السياسة وجدلية المصالح والمبادئ
د. عطية عدلان
باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
بالأمس القريب وقع المسلمون تحت رحى جدلية عسرة، بين المبادئ والمصالح؛ بسبب الخطوات السريعة والمفاجئة التي اتخذتها فصائل المقاومة الفلسطينية تجاه بعض القوى الإقليمية التي تسببت في المآسي التي عاشتها الأمّة في الفترة الأخيرة؛ مما أثار التساؤلات الحائرة: أتكون حماس وأخواتها على حقٍّ في تطبيع العلاقات مع القتلة السفاحين؟ وإذا كانت على حقٍّ فلماذا تنكر على غيرها التطبيع مع العدو الصهيونيّ؟ واليوم وقع المسلمون مرّة ثانية تحت الرحى القاسية ذاتها؛ بسبب إقدام تركيا - في ظل حكم العدالة والتنمية - على تطبيع العلاقات مع أنظمة إنقلابية مثل نظامي السيسي وبشار؛ مما أثار تساؤلات مماثلة: أيجوز لتجربة سياسية اتخذت من المبادئ منطلقًا لها أن تحملها المصالح العاجلة على أن ترفع من شأن طغاة فعلوا ما هو أبشع مما تستبشعه تركيا حكومة وشعبًا؟ حيث ارتكبوا في حقّ بلادهم وشعوبهم أبشع مما ارتكبه الانقلاب الغاشم الفاشل في 15 تموز؟
والشعوب عندما تحار هذه الحيرة وتثير هذه التساؤلات فلابد أن نحترم حيرتها وأن نجد لتساؤلاتها أجوبة مقنعة، فليس صحيحًا أنّ إدراك السياسة يعتاص على الجماهير، فإنّ السياسة - برغم دقة مساربها وتعرج دروبها ومسالكها - تُعَدُّ أحد المدركات التي يفهمها ويتعاطى معها الأشخاص بلا فرق كبير ولا بون شاسع بين بين البسطاء والبلغاء، وإذا لم نجد جوبًا شافيًا وردًّا كافيًا نكون قد سرنا خطوات كبيرة ضدّ المبادئ، بل وضد المصالح التي نَعُدّها - بالخطأ - مقابلة للمبادئ وندًّا مساويا لها؛ لأنّ مصلحة ترسيخ القيم والمبادئ وتربية الشعوب عليها - ولاسيما لدى تجربة مبدئية وقيمية - تُعدّ من المصالح المقدمة التي لا ترجحها مصلحة إلا بتجديف عنيف في اتجاهٍ معاكسٍ لتيار الثوابت.
لقد أدرك البسطاء بفطرتهم - إذ لم يتلبسوا بتعقيدات السياسة والتواءاتها - أنّ المسألة في الحالين قد تجاوزت حدود ما يسمى بالعلاقات الدولية الضرورية، إلى التطبيع، وما يستلزمه من محو التاريخ الإجراميّ، ومن غسل الدماء عن يد السفاحين القتلة، ومن حتمية وضرورة توبة المعترضين على الظلم مما اقترفوه في حقّ الظالمين المجرمين؛ لذلك حاروا وأبلسوا وتبلبلوا وأفلسوا، وما عليهم في ذلك من عتب.
لقد صار الخلق - حيال ما وقع من حماس والجهاد - حائرين مبلسين؛ أيكون على شعب فلسطين أن يعتقد بأنّ السيسي وبشار وسليماني والحوثي من أولياء الله ومن زعماء الجهاد في الأمة؟ فإن كان هذا مطلوبًا من شعب فلسطين أَفَيَكُون أيضًا مطلوبًا من الشعب السوريّ الذي سالت دماؤه كالأنهار على يد بشار؟! ومن الشعب العراقيّ الذي ملأت أشلاؤه الفلوات على يد سليماني؟ ومن الشعب اليمنيّ الذي تشتت في الآفاق وتمزق في الشعاب بعد أن تهدمت بلاده على يد الحوثيّ بدعم من إيران التي تدعم حماس؟ ومن الشعب المصريّ الذي باع (السيسيُّ!) حاضرَهُ ومستقبَلَهُ وشريانَ حياته بأبخس الأثمان؟ أم إنّه من الواجب على كل هذه الشعوب المختلفة أن تؤمن بأنّ لكل بلد عدوُّها ولكل قوم قضيتهم ولكل زمان ومكان مقاييس للحق والباطل تتغير أبداً فلا تثبت على قدم ولا تقف على ساق، وتتبدل دوماً فلا يمت اللاحق منها للسابق بأدنى صلة أو أوهى سبب؟
وصاروا تجاه ما وقع من حكومة تركيا حائرين مبلسين؛ أيكون السفاح المنقلب الذي وأد ثورة شعبه، وقتل رئيسه، وأطلق كلابه تنهش في الأبرياء سجنًا وتعذيبًا وقتلا واغتصابًا وتهجيرا وتشريدا؛ أيكون صديقًا حميمًا؟ كيف ونحن جميعًا نلعنُ، ونَصِلُ الليل بالنهار في لعن من قاموا بانقلاب 15 تموز - وإنّهم لملعونون حقًّا - فكيف بمن فعل أضعاف ما فعل هؤلاء؟ أم إنّ الانقلاب إذا تمكن فقد غفرت خطاياه؟! أمّا ما وقع من جامعة الدول العربية فلم تستغربه الشعوب البسيطة؛ لأنّها تدرك - بالحاسّة ذاتها التي أدركت بها مكانة التجربة التركية القائمة على المبادئ - أنّ هذه الجامعة لا تمثلها إلا بقدر ما كان يمثلها المندوب السامي البريطاني أو الفرنسي أو الإيطالي، فلا يشعرون تجاهها بالولاء.
فيجب أن نبدو أكثر تماسكًا وانسجاما؛ فلا يمكن أن يكون حقن الدماء في بلد بإسالتها في بلد آخر، ولا أن يكون هدم الطواغيت في صقع بإحيائها في أصقاع أخرى، ولا أن يصبح القاتل السفاح لشعب حمامة سلام ورسول وئام لشعوب أخرى، ولا أن يغدو عدو الثورة في بلد مفجرها وراعيها في بلد آخر، ولا أن يمسي المستبد الذي يتسول الشرعية بإهدار مقدرات بلده داعما للشرعية في بلاد أخرى، هذا كله لا يمكن أن يحدث حتى يذوب النفط في إناء واحد مع الماء العذب الزلال.
ومن ثمّ فإنّه لا يصح أن تضطرب مدلولات المفردات الكبرى التي تحدد الأطر العقدية والشرعية والمفاهيمية والشعورية التي تتحرك فيها الأمة، فهذه المتقابلات الحاسمة: الحق والباطل، الهدى والضلال، العدل والظلم، الثورة الشرعية والثورة المضادة، العدو والصديق، المجاهد والسفاح، الشهيد والهالك، هذه المتقابلات وغيرها يجب أن تبقى واحدة في جميع الأقطار، فالعدو السفاح الضال الهالك عند شعب العراق وسوريا لا يكون صديقا حميما مجاهدا شهيدا عند شعب فلسطين، والحق والباطل لا يختلف مدلوله ولا تضطرب تطبيقاته باختلاف المواقف السياسية من التطبيع مع العدو الإسرائيليّ، فلا يكون المسلم في فلسطين والعراق والشام معاديا للصهاينة بينما المسلم في الإمارات والبحرين وتركيا والمغرب مواليا لهم، وهكذا في جميع المواقف، يجب أن تكون المفاهيم واحدة وثابتة وأن تكون المواقف المبنية عليها كذلك واحدة وثابتة ومنضبطة؛ ذلك لأنّ الأمة أمة واحدة ولأنّ قضيتها واحدة.
صحيح أنّ المصالح السياسية تتشابك وتتعقد وتملي على السياسيين مواقف تضطرهم لاتخاذ إجراءات كهذه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق