصليبيين؛ ذلك لأنها تقع في شمال حلب وأنطاكية والرها، وباستيلاء الأتراك عليها سيصبح الطريق مفتوحا أمامهم لمواجهة الصليبيين.
   الصيد الثمين
توجّه الأمير الصليبي بوهمند على الفور يُرافقه خمسة آلاف فارس صليبي وأرمني من سكان تلك المناطق المتحالفين مع الصليبيين، وكان الأمير التركي كمشتكين يتوقع مجيء الدعم الصليبي، كما كان يملك جهاز مخابرات على قدر من الدراية والاطّلاع. في النهاية وصل بوهمند مستخفّا بكمشتكين وقواته التركية، وعند وادي أكسو القريب من مدينة ملاطية قرب الفروع العليا لنهر الفرات، انقض كمشتكين بن دانشمند على الصليبيين في شهر رمضان سنة 493هـ/أغسطس/آب 1100م، من أعالي التلال، وسرعان ما استطاع تطويق قوات الصليبيين، فأنزل الأتراك سيوفهم في رقاب الصليبيين فحصدوهم حصدا، وقتلوهم بمن فيهم أسقفا أنطاكية ، ووقع بوهمند وابن عمه ريتشارد وكبار الفرسان الصليبيون في أسر الأمير كمشتكين[6].

أدرك الأمير كمشتكين قيمة الصيد الثمين الذي وقع في يديه، فقد أسر الأمير الصليبي الأشهر، وزعيم الحملة الصليبية الأولى على بلاد المسلمين، ومن هنا، سرعان ما فكّ كمشتكين حصاره عن مَلاطية، وأخذ الأسرى مكبّلين في أغلالهم وأودعهم في قلعة نكسار النائية على البحر الأسود شمالا، وجاءت الأخبار كالصاعقة على مسامع الصليبيين في الشرق والغرب؛ إذ كان انتصار كمشتكين أول انتصار إسلامي على الإطلاق بعد الحملة الصليبية الأولى الناجحة، وفوق ذلك أسر بطلهم بوهمند بعد مُضي عام واحد فقط على احتلالهم الشرق؛ ما يعد ضربة لخططهم التوسعية[7].
  
كان سقوط بوهمند في الأسر قد اضطر الصليبيين في الشرق إلى مراسلة أوروبا والبابوية بضرورة إرسال حملات عاجلة لدعمهم، وسد نقص الرجال لديهم، وكان البابا باسكال الثاني قد ارتقى إلى كرسي البابوية خلفا لأوربان الثاني أول من نفخ في نار الحقد الصليبي، وشرع في حث الدول والممالك والمقاطعات والدوقيات كافة في تعزيز الوجود الصليبي في المشرق قبل أن "يقوم المسلمون أتراكا كانوا أم عربا باستعادة المناطق التي احتلّها الصليبيون".
 دعوات الثأر من القائد الدانشمندي!
لاقت دعوة الصليبيين في المشرق صداها في أوروبا، ونُفخت من جديد الروح الصليبية المتعصبة التي لا يشفي غليلها سوى الدماء، وكان أول الوافدين قوات اللومبارد القادمة من إيطاليا، وقوات من مقاطعات ألمانيا وإنجلترا وفرنسا، فبلغ عددهم ثلاثمئة ألف مقاتل!
  
انطلقت هذه الجموع العسكرية الهادرة شرقي بحر مرمرة في يونيو/حزيران 1101م/494هـ، وقد غلب عليها طلب الثأر من القائد التركي كمشتكين واستنقاذ الأمير الصليبي بوهمند النورماني من قبضته، فقد اعتبروه البطل الصليبي الأكبر، وقائدهم الذي يجب أن يسمعوا له ويطيعوا، غير أن كثيرا من قادة الحملة والإمبراطور البيزنطي نفسه رأوا أن الدخول في صدام مع الأمير كمشتكين والتوغل في الأناضول أمر محفوف بالمخاطر، لكنّ اللمبارديين لم يسمعوا، وقرروا بكل حماسة المُضي قُدما، وكان قرارا عسكريا غير مدروس.

كان كمشتكين يراقب هذا السيل الجارف من الحشود الصليبية، فكان يأمر بإجلاء المسلمين عن طريقهم، ويحرق الزروع والثمار ويطم الآبار كي لا يستفيدوا بأي منها، فيصيبهم التعب والعطش في أيام الصيف الحارقة، فضلا عن استدراجهم إلى المكان الذي يراه مُلائما للانقضاض عليهم، كما اتخذ إستراتيجية الكمائن على طول الطريق، فأصابت هجمات قواته الخاطفة وقتلت الكثير من الصليبيين، ورغم ذلك استطاع الصليبيون الاستيلاء على أنقرة وكانت ضمن أملاك سلطان سلاجقة الروم، وقتلوا أهلها، وأعادوها لسلطة البيزنطيين ضمن اتفاقية بين الطرفين[8].
 هزيمة مرسيفان القاسية
اتجه الصليبيون بعد ذلك صوب أملاك الدولة الدانشماندية في شمال ووسط وشرق الأناضول، وكان هدفهم الأكبر الاستيلاء على نكسار عاصمة بني دانشمند شمال شرقي توقات، وبعد مشقة وعنت كبيرين وصلوا أخيرا إلى مدينة وقلعة جانجري بالقرب من نكسار، وكان حاكمها إسماعيل بن دانشمند أخو كمشتكين، وبسبب حصانتها عادوا منها خائبين.
  كان الوقت حينذاك شديد القيظ والحرارة في شهر يوليو/تموز، وقد نصح كبار القادة الصليبيين مثل ريموند الصنجيلي هذه الجموع بالاتجاه صوب مدينة قصطمونية في شمال الأناضول للاستيلاء عليها وكانت ضمن أملاك كمشتكين، ومنها يمكن أن ينفذوا صوب البحر الأسود ومن هناك يتجهون صوب القسطنطينية؛ لأن الأقوات والمياه في طريقها للانعدام، ولا سبيل أمام نجاتهم إلا هذه الخطة، وبالفعل وافقت هذه الجموع الهادرة على هذا القرار للنجاة بنفسها، لكن هذه الموافقة لم تكن بالحماسة المعتادة[9].

في تلك الأثناء، ظل كمشتكين يتخذ إستراتيجية إحراق الثمار وطم الآبار، والهجمات الخاطفة بالنبال والأسهم والفرسان الأتراك على مقدمة هذه الحشود تارة، وعلى مؤخرتها أخرى، الأمر الذي كان يضطر أغلب الجيش من فقراء الصليبيين إلى البحث عن الطعام والشراب في جماعات صغيرة متفرقة في براري الأناضول، فكان يسهل على الأتراك اصطيادهم من حين لآخر، الأمر الذي اضطر الصليبيين أن يظلوا في جماعة واحدة للنجاة بأنفسهم من هذه الهجمات المهلكة لكمشتكين وفِرقه العسكرية[10].

اقترب الصليبيون من مدينة قصطمونية، وهنا قررت الأغلبية اللمباردية أنه لن يشفي غليلها إلا الاستيلاء على نكسار عاصمة بني دانشمند في توقات، والإفراج عن قائدهم وبطلهم بوهمند النورماني، وبالفعل عادوا أدراجهم، وهنا أدرك كمشتكين أن ثمة معركة فاصلة لا بد منها، فقرر الاستنجاد بالقادة السلاجقة في حلب وقونية وحران، وكلهم دعّموه بالعساكر اللازمة، فقد كانت معركة مصيرية لهم جميعا، وأخيرا وفي شوال سنة 494هـ/أغسطس/آب 1101م، وصلت هذه الحشود الصليبية إلى منطقة مرسيفان (مدينة مرزيفون التركية اليوم) الواقعة في منتصف الطريق بين مدينة أماسيا ونهر هاليس (النهر الأحمر) شمال وسط الأناضول[11].

بنى كمشتكين خُطته للمعركة على مهاجمة الصليبيين على شكل موجات من الفرسان الرماة الذين يأتون بسرعة كبيرة إلى قرب الجيش الصليبي فيُمطرونه بسهامهم الماضية المصنوعة من السندان والعظام، ثم يعودون، فتعقبهم موجة أخرى من مكان آخر وهكذا، وقد فرض الأتراك أسلوبهم في القتال طوال ثلاثة أيام، حتى أعيا الصليبيين التعب والجوع[12].

وفي اليوم الثالث وقع الصدام والتلاحم بين الفريقين، فأنزل كمشتكين هزيمة ساحقة بمقدمة الجيش من قوات اللمباردين الطليان الذين ولوا الأدبار، فانفرط عقد الصليبيين، ثم هاجم الأتراك قوات الألمان فسحقوهم واستطاع من بقي منهم الفرار بأعجوبة، لكن الأتراك تعقبوهم وحاصروهم وأبادوهم عن بكرتهم، ثم تقدموا صوب المعسكر الصليبي فحصدوا المشاة الصليبيين بعدما قتلوا جميع الفرسان، وغنموا كل ما بقي في المعسكر من النساء والأطفال والأموال والمتاع، وكانت هزيمة مزلزلة لاقت أصداءها في أوروبا، بسبب ضخامة أعداد الصليبيين التي سقطت في أرض المعركة والتي قُدّرت بـ 90% من كامل القوات[13]!
 هزائم الصليبيين في هرقلة   
لم تتسبّب هزيمة مرسيفان القاسية في إيقاف الزحف الصليبي القادم من أوروبا، ففي الوقت ذاته، قدمت حشود صليبية جديدة من كلٍّ فرنسا وبافاريا والنمسا، وعبروا البسفور بمعونة من أدلاء بيزنطيين، واتجهت قوات فرنسية بقيادة كونت وليم نيفر صوب قونية عاصمة سلاجقة الروم التي فشلوا في الاستيلاء عليها بعد حصار دام عدة أيام، ومن هناك قرر قائد الحملة كونت وليم الاتجاه صوب مدينة هرقلة الواقعة شرق مدينة قونية في محاولة منه للاستيلاء عليها، وإنزال هزيمة بالأتراك المشاكسين، ومحاولة رد الشرف الصليبي الذي أُهين على أيديهم، وقد جاءت الأخبار إلى كمشتكين في الشمال، فقرر الاتصال بالسلطان السلجوقي قلج أرسلان والتحالف معه، وقد التقى الطرفان بالفعل وقررا الالتحام مع هذه القوات الصليبية الجديدة وإيقافها وإبادتها بكل طريق ممكنة[14].

وصل القائدان التركيان إلى مدينة هرقلة قبل وصول الصليبيين، وكانت الحماسة عالية بسبب انتصار مرسيفان، وقرروا طم الآبار الواقعة على امتداد الطريق، وإتلاف الزروع والثمار، وبعد عدة أيام سار فيها الصليبيون في طريق شاقة وسط الأناضول، وفي طقس صيفي حار، ومياه شحيحة، وصلت هذه القوات إلى مشارف مدينة هرقلة في حالة يُرثى لها، فاستغلَّ القائدان التركيان هذه الحالة البائسة للصليبيين، فدخلوا في معركة حاسمة سريعة، أفضت إلى هزيمة ساحقة للفرسان والمشاة الصليبيين وقتلهم، وفرار قادتهم مثل وليم كونت نيفر وآخرين صوب أنطاكية، والتي دخلوها في حالة شديدة البؤس، عرايا بعد عدة أيام هاموا فيها في براري وقفار الأناضول[15].

لكن الهزيمة وإبادة جيش كونت دي نيفر، لم توقف مجيء قوات صليبية جديدة؛ ألمانية ونمساوية بقيادة دوق بافاريا ولف الرابع، وآيدا دوقة النمسا، مع فرقة عسكرية بيزنطية من قوات النخبة، وقوات فرنسية بقيادة وليم التاسع، فاتجهت هذه الجموع الكثيفة صوب مدينة آق شهير وسط الأناضول التي وصلوها في 10 أغسطس/آب 1101م/494هـ، فنهبوها ودمّروها تدميرا شاملا، ثم اتجهوا صوب قونية التي لم تستطع حاميتها الوقوف في وجه هذه الحشود الكبيرة، فاضطروا للانسحاب منها، وأخذوا كل شيء استطاعوا حمله[16].
   
قررت الفرق التركية استخدام إستراتيجية الهجمات الخاطفة، وطم الآبار، وإفساد الثمار، وحين وصل الصليبيون إلى قونية وجدوها مدينة أشباح لم تكن لتفيدهم في شيء، فقرروا المُضي قُدما صوب مدينة هرقلة التي هُزم فيها الفرنسيون بقيادة وليم نيفر قبل ذلك بشهر، فحطوا رحالهم فيها في أوائل سبتمبر/أيلول 1101م/494هـ بعدما اشتد بهم العطش والجوع وهجمات الأتراك القاسية.
    
ولأن هرقلة كانت تقع على أحد الأنهار المتدفقة وسط الأناضول، أدرك كلٌّ من كمشتكين وقلج أرسلان أن أول ما سيتجه له الصليبيون بعد دخولهم المدينة هو اتجاه النهر لعطشهم الشديد، فكمنوا بقوات الأتراك في الحشائش والغابات القريبة، وحين اقترب الصليبيون من النهر، خرج الأتراك وأطلقوا موجات متتابعة من السهام النافذة، فقتلوا الآلاف في الهجمة الأولى، فتقهقر الصليبيون من هول المفاجأة دون نظام، وكانت بعض القوات التركية قد كمنت لهم في خط الرجعة للانقضاض عليهم، فأصبحوا محاصرين من الأمام والخلف بقيادة كمشتكين وقلج أرسلان[17].
جرى تطويق الجيش الصليبي الذي اختلط فرسانه بمُشاته في أرض طينية سبخة، واستطاع المسلمون إنزال مذبحة كبيرة بالصليبيين، ليهرب على إثرها عدد من كبار القادة والفرسان للنجاة بحياتهم، وكانت هزائم هرقلة الأولى والثانية ضربة قاسية لجهود الصليبيين وحملاتهم، ودرسا لن ينسوه أبدا على يد الأتراك.
 ما أهمية انتصارات كمشتكين في مجرى التاريخ؟!
أدرك الصليبيون أن العبور في الأناضول بين الأتراك: سلاجقة ودانشمنديين، يعد ضربا من الانتحار، فالقائد العسكري كمشتكين بن الدانشمند بمعاونة قواته النظامية، وإستراتيجيته العسكرية التي أبادت الآلاف من الصليبيين طوال عام 494هـ لا يمكن معها المجازفة أو المقامرة بحماقة أو حماسة صليبية غير مدروسة، وقد أدرك البيزنطيون أن الأتراك الدانمشنديين والسلاجقة أضحوا واقعا لا يمكن تجاهله أو هزيمته في الأناضول، وأن أي توغل في بلادهم سيكلفهم الأرواح والأموال بعد انتصاراتهم الثلاثة في مرسيفان وهرقلة الأولى والثانية.

ولعل من أعظم النتائج التي ترتبت على هذه الانتصارات أن حماسة الصليبيين للحروب قد خمدت لنصف قرن على الأقل، وأن واحدا من كبار هؤلاء القادة المنهزمين في معركة هرقلة الأولى وهو وليم كونت نيفر أمام القائد كمشتكين عاش حتى أدرك زمن الحملة الصليبية الثانية سنة 542هـ/1147م وقد رفض الاشتراك فيها بعد الهزيمة المريرة التي تلقاها على يد كمشتكين التركي، وقد استغل كمشتكين انتصاراته وسحقه للصليبيين فتوسع في فتوحاته ليضم مناطق أعالي الفرات التي كان يحكمها الأرمن المسيحيون حلفاء البيزنطيين والصليبيين، واستطاع التوغل حتى إمارة الرها الصليبية ذاتها، واستطاع في نهاية الأمر الاستيلاء على مدينة ملاطية في عام 495هـ/سبتمبر/أيلول 1102م[18].
  
ولم يقف دهاء كمشتكين عند هذه الانتصارات العسكرية، فقد قرر إطلاق سراح بوهمند النورماني أمير أنطاكية بعدما أوهمه أن الإمبراطور البيزنطي يفاوضه لفك أسره مقابل 280 ألف دينار حتى يسترد منه مدينة أنطاكية التي كانت تتبع البيزنطيين، فخرج بوهمند من الأسر بعد دفع فدية قُدّرت بمئة ألف دينار، ثم اتجه صوب البابوية وقادة أوروبا يحذّرهم من خبث البيزنطيين وأنهم يتحالفون مع الأتراك من وراء ظهورهم، وبالفعل استفحل العداء بين الجانبين وكان هذا في صالح المسلمين في بلاد الشام والأناضول[19]، بينما كان الأمر خطة خداعية من كمشتكين.

وهكذا، حقق القائد التركي كمشتكين بن الدانشمند ما يمكن تسميته بمعجزة عسكرية وسياسية، فقد عرقل من مجيء الصليبيين لنصف قرن كامل، كان يمكن في أثنائها أن يستولوا على كامل بلاد الأناضول والشام، كما أدّت انتصاراته إلى إعادة الأمل، وبث روح المقاومة، وفتح الباب والوقت أمام ظهور قادة عسكريين آخرين مثل عماد الدين زنكي الذي سيُعيد أولى الإمارات الصليبية في الرُّها بعد ذلك بأربعين سنة تقريبا إلى الحضن الإسلامي من جديد، وقد توفي ابن الدانشمند في عام 499هـ/1105م ليخلد اسمه في سجل بطولات التاريخ الإسلامي!
الهوامش
أ/ (المستشار بالتركية تعني دانِشْمَن)

المصادر

لقاء مع الشيخ صهيب الأمريكي وقصة إسلامه


لقاء مع الشيخ صهيب الأمريكي وقصة إسلامه
 الجزء الأول



 الجزء الثاني