عوج وعرج الديمقراطية الأمريكية
جعفر عباس
الاعتلال الديمقراطي في أمريكا يقود إلى الاختلال الاقتصادي والسياسي والعلمي والإنساني، وبهذا يكون ترامب هو الجاهل الذي هو عدو نفسه وبلده..
بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر من عام 2001 الدامية، شنت حكومة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، هجمات عسكرية على أفغانستان والعراق، وهجوما ثقافيا على العرب والمسلمين، وصل درجة المطالبة بحذف بعض الآيات القرآنية من المناهج المدرسية، بحسبان أنها تدعو للعنف، ثم غشت بوش سحابة من حياء، فقال إن العنف مستشر في العالم العربي، لغياب الممارسة الديمقراطية (بينما الأمريكان ـ اسم الله عليهم ـ قوم مسالمون).
ومن ثم صار بوش حاتم طائي القرن الـ 21 وخصص 25 مليون دولار لغرس الديمقراطية في العالم العربي! تخيّل 25 مليون على 22 دولة، فتحصل كل واحدة منها على مبلغ لا يكفي لإجراء انتخابات في دائرة انتخابية واحدة.
والشاهد هنا هو ليس استخفاف الحكومة الأمريكية بالعرب فحسب، بل استخفافها بالديمقراطية، لأن الأمريكان لا يعرفون منها سوى "الشكل".
وربما يقول قائل إنني كعربيقي (عربي ـ أفريقي)، كالناقة التي تعاير غيرها من الحيوانات باعوجاج الرقبة، لأن علاقة بني قومي في آسيا وأفريقيا بالديمقراطية شفاهية وافتراضية، فالعالم العربي هو من ابتدع خوض رئيس الجمهورية للانتخابات ضد نفسه، تحت مسمى الاستفتاء: ناصر مصر ضد ناصر مصر، وأسد سوريا الأول والثاني، ضد أسد سوريا الأول والثاني، وقس على ذلك في اليمن والسودان والعراق. ولكن العرب لا يزعمون بأنهم سدنة الديمقراطية في العالم كما يفعل الأمريكان، بينما التاريخ المعاصر متخم بالأدلة المادية التي تؤكد أن الولايات المتحدة ظلت على مدى الـ 75 سنة الماضية، راعية الأنظمة الديكتاتورية في كل القارات.
في انتخابات عام 2016 الرئاسية، التي خاضها دونالد ترامب ضد هيلاري كلينتون، فازت الأخيرة بغالبية أصوات الناخبين، ومع هذا خسرت الانتخابات، لأن ترامب تقدم عليها بأصوات ما يسمى بالمجمع الانتخابي (306 ـ 232)، ونظام المجمع هذا يهزم جوهر الديمقراطية، فعندما يهزم 538 صوتا من هذا المجمع، ملايين الأصوات "الشعبية"، تصبح الأغلبية عمليا بلا صوت أو وزن، ومن ثم فالديمقراطية الأمريكية تعاني من خلل بنيوي، لأن مرشحا ما قد يفوز بالرئاسة، دون الفوز بأصوات الناخبين، ويكمن جوهر هذا الاعتلال في أن نظام المجمع الانتخابي يقوم على أن كل ولاية أمريكية لديها مقعدان في مجلس الشيوخ. تستوي في ذلك ولاية تعداد سكانها 25 مليون، وأخرى تعداد سكانها 3 ملايين.
وعلى مستوى مجلس النواب، الذي يفوز أعضاؤه بالانتخاب المباشر، فإن الحزب الحاكم، وقبل كل دورة انتخابية يعيد تقسيم الدوائر بحيث يخلق دوائر جديدة في مناطق نفوذه، وهذا عين ما ظل ترامب يفعله طوال الأشهر الأخيرة في الولايات الجنوبية حيث ثِقَل انصار حزبه الجمهوري. والأدهى من كل ذلك ان نواب الأقلية في مجلس الشيوخ من حقهم تعطيل أي اجراء او قانون، بما يسمى فليبستر filibuster (والكلمة في الأصل تعني قرصنة)، فيبقى شاعرنا الفيلسوف إيليا أبو ماضي يتميَّز غيظا في قبره:
نرضى بحكم الأكثرية مثلما
يرضى الوليد الظلم من أبويه
ويتمثل اعتلال النظام الديمقراطي الأمريكي في تراجع الثقة بالمؤسسات، والاستقطاب الحزبي الحاد، والدوس على القانون، كما يفعل ترامب حاليا بتحدي قرارات المحاكم، وشن حرب دون ضوء أخضر من الكونغرس، والتلاعب بأسواق الأوراق المالية، لصالح نفسه وولديه وكبار أنصاره. كما يتجلى في الجفوة السياسية الحادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بما يعطل عمل المؤسسات. ويعطل مصالح المواطنين الذين يفقدون الثقة في نزاهة الانتخابات، بل وجدوى الديمقراطية.
وكيف لا يشكك المواطنون الأمريكان، والمواطنون في كل مكان، في جدوى الديمقراطية، وهم يرون أفعال ترامب وأقواله، فترامب لم يصل الى الحكم بالوراثة، او نتيجة انقلاب عسكري، بل فاز بملايين الأصوات، ولكنه يدوس آناء الليل واطراف النهار على كل مفاهيم الحكم الديمقراطي بالفعل واللسان، لأنه معني فقط ب"مجده" الشخصي، الذي يتحقق في تقديره بتمكين إمَّعات من حزبه الجمهوري، من المناصب القيادية في الخدمة المدنية والعسكرية، وأنفق على حرب بلا طائل على ايران مبالغ كانت تكفي لتوفير تأمين صحي لملايين الأمريكان، الذين لا يجدون سبيلا الى المشافي، ولإقالة عثرة النظام التعليمي في بلاده الذي ينهار عموديا، مقارنة ببقية الدول الصناعية.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، تشهد الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي، بينما تسود المخاوف بشأن نزاهة العملية الديمقراطية في ظل مناخ سياسي وإعلامي واقتصادي مرتبك، تسبب فيه ترامب، مما جعل مجلة ذا إيكونوميست البريطانية الرصينة تقول إن هناك شكوكا في قدرة لديمقراطية الأمريكية على الصمود. وإن ترهيب الناخبين بتدخل قوات إدارة الهجرة والجمارك (آيس)، سيئة السمعة في مراكز الاقتراع ،كفيل بجعل أعداد كبيرة من الناخبين من غير البيض يحجمون عن التصويت طلبا للسلامة.
مع بداية ولاية ترامب الثانية في مطلع 2025، شهد ذلك العام اقتراع 180 ألف أمريكي بأرجلهم، أي هاجروا طوعا واستقروا في دول الاتحاد الأوربي (ايرلندا كانت الوجهة المفضلة لمعظمهم)، بينما قامت حكومة ترامب في عام 2025 بالتهجير القسري ل657,000 شخص، من بينهم 50 ألف من ذوي الأصول المكسيكية المولودين في أمريكا، ومن ثم "أمريكان بالميلاد"، واختار 2.2 شخص الرحيل الاختياري عن الأراضي الأمريكية تفاديا للملاحقات العنيفة ذات الطابع العنصري من جماعة آيس. ومعظم هؤلاء أمريكيون ولكن مزودون بلون البشرة "الخطأ"، وبهجرتهم العكسية ضاعت أصواتهم الانتخابية، ومن ثم فإن ولايتان مثل فلوريدا وتكساس التين كانتا نقطتي انطلاق تلك الهجرات، ستجعل بضعة آلاف تقرر مصير المرشحين في انتخابات الكونغرس.
ورغم أن حكومة ترامب تنحاز على المكشوف إلى الأغنياء، إلا أن مؤسسة يو بي إس المتخصصة في إدارة الثروات على مستوى العالم، تفيد بأن 31 من أصل 87 مليارديرا أمريكيا من عملائها، نقلوا أنشطتهم خارج الأراضي الأمريكية، بينما يرتب آخرون منهم للانتقال إلى بلدان تشجع الاستثمار وتمنح جوازات السفر والجنسيات بعد مهل قصيرة. ومن جهة أخرى فإن وقف ترامب تمويل البحث العلمي حمل 32% من العلماء الأمريكان على الهجرة الى بلدان أخرى خلال ال18 شهرا الماضية.
وهكذا بتنا نرى كيف أن الاعتلال الديمقراطي في أمريكا يقود إلى الاختلال الاقتصادي والسياسي والعلمي والإنساني، وبهذا يكون ترامب هو الجاهل الذي هو عدو نفسه وبلده.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق