الأربعاء، 29 يوليو 2026

سيناريوهات القوى الغربية في تدمير مشاريع النهضة الإسلامية

سيناريوهات القوى الغربية في تدمير مشاريع النهضة الإسلامية
إضاءات منهجية إسلامية لازمة في ظل قمة الناتو بأنقرة

مضر أبو الهيجاء



لا يغفل عن حقيقة الصراع بين الحق والباطل إلا غائبٌ عن الوعي، أو عليلُ القلب، أو صاحبُ شهوة. أما المسلم، فلا يغيب عن ذهنه أن شياطين الإنس والجن لا تغفل لحظةً عن دورها وسعيها في تدمير مشاريع الدعوة والإصلاح والتغيير، وإطفاء كلمة الحق.

 

غير أن ذلك لن يتحقق؛ لأن الله هو الحق، ولأن الحق باقٍ لا يزول. إلا أن ظهوره وتمكينه في الأرض مرتبطٌ بسننٍ إلهية لا مبدّل لها، خضع لها الأنبياء قبل عامة الناس، وجرت وتجري وفق إرادة الله وحكمته.

 

وفي سياق التدافع بين الحق والباطل في زمننا المعاصر، فإن القوى والمشاريع المناهضة للإسلام وأهله تتبع أساليب شتى، وتستخدم أدواتٍ متعددة ومتنوعة، في سعيها إلى المكر بالإسلام وأهله، وإعاقة مشاريع الدعوة والإصلاح، والحيلولة دون تحقق النهضة الإسلامية الزاحفة.

 

وهذا ما ترصده القوى الغربية، بشقَّيها الصهيوني والصليبي، الأمر الذي دفعها إلى نسج تحالفاتٍ واسعة، وإقامة علاقات تخادم مع مشاريع طائفية وأنظمةٍ إقليمية تخدم مصالحها أو تتقاطع معها في مواجهة مشاريع التغيير الإسلامي.

 

ومن هنا جاءت، علاقاتُ التعاون والتخادم بين الولايات المتحدة والقوى الغربية من جهة، وبين النظام الإيراني وكيان إسرائيل من جهة أخرى، وإذا كانت إسرائيل ذراعًا تنفيذيةً متقدمةً للمشروع الغربي في المنطقة فإن النظام الإيراني ومنظومة الملالي الطائفية شكلت أكثر أدوات الغرب فاعلية في تمزيق وتفتيت المنطقة دولها وشعوبها وحركاتها الفاعلة -ولا تزال- وهو سرُّ إيقاع الضربات الأمريكية المدروس في تعاملها مع إيران اليوم، والذي يختلف في طريقة تعامله مع العراق بمقدار مئة وثمانين درجة لاسيما عام 2003، فإذا كان العراق -بكل عجره وبجره- جزءا منتميا للكيان العربي والاسلامي، فإن النظام الإيراني الحالي ومنظومة الملالي كيان معاد للأمة وثقافتها ودينها وشعوبها ودولها كما هو الكيان الإسرائيلي الذي صنعه ويرعاه الغرب.

 

سيناريوهات الغرب في التعامل مع المشاريع الإسلامية النهضوية المعاصرة.

يوقن فلاسفة ومفكرو وسياسيو الغرب بأنه لا بديل حضاريًّا قادرًا على سيادة الأرض، وقيادة الحضارة، ورعاية الإنسان، وحمايته من الأزمات النفسية والذهنية والاجتماعية البنيوية، إلا الإسلام العظيم – لأنه وحي من الرب سبحانه- وقد شكَّل ذلك محلَّ اتفاقٍ وإجماعٍ على ضرورة التعاون والتكامل بين مختلف الأطراف الغربية والشرقية المتنافسة فيما بينها، في سبيل الحيلولة دون تقدم النهضة الإسلامية وصعودها.

 

شكل السيناريوهات الغربية المعادية القائمة باعتبار توجهات وماهية عمل مدارس الحركات الإسلامية المعاصرة.

 

رغم التباين والاختلاف والخلاف بين الحركات الإسلامية ومدارسها المختلفة، فإنها تبقى منسجمةً في عناوينها العريضة ومنطلقاتها الرئيسة وأهدافها النهائية، الأمر الذي يجعلها -في إطار مشروع الدعوة والإصلاح والتغيير الإسلامي- جسدًا واحدًا يجمعه الهدف العام، وإن اختلفت الوسائل والاجتهادات.

 

غير أننا سننطلق في هذه الدراسة من زاوية تحليل السيناريوهات الغربية في التعامل مع الحركات الإسلامية، وهو ما يدفعنا إلى تقسيمها إلى ثلاثة نماذج رئيسة وذلك بحسب ماهيَّة وكُنهِ نشاطها المميز لها عن غيرها.

 

أولًا: الحركات الإسلامية ذات الطابع الدعوي الجهادي. والتي تجمع بين نموذجي حركة المقاومة الإسلامية حماس وتنظيم القاعدة (الشيخ أحمد ياسين والشيخ أسامة بن لادن).

 

ثانيًا: الحركات الإسلامية ذات الطابع الدعوي السياسي. والتي تجمع بين حركة الإخوان المسلمين في مصر والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر (الشيخ عباسي مدني والدكتور محمد مرسي).

 

ثالثًا: الحركات الإسلامية ذات الطابع الإصلاحي البراغماتي. والتي تجمع بين حزب العدالة والتنمية التركي وهيئة تحرير الشام في سورية (الرئيس رجب الطيب أردوغان والرئيس أحمد الشرع).

 

إن اجتماع شخصيتي الشيخ أحمد ياسين والشيخ أسامة بن لادن في النموذج الدعوي الجهادي الأول، واجتماع شخصيتي الشيخ عباس مدني والدكتور محمد مرسي في النموذج الإصلاحي السياسي الثاني، واجتماع شخصيتي الرئيس رجب طيب أردوغان والرئيس أحمد الشرع في النموذج الإصلاحي البراغماتي الثالث، لا يعني انتفاء الفروق والاختلافات الفكرية والمنهجية والسياسية بينهم، ولا أنهم يتفقون في جميع المواقف والتفصيلات.

 

وإنما يجمعهم، في سياق هذه الدراسة، شكلُ التعامل الغربي معهم، والسيناريو الذي تتبعه القوى الغربية في مواجهة كل نموذج من هذه النماذج. فالمقصود ليس إثبات التماثل بين الشخصيات، وإنما بيان أن آليات التعامل الغربي مع كل شخصيتين داخل النموذج الواحد تتقارب إلى حدٍّ كبير، بحكم انتمائهما إلى الإطار ذاته.

 

فما القواسم المشتركة التي تجمع بين رواد تلك المدارس الثلاث؟

القواسم المشتركة بين رواد الحركات الإسلامية في النماذج التغييرية الثلاثة.

النموذج الأول:

إذا جئنا إلى النموذج الأول، الذي يجمع بين الشيخ أحمد ياسين والشيخ أسامة بن لادن، فإن القاسم المشترك بينهما هو أن ميدان العمل الذي انبرت له الحركتان هو ميدان الجهاد والتصادم المباشر مع القوى المعادية والاحتلال بنوعيه المباشر أي الإحتلال العسكري وغير المباشر عبر الهيمنة السياسية.

 

ونحن هنا لا نناقش الجهاد بوصفه فريضةً إسلامية، ولا سيما في حال وجود الاحتلال، وإنما نركز على أن طبيعة الحركتين، وكنه مشروعهما، وماهيته، أصبحت تتمحور حول ميدان الجهاد وما يتصل به. وهو ما جعل التصادم الحاد والمباشر بينهما وبين القوى المعادية أمرًا طبيعيًا وفق مشروعيتهما المبنية على كنههما وخطابهما العام.

 

كما أن ذلك دفع الحركتين إلى البحث عن مصادر للدعم والتسليح والتدريب، الأمر الذي أفضى إلى التقائهما -في هذا الجانب- مع الجمهورية الإيرانية والحرس الثوري، رغم الفوارق العقدية والمذهبية بينهما وبين ملالي الحكم في طهران، وذلك انطلاقًا من السعي للحصول على الدعم اللازم لتغذية ميدان الجهاد وتطويره وتوسيعه وكذلك البحث عن إطار وغطاء وحضن سياسي كما في حالة حركة حماس وملجئ سياسي كما في حالة القاعدة.

 

النموذج الثاني:

رغم الاختلاف والخلاف بين حركة الإخوان المسلمين والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر -التي قادها الشيخ عباس مدني رحمه الله، والشيخ علي بلحاج، أطال الله عمره- إلا أن القاسم المشترك بين نموذجي الرئيس محمد مرسي والشيخ عباس مدني يتمثل في أن مشروع التغيير الذي جسداه في مصر والجزائر استهدف الوصول إلى السلطة من خلال العمل السياسي القانوني والمشروع، ومن خلال أطر الدولة ومؤسساتها، مرتكزين على الرصيد الدعوي القائم بين الناس. ولكن الملاحظ والمشهود أن رسالتهما في الإصلاح والتغيير السياسي كانت واضحة المعالم ومعلنة الأهداف الإسلامية، الأمر الذي جعل النموذجين يرفضان المذهب الديمقراطي الغربي بصيغته الفلسفية، والذي حاول الغرب فرضه في الجزائر عبر التهديد وبصورة مباشرة، وأما في مصر فقد حاول فرضه بصورة غير مباشرة، حيث طُرِحَ على الرئيس الشهيد مرسي تقبله الله أن يتبنى النموذج الديمقراطي من خلال الشيخ راشد الغنوشي -فرج الله أسره- وكذلك من خلال الرئيس أردوغان -جنَّبه الله المؤامرات التي تحاك ضده-.

 

النموذج الثالث:

أما بالنسبة للنموذج الثالث، الإصلاحي البراجماتي، فقد اجتمعت فيه خصائص تميزه عن النموذجين السابقين، مع احتفاظه ببعض القواسم المشتركة معهما. وهو نموذج يجمع بين شخصية رجب طيب أردوغان وشخصية أحمد الشرع ومذهبهما الإصلاحي السياسي. ورغم الفوارق الكبيرة بين التجربتين، -إذ تعد مدرسة أردوغان أكثر رسوخًا وعراقة وقوة وخبرة واحترافا في هذا السياق بحكم الزمن وتراكم الأحداث والتجربة الواسعة، وبحكم بناء مؤسسات الدولة، بينما لاتزال تجربة أحمد الشرع حديثة العهد بحكم ولوجه إلى السلطة منذ فترة قريبة في سورية، كما أن الدولة بمفهومها المؤسسي لم تكتمل بعد، وما هو قائم في سورية حتى اللحظة أقرب إلى سلطة انتقالية منه إلى دولة مكتملة البناء- إلا أن ما يميز نموذج أردوغان في مساره الإصلاحي البراجماتي العريق، ونموذج أحمد الشرع حديث العهد وفقير التجربة السياسية، أنه نموذج يسعى إلى تكييف نفسه مع الظروف الموضوعية، إلى درجة الانفتاح على التعامل والتعاون مع مختلف المشاريع، بما فيها المشاريع المعادية، انطلاقًا من مقاربة براجماتية تتحرك ضمن حدود الدولة القطرية.

 

بعد العرض السابق، كيف يمكن إجمال النماذج الإسلامية الثلاثة من خلال بيان مرتكزاتها الرئيسة، بما يساعد على فهم منطلقاتها، وآليات عملها، وأوجه الاتفاق والاختلاف بينها، والأهم هو سؤال المقال:

 

ما هي مداخل وسيناريوهات القوى والمشاريع الغربية في تدمير مشاريع النهضة الإسلامية من خلال قصور وثغرات في نماذجها الثلاثة؟

 

مرتكزات المدارس الإسلامية الدعوية والإصلاحية والجهادية الثلاثة ومداخل تدميرها.

يمكن إجمال النماذج الإسلامية الثلاثة من خلال بيان مرتكزاتها الرئيسة، بما يساعد على فهم منطلقاتها، وآليات عملها، وأوجه الاتفاق والاختلاف بينها، ثم مداخل المشروع الغربي في تدميرها، وذلك على النحو الآتي:

 

1/ يرتكز النموذج الأول، الذي يجمع بين حركة حماس وتنظيم القاعدة، على مفهوم الجهاد، انطلاقًا من مشروعيته في القرآن والسنة والسيرة، وسعيًا إلى تجسيده واقعًا في مواجهة الطغيان العالمي أو الاحتلال المحلي. وإذا كان الجهاد شرعًا ودينًا، فإن تضخم الفريضة الجهادية في بعض نماذج ومدارس العمل الإسلامي جاء على حساب جوانب عظيمة أخرى تتعلق ببناء المشروع الإسلامي الشامل، مما جعله يغرق تحت عناوين صحيحة وليست خاطئة، غير أن القصور أصبح ملازمًا له، إلى الدرجة التي جعلت القيادات العسكرية تتصدر حركة التغيير وريادة التوجيه، وذلك نتيجة تضخم البعد الجهادي، مما جعل فريضة الجهاد غايةً وليست وسيلة يضبط إيقاعها النظر العميق، وحساب المآلات، وفق رؤية راجحة ومعتبرة في القرار، كما أن تضخمها واحتلالها للمساحة الأكبر في العمل اليومي جعلها تتجاوز الانضباط بمرجعية الأحكام الشرعية وفق قواعد الفقه وأصوله المبثوثة في المذاهب الفقهية.

 

وقد أدى ذلك التضخم في فريضة الجهاد إلى هشاشة البناء العلمي والدعوي وكذلك تراجع وضعف في العمل السياسي، وإهمال لقيادات الجانبين، فأصبح رواد الجهاد هم الموجهون والمفتون، كما تم تجاوز القيادات السياسية القارئة للواقع بشكله العميق والواسع في كثير من الأحيان، مع أن الأصل أن تكون القيادة السياسية هي التي تقود الساحات، وتخضع لها القيادات العسكرية، وهي التي تحدد حالات المد والجزر في العمل الجهادي والقتالي، بناءً على رؤية أوسع وأعمق، لا يمكن –في الغالب– أن تتوافر لدى القيادات العسكرية، مهما بلغت درجة جهادها وتضحياتها.

 

ثغرة النموذج الأول ومدخل تدميره:

بنى المشروع الغربي الصهيوصليبي استراتيجيته في تدمير النموذج الأول انطلاقًا من وعيه بتضخم فريضة الجهاد، واستحواذها على ماهية العمل الإسلامي وامتلاك قادتها وروادها للصلاحيات والقرار النافذ، مما دفعه إلى الزج بهذا النموذج في معارك محسومة النتائج، بحكم سيطرته على معظم جوانبها، وما يملكه من فائض في القوة وإحاطة بالمعلومات المتعلقة بها وبمحيطها.

 

وفي هذا السياق، عمل الغرب على اختراق تنظيم القاعدة، والدفع به إلى معركة البرجين، بعد أن كان الشيخ أسامة بن لادن رافضًا لها، كما كان قبلها بسنوات رافضًا الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما يشير إلى عمق وقوة الاختراق الأمريكي لتنظيم القاعدة، وقدرته على التأثير في صناعة القرار داخله مستخدما المخابرات الباكستانية وبعض الأجهزة العربية، وهو القرار الذي ترتبت عليه خسائر كبرى على مستوى العمل الإسلامي برمته وعلى مستوى الدول والشعوب، وكانت أول خسارة وأد دولة الجهاد الأفغاني الصاعدة، ولحقها تدمير وتفتيت العراق وانفراط عقد المسبحة العربية، عداك عن محاصرة العمل الإسلامي بجميع أشكاله في أمريكا وكندا ودول الغرب لدرجة جزِّ عشبه، وليس هذا موضع تفصيل الكوارث التي جرتها تنظيمات القاعدة وأخواتها على الأمة والتي لا نزال نتجرعها جميعا ونكتوي بآثارها .

 

وكما فعل الغرب مع تنظيم القاعدة، كرر المقاربة المنهجية والخطة العملية نفسها مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، فاستخدمها في سياق استنزاف المنطقة والمشاريع الإسلامية، بعد أن نجح في احتوائها بصورة غير مباشرة حين أغرقها في غزة وقدم لها جزرة السلطة، وكذلك عبر تحالفها مع المشروع الإيراني الطائفي المتخادم معه. وفي الوقت الذي كانت فيه أجهزة المخابرات الأمريكية تراقب كل فلس أو دينار تدفعه الشعوب أو الحكومات العربية إلى حركة حماس، كانت الولايات المتحدة، عبر مخابراتها ووسطائها الإقليميين، ولا سيما النظام السوري آنذاك، تسمح بمرور خطوط التدريب، والتسليح، والتمويل القادمة من إيران، بما يضمن ابتلاع واحتواء حركة المقاومة داخل مشروع معادٍ للأمة، بحيث يعزلها عن محيطها، ويصنع بينها وبين عمقها العربي فجوة سياسية حقيقية، تسهل ابتلاعها عند اللحظة المناسبة. وهو ما تجلى في أحداث السابع من أكتوبر، وما تلاها من معركة طوفان الأقصى التي سحقت المجاهدين وهدمت عمران نصف فلسطين وحولت المسألة الفلسطينية من مسألة سياسية تحرض الأمة وتوحدها إلى مسألة إغاثية أصبحت فيه فلسطين الجوهرة متسوِّلة، فيما شرخت حركات المقاومة الفلسطينية شعوب الأمة بسبب فتنة تحالفها وانحيازها ومديحها لملالي إيران المعادين، الأمر الذي أخرج حماس من معادلة التغيير الإسلامي الفاعل واختزلها بصورة مظلومة وظالمة.

 

مرتكزات المدارس الإسلامية الدعوية والإصلاحية والجهادية الثلاثة ومداخل تدميرها.

2/ يرتكز النموذج الثاني، الذي يجمع بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، على تبني مشروع الإصلاح السياسي من خلال أدوات السلطة، وفي ظل الدولة القطرية، رغم أنها تشكل نقيضًا لمفهوم الأمة والكيان السياسي الجامع والمعبر عنها. حيث تتوافر داخل هذه الدول الوطنية والقطرية مفاهيم ومحددات مركزية ومنظومات قانونية ومؤسسية كافية لمنع وعرقلة أي تقدم حقيقي يفضي إلى هيمنة واستعلاء الإسلام على المشهد السياسي. كذلك، فإن هذا المسار وعبر تلك الأدوات، أدى إلى احتكاكات مع الأنداد والخصوم في نفس الساحات القطرية، وقد نتج عنه تصنيف وتقسيم الشعوب المسلمة إلى ملائكة وشياطين، يتوزعون بين الجنة والنار بحسب انتماءاتهم وولاءاتهم السياسية دون إعتبار لأخلاقهم ولا التزامهم الديني، مما غيَّب عناصر الالتقاء المشتركة العميقة والمهمة بين شرائح المجتمع نفسه فأصبح هشا سهل الاختراق وبعيدا عن تحقيق الوحدة الوطنية عداك عن الإسلامية، فتحقق ما يرومه الغرب من التمزيق والتفتيت الذي جعله يدعم في بعض الأحيان الحركات الإسلامية ليكتمل مشهد التفتيت في ظل غياب الوعي العميق.

 

إن صناعة الدولة الوطنية، بمفهومها القطري، تمت بأيدٍ غربية صهيوصليبية وذلك بعد تمزيق دولة الأمة، وقد أقيمت تلك الدول الوطنية على مفاهيم معادية ومتناقضة مع مشروع الإسلام الجامع، فهي بالأساس تحول دون نهضة المسلمين، وقد زوِّدت بأدوات قانونية ومؤسسية تقوم بعملية فلترة تلقائية بحيث لا تسمح للإسلام الحقيقي بالعودة إلى قيادة الحياة وتنظيم الشأن العام. وإذا كان العمل في الإطار الوطني مقبولًا من الناحية الموضوعية باعتباره إطارًا إداريًا وتنظيميًا تنشط فيه مجموعة بشرية، فإن تبني بعض الحركات الإسلامية للمفهوم الوطني والقطري، وحصر عملها في إطاره، شكل عاملا في افشالها؛ لاسيما وأن ساحات العمل في البلدان العربية والإسلامية تواجه مشاريع وأدوات معادية تجمع الغرب والشرق وتلتقي على تخريب وتعويق مشاريع النهضة الإسلامية، في حين انكفأت هذه الحركات على نفسها وحصرت مشروعها داخل الحدود القطرية بل وصنعت هوية إسلامية بنكهة ولون وطني جاهلي قميء، فخسرت الرصيد الحقيقي للتغيير، وهو امتداد الأمة. وقد مكن ذلك السلطات الوكيلة في عموم الأقطار العربية من الإجهاز السريع على الحركات الإسلامية عندما يزداد مدُّها وزحفها ويتعاظم رصيدها الشعبي، دون قلق من امتداد خارجي ولا خوف من رصيد الأمة وفاعليتها.

 

ثغرة النموذج الثاني ومدخل تدميره:

لم ولن يستطيع الغرب منع الصحوة الإسلامية الزاحفة في الأمة، التي تجاوز رصيدها في عقول المسلمين، وقلوبهم، وسلوكهم، قدرة المشاريع المعادية على انتزاعه، ولا سيما في ظل الدور المركزي الذي ينهض به العلماء والدعاة في ترسيخها وتعميقها. غير أن الغرب لم يتوقف عن السعي إلى تشويه هذه الصحوة، وتعطيل مساراتها، واحتوائها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

 

وفي هذا السياق، يمثل النموذج الثاني، الذي يجمع بين حركة الإخوان المسلمين في مصر، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، نموذجًا اختط لنفسه مسار التغيير والإصلاح عبر مؤسسات الدولة، وفي ظل مفهوم الدولة القطرية، وهو المسار الذي سعت المشاريع الغربية إلى احتوائه وإجهاضه من خلال استثمار مرتكزاته وثغراته.

 

إن أكبر ثغرة منهجية في هذا النموذج تكمن في تقعيد العمل الإصلاحي والتغييري داخل مؤسسات الدولة الوطنية، وعلى أرضية المفهوم القطري، الأمر الذي مكن –ولا يزال يمكن– المشاريع الغربية، التي صنعت هذه الدول الوطنية، ولا تزال تشكل الأرضية الضامنة لاستمرارها، من التدخل في مسار العمل الإسلامي، والقدرة على عرقلته أو توجيه ضربات قاصمة له في اللحظة التي تراها مناسبة، من خلال الوكلاء القائمين على إدارة تلك الدول.

 

كما فقد هذا النموذج أحد أهم عناصر قوته عندما غيب الامتداد الطبيعي للأمة عن مشروعه العملي، وحصر فاعليته داخل الإطار الوطني، مما أدخله في حالة احتراب دائم مع الوكلاء القائمين على السلطة، ومع الأنداد السياسيين المنافسين في الساحات الداخلية. وإذا كان الاشتباك مع الوكلاء في السلطة الوطنية سببًا في استنزاف دائم لهذه المشاريع، ضمن معركة مع الوكيل بعيدًا عن الأصيل الذي يملك زمام المبادرة، فإن الاحتكاك المستمر مع الأنداد السياسيين، ضمن الخطاب الفئوي لهذا النموذج، أدى إلى شرخ المجتمعات العربية والإسلامية، بعدما انزلق في كثير من الأحيان إلى تصنيف الناس إلى ملائكة وشياطين، تبعًا لانتمائهم وولائهم السياسي، وهو ما أضعف الجبهة المجتمعية، واستنزف رصيد المشروع الإسلامي، وحقق للخصوم ما عجزوا عن تحقيقه بالمواجهة المباشرة.

 

مرتكزات المدارس الإسلامية الدعوية والإصلاحية والجهادية الثلاثة ومداخل تدميرها.

3/ يرتكز النموذج الثالث، الذي يجمع بين مدرسة أردوغان حزب العدالة والتنمية التركي، ونموذج هيئة تحرير الشام أحمد الشرع في سورية، على ضرورة تحقيق إنجازات واقعية عملية تتعلق بحياة الناس ومعاشهم، والتمكن من السلطة، وذلك من خلال التعاون مع القوى والمشاريع الدولية والإقليمية المؤثرة والفاعلة.

 

وينطلق هذا النموذج من رؤية تقوم على عدم القدرة على مواجهة تلك المشاريع المعادية بصورة مباشرة، والذهاب إلى الهدنة والتفاهم لدرجة التعاون معها، الأمر الذي يفضي في واقع الحال إلى دوام نفوذها واستمراره، في ظل مكون إسلامي التكوين والإنتماء.

 

ولا شك بأن هذا المسار يصنع اضطرابًا عميقًا في المشروع الإسلامي حيث تتناقض شعاراته الإسلامية مع طبيعة خطواته العملية والمنهج الناظم لها، مما يضطره في بعض الأحيان لتطويع المفاهيم الإسلامية لصالح الحضارة الغربية المهيمنة، كما يجمع هذا النموذج بين بناء الفضائل في الفرد والأسرة والمجتمع، وبين التعاون السياسي مع القوى المناهضة للإسلام.

 

ولعل من أبرز آفات هذا النموذج أنه يتجاوز من الناحية العملية أصل المشروع الإسلامي الذي يعنى ببناء الإنسان ثم الأسرة ثم المجتمع، ليبنى على ذلك مشروع التمكين، فيما يسعى هذا النموذج إلى تحصيل شرعية أكبر لوجوده وبقائه من القوى الخارجية، الأمر الذي يدفعه باستمرار إلى تعزيز علاقاته معها، والبناء عليها. وفي هذا السياق تضمحل أو تضطرب شرعيته الداخلية تدريجيًا، ليصبح مرتهنًا بشكل مضطرد للمشاريع الخارجية، القادرة على خلخلته متى رأت أن مصالحها تقتضي ذلك.

 

وفي نظرة متفحصة لشقي النموذج الإصلاحي البراغماتي نجد أن هناك فروقا موضوعية هامة بين حزب العدالة والتنمية وهيئة تحرير الشام، يعكسها واقع المجتمع المتباين بشكل كبير بينهما، حيث يتميز عموم المجتمع الشامي بتدينه والتزامه واصطباغه بهوية الإسلام، فيما يعاني المجتمع التركي من انفصام في الهوية لدرجة أزمة حقيقية شرخت المجتمع إلى نصفين أولهما محب للإسلام ومقبل عليه وثانيهما كاره ورافض له بالشكل والجوهر.

 

ورغم الفارق الكبير بين خصوصية المجتمع التركي الذي يعاني من وحش العلمانية المتربع في أحشائه، والتي تزيد التحديات أمام المشروع الإصلاحي التركي لتضيف للتحدي السياسي تحدي الهوية، فإن هيئة تحرير الشام سارت على نفس نهج العدالة والتنمية التركي رغم أن المجتمع السوري مختلف بنسبة إقباله الكبير على الدين واصطباغه بالهوية الإسلامية بالشكل والجوهر!

 

ثغرة النموذج الثالث ومدخل تدميره:

إن أكبر ثغرة في النموذج الثالث البراغماتي تتمثل في اعتبار المصالح السياسية والمنافع المعاشية أولوية مفصولة عن مرجعية الأحكام الشرعية، الأمر الذي نتج عنه انفصام نكد بين شعارات هذا النموذج وعناوينه الصحيحة، وبين ممارساته السياسية والقانونية والمجتمعية التي تتعارض في كثير من جوانبها مع تلك العناوين، نتيجة ممالأتها للمشاريع الغربية وخضوعها النسبي له، أو مراعاتها بما يتجاوز حدود الضرورة الشرعية وأحكامها المفصلة. الأمر الذي ينعكس على إرباك وعجز حقيقي في تحقيق الأهداف الإسلامية المنشودة، رغم ما قد يحققه هذا النموذج من نجاحات في إدارة السلطة، أو الاقتصاد، أو مؤسسات الدولة.

 

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن هذا النموذج يتقدم على مستوى بناء الدولة وتحقيق الاستقرار، فإن هذا النجاح لا ينعكس بالضرورة على نجاح موازٍ في التجربة الإسلامية، أو في البناء الدعوي، أو في مشروع التمكين الذي يستهدف إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع وفق هدي الإسلام. ولعل النموذج التركي يمثل أوضح مثال على ذلك؛ إذ استطاع أن يحقق نجاحات معتبرة في مجالات الإدارة والاقتصاد والسياسة والعسكر، إلا أن ذلك تزامن مع تراجع واضح في الحضور الديني والثقافي المتصل به، واتساع المد العلماني في المجتمع، وهو ما يكشف أن النجاح في إدارة الدولة لا يعني بالضرورة نجاح المشروع الإسلامي في تحقيق غاياته الكبرى.

 

لقد شكل المنهج البراغماتي، وما صاحبه من خفوت وتراجع في مركزية الالتزام بأحكام الشريعة في ضبط إيقاع النموذج الثالث، على المستويين السياسي والقانوني، مدخلاً رئيسًا نفذ منه الغرب الصليبي إلى بنيته الداخلية، فعمل على صناعة قوى موازية ومناهضة للمشروع الإسلامي، مستندًا إلى الفلسفة الديمقراطية الغربية، كما أعاد تشكيل الدولة ومؤسساتها على أسس فلسفية وتشريعية متناقضة مع الإسلام، بحيث يبقى المكون الإسلامي، وإن وصل إلى السلطة، أسيرًا لهذه المنظومة، عاجزًا عن تجاوزها، أو تحويلها إلى أدوات تعبر عن مشروعه الحضاري، فيتحول وجوده في السلطة إلى إدارةٍ للدولة القائمة، لا إلى إعادة بنائها وفق مرجعية الإسلام.

 

كيف استفادت المشاريع والقوى الغربية المعادية من جوانب القصور في النماذج الثلاث؟

يكاد يجمع بين النماذج الإسلامية الثلاثة، رغم اختلاف مدارسها ومساراتها، أن القوى الغربية المعادية لم تستطع النفاذ إليها من نقاط قوتها، وإنما دخلت إليها من جوانب القصور والثغرات الملازمة لكل نموذج. فلم تكن المشكلة الرئيسة في صدق النوايا، ولا في حجم التضحيات، ولا في مقدار الحضور الشعبي والاستعداد لبذل المال والنفس، وإنما في الخلل المنهجي الذي مكّن الخصوم من تحويل عناصر القوة إلى مواطن استنزاف.

 

ففي النموذج الجهادي، استُثمر تضخم البعد الجهادي القتالي على حساب السياسة والعلم والدعوة، واتسع الاستنزاف في معارك مفتوحة، وعُزلت الحركات عن محيطها، وشُوهت صورتها، حتى أصبحت كثير من ميادينها ساحات استنزاف طويلة تخدم خصومها أكثر مما تخدم مشروعها.

 

وفي النموذج السياسي الإصلاحي، استُثمرت الثقة المفرطة بقواعد اللعبة السياسية، فاستُخدمت أدوات الدولة العميقة والقضاء والإعلام والانقلابات والضغوط الدولية، لإجهاض التجربة بعد وصولها إلى السلطة، لأنها لم تكن تملك القوة الكافية لحماية مشروعها، كما لم تنجح في الاستفادة من الفرص لتغيير قواعد اللعبة.

 

أما النموذج الإصلاحي البراجماتي، فقد استُثمرت مرونته العالية، واتساع دائرة التوافقات التي يعقدها خارج الضوابط الشرعية، في دفعه تدريجيًا نحو الاندماج في المنظومة الدولية، وإبعاده عن المشروع الإسلامي الجامع، وحصره داخل حدود الدولة القطرية، بما يحقق للغرب مصالحه الاستراتيجية، ويحول دون تشكل مشروع نهضوي يعبر عن الأمة في مجموعها نتيجة ارتهانه للمصالح الموهومة.

 

ومن هنا، فإن المشاريع الغربية لم تكن في معظم الأحيان هي التي صنعت أخطاء هذه النماذج، وإنما أحسنت استثمارها، وبنت استراتيجياتها على ثغراتها، حتى أصبحت مواطن القصور الداخلية أخطر على هذه المشاريع من قوة أعدائها الخارجية.

 

السبيل إلى إصلاح مشاريع الإصلاح والتغيير الإسلامي.

إن حالة الالتقاء الفريد بين المدارس الإسلامية، على اختلاف مشاربها، ومرجعياتها، وانتماءاتها، في نماذج ثلاثة متشابهة، جمعت في كل واحد من النماذج الثلاثة فريقين مختلفين في المشارب، والتوجهات الفكرية، والخلفيات الحركية والتنظيمية، تكشف عن وجود جوانب قصور منهجية مشتركة، تجاوزت خصوصية التنظيمات والأشخاص، وأصبحت تحكم مساراتها العملية ونتائجها.

 

وهو ما يجعل الحديث عن إصلاح مشاريع الإصلاح والتغيير الإسلامي حديثًا عن مراجعات منهجية عميقة، لا عن أخطاء تنظيمية أو قيادية عابرة أو خلاف واختلاف مذهبي تقليدي، لاسيما وقد اجتمع في كل نموذج طرفان مختلفان كالسلفي والصوفي والقاعدي والإخواني والجهادي والبراغماتي.

 

وسؤال الوقت يقول:

ما هي خطوات تصحيح المسار الإسلامي المتعثر عند الجميع؟

من نافلة القول أن الخطاب القرآني، في عمومه، هو خطاب للجماعة، وبصيغة الجمع؛ لأن التغيير الحقيقي الذي يفضي إلى تعبيد الإنسان والحياة لله سبحانه وتعالى، لا يتحقق إلا من خلال مفهوم الجماعة. وهو مفهوم قرآني يختلف عن معنى الجماعة الحزبية ودلالاتها، إذ يتجاوز الإطار التنظيمي الضيق إلى الأمة المؤمنة التي يجمعها الإيمان، وتوحدها الرسالة، وتنتظمها أحكام الشريعة.

 

إن معالم التصحيح الجاد تشير إلى ثلاث خطوات لازمة:

أولًا:

تشخيص العلل والأخطاء المنهجية في مشاريع الإصلاح والتغيير ونظرياتها، ولا سيما بعد قرن كامل من التجارب الإسلامية في ميادين ومساحات متعددة.

 

ثانيًا:

القيام بالتصحيح النظري قبل العملي، وذلك بمراجعة التصور الفكري والسياسي لمشاريع الإصلاح والتغيير، بما ينسجم مع جوهر الإسلام، ويخضع لأحكامه وضوابطه.

 

ثالثًا:

تحقيق التكامل الإسلامي في موضع التناحر والاحتراب القائم، بحيث لا يقصي طرفٌ طرفًا آخر، بقدر ما يبحث عن التكامل معه، والاستفادة من عناصر القوة التي يمتلكها.

 

الأساليب اللازمة لتحقيق الغايات المرجوة.

في هذا السياق، ينبغي أن يحل منهج المعالجة محل منهج المحاكمة، بغية الوصول إلى نتائج إيجابية حقيقية، تنشأ عن تفاعل بنّاء على أرضية جديدة، تضبطها الأهداف الرسالية، وتحكمها القيم الأخلاقية.

 

يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمونَ الصلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزكَاةَ وَيُطِيعونَ اللَّهَ وَرسُولَهُ ۚأُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة:71

 

ختاما أضع بين يدي القارئ وروَّاد مدارس الإصلاح والتغيير دراستي التي سأنشرها في كتاب تحت عنوان:

 

نظرية الإصلاح والتغيير بين الأفول المشهود والتجديد الواجب والمطلوب

مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 10/7/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق