الاثنين، 2 أكتوبر 2023

النّصيريّة ديانة وثنيّة وتاريخ إجرامي!

 النّصيريّة ديانة وثنيّة وتاريخ إجرامي!

أرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء بدين واحد وهو الإسلام، قال الله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [آل عمران: 19]، أي الشّرع المبعوث به الرّسل المبني على التوحيد[1]، فالدّين واحد عند الله وهو الإسلام وهو التوحيد، أما الشّرائع فتختلف من نبي لآخر، قال عليه الصلاة والسّلام: (أنا أولى النّاس بابن مريم الأنبياء أولاد علّات وليس بيني وبينه نبيّ) [رواه مسلم]، قال جمهور العلماء معنى الحديث أصل إيمانهم واحد وشعائرهم مختلفة فإنهم متفقون في أصول التوحيد وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف[2]، فإن دلّ هذا على شيء فإنه يدل على أهمّية توحيد الله سبحانه وتعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وخطورة الشّرك الذي ينافي هذا التوحيد وينقضه، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى المشركين خالدين في النّار وحرم عليهم الجنة، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [المائدة: 72].

النّبي صلى الله عليه وسلم آخر الرّسل الذين بعثهم الله تعالى للدعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، فأدى عليه الصلاة والسلام الأمانة ونصح الأمة وأقام على النّاس الحجّة، قال عليه الصلاة والسلام: (ما تركت من شيء يقرّبكم إلى الجنّة إلا وأمرتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا ونهيتكم عنه) [السلسلة الصحيحة]، ولكن أبى أكثر الناس إلا كفورا، ومما يتعّجب الإنسان منه في زماننا هذا أن يجد فرقًا مشركة بالله كافرة تنتسب إلى الإسلام كذبا وبهتانا، وتعيث في الأرض فسادا وظلما وعدوانا، فتقتل المسلمين الموحدين وتنكل بهم وتحسب أنها تحسن صنعا، قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهفك 103- 104]، ومن هذه الفرق وأشدها ظلما وعدوانا فرقة النّصيريّة الباطنية، 

فمن هي هذه الفرقة وكيف نشأت وما هي عقائدها؟.

النّصيرية وألقابهم
نشأة النّصيريّة وكيف وصلت إلى الحكم في سوريا؟
عقائدهم الشركية المنافية للإسلام.تأليه علي رضي الله عنه.
سبّ الصحابة والطعن فيهم.
استحلال الحرام.
قولهم بتناسخ الأرواح ونفي البعث.
خاتمة.
المصادر

النّصيرية وألقابهم

النّصيرية حركة باطنية، وطائفة من غلاة الشّيعة، تُنسب إلى رجل يدعى محمد بن نصير النّميري يكنى أبا شعيب، أصله من فارس، وكان من الشيعة الإثني عشرية، عاش في القرن الثالث الهجري، وتوفي حوالي عام (270ه)، ويتوزع النّصيريّون في كل من تركيا وسوريا ولبنان.

واسم “النصيرية” هو الاسم الذي غلب على هذه الفرقة الضالة المارقة عن الإسلام، وهم لا يحبّون هذه التّسمية، ويتضايقون منها لأسباب يزعمونها، منها: أنه أطلق عليهم بدافع من العداوة والعصبية وذريعة لاضطهادهم، وزعموا أيضا أن الأتراك هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم “نصيرية” نسبة إلى الجبال التي يسكنونها نكاية بهم واحتقارا لهم. 

وقد ذكر المستشرق “ريسو” أن سبب تسميتهم بالنصيريين هو وجود صلة بينهم وبين تسمية نصارى أو نصراني، لما رآه من المشابهة بينهما في كثير من أعيادهم، وتقديس كل منهما للخمرة، والتعاون الحاصل بينهما في مواجهة الأزمات. ولكن الأقرب إلى الصّواب أن هذه التسمية إنما أخذت من اسم مؤسس طائفتهم أبي شعيب محمد بن نصير البصري النميري[3].


يطلق عليهم أيضا اسم النميريّة، كما أطلق عليهم الأتراك أيضا اسم (سوره ك)، وتعني بالعربية المنفيين أو المساقين، وأصبح بعدها الناس يلفظونها (سوراك)، وما زالت طوائف منهم لحد الآن تدعى هكذا.


يحبّ النّصيرية أن يلقبوا بالعلويّة، فينسبوا بذلك إلى علي بن إبي طالب رضي الله عنه الذي تبرأ من الشيعة وغلوهم فقتلهم وحرقهم بالنار كما هو معلوم، وقد ذكر بعض المختصين أن هذه التّسمية كانت فرارا من حقيقتهم الكفريّة الشّركية، فإن الانتساب إلى عليّ يسمح لهم بتغطية زندقتهم وشركيّاتهم.


نشأة النّصيريّة وكيف وصلت إلى الحكم في سوريا؟

للشيعة 12 إماما يعتقدون فيهم العصمة ويدّعون أنهم يعلمون الغيب، ويعتقدون أن هناك أشخاصا يعتبرون أبوابا إلى هؤلاء الأئمة ووارثوا علمهم، فيعتقدون أن سلمان الفارسي رضي الله عنه باب علي رضي الله عنه، وهكذا لكل إمام بابا، ويعتقد النصيريّون أن الحسن العسكري أحد أئمتهم المعصومين بابه وحامل علمه ابن نصير، وقالوا أن ابنه محمد بن حسن العسكري وهو المهدي عند الرافضة لا باب له، ولم يعتقد الرّوافض نفس الاعتقاد فانفصل عنهم ابن نصير وأسس فرقته، وكلهم على نفس الضلال والكفر والشرك.

اتخذ محمد بن نصير من مدينة سامراء مقرا له، وظل المرجع الأعلى للمذهب النصيري … وكان (قد ادعى النبوة) وأن الذي أرسله هو أبو الحسن علي ابن أبي طالب، وكان يقول بالتناسخ، والغلو في أبي الحسن ويقول فيه الربوبية، وبالإباحة للمحارم.

عند وفاة محمد بن نصير حل محله باب آخر هو (أبو محمد عبد الله بن محمد الحنان الجنبلاني) وكان يقيم في بلدة (جنبلا) الإيرانية، فلذلك اشتهر بلقب الفارسي. وقد أحدث ابن النصيريين طريقة صوفية عرفت (بالطريقة الجنبلانية) …. وكان قد سافر إلى مصر ….. وهناك تمكن من استمالة الحسين بن حمدان الخصيبي لطريقته ومذهبه … وبعد رجوعه إلى بلدة (جنبلا) تبعه تلميذه الخصيبي، ودرس عليه تعاليم المذهب …. ثم خلفه بعد وفاته سنة 287ه فأصبح رئيسا دينيا ومرجعا أعلى للنصيريين، ثم ترك الخصيبي بلده (جنبلا) الفارسية …. وتوجه إلى العراق….. واتخذ من مدينة بغداد مقرا له…… ثم أخذ بالتّجوال بين أتباعه داعيا ومرشدا…. حتى استقر به المقام في مدينة (حلب) حيث هلك فيها عام 346ه[4] .

وهكذا كلما مات طاغوت منهم قام آخر حتى تمكنوا في آخر الأمر من السيطرة على سوريا وتولي الحكم وسيادة المسلمين فيها، فبعد الحرب العالمية الأولى وبعد الانتداب الفرنسي وبالتحديد مع قيام الثورة ضد الانتداب اتخذ النصيرية موقفا سلبيا من الاستقلال، داعمين بذلك فرنسا النصرانية، ولما أحست فرنسا بقرب خروجها من سوريا قامت بتقوية شوكة النصيرية، فقد  كانت تسمح لهم بالدّراسة في المدارس العسكرية ليصبحوا ضباطا وعسكريين، في حين كانت تمنع أهل السنة من ذلك.

مع ظهور حزب البعث السوري ظهر التعصب للقومية العربية على حساب الولاء والبراء الإسلامي، فاجتمع بذلك الكثير تحت هذه الرّاية بما فيهم النصيرية، ولكن دبر النصيرية مكيدة للجميع وتمكنوا في الأخير من الإطاحة بالحكم، فأصبح النصيري الهالك حافظ الأسد رئيسا للبلاد ليبدأ في سياسته الاستئصالية من اغتيالات وإبادات جماعية وخطف وسجن لأهل السنة في سوريا، وبعد موته قام مقامه بشار الكلب الأسد ليرفع شعار: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، فعاث في الأرض فسادا وأهلك الحرث والنسل ووالى أعداء الله وحارب الإسلام والمسلمين واستعان بروسيا، فأنفقوا مليارات الدولارات للقضاء على الإسلام والمسلمين في سوريا ولكن  الله تعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال:36]، وقال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) [آل عمران:10]، وقال تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء: 227].


عقائدهم الشركية المنافية للإسلام.

النصيرية فرقة تتّسم بالعزلة والسّرية، فهم يكتمون عقائدهم عن غيرهم ويُسمّونها بالأسرار، وهي عبارة عن آراء باطنية ومجموعة من العقائد الوثنية، وقد قام أحد منهم بالكشف عن تلك الأسرار بعد أن كشف أمرهم وتحقق من وثنيتهم، وهو الكاتب سليمان أفندي الأذني صاحب كتاب الأحكام السليمانية الذي قام فيه بكشف أسرار هذه الطائفة الوثنية المشركة بعد أن تحول إلى النصرانية الكفرية المحرفة، وقد كلفه ذلك حياته فقد تم اغتياله من طرف أتباع طائفته.

  1. تأليه علي رضي الله عنه.

جاء في كتاب الهالك سليمان أفندي أن أحد صورهم والتي تسمى النسبة يقولون فيها: أحسن توفيقي بالله وطريقي لله وأحسن سمعي واستماعي من شيخي وسيدي ومرشدي المنعم علي كما أنعم الله عليه بمعرفة ع م س (العين معناه علي، والميم معناه محمد، والسين معناه سلمان الفارسي) وهي بشهادة أن لا إله إلا علي ابن أبي طالب الأصلع الأنزع المعبود ولا حجاب إلا السيد محمد محمود[5].

ويقولون في سورة الإمامية: اشهدن عليّ أيّها النجوم الزاهرة والكواكب النايرة والأفلاك الدايرة بأن هذه السورة المرئية المعاينة الناظرة هي علي ابن أبي طالب القديم الأحد الفرد الصمد الذي لا يتجزأ ولا يتبعض ولا ينقسم ولا يدخل في عدد فهو إلهي وإلهكم[6].

لا شك أن هذا الكلام أمر عجيب، لا ينطق به إلا مشرك مريب، فمجرد سمعه فقط يجعل المرء يشمئز أيما اشمئزاز ولو لا أننا نقوله من باب التحذير من هذه الطائفة الزائفة لما ذكرنا ذلك، فكلام كهذا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ولا حول ولا قوة إلا بالله.


  1. سبّ الصحابة والطعن فيهم.

يبغض النّصيرية الصحابة الكرام رضي الله عنهم ويصفونهم بأبشع الأوصاف ويسبونهم ويعتقدون كفر أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم والله سبحانه يقول في صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100]، ولكن هم لا يتبعون سور القرآن بل يتبعون ما يوحيه إليهم الشيطان، فقد كتب لهم أحد علمائهم كتبا منها مجموع الأعياد المشهورة في الشتائم على أبي بكر وعمر وعثمان ويسمى أبا بكر الضد الأول وعمر الضد الثاني، وعثمان الضد الثالث، وتحسبهم النّصيرية ذات الشيطان[7].

  1. استحلال الحرام.

أول من سلك هذا المسلك الخبيث مؤسس الطائفة الهالك ابن نصير النميري، حيث ورد عنه أنه كان يقول ب: إباحة المحارم، ونكاح الرجال بدعوى أن ذلك من التواضع والتذلل[8]، كما يستحلون الخمر ويقدسونها، ويزعمون أن الله يتجلى فيها، ويسمونها عبد النور فينسبونها إلى الله عز وجل، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ولا يحبون رؤية شجرة العنب تقطع أو تحرق ويستبشعون ذلك، وربما عَدّوا ذلك من الكبائر.


  1. قولهم بتناسخ الأرواح ونفي البعث.

يعتقدون بتناسخ الأرواح، فالأرواح الصالحة عندهم تحل في النجوم، ولهذا يسمّون عليا أمير النحل أي أمير النجوم، والأرواح الشريرة تحل في أجسام الحيوانات التي هي في نظرهم نجسة، كالخنازير والقرود وبنات آوى[9].

لا يؤمن النّصيريون بالبعث ولا بالحساب أو العقاب كما أسلفنا .. فهم يعتقدون أن المؤمنين النصيريين عندما يموتون تنتقل أرواحهم إلى درجة أفضل من الدرجة التي كانت فيها …. إلى أن يبلغ درجة (الإصطفاء) وهي فوق درجة النبيين، ثم يرتقي إلى درجة (الحجاب) فدرجة (الباب) فدرجة (الإيمان)[10].


خاتمة.

هذا هو حال هذه الطائفة الخبيثة التي غلت في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فوصل بهم الأمر إلى أن عبدوهم من دون الله. يجب أن يعلم أن هناك بعض عوام النصيرية وبعض مشايخهم من لا يصل إلى هذه الدرجة فتجده ينكر التناسخ وينكر ألوهية علي رضي الله عنه ويؤمن بأنه هناك يوم للحساب، ولكن أقل أحوالهم أن تجدهم من الرافضة الإماميّة المشركة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإن الرجوع إلى الحق والتوحيد، خير من التمادي في الباطل والشّرك، (وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [يونس: 25].


المصادر

– جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، تفسير الجلالين، الطبعة الثالثة، دار الحديث، القاهرة- مصر، 2001، ص 68[1]

– أبو زكريا يحيى النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج.15، الطبعة الأولى، المطبعة المصرية بالأزهر، مصر، ص.120[2]

– عز الدين رمضاني، “النصيرية الحقيقة والواقع” ، مجلة الإصلاح، الفضيلة للنشر والتوزيع، العدد 27، 2011،ص.33.[3]

– سليمان الحلبي، طائفة النصيرية تاريخها وعقائدها، الطبعة الثانية، الدار السلفية، الصفاة- الكويت، 1984، ص.39- 40.[4]

– سليمان أفندي الأذني، الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية، ص.14.[5]

– نفس المرجع، ص.28.[6]

– نفس المرجع، ص.17.[7]

– تقي شرف الدين، النصيرية دراسة تحليلية، ص.136[8]

– غالب بن علي عواجي، فرق معاصرة، ج.2، الطبعة الرابعة، المكتبة العصرية الذهبية، جدة- السعودية، 2001م، ص.549. [9]

– سليمان الحلبي، المصدر نفسه، ص.92. [10]


أبو ذر القصراوي

كاتبٌ صحفيٌ وباحثٌ إسلاميٌ مستقلٌ، كاتب صحفي لعدد من المواقع والمدونات والصُحُف المطبوعة. وكذلك حاصل على ليسانس في الهندسة المعمارية والعمران من جامعة بجاية كلية العلوم والتكنولوجيا.

منهج القرآن في البرهنة على اليوم الآخر

 منهج القرآن في البرهنة على اليوم الآخر

د. عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول

يُعَدُّ الإيمانُ باليوم الآخِر، والإعدادُ له، ورسمُ طريق الحياة بما يؤهل لحسن العاقبة فيه أمرًا ضروريًّا للإنسان؛ فهو غُدُ كل إنسان ومستقبله ومستقره ومآله، وداره التي يظل طوال حياته يكدح في السعي اتجاهها، ويكابد في السفر نحوها، غير أنّ اليوم الآخر بكل تفاصيله غيبٌ محض، والقرآن الكريم يُفَصِّل في شأنه بذكر ما يجري فيه، ويُصَرِّف الآيات في الوعد والوعيد، وفي ذكر الحساب والجزاء والثواب والعقاب، فعلى أيّ مستند يبنى القرآن هذا الصرح الهائل؟ لابد -إذَنْ- من إقامة البرهان، ولابد أن يكون البرهان متينًا متماسك البنيان، وتكفي إقامة البرهان على الحقيقة الكلية، وهي حتمية اليوم الآخر؛ لأنّها إن ثبتت واستقرت صلح البناء عليها بالخبر المجرد، وقد اتبع القرآن في البرهنة على هذه الحقيقة الكلية السير على خطين متوازيين؛ لأنّ حتمية اليوم الآخر حقيقة لا تتم ولا تثبت إلا بإثبات أمرين، الأول: إمكان البعث، والثاني: ضرورة البعث والقيامة، فإن ثبتت هاتان الحقيقتان كانت المحصلة الناتجة عن اجتماعهما هي حتمية اليوم الآخر.

البرهنة على إمكان البعث

لقد اتبع القرآن الكريم في إثبات إمكان البعث والبرهنة عليه مناهج متعددة، أولها المنهج الاستدلالي القياسيّ، وقياس الأَوْلَى يعطي نتيجة قطعية صارمة، قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}، وقال: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقال: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}، {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا. أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}، فالذي خلق الإنسان أول مرة قادر على إعادته من باب أولى، ونفس الدليل يتم سوقه بتوسيع نطاق المقيس عليه، فإذا كان خلق الإنسان أول مرة دليل على إمكان إعادة خلقه مرة ثانية بطريق قياس الأوْلَى؛ فإنّ خلق الكون كله دليل أقوى وقياس أَجْلَى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا . أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}.

ثم يأتي الدليل الثاني على منهج آخر هو “الاستقراء”، وهو كما عرفة “ابن سينا” في الإشارات: “الحكم على كُلِّيٍّ بما وُجِد في جزئياته الكثيرة”، وهو هنا يفيد القطع لكونه جاء لنفي الفروض الباطلة، وإفادة هذا النوع من الاستقراء القطع يُعَدُّ من المسلمات التي أشار إليها “برتراند رسل” في الجزء الثاني من كتابه “حكمة الغرب”، ومن قبله “ابن تيمية” في رده على المناطقة، قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا. وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا. وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا. وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا. وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا. وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا. وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا. وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا. لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا. وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا}، فهذا السياق الذي يندفع في العقل والوجدان اندفاع الماء العذب بين السهول والوديان يُعَدُّ استقراءً تامًّا بالمشاهدة والملاحظة، يستهدف سوق الظواهر المتعددة النافية لفرض من فروض القضية، وليس للقضية إلا فرضان، الأول: إمكان البعث، والثاني: عدم إمكان البعث، فإذا أثبت الاستقراء انتفاء الفرض الثاني بإثبات القدرة الإلهية الشاملة، لم يبق إلا التسليم للفرض الأول، وكما قال “كارل بوبر”: “إنّ الإدراك الحسّي هو معرفة مباشرة نستطيع بها تبرير معرفتنا غير المباشرة”.

البرهنة على ضرورة البعث

قد يقول قائلٌ: ولماذا يبعثنا الله بعد موتنا؟ إنّه لا ضرورة لذلك؛ فنحن إن سلمنا بإمكان البعث فإنّنا لا نسلم بضرورته؛ وإذَنْ فإنّ البرهان لا يتم إلا بالشطر الثاني من المعادلة، بالإجابة عن سؤال الضرورة: هل ثمّ ضرورة للبعث وللقيامة؟ هذا هو السؤال الذي أجاب عنه القرآن، بالاعتماد على صفتين واجبتين لله تعالى، الأولى: صفة الحكمة، والثانية: صفة العدل؛ فمما لا خلاف فيه بين العقلاء أنّ صفتي الحكمة والعدل من صفات الكمال الواجبة لله تعالى، فلا ينسب لله ظلم ولا عبث حتى يقال بنفي البعث.

إنّ الإنسان قد جاء إلى هذه الحياة بعقل وإرادة، وبقدرة على المضيّ في واحد من الطريقين: طريق الخير والاستقامة والهدى، وطريق الشر والانحراف والهوى، وعلى التوازي نجد أنّ الحياة ليست على نمط واحد ووجهة واحدة، فلا هي على خير عامٍّ مستمر، ولا هي على شرّ طامٍّ مستقرٍ، وإذَنْ فوضع الإنسان مع وضع الحياة التي جاء إليها يُحيل في مبدأ العقل انتفاء المسؤولية وانتفاء التكليف وانتفاء الجزاء المترتب على المسؤولية والتكليف.

إنّه لَمِنَ العبث والظلم معًا -تعالى الله- أن يخلق الله إنسانًا بهذه الصفات، وأن يختصه بالعقل والإرادة، وأن يهديه النجدين، في حياة بَرَزَ فيها النجدان والسبيلان وتمايزا، ثمَّ لا يكلِّفه ولا يسأله عمّا كلَّفه، ويخرج الإنسان من هذه الحياة فتُطوَى صفحته وتُلقَى معه في سلّة العدم العقيم، ويذهب الظالم كما يذهب المظلوم، ويستوي في المصير المؤمن والكافر والصالح والطالح، وتُطوى صفحة الإنسان وقد خرج من الحياة وهو في أقصى اليمين أو أقصى الشمال، ثم لا قضاء ولا حساب، قد استوى الجميع في المصير رغم اختلاف الأعمال؛ فتعالى الله عن ذلك العبث والظلم، وها هو القرآن يقرر: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}، {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى}، {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}، {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}.

نتيجة اجتماع الإمكان والضرورة

وبالجمع بين الحقيقتين: (إمكان البعث وضرورة القيامة) تتقرر الحقيقة الكلية: (حتمية اليوم الآخر)؛ فقولوا للذين يشككون الجيل: كفُّوا عن هذه الحماقات؛ قد أفسدتم على الناس دنياهم فلا تفسدوا عليهم آخرتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


"الترامادول".. قراءة في خطاب بائس!

 "الترامادول".. قراءة في خطاب بائس!

سليم عزوز 

"تكلموا تُعرفوا؛ فإن المرء مخبوء تحت لسانه"!

هذا قول للإمام علي بن أبي طالب رصي الله عنه، وهو ينطبق على حالة عبد الفتاح السيسي، والذي ما أن يتكلم حتى يصبح كتاباً مفتوحاً للعامة، على نحو يذكرنا بحالة الشيخ حسني في فيلم "الكيت كات"، والذي تكلم ففضح الحارة وأذاع أسرارها، لأنه لم ينتبه (لكونه "ضريراً") إلى أن مكبر الصوت مفتوح، فكانت سمعة الأشخاص والعائلات على الهواء. لكن صاحبهم بحديث "الترامادول"، أجاب على أسئلة منذ بداية الثورة عن "الطرف الثالث"، أو ما كنا نطلق عليه "اللهو الخفي"، الذي ارتكب الكثير من الجرائم التي قُيدت سياسياً ضد مجهول، وليس أولها أحداث استاد بورسعيد، وإذا كنت يومئذ أكتب أن الطرف الثالث هو بشحمه ولحمه الطرف الأول، فهذا هو الدليل الكاشف للخبرة، وسابقة الأعمال، ويمتد الأمر إلى جانب كبير من حشود 30 يونيو، وإلى المذابح التي جرت بعد ذلك، فهل كان الجناة والجمع الكريم تحت تأثير عقار "الترامادول"؟!

أدرك تماماً أنه ما إن يتكلم حتى يكون صيداً ثميناً لمن يتربصون به، لكنه عندما فرغ من كلمته أمس (الأحد)، اعتبرت هذا الحديث استثناء فليس فيه ما يمثل امتداداً لخطابه العام، ولم تكن "الحفلة المنصوبة" على حديثه في اليوم السابق قد فُضّت، ورغم أنني استمعت إلى حديث "الترامادول"، فقد "كذّبت أذني"؛ إي وربي، فمهما حدث لا يمكن تصور أن يهبط حديث لمسؤول إلى هذا المنحدر الغارق في الشعبوية، وكأنه ليس في محفل عام، الأمر الذي يليق بعمل درامي، كهذا الذي ضم محمد سعد (اللمبي)، والفنان الكبير حسن حسني؛ ذات سهرة!

ولأني لم "أصدق أذني"، فعندما وجدت حديث "الترامادول" منشوراً نصاً على صفحة أحد رواد فيسبوك، كصورة منسوبة لأحد المواقع، ساورني الشك أنها قد تكون مزورة، وعليه فقد دخلت على صفحة الموقع لأجدها -يا إلهي- حقيقة لا ريب فيها!

حديث مجلس القضاء الأعلى:

الجنرال الذي هبط بالخطاب السياسي إلى مستوى غير مسبوق في التاريخ المصري، قال إنه تحدث أمام مجلس القضاء الأعلى، وبدا الاجتماع وقد عُقد مؤخراً، فهل كان بمناسبة افتتاح العام القضائي (في نفس يوم خطاب الترامادول)، ليكون السؤال: لماذا لم يُذع هذا اللقاء كمثل عموم لقاءاته السابقة؟ فهل هناك من يتدخل لضبط الحالة؟ والخطاب الأخير والذي يبدو أنه على الهواء مباشرة، خضع للمونتاج، بحسب أهل الاختصاص، ومع ذلك تسرب حديث "الترامادول"


إن الجنرال الذي هبط بالخطاب السياسي إلى مستوى غير مسبوق في التاريخ المصري، قال إنه تحدث أمام مجلس القضاء الأعلى، وبدا الاجتماع وقد عُقد مؤخراً، فهل كان بمناسبة افتتاح العام القضائي (في نفس يوم خطاب الترامادول)، ليكون السؤال: لماذا لم يُذع هذا اللقاء كمثل عموم لقاءاته السابقة؟ فهل هناك من يتدخل لضبط الحالة؟ والخطاب الأخير والذي يبدو أنه على الهواء مباشرة، خضع للمونتاج، بحسب أهل الاختصاص، ومع ذلك تسرب حديث "الترامادول". قلنا من قبل: لقد رُفع عنه الستر الإلهي!

ويبدو أن هناك من صار يتدخل لحماية الجنرال من نفسه، لا سيما وأن البلد في موسم انتخابي، فحجب بالكلية اللقاء مع مجلس القضاء الأعلى، ربما لأنه لم يجد فيه ما يصلح لأن يذاع على الرأي العام، تماماً كما أخضع حديثه هذا للمونتاج، لكن لا يُغني حذر من قدر!

ما قاله السيسي أنه في اللقاء المشار إليه ذكر "أنا ممكن أدي شريط ترامادول و1000 جنيه لـ100 ألف إنسان ظروفهم صعبة وأنزلهم 10 أيام يعملوا حالة، ممكن أهد بلد بمليار جنيه يعني بمبلغ ناس بتصرفه في حفلة". وقد تداخلت لديه الأرقام فاستعان بمن حوله في عملية الضرب والقسمة، وهبط بالرقم المدفوع إلى 100 جنيه في اليوم، قبل أن يرفعه مرة أخرى إلى ألف جنيه، لكنه أبداً لم يتراجع عن نسبة الفعل لذاته؛ "أنا ممكن.. وأهد"، على نحو كاشف عن مخططه للمستقبل، إذا استبعدنا ملف خدمته في هذا الجانب، لأن الأحكام لا تبنى على الشك والتخمين، ولكن على الجزم واليقين، كما تقول المبادئ المستقرة لمحكمة النقض!

"بشار" المثل الأعلى:

إن من يفكر في استدعائه المتكرر للحالة السورية، يؤكد أن ما فعله بشار الأسد من تدمير سوريا على رؤوس السوريين هي خطة حاضرة في الذهن وقت اللزوم، ولو في حديثه عن أنه حمى مصر من مصير سوريا، وفي الواقع أنه فعل ما فعله بشار الأسد، وقد بدأ انقلابه بمذابح رابعة والنهضة والحرس الجمهوري وغيرها، لكن إذا كان ثمة فضل لأن مصر لم تتحول إلى سوريا، فإنه يعود لجماعة الإخوان المسلمين، التي لم تسلح الثورة ولم تدعُ للمواجهة، ولم تشكل الجيش المصري الحر!

بيد أن الفكرة مختمرة في عقله، لكن فاته أن مصر ليست سوريا، وأن الجيش المصري ليس جيش عائلة أو قبيلة، كما الجيش العلوي هناك، وربما أدرك هذه الحقيقة فكان حديث المئة ألف وشريط الترامادول لكل شخص، وكان في إدراكه لهذه الحقيقة سبباً في إسناد شركة أمن مملوكة للأجهزة السيادية لزعيم الزعران في مصر، بعد أن أخلى سبيله بعفو صحي، وإذا به كما الثور، الأمر الذي يجعل "العفو الرئاسي الصحي" يمثل إساءة الحق في استخدام السلطة!

من يفكر في استدعائه المتكرر للحالة السورية، يؤكد أن ما فعله بشار الأسد من تدمير سوريا على رؤوس السوريين هي خطة حاضرة في الذهن وقت اللزوم، ولو في حديثه عن أنه حمى مصر من مصير سوريا، وفي الواقع أنه فعل ما فعله بشار الأسد، وقد بدأ انقلابه بمذابح رابعة والنهضة والحرس الجمهوري وغيرها، لكن إذا كان ثمة فضل لأن مصر لم تتحول إلى سوريا، فإنه يعود لجماعة الإخوان المسلمين


إنه يشكل قوات "الدعم السريع"، ويصنع حالة حميدتي في السودان، والذي صنعه البشير لإحداث توزان في القوة مع الجيش، فإذا فكّر في الانقلاب عليه كانت هناك "حمايته" التي يمكنه بها أن يواجه التمرد!

إذا سلمنا بأن الجنرال قد خانه التعبير، وأنه يقصد بهذا الأشرار مثلاً، وإن كان النص لا يحتمل ذلك وهو يتكلم عن نفسه "أنا ممكن أدي.."، "أهد بلد بمليار جنيه.."، فإن اتهام الأعداء بهذه المقدرة يفيد نهاية الدولة المصرية بمؤسساتها ومن ضمنها مؤسسات القوة!

ومع توافر الإرادة لدى الأشرار لـ"هد الدولة"، وتوافر المليار جنيه، فإن المرء يحار في كيفية امتلاكهم لأدوات الهدم، فهل الترامادول في السوق المصري يكفي "لتموين" مائة ألف شخص، بواقع شريط منه لكل فرد؟ مع العلم أنه من الأدوية التي تقع ضمن الجدول، فلا تصرف إلا بتذكرة الطبيب، وهو عقار يتم استيراده، وهذه فرصة طيبة لنسأل عن الجهة التي تستورد الترامادول، وإمكانية سيطرة الأشرار عليها، إلا إذا تم الوضع في الاعتبار أن نفوذ الأشرار سيدفعهم لاستيراده من الخارج لحسابهم الشخصي، وهنا يعني عدم ثقة في الجهات التي تراقب المنافذ في البلد سواء المطارات أو الموانئ، ومن يملك هذا العدد الضخم من السكارى الذين يندفعون لهد البلد تحت تأثير المخدر، هل يوجد في مصر كل هذا العدد؟ إنها كارثة إذاً؟

أكثر ما يحير هو هذا التصفيق الحاد لحديث الترامادول من جانب الجمع الكريم، فهل يصفقون لقدرة الجنرال على "هد البلد"، أم لقدرة الأشرار على القيام بالمهمة؟!

إن المرء مخبوء تحت لسانه!


twitter.com/selimazouz1

مصر بين يحيا الأمل ويحيا البصل

 مصر بين يحيا الأمل ويحيا البصل

أحمد عمر 

المشهد عجيب، وهو من مصر أم العجائب، وفيه تلوح تباشير بطل مصري اسمه أحمد طنطاوي بعد عقد فرعوني عقيم، وفي المشهد أعجوبة أخرى مضحكة ومبكية، وكم ذا بمصر من المضحكات، والأعجوبة هي أن المرشح الرئاسي الأهم أحمد طنطاوي، ولم يصبح مرشحاً رسمياً بعد، لأن النظام المصري يمتنع عن قبول توكيلات موكليه خوفاً من سباق حقيقي سيخسر الرئيس "شيك هاند يو" فيه، ظهر وهو يقبّل رأس سيدة مصرية تحمل صورة السيسي! بل إن السيسي يبرز على صورة كبيرة كلما خطب الطنطاوي في أنصاره!

الصورة تذكّرنا بمقولة للفرزدق، وكان شيعيّ الهوى، حين لقي الحسين بن عليّ رضى الله عنهما عند مقدمه من العراق وخروج الحسين إليه وسأله ما وراءك؟ فقال: على الخبير سقطت؛ قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أميّة، والنصر من السماء. لا يشبه السيسي بني أمية في شيء، فقد فتحوا الدنيا، ولم نرَ السيسي يفتح سوى علبة الماء من غير مساعدة أو اتصال بوزير.

يمنع الرئيس العربي ظهور الأبطال، فإن ظهر أبطال في الأدب أو الرياضة أو العلوم استحوذ "شيك هاند يو" على بطولاتهم، بدعوتهم لزيارته، فإذا زاروه صافحهم وجرى تفاعل يشبه التفاعل الذي يجري بين المعادن في الحموض، والسيسي بموقعه الرئاسي أعلى في سلسلة الإزاحة الكيماوية، وقد غدا المناخ البوليسي عالي الحموضة، فنزع الشوارد من معدن الشعب على أشده.

لم يكن متخيلاً قط أن تتصحر مصر وتخلو من الأبطال مدة عقد كامل، وأن يكون بطلها الوحيد، هو عبد الفتاح ترامادول، بل أن يصير بطلاً وطبيباً وفيلسوفاً وقائداً عسكرياً، ولم يخُضْ معركة قط في حياته سوى معركة رابعة التي جندل فيها مئات العزّل، بل بلغ ظلمه وجوره أن يبثّ صور المعركة على الهواء مباشرة، لجمهوره في الشرق والغرب، بغرض الاستشفاء والشماتة


الرئيس العربي يمنع ظهور الأبطال في جميع الميادين، وأخصّها السياسية، بل إن الأبطال يهربون من ديارهم، وكان آخرهم بطل الجودو المصري عبد الرحمن الصيفي.. الهروب هو البطولة.

الرئيس في أهم البلاد العربية هو الرياضي الأول، حتى لو شاخ وعجز، وهو العالم الأول حتى لو كان أجهل الجهّال، وهو القاضي الأول حتى لو كان أجرم المجرمين، كأنه يشعر بالغيرة من الأبطال أو أنه يخشى تأثيرهم على الشعب، فيختلس نورهم. كانت جدران الشوارع السورية مكتظة ولا تزال بشعارات تجعل الرئيس هو الأول في كل مضمار، الدولة الوحيدة المستثناة من هذا القدر السياسي المعاصر في الشرق الأوسط هي تركيا، حتى إن رؤساء أحزاب تركية معارضة أو موالية، هم بقوة الرئيس أو دون قوته وسطوته بقليل، مثل دولت بهتشلي، أو كليتشدار أوغلو، بل إن رئيس حزب صغير مثل حزب الظفر يصول ويجول، ويكاد أن يقلب تركيا عاليها سافلها بتصريحات عنصرية، والدولة عاجزة عن منعه.

لم يكن متخيلاً قط أن تتصحر مصر وتخلو من الأبطال مدة عقد كامل، وأن يكون بطلها الوحيد، هو عبد الفتاح ترامادول، بل أن يصير بطلاً وطبيباً وفيلسوفاً وقائداً عسكرياً، ولم يخُضْ معركة قط في حياته سوى معركة رابعة التي جندل فيها مئات العزّل، بل بلغ ظلمه وجوره أن يبثّ صور المعركة على الهواء مباشرة، لجمهوره في الشرق والغرب، بغرض الاستشفاء والشماتة، فتابعها العالم الحر والمجتمع الدولي سعيداً مسروراً وهو يرى الجثث المحترقة للمعتصمين فيها.. لم تكن معركة النخبة المصرية الحاكمة فحسب، وإنما معركة العالم "الحر" مع الثورة المصرية، فقد خشي ظهور أبطال يعيدون مصر إلى مجدها.. الأبطال هم في الغرب فقط.

لم يكن معقولاً أن تعقم مصر مدة عشر سنوات، ليس لأن المصريين أشجع من أشقائهم العرب، بل لأنَّ مصر أكبر بلد عربي، وهي بلد يمور بالأبطال، ولأنها لم تُصب بما أصيبت بها بلاد عربية من سلطة الحزب مثل حزب البعث في العراق، وحزب البعث في سوريا.

وقد علّمنا التاريخ الحديث أنّ القائد العربي الثوري يحرص على قتل رفاق الدرب وصحبة السلاح، والشهود على جريمة "الثورة".. كذلك فعل جمال عبد الناصر الذي قتل شريكه المشير عبد الحكيم عامر، وكذلك صدام حسين في مجزرة ارتكبها على الهواء ضد رفاق الحزب الذين اتُهموا بالخيانة، وهو يدخن سيجاراً كوبياً، وجرى الأمر نفسه مع حافظ الأسد الذي تخلص من رفاق اللجنة العسكرية، وكذلك فعل السيسي بالتخلص من كل الضباط الزملاء.

الرئيس العربي يخشى الأقران الذين يمكن أن يكونوا خلفاء أو بدلاء، أما أغرب غرائب بطل ثورة يوليو المصرية فهي ضعف خصائصه وشمائله الشخصية، فليس له من بلاغة اللسان شيء، ومن أعجب العجائب أن مثله حكم مصر وعقّمها كما لم يفعل فرعون من قبل، بل إنه جعلها رهن الصندوق الدولي وقلب نهارها ليلاً ونعمتها ويلاً، ومنع ظهور بطل خلال عشر سنوات كاملة


الرئيس العربي يخشى الأقران الذين يمكن أن يكونوا خلفاء أو بدلاء، أما أغرب غرائب بطل ثورة يوليو المصرية فهي ضعف خصائصه وشمائله الشخصية، فليس له من بلاغة اللسان شيء، ومن أعجب العجائب أن مثله حكم مصر وعقّمها كما لم يفعل فرعون من قبل، بل إنه جعلها رهن الصندوق الدولي وقلب نهارها ليلاً ونعمتها ويلاً، ومنع ظهور بطل خلال عشر سنوات كاملة.

فلا بد أن سرّ هذا الرجل باتع، حتى سائق التوكتوك الذي خطب خطبته الشهيرة، وهي خطبة عامة ليس فيها ذكر للرئيس، اضطر إلى الظهور في اليوم التالي ليعتذر عما قال.

انقضت مدتا الرئيس الرئاستين، وهو يطمع في مدة ثالثة غير شرعية، إذا جاز وصف المدتين السابقتين بالشرعيتين، وقد ظهر المرشح أحمد طنطاوي الذي يشق طريقه بصعوبة، وهو أفضل من السيسي في كل شيء، في العلم والجسم، غير أنه ليس له ظهير في الجيش، وليس له في سيرته جسور وقصور، فلعله يكون بطلنا القادم، وإن لم يفز فحسبه أن يقول لا.

لا نأمل من الرئيس أحمد طنطاوي أن يعيد الجزيرتين، أو أن يمنع الملء الخامس وراء سد النهضة، أو أن يجدول ديون مصر، لا نريد منه سوى أن يغير درجة تركيز الحمض السياسي في مصر، حتى لا تصير دولة بعثية مثل سوريا أو العراق، إن بلغ أول مرحلة من السباق الرئاسي، وسُمح له بالترشح وتسجيل التوكيلات، وهي معجزة إن وصل.

نأمل أن يقوم بمعجزة تحويل الاستفتاء إلى انتخاب، وتحرير البصلة من قصرها الذهبي الجديد، تلك الثمرة الشعبية الرخيصة سريعة الإنبات والإثمار، التي حولها السيد عبد الفتاح العليم إلى تفاح. قال مؤرخون: إن المصريين ما بنوا الأهرامات إلا وهم يأكلون البصل.

يحيا الأمل، وهو شعار طنطاوي الأول، إن استطاع أن يسابق الرئيس، وإن مقيداً، سيمنع من تحول مصير مصر إلى مصير سوريا والعراق سياسياً، حتى لو استعمله السيسي مثل كوبري، فسننتفع به أيضاً، فلن يكون مثل سابقيه حمدين صباحي وموسى مصطفى، والله أعلم.

الأمريكيون الذين يعشون الصراعات، يصفون معاركهم "بالشو"، وعسى أن يستطيع طنطاوي تحويل مشهد الاستفتاء الرئاسي إلى فرجة جديرة بالمشاهدة.


twitter.com/OmarImaromar

نظرات في واقع الجماعات (٤)

 نظرات في واقع الجماعات (٤)

 د.عبدالعزيز كامل

السبيل الثاني :

ويتعلق بنوازل اختلاف القلوب لغلبة أهواء الحزبية والعصبية لدى بعض قطاعات الإسلاميين، بسبب تضارب المناهج واختلاف الأفكار..
ومن سبل العلاج في ذلك ؛ بعد تقريب مسائل الخلاف علميا، كما سبق :
١_ أن يبذل المصلحون الجهد المستطاع المبرئ للذمة في تحرير عقيدة الولاء لكل المسلمين بحسب ماعندهم من الدين، كما قال ابن تيمية رحمه الله : " والمؤمن عليه أن يعادي في الله، ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه؛ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية " .
٢_ التربية على التعبد بمحبة وموالاة المسلمين ، وأنها من بدهيات وأوليات الالتزام بالدين، لأنها شرعة شرع الله لأجل تثبيتها العشرات من شعب الإيمان البضع وسبعين.
ولذلك فهي جديرة بتخصص فريق من الدعاة بالمحاضن التربوية والوسائط الدعوية في إشاعة ثقافتها ، من سلامة الصدر، والصفح والصبر، والاحتساب وحسن الظن، وغير ذلك من شعب الإيمان .
٣_ إقامة حكم الله في ألا يكون الحب والبغض إلا فيه ، لأن صرفه بغير موجب للجماعات والحزبيات يخل بتلك الشرعة التي هي أوثق عرى الإيمان، و يوقع في نتن الجاهلية التي تصرفها للحب والبغض في القوميات والوطنيات ومختلف العصبيات، ويذهب بحلاوة الإيمان التي منها : ( أن يُحبَّ المرءَ لا يحبُّهُ إلَّا للَّهِ ) متفق عليه .

٤_ بث اليقين في أن انتصار هذا الدين لايكون إلا باستكمال معالم الموالاة بين المسلمين، حيث إنها لا تقل لزوما ولا وجوبا عن معاداة أعداء الدين ،
وفي هذا يقول شيخ الإسلام :
" فمن كان مؤمنًا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرًا وجبت معاداته من أي صنف كان، كما قال تعالى: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ (٥٦) -المائدة.