في بيت النبي
التعلُّمُ في جوهرِه شجاعة؛ شجاعةُ أن تقولَ: لا أعلم، دون أن تهتزَّ صورتُك في عينِك، ودون أن تخافَ من حكمِ النَّاس.
فكم من جهلٍ لبِسَ ثوبَ الكبرياءِ، وكم من علمٍ وُلِدَ من كلمةٍ صادقةٍ: علِّمني. إنَّ السُّؤالَ الصادقَ يسبقُ الجوابَ الصحيح، كما يسبقُ البذرُ الثَّمرة.
وسؤالُ الإنسانِ عمّا لا يَعرِفُه ليس علامةَ نقصٍ، بل دليلُ حياةٍ في العقل، ونبضُ يقظةٍ في القلب. فالذي يَسألُ إنّما يُقِرُّ بحدودِه، ومَن عرَفَ حدَّه بدأ طريقَ الحكمة. أمّا الذي يأنفُ من السُّؤال، فيُغلِقُ على نفسِه بابًا واسعًا كان يمكنُ أن يدخلَ منه النُّور.
والإنسانُ العاقلُ لا يتوقَّفُ عن السَّعي، لأنَّه يُدرِكُ أنَّ المعرفةَ بحرٌ لا ساحلَ له، لذلك كان التعلُّمُ رحلةَ عُمرٍ، لا مرحلةً عابرة؛ يبدأ بالسُّؤال، ويستمرُّ بالمراجعة، ويكبرُ بالتواضع. مَن ظنَّ أنَّه اكتفى، فقد توقَّف، ومَن توقَّفَ تراجعَ وإن لم يشعر.
هكذا يُبنى الوعي: سؤالٌ صادق، وسعيٌ أمين، وقلبٌ لا يخجلُ من التعلُّم.
ومن سلكَ هذا الطَّريق، لم يزده العلمُ إلّا تواضعًا، ولم يزده الفهمُ إلّا رحمة، لأنَّه كلّما ازدادَ معرفةً، ازدادَ يقينًا بأنَّه ما زال في بدايةِ الطَّريق!
روى البخاريُّ في صحيحه عن أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها:
كانتْ لا تسمعُ شيءًا لا تعرفُه، إلَّا راجَعَتْ فيه حتّى تعرفَه.
وأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: مَن حوسِبَ عُذِّبَ!
قالتْ عائشةُ: فقلتُ: أوَليسَ يقولُ اللهُ تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسيرًا﴾
قالَ: إنَّما ذلكِ العَرضُ، ولكنْ مَن نوقِشَ الحسابَ يهلِك!
السُّؤالُ في هذا الحديث ليس جرأةً على النَّصِّ، ولا اعتراضًا على المعنى، بل طريقُ الفهمِ السليم.
عائشةُ رضي الله عنها لم تكن تمرُّ على كلامٍ لا تستوعبُه مرورَ الغافلين، بل كانتْ تقفُ عنده وتسألُ حتّى ينكشفَ لها وجهُ الحقّ.
هكذا يكونُ طالبُ العلم؛ يسألُ ليهتدي، لا ليُجادل، ويُراجعُ ليطمئنّ، لا ليُخاصِم.
ويُعلِّمنا الحديثُ أنَّ الفهمَ الصحيحَ يرفعُ الإشكال، ويمنعُ توهُّمَ التناقض. فلو تُركَ الحديثُ دون سؤال، لظُنَّ تعارضٌ بينه وبين الآية، لكنَّ كلمةً واحدةً أزالت الوهم، وبيَّنت المعنى.
هكذا تموتُ الشُّبهاتُ عند أبوابِ الفهم، وتُولدُ الطمأنينةُ من رحمِ السُّؤال.
وفيه أنَّ الحديثَ عن الحسابِ لم يكن علمًا نظريًّا، بل خشيةً حيّةً في القلوب.
كانوا يسألون لأنَّهم يخافون، ويفهمون لأنَّهم يستعدّون. مَن عاشَ هاجسَ الحسابِ رقَّ قلبُه، وخفَّتْ عنده الدنيا، وصار عملُه أصدقَ من كلامه.
ثمَّ إنَّ الحديثَ يفتحُ بابَ الرَّجاء دون أن يُسقِطَ الهيبة؛ فالحسابُ اليسيرُ رحمة، والمناقشةُ هلاك.
رحمةُ اللهِ لا تُؤخَذُ بالأماني، بل تُدرَكُ بالفهم، والخوفُ لا يُلغي الرَّجاء، بل يُهذِّبه.
وهكذا تُبنى العلاقةُ مع الله: قلبٌ يسأل، وعقلٌ يفهم، وروحٌ تعيش بين الخوفِ والرَّجاء!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق