الأحد، 26 يوليو 2026

طوفان غرب السودان… كيف يُكتب النصر بالصبر والذكاء الاستراتيجي؟

طوفان غرب السودان… كيف يُكتب النصر بالصبر والذكاء الاستراتيجي؟
مكاوي الملك

قبل أسابيع قليلة ، كتبت لكم هنا أن الأسابيع القادمة ستشهد معارك ضارية وبشريات كبيرة…وها هي قواتنا تحسم وتطرد مرتزقة دقلو وأبوظبي من مناطق استراتيجية في شمال كردفان، بعد أن كانت تهدد الأبيض عاصمة شمال كردفان.. اليوم، قواتنا طهرت وسيطرت على كل مساحة ولاية شمال كردفان، إلا منطقة محدودة.
ولكن السؤال الأهم: كيف حدث هذا؟؟
في الحروب..هناك مستويان دائماً:ما تراه العين… وما تُديره العقول…
قبل شهور ، بدت الصورة للبعض مربكة:
مدن تُفقد… ثم تُستعاد…تحركات تبدو متناقضة…
وتقدم يتباطأ ثم ينفجر فجأة…
لكن الحقيقة الآن تتكشف بوضوح:
لم يكن ذلك ارتباكاً… بل كان هندسة ميدان كاملة تُبنى بصبر…
تفكيك المشهد: لم تكن معركة… بل سيناريو طويل
ما جرى في شمال كردفان — من بارا إلى جبرة الشيخ إلى أم سيالة ..لم يكن سلسلة انتصارات منفصلة…
بل تنفيذاً دقيقاً لخطة واحدة بدأت منذ شهور..
انسحابات محسوبة…
مناطق تُترك عمداً…
تحركات توحي بالضعف…
لكنها في الحقيقة كانت ترسم شيئاً أخطر:
مساراً إجبارياً للخصم لا يملك الخروج منه..
السؤال الذي حير الكثيرين:لماذا تُركت بعض المناطق للمليشيا ثم ضُربت لاحقاً بقوة ساحقة؟
الإجابة الآن واضحة:
لأن الهدف لم يكن الدفاع عن الأرض… بل التحكم في حركة العدو فوقها..
المصيدة: كيف تم تفكيك المليشيا دون ضجيج؟
ما حدث لم يكن تحريراً تقليدياً…بل كان إغلاق مصيدة محكمة:
تم سحب المليشيا إلى عمق مكشوف:
* بعيداً عن خطوط إمداد مستقرة
* داخل بيئة معادية اجتماعياً
* تحت مراقبة جوية مستمرة
ثم بدأ التنفيذ الحقيقي:
ضرب القيادات…قطع الإمداد…استنزاف مستمر…
ثم… انهيار سريع من الداخل قبل الخارج..
نقطة التحول: من هزيمة إلى انهيار
هناك فرق جوهري بين الهزيمة والانهيار:
* الهزيمة: يمكن تعويضها وإعادة تنظيم الصفوف بعدها
* الانهيار: يبدأ من الداخل… ولا يمكن إيقافه بسهولة
وما نشهده الآن هو النوع الثاني..
الدلائل لا تخطئ:
* استسلام مجموعات بكامل عتادها
* فقدان السيطرة على المناطق الخلفية
* تراجع الروح القتالية
* شكاوى وتصدعات داخلية
هذا ليس ضغطاً عسكرياً فقط…بل تفكك بنيوي كامل..

ما وراء الميدان: الحرب الحقيقية كانت لوجستية
كل ما جرى على الأرض كان نتيجة مباشرة لمعركة أخطر لم تُرَ بالكامل:
معركة الإمداد..
حين ضُربت المسارات القادمة من الشمال الغربي…
وحين ضُيّق الخناق شرقاً…كانت النتيجة الحتمية:
قوة تقاتل… بلا رئة..
وهنا تغيّرت المعادلة جذرياً:
لم تعد القوة في عدد المقاتلين…بل في من يستطيع الاستمرار..
لماذا نجحت الخطة الآن؟
لأن أحد الطرفين كان يقاتل بردود الفعل…والآخر كان يقاتل برؤية..
الجيش اعتمد على:
صبر استراتيجي طويل
قراءة دقيقة للخريطة
تنسيق محكم بين الاستخبارات والطيران والقوات البرية
إدارة زمن المعركة… لا مجرد خوضها

بينما المليشيا كانت تتحرك بلا أفق واضح…فوقعت داخل السيناريو دون أن تدرك..
اكتمال الصورة: ثلاث طبقات صنعت الحسم
ما يحدث الآن ليس نتيجة عامل واحد…بل تزامن ثلاث طبقات حاسمة:

خنق لوجستي من الخارج
ضغط ميداني متدرج من الداخل
انهيار نفسي داخل الصفوف

حين تعمل هذه الطبقات معاً…لا تكون النتيجة تقدماً…
بل سقوطاً متسارعاً لا يمكن إيقافه…
ما الذي تغيّر فعلاً؟
نحن الآن أمام تحول استراتيجي واضح:
من حرب استنزاف طويلة.. إلى مرحلة اكتساب وحسم
من الدفاع واحتواء الخطر.. إلى الهجوم وتحديد مسار النهاية
من إدارة المعركة.. إلى إغلاقها تدريجياً
الطريق نحو دارفور لم يعد مجرد احتمال…
بل نتيجة منطقية لما يحدث الآن…
الخلاصة: حين تُغلق الدائرة… لا تُعلن النهاية بل تحدث
ما يحدث في غرب السودان ليس تقدماً عسكرياً عادياً…
بل إغلاق دائرة كاملة بُنيت بهدوء منذ شهور..
من يقرأ المشهد بعمق سيدرك:
المعركة لم تعد حول من يسيطر على مدينة…بل حول من تبقى لديه القدرة على الصمود أصلاً..
وفي هذه المرحلة من الحروب…لا ينتصر من يقاتل أكثر…
بل من: صبر أطول..خطط أذكى..وتحكم في توقيت الحسم
الرسالة الأخيرة:ما ظنه البعض تراجعاً… كان تمهيداً…وما يحدث الآن… ليس مفاجأة… بل نتيجة…
وحين تصل الحروب إلى هذه النقطة…فإن النصر اولا بفضل الله تعالى لا يُكتب في البيانات…بل يُفرض على الأرض
  صفحة مكاوي الملك | Makkawi Elmalik



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق