الأحد، 26 يوليو 2026

بوركينا فاسو... تحوّلات وتصريحات ضد العرب

بوركينا فاسو... تحوّلات وتصريحات ضد العرب

مدى الفاتح

مدى الفاتح

كاتب وباحث سوداني في باريس، دبلوماسي سابق

عادت بوركينا فاسو إلى الأخبار في الأيام الماضية بسبب تصريحاتٍ أدلى بها زعيم المرحلة الانتقالية النقيب إبراهيم تراوري، والتي شنّ فيها هجوماً عنيفاً على العرب، وعلى دارسي اللغة العربية والدراسات الإسلامية. 

فقد وصف العرب بالغزاة الذين احتلوا بلاده وحوّلوا البوركينيين رقيقاً، قائلاً ما نصّه 

"قضينا ألف عام من العبودية مع العرب". 

أشار الزعيم الشاب أيضاً إلى مئات من الطلاب الذين يدرسون الشريعة في البلدان العربية، مقلّلاً من شأن العلوم التي يدرسونها. وقال أيضاً إنه سيعيدهم وسينزع عنهم الجنسية في حال لم يستجيبوا، أما الشريعة التي يدرسونها فلن تطبق أبداً في بلاده.

من المهم التذكير هنا بحقيقتين لا يختلف عليهما أي دارس جادّ للتاريخ: 

الأولى أن منطقة بوركينا فاسو الحالية لم تعرف غزواً أو فتوحات إسلامية تقليدية كما حدث مع مناطق أخرى، مثل مصر أو الشام أو بلاد فارس، وإنما أسلم الناس هناك في وقت متأخر وبتأثير الاحتكاك بالتجار والعابرين المسلمين، الذين وجد السكان من الوثنيين وعبدة الطوطم أنهم يقدّمون طريقة للحياة والإيمان أقرب للعقل والروح، الثانية أن قول إن العرب كانوا يتعاملون مع السود أو الأفارقة كرقيق أمر ينتج عن تصوّر قاصر، فما كان معروفاً شيوع تجارة العبيد، وتحوّل المهزومين في الصراعات القبلية والحربية إلى رقيق، كما أن زعماء قبليين محليين كثيرين كانوا يتعاملون من الرقيق تعامل البضاعة التي يصدّرونها لمن يحتاج إليها، في داخل القارّة وخارجها. 

واستمرّ هذا الأمر على هذا الحال، حتى ظهور الاحتياج للعبيد في القارّة الأميركية، حينها ساهم أفارقة أيضاً في اصطياد أبناء جلدتهم أو تسهيل بيعهم ونقلهم.

مع هذا كله، لا يكتمل فهم هذه التصريحات إلا بالنظر للسياق السياسي العام، الذي يعيشه النظام في بوركينا فاسو، والذي ولد عشية انقلاب عسكري في عام 2022 ضمن سلسلة انقلاباتٍ اجتاحت دول الغرب الأفريقي، التي باتت تعرف باسم دول الساحل. 

كانت الدعاية التي برّرت للانقلاب حينها مقنعة، فقد كانت المجموعة العسكرية المنقلبة تقول إنها جاءت من أجل أن تحارب الإرهاب بشكل جاد في ظل فشل الحكومات السابقة.

قول إن العرب كانوا يتعاملون مع السود أو الأفارقة كرقيق أمر ينتج عن تصوّر قاصر

الشعب البوركيني، الذي عانى من سلسلة متصلة من أعمال العنف والإرهاب، وجد في هذا الخطاب الجديد ما يبعث على الأمل، لا سيما أن القيادة الجديدة كانت تجمع ما بين هذا ورفض التدخلات الأجنبية وإعلان السعي إلى تحقيق استقلال حقيقي عبر إنجاز قطيعة مع فرنسا، التي كانت تتحكم في خيارات البلاد.

أصبح الخطاب المؤسّس على رفض التبعية والهيمنة الغربية ملهماً لكثيرين، حتى من خارج بوركينا فاسو، وصار هو الأساس، الذي بُني عليه تحالف "آيس"، الذي يجمع الدول التي تتشارك الرؤى نفسها، أما تراوري فقد كان يُشبّه بالزعيم التاريخي التحرّري توماس سنكارا.

قام تراوري بخطوة أخرى مهمة في بداية توليه السلطة، إذ عمل على كسب الجماعات الإسلامية، فأظهر تديّنه وحرص على أن يتحدث عن الإسلام بشكل طيب، ما كان له أثر بالغ في تثبيت أركان حكمه، إذ عمد الإسلاميون، في المقابل، إلى تقديم دعاية مجانية له، وتوصية الناس بالسمع والطاعة له، مع المبالغة في الحديث عن إنجازاته ونياته الطيبة مقارنة بأسلافه، الذين كانوا، وفق ما يردّد، مجرّد عملاء للغرب.

كان أولئك سعيدين بتفريق القيادة الجديدة بين الإسلاميين المعتدلين والإرهابيين الفوضويين. في سبيل استدامة هذه العلاقة كانوا يتبرّعون بالتحول، بوعي أو بدونه، إلى مبرّرين لكل قرارات السلطة وإخفاقاتها. وبهذا كانت تُعتبر قرارات مثل اللجوء إلى روسيا واستبدال الجنود الفرنسيين بالروس حكيمة، ولا تتعارض مع السعي إلى استقلال القرار ورفض التبعية، بل ذهب بعضهم حتى لتبرير التقارب مع تل أبيب، في وقت كانت فيه نيران الحرب على قطاع غزّة لم تخمد بعد.

إجراءات مفاجئة عدة، بدأت بالتضييق على المساجد والدعاة واعتقال شخصيات مؤثرة

أعاد تراوري استخدام الحيلة القديمة، فبينما كان يظن إسلاميون أنهم في تحالف معه في مواجهة غيرهم من العلمانيين أو الوثنيين، لم يكن منه إلا أن قام بإجراءات مفاجئة عدة، بدأت بالتضييق على المساجد والدعاة واعتقال شخصيات مؤثرة، من أبرزها الشيخ محمد إسحاق كيندو. ولا تزال مبرّرات الاعتقال غامضة. 

وقد أكد أنصار كيندو، الذين أحزنهم النبأ، انتماءه للتيار السلفي الوسطي الرافض الخروج على ولي الأمر المسلم، كما أكّدوا أنه أبعد ما يكون عن الإرهاب أو الدعوة إلى العنف. ولم تعلن سلطة تراوري نفسها سبباً واضحاً للاعتقال، تاركة الأمر لتخمين الناس وتحليلهم، لكن الرسالة التي كانت خلف ذلك كله واضحة، أن البلد قد دخل في مرحلة جديدة قد يكون عنوانها الأبرز الانقلاب على ممثلي الثقافة العربية والإسلامية.

التقط ممثلو التيار "الكيمتي" هذه الرسالة بابتهاج، واعتبروا أن فيها انتصاراً لرؤيتهم. هذا التيار، الموجود بشكل فاعل في بوركينا فاسو، إلا أنه أصبح أقرب لمدرسة فكرية عابرة للحدود، يخوض منذ سنوات صراعات على مستويات مختلفة مع الآخرين. الخطاب الكيمتي في بوركينا فاسو مبني بشكل رئيس على الربط بين الإرهاب والإسلام، وعلى اعتبار أن العرب محتلون، وأن الإسلام هو دين الغزاة، الذين تسببوا في طمس حضارة الأسلاف. 

في المقابل، المجموعات التي تنتمي لقبائل غير أفريقية أو زنجية، أو الأكثر تمسكاً بالإسلام وباللغة العربية، والتي تعادي بالطبيعة تيار الكيمتيين وتتهمه بتمجيد العقائد الوثنية والإلحاد، بدأت تشعر بالخطر والتهديد، فهذا الخطاب الذي كان يعتبر أنها غير مرحّب بها في بوركينا فاسو، صار اليوم مسنوداً من السلطة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق