الأحد، 30 أغسطس 2015

رسام البسمات


‎طارق الشنوفي‎ رسام البسمات

أرأيتم ماذا يفعل الله القاهر فوق عباده في شعب مجزرة حماه .. ؟
فماذا ينتظر شعب مجزرة رابـعة ..
               

رسام البسمات

أول مرة علمت فيها بتفاصيل مجزرة حماه، في فبراير 82 حين حوصرت المدينة بقوات الجيش والدبابات والمدفعية والقوات الخاصة التي راح فيها حسب التقارير المختلفة ما بين 10 إلي 40 ألف قتيل معظمهم من الإخوان المسلمين والمدنيين، وهدمت أحياء بكاملها على رؤوس أصحابها كما هدم 88 مسجداً وثلاث كنائس، فيما هاجر عشرات الآلاف من سكّان المدينة هرباً من القتل والذّبح والتنكيل.

حينها سألت نفسي كيف يحدث كل هذا الظلم علي أرض الله ويُترٓك القاتل هانئاً سالماً يعيش بجريمته دون عقاب؟

ويشاء المولي أن ينفذ سنته ليرينا آياته في الظالمين، فينتقم الله من حافظ الأسد في فلذة كبده وابنه المقرب الذي كان يعده لتولي الحكم من بعده، باسل الأسد، فيتآمر عليه آصف شوكت وأخيه السكير ماهر الأسد فيدبران لقتله بقطع فرامل سيارته فيموت قرب منعطف بالقرب من مطار دمشق.
ويقع ابنه الآخر مجد الأسد فريسة الإدمان، ويصاب الأسد بعد موت باسل بغيبوبة فيدبر أخيه رفعت الأسد ( قائد المجزرة ) محاولة انقلاب عليه، فيفيق الأسد من الغيبوبة ويطيح برفعت الأسد ثم يساومه لمغادرة سوريا إلي المنفي فيتسبب ذلك في إفلاس الدولة السورية لضخامة المبلغ المدفوع لرفعت، ويستدين حافظ الأسد من القذافي ليكمل باقي المبلغ الذي طلبه رفعت.....

ثم يتزوج آصف شوكت قاتل ابنه من ابنته بشري الأسد بالغصب اعتماداً علي مساندة طائفته له فيجبر حافظ علي زواج ابنته من قاتل ابنه!!

ثم يموت الأسد الكبير، ويتولي الحكم بشار المنطوي الذي لا يملك أي خبرة سياسية فيصبح ألعوبة في يد البعثيين وفي يد أخيه ماهر الذي يقود فرق الشبيحة التي أذاقت الشعب السوري الويلات....

وبعد عشرين عاماً، تقوم الثورة السورية ويتقطع ملك بشار قطعة قطعة ويزول ملك أبطال المذبحة شبراً شبراً مع كل طلعة شمس.... ويذوق الشعب السوري الذي صمت علي المذبحة مرارة القتل والتعذيب والتشريد والهجرة والعذاب.

عشرون عاماً هي بالنسبة لنا دهراً طويلاً، وبالنسبة لله هي لمحة بل أقل.

إن الله لا ينسي ولا يبدل سنته......

ومهما طال الزمن سيدفع القاتل والمساند والصامت الثمن.... وسيكون باهظاً.... وسيكون مراً..... وسيكون طويلاً طويلاً، كليل أسود ليس له آخر.


تاريخ النشر: 2015-08-14
منقول

أهالي سيناء فريسة الجوع والخوف

 أهالي سيناء فريسة الجوع والخوف


أصبح الحصول على المواد الغذائية الضرورية أمنية غالية لأبناء شمال سيناء خصوصا في جنوبي رفح المصرية والشيخ زويد، وتحالف الجوع والخوف ليضاعف مأساة هؤلاء.

البسطاء المغلوبون على أمرهم لا يجدون من يسمع شكاواهم وما أكثرها، فالهموم تراكمت وبات ينسي بعضها بعضا، ووصلت حد تأمين الحد الأدنى من ضرورات الحياة والمواد الغذائية، التي أهملت السلطات توفير سبل توصيلها لهم فيما تولى بعض المسلحين تلك المهمة.
مني الزملوط-سيناء
أصبح الحصول على المواد الغذائية الضرورية أمنية غالية لأبناء شمال سيناءخصوصا في جنوبي رفح المصرية والشيخ زويد، وتحالف الجوع والخوف ليضاعف مأساة هؤلاء خصوصا مع التهجير وغياب العائل.
الحالة التي وصل إليها الأهالي هناك محصلة أكثر من عام من الحملات العسكرية التي تشنها قوات الجيش والشرطة باسم ملاحقة المسلحين، والتي أفرزت قطع الطرقات واستهداف المارة، كما أتى القصف على كثير من المحلات والدكاكين المتواضعة التي كان يدبر الأهالي احتياجاتهم منها.
ولم تفلح مناشدات واستغاثات الأهالي المغلوبين على أمرهم المحافظ والمسؤولين والأجهزة التنفيذية لتسهيل مرور الأطعمة والمواد التموينية إليهم في هذه المناطق، كذلك كان مصير مساعي ووساطات سياسيين ووجهاء من أهل سيناء لمرور الاطعمة والمياه لمنطقة جنوبي الشيخ زويد ورفح، وكان مصيرها الفشل.
ويبدو أن المسلحين انتبهوا للأمر وأخذوا يجيرون الوضع لصالحهم لكسب ود وتعاطف الأهالي ونشر تنظيم ولاية سيناء أمس على الإنترنت صورا لعناصره وهم يوزعون المواد الغذائية والدقيق على عدد من أهالي المنطقة المتضررة بالقصف جنوب رفح والشيخ زويد، حيث لم يبق هناك غير أطفال ونساء بعد أن غاب العائل قتلا أو اعتقالا أو مطاردة.















الحالة الأمنية في سيناء انعكست على حياة سكان شبه الجزيرة (الجزيرة)

شهادات
تقول أم يوسف التي تعيش على أطراف قرية الجورة جنوب رفح "إن مسلحين طرقوا بابي عصرا منذ يومين وقدموا لي الدقيق والمواد الغذائية وسألوني إن كان في بيتنا أطفال لتوزيع بعض الأدوية التي تستخدم في تخفيض درجة الحرارة وغيرها من الأمراض التي يسهل معالجتها داخل المنزل".
وتضيف أم يوسف أن مصدر قوت من بقي من الأهالي هو وجود الطعام والدواء الذي يقدمه المسلحون بعد أن شرد القصف عائلات عديدة بالمنطقة، مشيرة إلى أن المنطقة "كانت عامرة بالمحلات ومنافذ البيع والوحدات الصحية لكن القصف لم يبق شيئأ كما هو، ولا يسأل فينا أحد من المسؤولين بل إن مسلحي أنصار بيت المقدسهم من يوزعون الدقيق والطعام بدلا من حكومتنا التي تتساءل كيف تزداد حاضنة المسلحين".
ويسأل أبو سالم زريعي الذي يعيش جنوب رفح بعد فقد ولديه "كيف لا تزداد أعداد المسلحين بالمنطقة وهم الآن يطعموننا ولا تعرف الدولة شيئا عن مطالبنا وأوجاعنا؟ بل تأتي تقصفنا وتعود دون أن تعرف من الذي قتل في القصف، فنحن هنا جنوب رفح في دولة أخرى لا نستخدم الاتصالات المصرية ولا نشرب من مياه النيل، ولا يأتي طعامنا من مسؤولين، ونعيش ما بقي لنا من أيام في غياب كامل للدولة".
ولا يختلف الحال كثيرا في حي الخرافين جنوب رفح حيث يقول م. س -الذي رفض ذكر اسمه خشية التبعات الأمنية- "نحن نرفض توزيع الغذاء والدقيق من المسلحين، لكن لا يوزعه علينا مسؤولون من الحكومة، بخلاف قطع شبكات الاتصال وغلق الطرق فكيف نعيش إذا؟".

ويضيف أن وزارة الدفاع قامت بتوزيع علب مواد تموينية الشهر الماضي على المناطق الآمنة لكن "لم يدخل منطقتنا شيء من ذلك، ونصيبنا فقط هو الخراب والقصف والدم، فنحن مفصولون آدميا عن الدولة".
المصدر : الجزيرة

نظرية اللا مؤاخذة


نظرية اللا مؤاخذة
آيات عرابي 


منذ بداية الثورة كان هناك اتجاه للحديث فقط عن جرائم وخيانات وسرقات المخلوع, حتى انك تجد ضباط جيش سابقين تناولوا فجأة حبوب الشجاعة وتحدثوا عن عدم إيمان المخلوع وابنه بالله.

والسبب ليس صحوة الضمير المفاجئة, فهؤلاء مثل اللواء شفيق البنا مسؤول قصور الرئاسة, تحدث كثيرًا عن فضائح المخلوع وعشاءه اسبوعيًا مع شارون وعن مقولته الشهيرة (لو اطول اقلب المساجد ديسكوهات كنت عملتها) !!!

ليس هذا من قبيل صحوة الضمير أو الصراحة, وليس حتى من باب حرية الإعلام كما كنا نظن.

وقبل أن اشرح لك وجهة نظري, دعني اذكرك بما قاله, المخلوع في ذكرى نكتة أكتوبر الماضية, أن “هناك من يحاولون تشويه نصر اكتوبر”

وقتها علقت على ذلك في مداخلة تليفزيونية وقلت أن كشف زيف خدعة أكتوبر سبب لهم صداعًا شديدًا حتى اضطروا لدفع المخلوع للحديث في محاولة لتثبيت الخدعة بعد أن تعروا تمامًا.

والوحيد الذي تم فضح جرائمه وخياناته ولصوصيته, كان المخلوع, وليس هذا من باب حرية (لا مؤاخذة) الإعلام بعد الثورة كما كنا نظن أيام سذاجتنا وليس بسبب نقاء ضمير من تحدثوا عنه, فمصطفى بكري (لا مءاخذة) كان أول من رفع دعوى قضائية على المخلوع, وشفيق البنا الذي قضى 30 عامًا في قصور الرئاسة يعمل خادمًا للمخلوع وأولاده كان أول من فضحهم.
الفكرة ببساطة هي أن هناك جهة ما تسعى بشدة لمحاصرة نيران الثورة, داخل حدود عهد المخلوع فقط, وأنه هو فقط من حاد عن الطريق بينما لا مؤاخذة عبد الناصر والسادات كانوا ملائكة تعتريهم أحيانًا نقائص البشر, فيصيبون ويخطئون بل ومطلوب منك أن تعتقد أن وجودهم ووصولهم للحكم في مصر كان نتيجة طبيعية لأحداث التاريخ.

مطلوب منا أن نظل معتقدين أن هزيمة 67 المخزية كانت مجرد (لا مؤاخذة) خطأ في الحسابات السياسية والعسكرية ولم تكن خيانة, ومطلوب منا أن نظل مصدقين أن ارسال الجيش إلى اليمن كان لمناصرة الانقلاب الشيوعي وليس لطحن الجيش عسكريًا لتجهيزه وهو يترنح لمواجهة عسكرية مع الكيان الصهيوني يدمره فيها عن أخره.

ولذلك ستسمع حتى من المعسكر المؤيد للانقلاب, كلامًا عن المخلوع وفساده وستتعجب من تلك الخراف الضالة, كيف يسخطون على المخلوع ويؤيدون الشاويش المعتوه !!

هناك ستار رقيق مطلوب من حضرتك الا تقترب منه.

هناك لا مؤاخذة قمامة عفنة الرائحة مطلوب من سيادتك الا تقترب كثيرا, فتشمها.

مطلوب ان نظل جهلة فلا نعرف أن المخابرات الأمريكية هي التي دبرت انقلاب يوليو وان عبد الناصر كان ( الولا حمو ) الخاص بالمخابرات الأمريكية.

مطلوب الا نعرف أن الاراجوز السادات كان عميلا على كشوف المخابرات الأمريكية

مطلوب أن نظل مصدقين أن حرب أكتوبر كانت(لا مؤاخذة) نصرا وان تحريك القوات ليقتل بعضها ولتتقدم بعض الكيلومترات ثم سحبها بعد كارثة عسكرية, كان قرارا ( لا مؤاخذة ) مصريا وان المخابرات التي كان رأفت الهجاص يخدعها لحساب الموساد كما اعترف مدير المخابرات المصرية رفعت جبريل, (لا مؤاخذة) خدعت المخابرات الامريكية والصهيونية !!

مطلوب منا أن نصدق أن السعودية قطعت النفط عن امريكا واستخدمته (لا مؤاخذة) كسلاح والا نقرأ حقيقة ما حدث واعترف به حتى وزير النفط السعودي, أن كيسنجر كان من دبر رفع أسعار البترول 400% قبل مسخرة أكتوبر بستة أشهر, حتى يتفادى رد الفعل الشعبي الأمريكي على رفع أسعار الوقود, ليمكن للشركات السبعة الكبار تسويق النفط عالي التكلفة التي بدأت في استخراجه من بحر الشمال ومن خليج برودو في الاسكا ولمعالجة عجز الموازنة الأمريكية وأن الحكومة السعودية لم تكن تملك من أمر نفسها شيئاً.

حتى غير مطلوب منك ان تعلم ان المخلوع كان على كشوف المخابرات الامريكية, فهذا (لا مؤاخذة) يعني اننا كنا جميعا سذج.

مطلوب أن تثور داخل كوب زجاجي كالنحلة الحبيسة و ألا تفكر في عبور عنق الزجاجة الى الفضاء الأرحب والحرية الحقيقية.

فقط مطلوب منا ان نفكر ان المخلوع كان فاسدا مستبدا وان الثورة كانت بسبب فساده واستبداده ومحاولته توريث الحكم.




مطلوب منك أن تكون الثائر اللامؤاخذة .. و مطلوب منك أن تثور داخل حدود اللا مؤاخذة

مطلوب منا أن نفكر داخل إطار نظرية (اللا مؤاخذة) ونظل ندور في حلقة مفرغة, نثور فقط على السطح ونترك القمامة في الأعماق.

هتاف(يسقط يسقط كل العسكر) يلخص القضية كلها !

بروتوكولات حكماء العرب 12

بروتوكولات حكماء العرب
-12-
لبيك اللهم لبيك.."1"


دكتور محمد عباس

في الكعبة

لبيك اللهم لبيك..لا شريك لك..

***
كنا قد أحرمنا من الميقات..
كانت ركبتي ما تزال تؤلمني.. وكان الإخوة يساعدونني..

وفي أحد الاستراحات في الطريق كنا نتناول طعامنا.. هش لنا صاحب المطعم.. كان مضيافا..اهتم بنا كثيرا.. والغريب أنه اهتم بي على وجه الخصوص.. أما أنا فقد كنت مترقبا.. ففي أي لحظة يمكن أن يرسل لي المرسل المجهول أو أحد أعوانه أمرا أو خبرا.. رحت أتفرس في صاحب المطعم.. أستنطقه.. أتوسل إليه.. وبعد أن دفعنا ثمن الطعام فوجئنا بالرجل يرسل لنا تحياته مصحوبة بأطباق من حلوى مختلفة.. ويناول كل واحد منا طبقا.. والغريب أننا اكتشفنا بعد ذلك أنه أعطى لكل واحد منا نوع الحلوى التي يحبها ويشتهيها.. وأسررتها في نفسي.. وقلت أن هذا التصرف يدل على أنه على علاقة بالمرسل المجهول وأن لهذا الرجل شأن.. قد أكتشفه وقد لا أكتشفه.

بعد الطعام غفوت.. وجاءني المرسل المجهول.. كانت عيناه تدمعان ووجهه يضحك.. نظر نحوي في إشفاق ثم ربت عليّ ومسح على ركبتي ومضى فقمت أجرى خلفه ولم أفق إلا بعد أن أدركني إخواني وأجلسوني فقد كنت أجري نائما.. وسألوني في دهشة:
- هل ذهب ألم ركبتك؟
والغريب أنه ذهب كأن لم يكن.

***
وواصلنا المسير..
حتى وصلنا..

لبيك اللهم لبيك..لا شريك لك..
لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد .. والنعمة لك والملك.. لا شريك لك..


و أنا أسير على الأرض يحملني الموج البشري نحو الكعبة المشرفة خشيت ألا أشعر بالجلال..
خفت أن أكون ممن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ؟..
خشيت أن أكون ممن طَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ؟..
كيف امتلكت كل هذه الجرأة لآتي و أنا أحمل على كاهلي هذا التقصير كله..
كيف أتيت بل كيف لم أهرب وأنا في المدينة المنورة..
في المدينة توجد الرحمة كلها وهنا يوجد الجلال كله..
لكن الرحمة هناك مغموسة بالجلال والجلال هنا مغموس بالرحمة..

لبيك اللهم لبيك..

***
ههنا تسكب العبرات..
ههنا..
ههنا..
الويل لك إن جفت دموعك..
الويل لك..


***

هل كانت دموع الشوق؟..
هل كانت التحنان؟..
هل كانت الخوف؟..
هل كانت الرعب؟..
هل كانت خجلا لأننا لم نلذ ببيت الله الحرام كما كان ينبغي لنا أن نلوذ ولم ندافع عنه كما كان ينبغي له؟ ..
هل كنت طفلا غاب وتاه وابتعد فلما آب جاشت مشاعره وفاضت عواطفه فارتد الطرف وعجز الحرف فلم يبق إلا الدموع..
طفلا تداعت عليه الدنيا كما تتداعى الأكلة على قصعتها وطاردته الوحوش، فما أن آب حتى بكى..
هل كنت عبدا اقترب ذراعا ففوجئ بسيده ومولاه يقترب باعا فراح يشكو لمولاه هوانه على الناس..

***
هل كانت..
هل كنت..
هل كان..
أم كانت قبسا من الرحمة تهاطل بالمشيئة كي يطفئ بعض النار المشبوبة فيّ ؟!..
بيت الله الحرام..
أعز مكان في الدنيا و أقدسه..
قلب القلب وروح الروح ورمز الهداية والنور..

***

كم تكون قسوة من يدعوك إلى نسيان أبيك و أمك..
كم يكون إجرام من يدعوك إلى نسيان أبنائك و أهلك..
كم يكون فجور من يدعوك إلى أن تهجر ماضيك كله ومستقبلك كله و أن تعيش أسير اللحظة مجرد حيوان ينتشي باللذة ويزدهي بالقوة..
لماذا يغيظهم إيماننا بالله..
نحن ندعو إلى مكارم الأخلاق فإلام يدعون هم..؟؟..
إلى الحيوانية والوحشية وعبادة الشيطان..؟!..

***
لماذا يدعوننا إلى الكفر..
لماذا..
لماذا..
***

لماذا تحالفت حكوماتنا و نخبتنا الخائنة معهم..
لماذا استعملت كل آليات الكذب الفاجر للمستشرقين والمستغربين لتشكيك الناس في دينهم..
لماذا سلطوا كلابهم لينهشونا.. فمن زنديق يتحدث عن التأسلم إلى خنزير يتحدث عن النص إلى حية رقطاء تنفث السم في العقيدة..
لماذا انتشر مفهوم البروتوكولات بينهم ليهدموا به الدين..
فاسقة منهم، ادعت أن الحج والطواف والسعي كلها عادات وثنية..
اعتمدت الفاسقة على جهود سلطة لا تقل فجرا تعمدت نشر الجهل بالدين، وصرخت الجاهلة أنها اكتشفت أن الطواف والسعي كانا من الشعائر التي تمارس في الجاهلية وقبل نزول الإسلام.. نسيت الجاهلة أو تعمدت أن تنسي أن الإسلام نفسه هو ملة إبراهيم عليه السلام.. و أن ما تدعي أنها قد فوجئت به هو من المعلوم بالضرورة.

***

لابد أن أكتب ملحقا للبروتوكولات أذكر الناس فيه بما نسوه ومنه أن الحج يتعلق بمشروع إلهي عظيم، فهو يذكرنا بالمشروع الذي بدأ بإبراهيم عليه السلام واكتمل بمحمد صلى الله عليه وسلم.

ومناسك الحج المختلفة هي مراحل هذا المشروع الإلهي التي يعيدها الحاج بصورة رمزية.
فالحاج يفارق موطنه متجهًا إلى الحجاز كما كان إبراهيم عليه السلام قد خرج من العراق متجهًا إلى الحجاز.
ويتخلى الحاج عن ملابسه العادية ويلفّ حول جسده رداءين، مماثلين للباس البسيط الذي كان إبراهيم وإسماعيل يرتديانه.
وعندما يصل الحاج مكة ويطوف حول الكعبة فهو يقلد الطواف الذي قام به إبراهيم وإسماعيل توثيقًا للعهد الإلهي.
وعندما يسعى الحاج سبع مرات بين الصفا والمروة فهو يقلّد سعي هاجر بحثًا عن الماء في الصحراء.
وعندما يذهب الحاج إلى منى وينحر قربانه فهو يعيد بصورة رمزية ما فعله إبراهيم حين استعد لنحر ابنه ثم نحر كبشًا بأمر ربه.
وعندما يتوجه الحاج إلى الجمرات فيرمي الشيطان بالجمار فهو يكرر عمل إسماعيل عليه السلام الذي رمي الشيطان بالجمرات عندما حاول أن يغويه.
ثم يجتمع كل الحجاج بميدان عرفات..
وهذا هو الشكل النهائي للكلمات "لبيك اللهم لبيك" التي يردّدها كل حاج. وهنا يجتمع كل الحجاج في ميدان واحد مفتوح فيعاهدون ربهم عهدًا جماعيًا بأنهم سيظلون ينفذّون في حياتهم القادمة ما تعلموه خلال الحج وأنهم سيعيشون مقلّدين حياة أولئك الأبرار الذين يؤدي الحج تذكارًا لهم.
وقد وصف القرآن مناسك الحج بالشعائر أي العلامات.. وهي كلها الوقائع التي وقعت لإبراهيم وأسرته خلال تنفيذ الخطة الإلهية التي سبق ذكرها. ويقلد الحاج هذه الوقائع بصورة رمزية ويعاهد ربه بأنه – هو الآخر – سيصبح جزءًا من هذا التاريخ بعد أن يعيد إليه حيويته.. فنحن نريده تاريخا حيا وهم يريدونه ميتا.

***
كنت قد قرأت كل هذا وراجعته عشرات المرات مستعينا بالخرائط والقواميس فالمرسل المجهول ضنين بكلماته مقتضب في إشاراته حيث يمكن أن يكون الأمر كلمة ويمكن أن تكون الكلمة حرفا.
قرأت وعاهدت ربي بأنني سوف أحطم حياتي القائمة لأتقدم نحو الحق لا ألوي على شيء، وأنني سأدور حول معنى الألوهية وأوامرها فحيث أمرت أكون.. و لو اقتضت الضرورة لأجل حماية الدين من بروتوكولات حكماء العرب فإنني مستعد لكي أذهب إلى منتهى ما يمكن أن يذهب إليه أحد من البشر وهو أن "يذبح" ابنه ابتغاء مرضاة الله.

***

نعم.. لقد استدار الزمان اليوم مرة أخرى ليعود إلى سيرته التي كان عليها أيام إبراهيم عليه السلام عندما كان الشرك والوثنية يسيطران على فكر البشر ، والحقيقة أن قضية العصر الحاضر هي عين قضية العصر القديم. إما إيمان و إما كفر.
قلت لنفسي: يجب أن يستعد البعض مرة أخرى للذبح، ويجب مرة أخرى أن يُسكِن البعض أولاده في "الصحراء" لإحياء تاريخ الدين من جديد ولمقاومة بروتوكولات حكماء العرب. وكان القضاء على عصر الشرك يتطلب التضحية بنسل بشرى، واليوم نحتاج إلى تضحية مماثلة للقضاء على عصر الإلحاد. وهذا هو أكبر درس للحج، و"الحج المبرور" هو حج من يعود من الأراضي المقدسة بهذا العزم..
وأنا أشهدك يا رب أنني عزمت على هذا[7].
وكما كان الشرك يتمتع بالغلبة العالمية في عهد إبراهيم عليه السلام، فالإلحاد يتمتع بالغلبة العالمية اليوم. وواجب العائدين من الحج اليوم أن ينضموا جميعا إلىّ في مواجهة بروتوكولات حكماء العرب. ويجب عليهم أن يضحّوا في هذا السبيل بكل ما تقتضيه الأحوال منهم، فيجب عليهم أن يحوّلوا التضحية الرمزية إلى تضحية حقيقية.

هل كان المرسل المجهول يعني هذا عندما أمرني بالحج ؟ أن الحج عزم على إعادة هذا التاريخ بصورة رمزية في أيام الحج، وبصورة عمل مخطط في الحياة الحقيقية بعد انقضاء أيام الحج.

***

لبيك اللهم لبيك..
لبيك لا شريك لك لبيك..
إن الحمد والنعمة لك والملك..
لا شريك لك..


***

أتوقع اللقاء مع مرسل المخطوط في كل لحظة وفي كل خطوة لأنه لم يحدد زمانا ولا مكانا بل إنه لم يعد باللقاء وعدا صريحا..
توقعته في الطريق.. وتوقعته في المدينة.. وها أنذا أتوقعه هنا.. وإن كان يغلب على ظني أنه سيكون في عرفات.. لقد قال لي اذهب إلى الحج.. والحج عرفة..

***

أطوف مع الطائفين..
سبحانك..
سنة الوجود كله هي الطواف..
أتأمل ذلك النظام الكوني المعجز الذي تعتمد الحركة فيه على الدوران حول مركز معين إن الأرض التي نعيش عليها تدور في فلك خاص بها حول الشمس مرة كل عام. والقمر يدور في فلك خاص به حول الأرض مرة كل شهر عربي، كما أن الكواكب الأخرى تدور في أفلاك خاصة بها حول الشمس، ومعظم هذه الكواكب لها أقمار تدور حولها.فنحن إذن نعيش في كون لانهائي تعتمد الحركة فيه على الدوران الذي هو أشبه بالطواف، وكأننا بهذا نلفت الأنظار إلى ناموس كوني وسنة عامة تتجلى في الخلق كله. وإذا انتقلنا إلى عالم الذرة، فإنها تتكون من أجزاء أصغر تطوف حول المركز..

سبحانك..
لبيك اللهم لبيك..

لا يتخلف عالم الأحياء عن هذه السنة الكونية التي تدل على وحدة الكون ووحدانية الخالق، فقد كشف العلم الحديث من خلال تقنية المجاهر (الميكروسكوبات) أن "السيتوبلازم" في الخلية الحية يدور أو يطوف حول نواتها.[8]

وهكذا يتعدد الطائفون، سواء في حالة الإلكترونات حول نواة الذرة أو الكواكب حول الشمس أو الأقمار حول الكواكب مراكز المجرات، أو المجرات حول مركز كوني لا نعرفه، فالكل يسبح ويطوف مصداقًا لقوله تعالى: "كل في فلك يسبحون".

***
ليس من بقايا الوثنية إذن يا حصب جهنم يا جنود البروتوكولات والشيطان .. إنما هو يرمز إلى سر عظيم من أسرار الكون فكأن الكعبة المشرفة مركز للجاذبية الروحية التي ينبغي أن تكون بين العبد المؤمن وبيت الله العتيق، هذا البيت الذي يستقبله المسلمون ويتجهون إليه في صلاتهم خمس مرات على الأقل كل يوم وهم بعيدون عنه. وهذه الجاذبية الروحية هي القوة الخفية التي تجعل كل قادم يطوف حول الكعبة بمجرد الوصول إليها، تمامًا مثلما يطوف أي جِرم سماوي بمجرد وقوعه في أسر جاذبية جِرم آخر أكبر منه.

ولطالما بكيت خشوعا وانبهارا وحنانا عندما عرفت أن حركة الطواف واللف والدوران حول الكعبة هي انسجام مع حركة الكون؛ ذلك لأن الحركة المنضبطة هي الحركة جهة اليمين - عكس الحركة اليسارية لعقارب الساعة - وهذا هو عين ما يفعله الطائف بالبيت.. وهو ما تفعله الكواكب والنجوم والمجرات.

***
لبيك اللهم لبيك.
أطوف مع الطائفين..
أبحث بينهم عن المرسل المجهول..
أقارن طوافي بطواف الإليكترون حول البروتون و بطواف الشمس حول الأرض وبطواف الشمس حول المجرة بطواف المجرة حول الكون..

أهتف : لا إله إلا أنت سبحانك..
أقارن طوافي بطواف السيتوبلازم حول النواة في الخلية فلا أملك إلا أن أهتف: لا إله إلا أنت سبحانك..
لا إله إلا الله .. واحد أحد.. وحدة المنهج والنظام.. سبحانه.. تركيب الذرة ونظامها هو نفسه تركيب المجموعة الشمسية ونظامها.. والطواف هو ذات الطواف.. لكنني أشارك فيه.. فلا إله إلا أنت سبحانك..

وأصرخ: كيف جرؤا على الكفر..
كيف جعلوا بينهم وبين الله حمقهم.

***
لبيك اللهم لبيك..أطوف مع الطائفين..
أتذكر مراحل الجنين في الرحم حيث يلخص في دورته دورة الكائن الحي كله..
الحج أيضا يلخص في مناسكه الوجود البشري كله..
وما أشبه الطائفين في هذين الإزارين البسيطين بيوم النشور.

***
لبيك اللهم لبيك..ما من واحد من هؤلاء الطائفين إلا وهو مستعد أن يبذل ما يملكه كله حتى يصل إلى الحجر الأسود ليقبله..
ولكن ينادى للصلاة، فيتوقف الطواف فجأة، ويصطف الناس حول الكعبة، وترى الحجر الأسود وقد نسيه الجميع فكأنه لا يوجد.
أنت يا من كرمك الله تستطيع التوقف عن الطواف لأنك حملت الأمانة..
أنت يا من كرمك الله تستطيع أن تجعل من هذا التوقف مزيدا من الإيمان..
ليس الطواف إذن، وليس تقبيل الحجر الأسود سوى تنفيذ لأمر ..
فإن صدر أمر آخر له الأولوية نفذ على الفور..
تماما كما تصرف الصلاة الطائفين عن الطواف والمقبلين عن التقبيل.

لا إله إلا الله..
لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الجبار.
قمة التوحيد.
وكنت أطوف مع الطائفين..
وقلت لنفسي أن هذه القدرة المذهلة على التحكم في النفس والشعور هي عين ما يرعب أعداءنا.
نعم.. عشرات الآلاف.. بل مئات الآلاف يطوفون فما أن تقام الصلاة حتى يتوقف الطواف على الفور..
أي قدرة مذهلة على التحكم في الحركة وفي الشعور..
وعشرات بل مئات الآلاف يتنافسون تنافسا لا يمكن وصفه ولا تصوره على الوصول إلى الحجر الأسود.. فما أن تقام الصلاة حتى يتوقف كل ذلك على الفور..
أي قدرة هائلة مذهلة..
أي انتماء هائل مذهل.. ليس إلى الكعبة بل إلى رب الكعبة.. وليس إلى الحجر الأسود بل إلى خالق الحجر الأسود..
أي قوة هائلة سأملكها لو تمكنت من إقناع هؤلاء أن يقفوا معي للانتصار على بروتوكولات حكماء العرب.

***

لبيك اللهم لبيك..
لبيك لا شريك لك لبيك..
إن الحمد والنعمة لك والملك..
لا شريك لك..


أي قدرة مذهلة عند العالم والجاهل على حد سواء، عند الصبي والشيخ، الرجل والمرأة، قدرة مذهلة على استقبال الأمر وفهمه وتنفيذه على الفور.

أي جيش مذهل يمكننا أن نملكه لو قام على نفس هذا الأساس: الإيمان والتوحيد.. أي جيش مذهل يملك مثل تلك القدرة الهائلة على التحكم في كل هذه الجموع على مستوى الحركة ومستوى المشاعر في نفس الوقت..

وكيف أمكن أن يهزمنا أحد..

***

لبيك اللهم لبيك..

كانت أول دعوة دعوت الله بها أن ينصر الإسلام والمسلمين..

***
أطوف مع الطائفين..
أبحث عنه..أنتظره..
تخيلت لوهلة أن أجد أن من يطوف إلى جواري هو هو..
يا رب..
يا رب..
يا رب..

***
أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تنصر الإسلام والمسلمين..

يا رب.. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.. فاجعل أمر الكافرين علينا من حكام أعدائنا وحكامنا سهلا..

يا رب.. أعوذ بك أن نضل، أو نُضل، أو نزل، أو نُزل أو نظلم أو نُظلم، أو نجهل، أو يجهل علينا..

يا رب..

جاءنا ابتلاء الأولين وليس لدينا إيمانهم..
وما أشبه حال المسلمين اليوم بالحال التي وصفها الله عز وجل في محكم كتابه إذ قال: {إِذْ جاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا ، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً} [الأحزاب: 33/10-11].

تلك هي حال المسلمين اليوم تماماً كما وصفها الله سبحانه وتعالى بالأمس، مع فارق كبير، هذا الفارق يشكل الكارثة الكبرى؛ ألا وهي أن المؤمنين الذين أصابهم ذلك البلاء الذي وصفه الله عز وجل كانوا صادقين مع الله، أما المسلمون اليوم فأكثرهم خونة لإسلامهم، معرضون عن مولاهم وخالقهم سبحانه وتعالى، يوالون أعداءهم وأعداء مولاهم وخالقهم عز وجل.
تلك هي المصيبة التي ينفرد بها المسلمون الآن. هذه المحنة التي تدور رحاها على إخوة لنا هم بِضْعَة من جسد هذه الأمة الإسلامية الواحدة، هذا البلاء الماحق الذي كاد أن يَجْتَثَّهُم، هذا الذي ترونه مما لا يستطيع القلب أن يتصوره وأن يتمثله. ما هو موقف قادة الأمة العربية، ولا أتحدث عن الأمة الإسلامية كلها، ما موقفهم من هذا الذي يجري صباح مساء؟ لاشيء، لا يزال كل منهم منصرفاً إلى شأنه، إلى لهوه، لا يزال كل منهم منصرفاً إلى النهج الأمثل الذي ينبغي أن يحافظ به على عرشه أو على كرسيه يدرس ويستذكر ويطبق البروتوكولات التي تمكنه منا.

يا رب..


يا أرحم الراحمين ارحمنا وإلى غيرك لا تكلنا وعن بابك لا تطردنا ومن نعمائك لا تحرمنا ومن شرور أنفسنا ومن شرور خلقك سلِّمْنا.

اللهم يا من لا يرد سائله ولا يـُخيِّب للعبد رجاءه إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة متوسلين إليك بأسمائك الحسنى ما علمنا منها وما لم نعلم.

اللهم ردنا إليك رداً جميلاً . اللهم ردنا إليك وأنت راضٍ عنا .

اللهم اقذف رجاءك في قلوبنا واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحداً غيرك فأنت مولانا وَ وَلِيِّنا في الدنيا والآخرة يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم يا عظيم نسألك باسمك العظيم أن تَكْفِنَا كل أمر عظيم.

يا مُفَرِّجاً فَرِّجْ يا مُفَرِّجاً فَرِّجْ يا مُفَرِّجاً فَرِّجْ..
اللهم إنا نسألك ونتوسل إليك بذل عبوديتنا لك وبعظيم افتقارنا إليك، نسألك ونتوسل إليك بدموع الثكالى، بدموع الأطفال الذين يُتِّموا، بدموع الأُسَر التي شُرِّدت، نتوسل إليك يا مولانا برحمتك التي وسعت كل شيء، يا أرحم من سُئِل، ويا أكرم من أعطى، نتوسل إليك يا رب بعبادك الشُّعْث الغُبْر الذين لو أقسم عليك أحد منهم لأبررت قَسَمَه، نتوسل إليك يا رب بوعدك الذي قطعته على نفسك {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} نتوسل إليك بذلك كله بين يدي دعائنا وبين يدي أكفنا الـمُقْبِلة إليك نسألك اللهم أن تنتصر لإخواننا عبادك المستضعفين المؤمنين المظلومين.

يا رب :
ارفع مقتك وغضبك عنـا ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تعاملنا بما فعل السفهاء منا، ولا بما يفعل حكامنا..

يا كاشف كل ضر وبلية . يا عالم كل سر وخفية.

اللهم انقطع الرجاء إلا منك وأُغلقت الأبواب إلا بابك فلا تكلنا إلى أحدٍ سواك في أمور ديننا ودنيانا طرفة عين ولا أقل من ذلك وأعذنا من الشر كله واجمع لنا الخير كله يا أكرم من سئل وأجود من أعطى.

يا حي يا قيوم، برحمتك نستغيث..

اللهم إنا ببابك نقف فلا تطردنا وإياك نسأل فلا تخيبنا 
اللهم إنك تعلم أننا لا نملك من الجهاد الذي أمرتنا به في هذه الساعة إلا هذا الالتجاء، إلا هذا الرجاء، إلا أن نطرق بابك العالي يا رب العالمين، فنسألك بإيماننا بك، وبتوحيدنا لك، نسألك بأنك ولينا الأوحد الذي لا ولي من دونك، أن تستجيب الساعة دعاءنا فتنصر عبادك المؤمنين المستضْعَفين في فلسطين و أفغانستان والعراق والشيشان وكشمير وسائر بلاد المسلمين، وأن تردَّ عنهم كيد الكائدين بما شئت وكيف شئت يا رب العالمين.


اللهم انتقم من أعدائك وأعدائنا، اللهم انتقم منهم، اللهم انتقم من أعدائك وأعدائنا انتقاماً يشفي غليل صدور قوم مؤمنين يا رب العالمين يا أكرم الأكرمين.

اللهم انتقم من حكامنا الذين أذلونا هذه المذلة و أوصلونا إلى هذا الحال..

انتقم ممن يعلم البروتوكولات ومن يتعلمها ومن عرف بها فسكت عنها..

إلهي أنت القائل: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 11/102] أَرِنَا اللهم كيف يكون أخذك الأليم الشديد لهؤلاء المستكبرين عليك الطغاة على عبادك.

يا رب إن عبادك المؤمنين الذين يُسْحَقون ويُمْحَقون وإن كانوا قِلَّةً ولكنهم مؤمنون ولكنهم صادقون، اللهم إنهم قد رَخَّصُوا أرواحهم واستهانوا بحياتهم في سبيل مرضاتك، فنسألك اللهم بصدق إيمانهم بك وبصدق التجائهم إليك أن تستجيب الساعة دعاءنا. اِرفع اللهم هذا الكرب عن إخوتنا وجيراننا يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك ونتوسل إليك بحبك لرسولك محمد صلى الله عليه وسلّم الذي دعاك ليلة بدر قائلاً: ((اللهم إن تخذل هذه العصابة فلن تُعْبَد في الأرض)) ندعوك بما دعاك به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلّم، ونستمطر التلبية التي لبيت بها رسولك محمداً صلى الله عليه وسلّم، ننتظر النصر الذي أكرمت به رسولك محمداً صلى الله عليه وسلّم. نسألك اللهم بانتسابنا إليه، نسألك اللهم بأننا من أمته، نسألك اللهم بأننا صادقون على العهد سائرون على الدرب أن لا تخيّب آمالنا يا رب العالمين.

***

اللهم إنك قلت وقولك الحق ادعوني أستجب لكم ، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التِّكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

***

جلست في صحن الكعبة أتلو ما تيسر من القرآن الكريم..

في زمني الأول –قبل وصول المخطوط إليّ- كنت أقرأ القرآن بعقلي معظم الأحيان، وبقلبي أحيانا، لكنني في تلك السويعات التي لا أنسى حلاوتها أبدا رحت أقرأ القرآن بوجودي كله، والكعبة المشرفة أمامي، وكل شيء قد اختلف حتى شكل الحروف وصوتي، و أنا لا أكف عن القراءة مذهولا وثملا بنشوة لم أحسها قبل ذلك قط، وكنت إذ أقرأ مرعوبا من دخول وقت الصلاة لأنها ستقطعني عن قراءة القرآن وكأنني بالانقطاع عن التلاوة ولو بالصلاة سأنقطع عن الهواء الذي أتنفسه فإذا بدأت الصلاة أصبحت مرعوبا لأنها سرعان ما ستنتهي وكأنما بنهايتها سيتوقف تدفق الدماء في عروقي، أحسست ساعتها بقبس من الرحمة يشملني، قبس؟ بل طوفان، يغسلني، ويطهرني من درن الدنيا ونجاستها لأعود إلى براءة الخلق الأول وطهارته، وراح جزء من نفسي يخاطب جزءها الآخر في لوعة: يا أحمق يا مسكين، قضيت عمرك في الصحراء، شوتك الشمس، وجمدك صقيع الليل، وأدمت قدميك صخور كالحراب، و روعتك وحوش الفلاة، وغرقت فيما لم يكن لك به ضرورة لأن الطريق مقطوع مقطوع، بك أو بدونك، ذلك أن أمر الله نافذ و إن جلت على الأفهام حكمته، لكنك اخترت الطريق الوعر وغفلت أحمق يا مسكين عن طريق آخر كان بجوارك دائما، طريق يحفه الأمن والجلال والروعة والنشوة، طريق مرصوف بالجوهر مصفوف بالياقوت محوط بالملائكة، طريق القرآن، وتلك السويعات الفريدة التي أحاول منذ ذقت حلاوتها أن أستعيدها دون جدوى.

في تلك السويعات كنت أكاد أصرخ:
- هل أريد من الدنيا شيئا آخر؟، هل توجد في الدنيا سعادة أكثر من هذه؟
ثم ما ألبث حتى أستدرك:
- بل هل أطمع في الآخرة في نشوة أكثر من تلك.؟ يكفيني هذا، يكفيني ويزيد، تهبط على قلبي السكينة ويغرقني الحب، فالبشر جميعا ليسوا إخوة فقط، بل إن تلك الشمس بكل ما فيها من نار هي أختي في الخلق، وهذا القمر بكل ما فيه من ضياء هو أخي، خلقنا نفس الخالق البارئ المصور جلت قدرته وحكمته فهو البديع. وجميعهم يسبح مثلي ويسجد.

تذكرت أنه عندما تقدم العمر بسيدنا خالد بن الوليد أخذ المصحف وبكى .
وقال: أشغلنا عنك الجهاد .
بكيت بكيت بكيت بكيت..
يا سيدنا خالد، أشغلك عنه الجهاد فتبكي.
فماذا لو كنت مثلنا و أشغلتك عنه الدنيا.
بل تشغل الدنيا أهل الكعبة عنها.. فيستحلونها..
نعم.. يستحلونها ..فلا يستحلُّ البيت الحرام إلا أهلُه، فإذا استحلوه يصيبهم الهلاك ثم يخرج رجل من أرض الحبشة يقال له ذو السويقتين فيستحل البيت الحرام ويخرب الكعبة وينقضها حجراً حجراً ويسلب حليتها ويجرِّدها من كسوتها وذلك في آخر الزمان ولا يُعمر البيتُ بعد هدمه أبداً.
وأبكي.. لا أتصور مكة بغير الكعبة.. ولا أتصور الدنيا بغير مكة..
....


كنت ساعتها جالسا أمام الكعبة لا يشغلني عن القرآن شيء، وجاءتني الإشارة والبشارة، كنت أجلس على حافة ممر، وجاء الجندي ليخلي الممر وجذب الكثيرين جدا ممن أمامي ومن خلفي كي يخلي الممر للمصلين، لكنه تركني، قلت لنفسي لعلى لم أتجاوز المسموح ولعله لم يرني، لكنه بعد حين تصنع أنه يسلم علي ليهمس في أذني:

- لقد تركتك متعمدا.
وتهاطلت دموعي تسبح:
- لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لك الحمد.
شككت للحظة أنه من أنتظر: المرسل المجهول..
لكن سرعات ما شغلني القرآن عنه..
وساعتها كنت أحس كما لو أن خواصا جديدة أضيفت إلى سمعي وبصري وقلبي وعقلي فأصبحت أسمع ما لم أكن أسمع و أرى ما لم أكن أر و أحس بما كان لا يمكنني الإحساس به فأفهم ما لم أكن أفهم، بل حتى صوتي قد تغير وأصبح لنبراته في ترتيل القرآن رنين لم أسمعه قبل ذلك أبدا. كان الصوت طوفانا ملموسا ومحسوسا من النور ولم تكن الحنجرة مصدره بل من القلب كان يأتي، ولم أكن-ساعتها- أسمع بأذني وحدها.كان القلب أيضا هو الذي يسمع وكانت نياطه هي التي تهتز، من أجل ذلك كنت أسمع هدير صوت النجم الثاقب، هل تخيل أحدكم يوما، وهو الذي تعود أن يزعج مسامعه صوت طائرة تحلق، هل تصور كيف يكون صوت هدير دوران الأرض حول الشمس، بل صوت دوران الشمس نفسها، هل تخيل أحدكم أن يرى أبعد من فرسخ أو فرسخين، فكيف بمن يرى سرعة الضوء التي يتسع بها الكون ويتمدد، هل أطعنا القرآن هل تدبرنا هل أحسسنا هل عقلنا؟؟؟؟.

كنت جالسا أقرأ القرآن، أخشى أن يفرط القلم فيفرّط، فلم أكن أقرأ بقدر ما كنت أذوب، وكنت أتعبد بالنظر إلى الكعبة، وكان إخوتي من الناس يطوفون حولها تسبيحا وعبادة، فاض الحب فطغى، أصبح الإخوان إخوة و أصبح الإخوة أشقاء، وفي نفس الوقت، كانت النجوم أمة يطفن في السماء تسبيحا لله وعبادة، كن يسابقنني، وكان القمر أمة يدور طوافا وعبادة.

وكان اتجاه الدوران كله هو اتجاه الطواف حول الكعبة..

***
وكنت أبحر في بحر القرآن ذلك الإبحار الممتع الذي يجعلني لا أريد أن أعود إلى الشاطئ أبدا، تمنيت أن أظل كذلك حتى أموت، وطاف بخاطري أنه لو تحققت أمنيتي فإنني لن أحس بالموت، سوف يكون مجرد انتقال ما أبسطه وما أهونه، مجرد جلباب رثَّ واتسخ فآن أوان استبداله، أما من داخل الجلباب القارئ للقرآن فسيظل يقرأه لا يشعر حتى باستبدال ثوبه.

هل كانت تلك السويعات هي اكتشاف سر اسم الله الأعظم الذي يذهب بعض العلماء إلى كونه حالة وجدانية يكون أي اسم من أسماء الله فيها هو اسمه الأعظم.؟.
ربما..
لكنني أعترف، أنني أبدو أمام نفسي كمن أضاع أثمن شيء في حياته التي لا يبقيه عليها إلا الأمل في العثور ذات يوم على ما فقد.
أبدو أمام نفسي كشخص دخل الجنة ثم أخرج منها.
هل يوجد ثمن في الدنيا ينكص هذا الشخص عن دفعه حتى يعود إليها؟!.
تضاءلت الدنيا. . وحتى اهتمامي بالمرسل المجهول قد تضاءل..!!



لبيك اللهم لبيك.."2"
في عرفات




كنت على مشارف عرفات ألبى..

وكان قلبي مشغولا بالمرسل المجهول للمخطوط..

هل ألقاه حقا؟.. كيف ألقاه؟.. أين ألقاه؟؟..
هذه هي المحطة الأخيرة..
لا.. لا .. ليست الأخيرة.. بقيت المزدلفة وبقيت منى..

لبيك اللهم لبيك..

كان الرهط الذي تعرفت عليه قد وثق بى.. اشتدت الثقة حتى اضطررت لأن أقسم لهم أنني لست المرسل المجهول للمخطوط.. وأنني لست سوى حافظ ناقل ناشر.. ما يميزني عن سواي أنني أحتفظ بالنسخة الأصلية للمخطوط.. بينما ما يتداول بين الناس نسخ مصورة أو منقولة كي يزيد فيها من يزيد وينقص من ينقص.. بل ويحرف من يحرف.. فلقد لاحظت والنار تحرق قلبي أن بعض الناس ممن زعموا أنهم سيتبعونها زادوا عليها ما ليس منها خدمة لمصالحهم.

وأنا أحدثهم انفجر سؤال في قلبي كالنزيف وكالنار..

كيف لم أفطن..

لقد اشتد تركيزي طيلة الوقت على حكامنا وولاة أمورنا.. مدركا أن السمكة حين تفسد فيها الرأس تفسد.. لكن.. لماذا لم أمد بصري كي أرى أكثر.. لماذا لم أر إلا جلالة الجلالات وفخامة الفخامات وسمو السموات.. لماذا وقر بخاطري أن الأمر قد اقتصر على ذلك الحكيم الشيطاني الذي يعلمهم حكمة الرؤساء والملوك.. لماذا لم أتصور أن لذلك الحكيم الشيطان أتباعا وتلاميذ ومساعدين.. وأن هؤلاء الأتباع والتلاميذ والمساعدون أقل قدرا من أن يحاضروا بين الملوك.. لكنهم يذهبون إلى الآخرين.. لماذا لم أضع بين احتمالاتي أن واحدا منهم يذهب إلى علمائنا كي يمسخ من يستطيع أن يمسخه منهم خنازير وقردة.. لماذا لم أضع في حسباني أن واحدا منهم يذهب ليعلم الصحفيين كيف يكذبون وكيف ينافقون.. وأن آخر يذهب إلى القضاة يدربهم كيف يكونوا من قضاة النار.. كيف يتعلمون القانون لا ليطبقوه بل ليهدروه.. لماذا لم أتصور أن واحدا منهم يذهب إلى جهاز العسس.. فيعلمهم كيف يكونون أشد ضراوة من الوحوش وأكثر شراسة من كلاب الصيد.. لماذا لم أتخيل أن آخر يذهب إلى الوزراء.. وآخر لوكلائهم.. وآخر للشعراء وآخر للكتاب وآخر.. وآخر .. وآخر.. كيف عميت بصيرتي وانطمس عقلي.. بل كيف جاز لي أن أتصور أن الرجل الشيطاني الذي يعلم الملوك كيف يكونون ملوكا والرؤساء كيف يكونون رؤساء والأمراء كيف يكونون أمراء .. كيف جاز لي أن أتصور أنه فرد لا هيئة أخطبوطية تحيط بنا كما تحيط خيوط العنكبوت بذبابة.. كيف انطلى على عقلي الكليل أن يحسب ولو للحظة أنه واحد وليس مؤسسة هائلة.. وأنني إذا انتويت الجهاد والتصدي لن أواجه فردا.. بل جيشا عرمرما..

لبيك اللهم لبيك..

اقترب منى الرجل الحادي عشر.. رجل بلد الـ"بدون".. همس لي..:
- هناك سر يثقل على قلبي أريد أن أفضى إليك به.. ففي بلدنا كما تعلم جاوز عمر حاكمنا تسعين عاما.. ولقد انقلب على ملكنا السابق وقتله.. ظل ستين عاما يعدد عيوب النظام الملكي ويمن علينا أنه قد قضى عليه.. فرحنا به في البداية وتبادلنا التهاني ولكننا بعد ذلك بكينا على أيام بكينا حينها منها.. في منتصف سنته الخامسة والثلاثين في الحكم أمسك هو عن التنديد بالملك.. كان هو أسوأ من الملك ألف مرة.. وكان أكثر شرا حتى من كل ما قيل عنه.. اتفق مع الأعداء ونحن نعلم أن يبيعنا ويبيع الدين مقابل الحكم.. وباع .. وباع .. وباع.. ولم يعد لدى الناس أمل في أي تغيير قبل أن يأتيه عزرائيل.. ستون عاما من الأمل.. ستون عاما من الصبر.. ستون عاما من الترقب.. ستون عاما من الانتظار.. ستون عاما من اليأس.. ستون عاما من التعذيب.. ستون عاما من التزوير.. ستون عاما من الكذب.. ستون عاما من مطاردة من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله..

نظرت إليه في دهشة فليس في كل ما قال أي سر.. فواصل:
- مات معظمنا قبل أن يحمله مركب الصبر إلى مبتغاه.. لكن بقى الأمل في أن حاكمنا لا يمكن أن يعيش أكثر مما عاش.. كنا كمن أشرف على الغرق.. فجاهد وجاهد وجاهد وقاوم وقاوم وقاوم حتى أعماه الإعياء لكنه أحس باقتراب الشاطئ .. ثم فجأة إذا بموجة هائلة تدفعه إلى أبعد مما كان..
نظرت إليه مستزيدا كي أفهم فواصل:
- لم أفهم كيف يصنعون الرؤساء والملوك إلا بعد أن قرأت ما وصلني من "بروتوكولات حكماء العرب" هي التي كشفت لي السر..

فنظرت إليه مستزيدا كي أفهم.. فقال :
- هل رأيت كيف صنعوا بوتن ملك الروس ؟..
فأومأت فواصل:
- حاكمنا العجوز يدبر ويخطط.. يعلم كم يبغضه الناس.. ويعلم أن اللحظة التي ينتقل الحكم فيها إلى من سواه فإن الناس قد تنبش قبره لتفعل في رمسه ما عجزت أن تفعله به..

نظرت إليه مستزيدا فقال:
- يخطط الذئب العجوز للانتخابات المزورة القادمة.. سوف يدفع ابنه للترشيح في واحة بعيدة عن العاصمة.. وبالتزوير سوف ينجح.. وفى جلسات مجلس الشيوخ الأولى سوف يهاجم نظام حكم أبيه.. سوف يهاجم الفساد والظلم والقهر والطغيان والكذب والرشوة والمحسوبية وجميع ما تعرف.. سوف تكون تمثيلية مدبرة.. فما من عضو في مجلس شيوخنا إلا وهو خصي باع رجولته كي يتاح له شرف الاطلاع على عورة سيده.. سوف يقوم كل خصي بما أسند له.. وسوف تتم التمثيلية الكبرى بل المهزلة.. سوف تؤيد الأغلبية الخصية الابن ضد أبيه.. وسوف تحشد المظاهرات لتأييد الابن ضد أبيه.. وسوف يتظاهر الذئب العجوز أنه لا يملك سوى الاستسلام أمام رغبة رعيته .. سوف يسألهم عما يريدون .. وسوف ينفجر الناس بالنشوة للنصر الكاذب.. فيدسون بينهم من يقودهم للمظاهرات التي تطالب بالإبن خلفا لأبيه.. ويتصنع الذئب أنه ينزل على أمر الجماهير.. وهكذا.. سوف يصل الابن إلى منصب الحاكم كمطلب جماهيري.. لنبدأ ستين عاما أخرى ننتظر فيها عزرائيل..[9]

***

لبيك اللهم لبيك..
لبيك لا شريك لك لبيك..

***

كنا قد وصلنا إلى جبل الرحمة..
أسترجع خطى حبيبي..
أتذكر خطبة الوداع..
وأبكي..
هل ها هنا كانت تقف ناقتك القصواء يا حبيبي؟..

يا شفيعي يوم القيامة..
يا من برسالته خرجت من ظلمة الظلمات إلى النور..
يا من أدى إلينا أمانة ربه.. وبلغنا رسالته.. ليضيعها ولاة أمورنا .. ولنضيعها.. فكيف وقد ضيعناها نأمل في نجاة..

كنت أواجه الصخرات من جبل الرحمة..
وكان قلبي بين ضلوعي يسجد.. وكان الجبل يسجد وكانت الشمس تسجد..

وكنت أقول لنفسي كيف نواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حين يأتي الله به علينا شهيدا..
وقلت لنفسي أننا وحق جلال الله الذي ما قدروه حق قدره نؤمن.. لكن ولاة أمورنا لا يصدقونك يا حبيبي..
إنهم على دين ذلك الفاجر الذي أجابك إذ تدعوه :

" والله لا أكلمك كلمة أبدا، إن كان الله أرسلك كما تقول فأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، وإن كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك"..

يقولون ذلك يا حبيبي ثم يغرون بنا سفهاءهم وعبيدهم وعسسهم ورؤساء تحريرهم وقضاتهم يسبوننا ويسخرون بنا ويطاردوننا ويعتقلوننا ويقتلوننا ..

كنت أواجه الصخرات..
ولم يكن هناك إمام أعظم.. فما من إمام أعظم اليوم في أمتك يا حبيبي إلا منفىُّ أو مأسور أو معتقل أو مقتول أو هارب..
كنت أواجه الصخرات من جبل الرحمة..
وكانت عيني تدمع وقلبي يسجد ولساني يدعو.. فيشكو إلى الله ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على أعدائنا وأعداء الله بعد أن تحالف ملوكنا مع أعداء الله علينا..

كنت أصرخ:

يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا ، لمن تكلنا؟.. إلى عدو ملكته أمرنا؟ .. أم إلى ملوك جعلوا همهم في الدنيا أن يجففوا منابع دينك.. وأن يطاردوا أولياءك في أربعة أركان الأرض .. إلى من تكلنا ؟!.. إلى أمير خان ورئيس هان فمالئوا يا رب علينا عدونا وعدوك.. أم إلى عسس كان عليهم أن يسعوا في الأرض كي ينفذوا يا رب أمرك فإذا بهم لا يسعون في الأرض إلا ليبطشوا بمن يقوم بأمرك.. أم إلى قضاة كان عليهم أن يحكموا بيننا بشرعك .. فإذا بهم يا رب يبيعونه بعرض الدنيا الزائل فيبلغ بهم الفجور أن يحكموا على من ينادى بشريعتك وشرعك..

يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا ، لمن تكلنا؟.. إلى أبى جهل يسوسنا؟؟.. –نعم..أبو جهل.. فقد أعادته البروتوكولات هو وإخوانه إلى الساحة حية فتية- أم إلى أبى لهب وقد مالأ علينا عدونا وعدوك.. وإلى الملك الضليل.. والحافظ لدين الله فما حفظ والمنتصر بدين الله وما انتصر.. والمستعين بالله ولم يستعن إلا بالشيطان.. والمعتصم بالله ولم يعتصم إلا بالغرب.. والمتوكل على الله ولم يتوكل إلا على التعذيب والتزوير.. .. هؤلاء يا رب هم أمراؤنا وملوكنا وحكامنا وقوادنا ووزراؤنا ورؤساء هيئاتنا وعسسنا وقضاتنا ورؤساء تحريرنا وكتابنا الذين تنشر مقالاتهم في أكبر الصحف بأضخم الأبناط.. ثأرنا منهم يوم القيامة عندك..

إلى من تكلنا..
أنت الحق لا حق إلاك..
وقد ابتليتنا.. فخفف علينا ابتلاءك.. نحن عبيدك.. نحن الضعفاء لكننا لا نؤمن بسواك..
ابتليتنا بهم يا رب.. فعلمنا كيف نواجه الابتلاء لننتصر على البلاء..
خارت قوانا يا رب..
من يحصى من قتل منا يقول لم يسجن ولم يعتقل أحد..
ومن يحصى من سُجن أو اعتقل يقول لم يقتل أحد..
من يحصى من قاوم منا واعترض يقول لم يوافق ولم يستسلم أحد..
ومن يحصى من وافق واستسلم يقول لم يعترض ولم يقاوم أحد..
ولقد حاولنا وعزتك وجلالك..
حاولنا..
حاولنا حتى بلغت القلوب منا الحناجر .. فاستيأسنا..
نعرف أننا لم نحاول كما ينبغي أن تكون المحاولة..
ولم نحبك كما كان ينبغي أن نحبك..
ولم نستشهد في سبيلك كما كان يجب أن نستشهد..
نعرف يا رب أنك أخذت علينا العهد والميثاق فنسينا الميثاق وخُنّا العهد..
نعرف فنستغفر فنتوب ..
ونعرف أن الأولى بنا أن نستغفر عن استغفارنا لأننا لم نعرف كيف يكون الاستغفار وأن نتوب عن توبتنا التي لم تعرف كيف تكون التوبة..

خطاءون يا رب نحن لكننا عبادك التوابون فألهمنا كيف نواجه الابتلاء.. أعنا وأرنا فيهم يا رب آية..
خطاءون نحن يا رب.. لكننا توابون..

ضعفاء نحن يا رب .. ولم يعد لها من دونك كاشفة فلو خرجنا عليهم هلكنا.. ولو أطعناهم هلكنا.. ولو دخلنا إلى دورنا هلكنا..

حاصرونا يا رب.. ملكوا علينا أقطار الأرض.. خاننا أمراؤنا وشيوخنا فانحازوا إليهم.. وأمية بن خلف يقود جيشا من ألف ألف لا همّ لهم إلا اقتناص من يقدس اسمك ويطالب بتنفيذ شرعك.. وليس لنا من ناصر سواك.. فانصرنا..
خذلنا أنفسنا ونبينا يا رب فلا تغضب علينا .. نعوذ بنور وجهك من أن ينزل بنا غضبك، أو يحل علينا سخطك..

نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة

أحبنا يا رب واجعلنا نحبك وامنحنا نصرك..
تب علينا..رحمتك بنا لا عدلك فينا.. فلو لم تدركنا رحمتك نخسر الدنيا والآخرة..
أحبنا.. نعوذ بك أن تذهب بنا لتأتى بقوم تحبهم ويحبونك فتنصرهم.. أحبنا نحن يا رب .. وأرنا من بريق النصر ومضة..
اغفر لنا واحمنا وتب علينا وانصرنا..
إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لنا، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.

***
هل ها هنا كانت تقف ناقتك القصواء يا حبيبي..
وها هنا يا حبيبي كنت تقول :
" أيها الناس ، اسمعوا قولي ، فإني لا أدرى لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ..
أيها الناس ، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم ، فيسألكم عن أعمالكم "..


هل ها هنا كانت تقف ناقتك القصواء يا حبيبي.. فليتني كنت منها شعرة أو حتى بعرة وليتني كنت تحتها ذرة رمل عسى الله أن يعتقني لكنني خلقت بشرا وحملت أمانة لم أؤدها ..


هل هاهنا كانت تقف ناقتك القصواء يا حبيبي إذ رحت تبلغنا الرسالة:
" أيها الناس ، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً ، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم ، فاحذروه على دينكم.."..
حتى هذا لم نحافظ عليه ..
فلكأنك قصدت قوما سوانا يا حبيبي.. صدقت وكذبنا .. فالشيطان يرتع الآن في أرضنا ويُعبد.. وليس بيننا وبين ولاة أمورنا يا حبيبي شأن من شئون الدنيا لكنه إما إيمان وإما كفر .. وقد اخترنا فسطاط الإيمان يا حبيبي.. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض .. ولسنا ندرى والله ما نفعل.
هل ها هنا كانت ناقتك القصواء يا حبيبي..
وهل ها هنا كنت تقول:
" أيها الناس ، اسمعوا قولي واعقلوه ، تعلمنّ أن كل مسلم أخ للمسلم ، وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه ، فلا تظلمن أنفسكم"..

لكننا ظلمنا أنفسنا يا حبيبي..

***

لبيك الله لبيك..
لبيك لا شريك لك لبيك..


***
بعد الزوال كان إمام يخطب.. لم أكن أتابع ما يقول.. كانت عيناي تبحثان عن المرسل المجهول .. كيف سيظهر أين سيظهر متى سيظهر.. والإمام يخطب.. وأنا أبحث.. وبرق البصر في عين التقت بعيني ..
خفق القلب..
خفق القلب..
خفق القلب..
قلت لنفسي هذا هو..
كانت ملامحه أليفة على عيني..
لست أدري كيف..
قلت أكلمه..
قلت لا تكشف سرك إن كان هو سيكلمك..
ارتفع صوت الإمام الذي يخطب:
- "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"..
فرجع الرجل القهقرى وهو يقول:
- بلى والله.. آن يا رب..
وأنا أسمعه وأراه وأتابعه..

بدأت أتذكر..
لقد رأيت هذه الملامح مرة في المنام..
لكنني رأيتها مرة أخرى..
أين ؟ لا أتذكر..
وبغض النظر عن رؤية البصر فقد رأيته بالبصيرة..
هذا هو المرسل المجهول وليس لدي شك في ذلك.. وشبح البسمة الذي رأيته على وجهه منذ لحظات رأيتها قبل ذلك..
أنا واثق أنني رأيتها قبل ذلك..
أين..أين..أين ..أين..
آآآآآآه..
هل هذا معقول ..

هذا الرجل هو من ظننته رئيس الجند في الحرم النبوي.. بجوار القبر الشريف.. عند الروضة..
بلغ بي الانفعال أقصاه..

تخلى عني عقلي فضاع حرصي.. صرخت فيه:
- أنت المرسل المجهول.. أنت المرسل المجهول.. أنت المرسل المجهول..
واجهني بنفس الابتسامة..
ابتسامة غامضة لم أفهم معناها أبدا..
سرى في جسدي ما يشبه الكهرباء..
اندفعت نحوه كي أصافحه.. كي أعانقه.. كي ألثم وجهه ويديه.. كي أشكره..


ولكن قبل أن أصل إليه إذا به يصرخ صرخة هائلة فيسقط على الأرض فأنكب عليه فيسرُّ لي بكلمات فأنكبُّ على يديه .. فتهولني برودتهما فأكتشف أنه قد قبض فأصرخ صرخة عظيمة وأسقط مغشيا على فيحملني الرهط إلى الخيمة تصرعني الحمى فأفيق على الثلج على رأسي وقدمي فيغشى على فأفيق فأسمع من يقول منهم: أنت إذن؟! فأقول : أنا ماذا؟.. فيقولون: قلت كل ششيء تحت وطأة الحمى فغشى علىّ.. فأفقت فسمعتهم يقولون: انتشرت البروتوكولات جميعها بين الحجاج جميعهم.. فغشى علىّ فأفقت.. فسمعت من يقول لن يستطيعوا حبسها عنا بعد اليوم .. فجزاك الله عنا خيرا .. فالآن فهمنا ما التبس علينا فغشى علىّ فرأيت الرجل.. كان حيا.. وكان يطير في الهواء ويحلق في السماء فنظر إلىّ باسما.. قال : أولم تفهم.. قلت بلى.. فأفقت فنسيت ما كنت قد فهمت أو أنسيت فغشى علىّ فرأيت أبى.. وكانت قدماه في الأرض ورأسه في السماء.. وكنت أراه.. وكانت أمامي مخاضة لم أعرف إن كانت ماء أم كانت زيتا أم كانت شمعا .. فسرت على الماء فغرقت في الهواء فعلمت أنني أنتقل من حال إلى حال فصرخت : واكرباه.. فنظر أبى إلىّ مواسيا ومشجعا وهو يقول : لا كرب عليك بعد اليوم.. كان كبيرا جدا أكبر من أي إنسان على وجه الأرض وكنت صغيرا جدا أصغر من أي طفل على وجه الأرض وكنت أبحث عن يده أقبض عليها كي أشعر بالأمان.. فنظر نحو إصبعي قدمي الصغيرين وقال لا تحتاج مزيدا.. ثم وجدته يعاتبني بمرارة: ألم أعلمك ألا تأخذ الحلوى من الغرباء ؟ فصرخت فيه: هل كانت مسمومة؟ وجاوبني الصمت فسألته : وذلك الرجل هل كان من فريق البروتوكولات؟ وساد الظلام فسألته: هل اتبعوني إلى هنا ولم يكن ثمة إجابة فقلت: قتلني الكلب.. قتلني الكلب.. قتلني الكلب.. ثم أردفت : كنت أريد السيف لا السم ودما مهراقا يضعه الله في ميزاني يوم القيامة ثم صرخت فيه يا أبي سيبتّكون الجينوم فأجابني باستهانة فهل يستطيعون أن يبتّكوا الأرواح. فأفقت فوجدت بعضهم يرعاني ويغير الثلج على رأسي وعلى قدمي.. وقلت لهم.. احذروا فالعسس يتبعونا ورجال الشلطان يحاصروننا.. سيستولون على أصل المخطوط.. الغوث الغوث والنجدة النجدة.. ساعدوني يا حجاج بيت الله.. ساعدوني يا حجاج عرفات.. في يدكم أن تغيروا التاريخ لكن افهموا واجتمعوا واتحدوا.. النجدة.. يكادون يصلون إلينا.. أشم رائحة.. رائحة الذئاب والكلاب والثعالب.. أشمهم.. أسمعهم.. احملوني إلى جبل الرحمة.. وكان البعض الآخر يقرأ


المصدر


السبت، 29 أغسطس 2015

دولة الكانتونات " سوريا سابقًا "

دولة الكانتونات " سوريا سابقًا "



شريف عبد العزيز
هواجس التاريخ أرهقت الواقع بشدة ، وأشباح الماضي ما زالت تطارد الحاضر وتحاصره في كل مكان ، وذكريات الماضي أضحت خريطة عمل يسير وفْقَها الجميع ، سواء شاءوا أم أبَوا ، علموا أو جهلوا ، قصدوا أو غفلوا . فالجميع اليوم في سوريا يعمل على قدم وساق من أجل تقسيم بلاد الشام المباركة ، بعد أن آلت الوقائع والأحداث إلى التراضي بين الجميع ، على تمزيق الجثمان المسجى بلا حراك ، على موائد الاتفاقيات السرية والتوافقات الضمنية ، بعد 4 سنوات مُضنيات ، تحولت فيها أحلام أطفال درعا الوردية بالحرية إلى أسوأ كوابيس العصر ، وأبشع مشاهد الزمان .

حديث تقسيم سوريا في التاريخ بدأ في شهر مايو 1916 عندما أبرم وزير الخارجية الفرنسي فرانسوا جورج بيكو اتفاقاً سرياً مع نظيره البريطاني مارك سايكس لتحديد مناطق نفوذ دولتيهما في المشرق العربي، ونصت المعاهدة في صيغتها النهائية على منح فرنسا كلاً من: الموصل وسوريا ولبنان، ومنح بريطانيا جنوب بلاد الشام والعراق ، بعدها شهدت السنوات الأربع التالية اعتماد الخريطة السياسية للمشرق العربي من خلال وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917، ومعاهدة "سيفر" التي قسمت منطقة الهلال الخصيب وفق أطماع القوى الأوروبية عام 1920، ومعاهدة "سان ريمون" التي نصت على وضع سوريا والعراق تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني تباعاً في العام نفسه .

وإمعاناً في تفتيت المشرق العربي وضع صليبو فرنسا خطة التقسيم الطائفي للمنطقة؛ فأعلنت إنشاء دولة لبنان الكبير ، ودويلة حلب ، ودويلة العلويين في شهر سبتمبر 1920 ، ودويلة جبل الدروز في أبريل 1921، ودويلة دمشق التي اتخذت من العاصمة اسماً لها، كما فرضت نظامي إدارة محليين في إقليم الجزيرة وسنجق الاسكندرونة . ثم عادوا وضموا دويلات حلب ودمشق في دويلة واحدة سنة 1924 ، ثم ضموا إليهم مناطق العلويين والدروز سنة 1936 ، وأُعطي لواء الاسكندرونة إلى تركيا ، واستقر الشكل النهائي لبلاد الشام إلى دولتين ، سوريا ولبنان سنة 1939.


أشباح الماضي وهواجس التاريخ عادت للظهور بقوة في أتون حالة الفوضى التي انتابت الشرق الأوسط ابتداء من عام 2011؛ فقد عاد الولع الغربي بخارطة المنطقة؛ إذ بدأت تظهر رسومات جديدة وخرائط مستحدثة لإعادة تقسيم المشرق العربي وفق مصالح القوى الدولية المتنافسة ، واستدراك أخطاء سايكس بيكو القديمة التي فاتها البناء على ميراث الابداع الفرنسي في التقسيم وفق الطائفة والدين ، ليس وفق القومية ، كما حدث والذي أنتج دولا كبيرة الحجم ، شاسعة الأرجاء ، يصعب السيطرة عليها . 
وتوالت الدراسات والاقتراحات من دوائر صنع القرار في أمريكا بشأن مشاريع التقسيم ، أبرزها دراسة خرائطية نشرها "معهد دراسات الحرب" لتقسيم سوريا إلى رقعة شمالية شرقية يسيطر عليها الأكراد، وأخرى وسط وشمال غربي البلاد تسيطر عليها المعارضة السنية في حلب، وثالثة يسيطر عليها النظام العلوي وتتضمن محافظات: دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس، ونشر "مركز ويلسون" دراسة أخرى ضمّنها خريطة تقترح فض الاشتباك بين المعارضة والنظام على طول الخط السريع بين دمشق وحلب، بحيث تصبح دمشق وحمص وحماة ومحافظات الساحل تحت حكم النظام، وتخضع القطاعات الشمالية والشرقية للمعارضة.

التطورات الميدانية ، والوقائع اليومية ، والتدخل التركي بإنشاء منطقة عازلة في الشامل السوري ، والزيارات السرية والجولات المكوكية التي يقوم بها كبار مسئولي الأسد وإيران أمثال على المملوك وقاسم سليماني في المنطقة والخارج والتي يناط عنها اللثام يوما بعد يوما ، والبنود المثيرة في الاتفاق الأخير الموقع منذ أيام لوقف إطلاق النار بالزبداني بين المعارضة والنظام سوريا وحزب الله الشيعي ، والتراجع الكبير ، والانسحاب الواسع لقوات الأسد من مناطق المواجهة مع المعارضة في نقاط كثيرة ومتنوعة على الخريطة ، كلها أمور تقود إلى البدء فعليا في تنفيذ مشروع تقسيم سوريا إلى كونتات طائفية ، ودويلات صغيرة على الجهات الأربع.

فلعدة أشهر، لاحظ المحللون تراجعا إلى "دويلة" لا مفر منها نظرا لإنهاك قوات الأسد والنقص الحاد في المقاتلين الموالين ومحدودية الموارد الإيرانية وكذا المكاسب الميدانية التي حققها الثوار في الشمال وجنوب البلاد .وفي هذا السياق، يعلق الباحث "جوشوا لانديس"، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما قائلا:
" بدا المحللون مُجمعين على الاعتقاد بأن الأسد في تراجع كامل إلى "جيب" أكثر تحصينا يمتد من اللاذقية على ساحل البحر المتوسط في شمال غرب إلى دمشق . فمع تراجع قوة نظام الأسد في الآونة الأخيرة، أصبحت تطلعات النظام للعودة إلى الاصطفاف على الشاطئ في كيان خاص يحافظ على شكل نظام الأسد لقتال المعارضة من نقطة ارتكاز جديدة بخلاف دمشق التي أصبحت شبه محاصرة، وفي هذه الأثناء يتم تداول أحاديث إقليمية عن هذه الضرورة من جانب إيران التي ترى أنها ربما تضطر إلى حماية الأسد في اللاذقية بدلاً من دمشق ، كذلك هناك قوى إقليمية عربية تدرك ما يرنو إليه نظام الأسد في سوريا حال سقوطه في دمشق، أظهر ذلك العاهل الأردني، الذي دعا المعارضة السورية إلى أن تمد يدها إلى العلويين، بحيث يشعرون بأن لهم مصلحة ومكانة في مستقبل سوريا والعمل لضمان إشراكهم في عملية الانتقال السلمي، كما حذر من احتمال لجوء الرئيس السوري بشار الأسد إلى تكوين "جيب علوي"، بهذا صارت الدولة العلوية شبحًا جديدًا يرواد الإقليم.
هناك العديد من الشواهد والاجراءات التي تتخذ على الأرض من أجل تكريس قيام دولة الساحل التي ستكون فاتحة التقسيم الطائفي لسوريا . فلقد حرك النظام باتجاه تثبيت قواته في المناطق الساحلية، وتقوية دفاعاته في اللاذقية عبر تشكيل فصيل علوي جديد يطلق عليه: "درع الساحل" ونشر 1500 مقاتل من الميلشيات الإيرانية في مختلف نقاط المراقبة وحواجز التفتيش لمنع غير القاطنين في المحافظات الساحلية من الدخول إليها، وإصدار قرارات تنص على أن لا يدخل محافظتي اللاذقية وطرطوس إلا من يثبت أنه من مواليدهما، أو مالكاً لعقار، أو مستأجراً فيهما، أو عاملاً

في إحدى مؤسساتهما، إضافة إلى منع تجديد عقود إيجار المساكن لغير أبناء الطائفة العلوية في مدن الساحل وقراه الخاضعة لسيطرته ، وتتزامن عمليات الحشد الطائفي والعزل المناطقي في الساحل السوري مع جهود يبذلها النظام لفرض حدود شرقية للإقليم العلوي المفترض، حيث تم تهجير سكان القرى السنية بريف حماة الشمالي والغربي وسهل الغاب؛ ففي حين حافظت القرى التي يقطن بها إسماعيليون وعلويون ومسيحيون (سلحب والرعيدي واللقبة والمحروسة) على تركيبتها الديمغرافية قامت قوات النظام بتدمير مساكن السنة في القرى المخلطة وتهجير قاطنيها قسراً، وخاصة في الصفصافية وعمورين ، وتزامنت هذه الإجراءات مع قيام النظام بتحصين التلال الإستراتيجية شمال وشرقي نهر العاصي،ووضع المتاريس ونقاط التفتيش حولها وتلغيم محيطها،كما تم توثيق إجراءات شبيهة قام بها النظام في ريف حمص مما عزز فرضية توجه النظام نحو رسم حدود المناطق العلوية وتأمينها تمهيداً لعملية تقسيم محتمل . ومنذ أكثر من عامين والنظام ينقل كتائب من الحرس الجمهوري، ويجعل مقراتها في قرى جبلة والقرداحة وطرطوس،كما أعاد نظام الأسد ترميم البنى التحتية للمدينة، وأقام عدة مبان كبيرة على مدخلها الجنوبي، وأعلن عن افتتاح جامعة حكومية فيها، ستبدأ التدريس في سبتمبر من هذا العام، كما وسع ميناءها البحري العام الماضي، إضافة لزيادة عدد المدارج بمطار القرداحة القريب وتوسعة صالة الركاب فيه .

وفي مقابل دويلة الساحل للأسد وطائفته ، على قدم وساق يقوم الأكراد بتأسيس دويلتهم في شمال سوريا ، وبالتزامن مع عمليات التهجير القسري التي مارستها قوات النظام في ريف حماة؛ قامت وحدات حماية الشعب الكردية (المرتبطة بحزب العمال الكردستاني) بعمليات تطهير عرقي شمال شرقي سوريا ضد 23 ألفاً من السكان العرب ، والاستيلاء على أملاكهم وتدمير منازلهم في عدة قرى واقعة بريف جبل عبد العزيز مثل قرى: الضبيب والصليل والعلقانة وأم حجرة وأبو فخيذ والقرن والبديع، بينما أُفرغت منازل قرية تل الجنب والصارلي من محتوياتها ، وذلك ضمن خطة تنفذها وحدات حماية الشعب لربط ثلاثة جيوب كردية مع بعضها البعض في دويلة "روجوفا"، وتشمل: عين العرب وتل أبيض ومدينة عفرين ، ورئيس ما يسمى "المجلس التنفيذي لمقاطعة الجزيرة" أكرم حسو يتصرف وكأنه رئيس دولة، فهو: "يتحدث عن سياسات اقتصادية وضرائب على التصدير، وعن جنود يحرسون الحدود، ويتعهد بفرض النظام والقانون وتوفير الأمن لأبناء دويلته"، ويقوم حسو باقتطاع الضريبة عن الشاحنات والمنتجات التي تنتظر المرور عبر الفرات في طريقها إلى إقليم كردستان.
ولأن الجميع قد فهم اللعبة ومآلات الأمور في سوريا ، فإن الدروز أيضا قرروا البحث عن مستقبلهم ومصيرهم بعد رحيل الأسد الحتمي. ففي ظل انهيار حاميات النظام في محافظتي القنيطرة وحوران وانسحاب قواته من السويداء؛ تسربت أنباء صفقة أبرمها زعيم هيئة جديدة تطلق على نفسها اسم "المجلس العسكري للدروز في سوريا"في العاصمة الأردنية تقضي بحماية دروز سوريا من أي اعتداء مقابل وقوفهم على الحياد . وأكد موقع "ديبكا" الاستخباراتي الصهيوني في يونيو 2015 أن الحكومة الإسرائيلية تنسق مع غرفة القيادة المشتركة في الأردن عمليات تأمين الدروز ومنع وقوع أية تجاوزات ضدهم من قبل المعارضة أو النظام، خاصة وأن العديد من الدروز الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي قد لوحوا بإمكانية عبور الحدود باتجاه السويداء وحمل السلاح دفاعاً عن أبناء طائفتهم في الجبل إذا تعرضوا للخطر من قبل تنظيم الدولة .

الوضع القائم على الأرض في سوريا اليوم يدفع باتجاه تفكيك سوريا الأم لصالح دويلة الكونتات الطائفية ، فدويلة للأسد تشمل دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس ترعاها إيران وروسيا ، محافظات الجنوب تحت سيطرة ائتلاف من الفصائل تدعمها غرفة العمليات المشتركة بالأردن ، ومحيط العاصمة دمشق تحت سيطرة عدد من الفصائل أبرزها جيش الإسلام ،والمنطقة الشرقية التي تشكل نحو ثلثي سوريا وتخضع لسيطرة تنظيم الدولة " داعش " ، وشمال وشمال شرق البلاد تحت سيطرة حكم ذاتي كردي مدعوم بإسناد جوي أمريكي وتمويل أوروبي ، شمال غربي سوريا الذي يخضع لائتلاف فصائل تحت مظلة "جيش الفتح" برعاية تركية-قطرية . وأمريكا تحاول المحافظة على مصالحها في المنطقة من خلال توظيف القوى المتنازعة واستنزافها،وذلك بالاستمرار في دعم الأكراد لضرب تنظيم الدولة شمال شرقي البلاد، وتوظيف الميلشيات المدعومة إيرانياً لوقف امتداد الجماعات "السنية المجاهدة" غربي البلاد،وتنفيذ عمليات قصف جوي لمنع امتداد الصراع إلى خارج الحدود ، خاصة إلى الجانب العراقي .

وعلى الرغم من وجود العديد من المعوقات السياسية والاجتماعية والديمغرافية أمام مشروعات التقسيم إلا إن الحصاد المرير لسنوات الثورة الأربع ، والتدخلات الدولية والإقليمية جعل من مشروع التقسيم مسألة وقت لا غير ، حتى يحصل كل طرف ومن يموله على ما يريده فعلا من مشروعه التفتيتي ، وربما سيأتي علينا الزمان الذي نقول فيه : كان هنا بلد كبير من قبل اسمه " سوريا " .

مراكب الموت.. وبلاد الأحلام القصيَّة

مراكب الموت.. وبلاد الأحلام القصيَّة
إحسان الفقيه

     "إني أكثر الأنصار مالا فأَقسِم لك نصف مالي، وانظُر أيّ زوجتيَّ هويتَ، نزلتُ لك عنها فإذا حلُت تزوّجتَها".

تلك مقالة سعد بن الربيع الأنصاري، أطلقها أمام عبد الرحمن بن عوف المُهاجريّ، لا لشيء إلا لأنهما أبناء أُمة واحدة..

المكان: مدينة النخيل، حيث شهدت ملحمة تُجسّد الشعور بأمة الجسد الواحد، هنالك استقبل أهلها أناسا قادمين من بعيد، لا يرتبطون معهم بنسب ولا دم ولا قرابة، فتقاسموا معهم الرغيف والعناء والتعب، وجعلوا من ديارهم مأوى لهم وسَكنا.

ومرت عصور وقرون، لم نعد نسمع للأنصار رِكزا، فقد ولى زمن الأنصار، في الوقت الذي صارت الهجرة من الموت إلى الموت، هي عنوان المشهد في بلاد أمتي المنكوبة...ولكن لا أنصار هناك.
*في بلادي يفرّون من القصف والبراميل المتفجرة والجوع والمرض، إلى أرض الأحلام البعيدة، يلتمسون الأمان في أوروبا، بعدما افتقدوه في أوطانهم، بل وبعدما تخلّى عنهم الشقيق وابن العم والجار وأغلق دونهم الأبواب.

*صرح متحدث باسم الهلال الأحمر الليبي بأنه تم انتشال 111 جثة لمهاجرين غير شرعيين بعد غرق مركبهم الخميس الماضي، قُبالة مدينة زوارة غرب طرابلس، وجرى إنقاذ 198 آخرين، بينما كان المركب الغارق يُقلّ 400 شخصا، بما يفيد أن هناك العشرات من المفقودين.

وفي نفس اليوم عثرت السلطات النمساوية على عشرات من الجُثث لمهاجرين معظمهم سوريون، في شاحنة برّاد (للدجاج أو المُجمّدات) على طريق سريع قرب الحدود مع المجر.

ويأتي ذلك في ظل تدفق آلاف اللاجئين يوميا على اليونان، لكي ينطلقوا منها إلى المجر، ثم عبر رحلة أخرى إلى غرب أوروبا.

ومن هنا برز التساؤل:
إلى متى ستظل الحكومات العربية بمعزل عن هجرات الموت؟!

*صحيح أنه من العار أن نناشد دول أوروبا أن تفتح أبوابها للاجئين في بلادنا المنكوبة، بينما أبواب العرب مغلقة..

ولكن.. دول الغرب لا يحكمها النجاشي (الملك الحبشي النصراني) العادل، الذي آوى إليه المسلمين الفارين من بطش المشركين في مكة....

*هذا الغرب إنما تُحرّكه المصلحة، ولا ينتفضُ إلا لأزمات المسيحيين والأقليّات في بلاد العرب.. العالم كلّه يعيش حالة فشل إنسانيّ عام..

وإحقاقا للحق وعدم التعميم، ظهرت السيدة الألمانية "ميركل" بمظهر أكثر شهامة من موقف بعض حكوماتنا العربية إزاء اللاجئين السوريين، بعد تعليقها العمل باتفاقية (دبلن) التي تنص على إعادة اللاجئين لأول دولة دخلوا عن طريقها إلى الاتحاد الأوروبي، لتنال تأييدا عربيا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي، ونعتها البعض بـ "ماما ميركل"، "المستشارة الحنونة" ونحو ذلك.

*نعم عار علينا أن نوصد أبوابنا في وجوه الفارّين من الموت، بينما نأمل من أوروبا أن تستضيف اللاجئين الذين هم أمانة في أعناقنا نحن.

وقبل أن ينطلق القراء بالاعتراض، أُنبّه إلى أنني عنيتُ بحديثي هذا (الفارين من شبح الموت والقصف والدمار)، في سوريا والعراق، فأنا أعلم علم اليقين، أن بعض المهاجرين في مراكب الموت، هم من المُغامرين الذين ينشدون حياة أفضل، وتوسعة في العيش.. وهذا من حقّهم.. ولكن أولئك ليسوا كهؤلاء ورحم الله من مات من الفريقين..

*الحقيقة تقول:
منهم من يهاجر مُخاطرا بحياته من أجل توفير مستقبل أفضل لأولاده، بالحصول على إقامة دائمة في دولة أوروبية تمهيدا للحصول على الجنسية ومنهم من يتحدِّث عن دول تمنح راتبا لسنتين (ولستَ مُضطرّا كلاجئ أثناء ذلك للعمل) على حدّ قول بعضهم..

فلستُ أتحدث عن هؤلاء.. إنّما أتحدث هنا عن الذين تجرّعوا ويلات الحروب ممن مات أحبابهم تحت قصف الطائرات وقذائف النابالم والبراميل المتفجرة، ممن يعلمون أن الحضن الدافئ الذي يأوون إليه، قد يفتح أحدهم عينيه من نومه –إذا ذاق النوم- فلا يجده أمامه.

عن الذين أكلوا لحوم القطط بعدما أتت أسلحة الدمار على الأخضر واليابس، وأفقدتهم مقومات الحياة..
نعم عن هؤلاء الذين خرِس العالم عن إسقاط جلّاديهم ـ أتحدث..

*وقبل أن أُكمل.. أودّ أن أُكرّر :

الأحداث اليومية التي نعيشها أثبتت أن الإساءة سهلة، أن النقد سهل، أن الحديث دون بيّنة سهل، أن إساءة الظن سهلة.. ولكن أن تعدل وتُنصف مع من تختلف معه -ربما في جوانب كثيرة- هي المهمة الشاقة.

ليست على المستوى الشخصي فقط، ليست حين تمسك قلمك لتكتب كلمتين هنا أو هناك؛ بل على مستوى الجمهور.

هناك جماهير تحب أن تظل في حالة حرب دائمة؛ تحب ألا ترى الحاكم يفعل خيرا، وإذا فعل، قالوا أراد به كذا، وإنما فعل لأجل كذا.

وإن أخطأ الأفراد أو تمادوا فآذوا أنفسهم أيضا، فعلينا أن نُحمّل كل كوارث الدنيا للحاكم، وللحاكم الخليجي تحديدا.. خاصّة أن البعض يعتبر أن النفط هو العدوّ، وأن رفاهية ابن الخليج هي سبب كل أزمات بلاد العرب.

*لن تعدم الحكومات العربية أن تضع ضوابط وقيودا لتمييز من يستحق دخول أراضيها ممن لا يستحق...ولست أطمح الآن أو أطالب بالانقلاب على مُخرجات سايكس بيكو وذاك الميراث الثقيل فلسنا مؤهّلين للحديث عن ذلك الآن، ولستُ هنا لأخدعكم عبر شعارات برّاقة لن تُقدّم ولن تؤخّر وهي تلك الشعارات التي يُرددها العاطفيون ممن لا يعرفون ما الذي تعنيه عبارة ( فقه الواقع) والموازنة بين الممكن والمأمول..

*يا قومنا، رعاية القضية السورية أو العراقية لا تقتصر على شأن الثورة والحرب في الداخل، ولا على موائد التفاوض السياسي، لهؤلاء المهاجرين حق في تأمين حياتهم..

*لماذا لا نفتح حدودنا لهؤلاء اللاجئين؟
هل نخشى أن يكونوا عبئا مُضافا على اقتصاديات الدول العربية؟
لن أتطرق إلى الحديث عن الرفاهية التي تعيش في ظلها بعض الدول، والتي تستطيع بفضلات أموالها رعاية اللاجئين، ولكن بالإمكان الاستفادة من هؤلاء الوافدين في المشروعات الصغيرة والأعمال والمهن والحِرف التي تحتاج إلى عمالة خارجية، مع توفير قدر من الحياة الكريمة البسيطة لهم.

افتحوا الحدود وأبرئوا الذمم والضمائر وأقيموا الحجة عليهم، فمن كان هواه يتجه به إلى الهجرة لأوروبا، وكان هذا ما يرمي إليه فهو شأنه.

يا قومنا نطالبكم بالحد الأدنى من الكرم والمروءة، أن تفتحوا لهم الأبواب وتوفروا لهم الأمان والخبز.

ولنكن واقعيين، بعض اللاجئين يهاجرون بأمراض مجتمعية، ويعيشون في تلك الدول مؤثِرين حياة الراحة والدِّعة، ويتحوّل بعضهم إلى عالة على أهلها، فاللاجئون حتما ليسوا ملائكة، ولا أناشد الدول العربية أن تتجاهل هذه المسائل، لكن بإمكانها أن تقدم لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة، وفي الوقت ذاته وضع ضوابط تمنع عبث العابثين والمُستهترين والمُستغلين.

لا نريد أن تتحمل دولة ولا دولتان ولا ثلاث همّ استضافة اللاجئين أو الإنفاق على الدول التي تستقبل اللاجئين، نحتاج إلى قرار عربي مشترك، يُنسّق استضافة اللاجئين بين الدول العربية بحسب تعداد سكانها وقوة اقتصادها.

أوْلى ببلادنا التي ينهالُ بعض بَنيها (ليل نهار) بالنقد والتشويه على أردوغان وحكومة بلاده التي استضافت ما يزيد على مليون لاجئ سوري.. أن تحذو حذوه في إيواء اللاجئين، وألا تكتفي بضخّ المعونات المُقدّمة لدولة واحدة والتشكيك بأن تلك الدولة تسرق تلك المعونات..

على قادة الرأي والإعلاميين والنخب السياسية والثقافية، مسؤولية إثارة قضية استضافة اللاجئين والمهاجرين من البلاد المنكوبة وينبغي أن تكون قضية رأي عام، حتى يتبنّاها صُنّاع القرار.

وأكرر:

أحسنوا الخطاب يا قوم.. فالشتائم لم تُحقّق يوما أي نفع من أي نوع لأي قضية مهما كانت.. وبيننا وبينكم قصص السابقين ممن شتموا وأساؤوا وتطاولوا.. من شُعراء وكُتّاب وسياسيين.. ومرّ الزمان على رحيلهم والحال كما هو الحال..