‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عمر علي البدوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عمر علي البدوي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 21 فبراير 2014

ربيع العرب: ثلاث سنوات من الاستغراق في الاحتفاء باللحظة الثورية

ربيع العرب: ثلاث سنوات من الاستغراق في الاحتفاء باللحظة الثورية


 عمر علي البدوي 
كاتب سعودي ــــ جدة
كانت لحظة فارقة في التاريخ الحديث للعالم العربي، بلغت درجة اليأس لدى الشعوب من تحسن الأوضاع إلى مستوى لا يطاق، ولأنه إذا استحكمت حلقاتها فرجت يوم نظن ألا تفرج، اندلعت شرارة الربيع العربي من مدينة "سيدي بوزيد" التونسية، من حيث المجهول، من نقطة اللامتوقع، جاء الفرج ليستنقذ الشعوب من وحل اليأس إلى فضاء الأمل.

جاء التغيير في مواكب الانتفاضات الشعبية التي هزت عروشاً جاثمة على صدور شعوبها وغارقة في الفساد والاستبداد، ضربت تلك الهبات العفوية كل التوقعات والاستعدادات المخابراتية والأسبار البحثية الاستشعارية التي وظفتها أجهزة أمن وحماية كراسي الحكام، وجاءت بغير المتوقع.

مضت اللحظة الرومانسية لثورات الربيع العربي، وانتقلت المسألة إلى مرحلة العمل الجاد والدؤوب لإنضاج الثمار التي انطلقت من أجلها صيحات الجماهير وسالت في سبيلها دماء الثوار.

بعد ثلاث سنوات من الاستغراق في الاحتفاء باللحظة الثورية والمرحلة المفصلية من تاريخ الهبات الشعبية، جاء الوقت ليسترد العقل انضباطه ويتنفس القلم صعداء التحليل العميق غير المنفعل، رغم الأخبار التي سالت منذ ولادة تلك اللحظة ولكنها لم تسلم من طرفي التنازع على المدح والردح، ولم تخرج من عنق اللحظة السحرية للثورة وأغرقت في التبجيل أو التقليل وفي التهليل أو العويل.

مضت ثلاث سنوات انطوت على كثير من التحولات والانحرافات وعلى التقدم المتباطئ نحو أهداف الثورة، ويعود ذلك إلى النوايا الخبيثة التي تتربص بالثورات أحياناً أو بالركام الذي ينتظر المخلصين من مخلفات الأنظمة المخلوعة أحياناً أخرى.

في تونس التي كانت ناصية الربيع العربي، ما زالت تقدم دروساً في الحفاظ على عذرية الثورة دون أن تمسها يد إسلاميين مغالين ينفردون بوراثة الثورة وأهدافها وشرعيتها أو تغرق في العسكرة وتدخلات الجيش السافرة أو تستردها قبضة الفلول الآثمة.

عندما احتفلت تونس بدستورها الجديد وسط لفيف من قيادات العالم وتوافق من الأطراف الوطنية الداخلية، كانت لحظة مشبعة بالأمل والإصرار على حماية الخيار الديمقراطي الوطني، رغم المتاعب التي احتشدت لمسيرة هذا المولود الثوري الناضج ولكن حجم التنازلات من الإسلاميين ومرونتهم الفائقة وجدار "الترويكا" الممتنع على تسلق الانتهازيين ونخب تونس الخضراء من الليبراليين والمثقفين الصادقين والتزام الجيش بدوره الوطني المحايد وتماسك الجبهة الداخلية من الثوار، كل هذا كان يصب بالنهاية في مصلحة الهدف الوطني المشترك.

ويبدو أن تونس ستحافظ لسنوات طويلة على موقعها المتفرد من العالم العربي في تقديم دروس الحداثة والعلمانية المهذبة ورمزية الثورة الطاهرة والإيمان بالخيار الديمقراطي الرشيد مع لمسة دينية معتدلة وعبقرية.

في مصر التي تشكل منذ تاريخها الفرعوني محوراً للمنطقة وبؤرة تأثير في محيطها العربي، يبدو أن التشابك معقد لدرجة مخيفة، فبعد أخطاء الإخوان الرئاسية التي استغلت بطريقة فجة استعاد الجيش دوره التقليدي في التحكم بمقاليد البلاد والعباد..

تسير الأمور هناك إلى إعادة إنتاج النظام القديم بصورة واضحة يشترك في ذلك ضعف أداء الإسلاميين الذين انتهى بهم الحال في المعاقل والسجون، إلى جانب تضعضع جبهة الثوار الأصلية وشتات أمرهم، فضلاً عن قوة الدولة العميقة التي تنتشر بشكل بشع في أطراف البلاد وخوار الطبقة الليبرالية والمدنية التي يعوّل عليها حماية حياض الديمقراطية والخيارات المدنية السلمية، يلهب ذلك قوى الإعلام المصري الحكومي والأهلي التي تبيع ضميرها المهني للحاكم المتغلب أياً كان لونه وطعمه ورائحته، ناهيك عن دور ديني رسمي وأهلي متخبط يلتزم بطريقته التقليدية في التعامل مع الشأن السياسي والفضاء العام.

خليط من الدواهي ألقت بمصر في عثرتها أو لعنتها التاريخية، ولذا فإن بوابة الخروج التي كان يوظفها النظام القديم ما زالت مفتوحة على مصراعيها، إذ ما زالت مفردة الإرهاب وطقوسه هي المصدر الأفضل لإكساب النظام القائم أو المتوقع شرعيته الراسخة.

يثيرني الاستخدام المسهب لمفردة الثورة مع موعدة 30 يونيو، والظهور المتكاثف لحركة تمرد وشبابها لكأنهم أهل الثورة وورثتها، إلى جانب المكارثية التي ترمي بوابل هجومها على الإسلاميين ومواراة الغضب على نظام مبارك ورموزه ممن سحق مصر لثلاثين عاماً.

أما منقذ مصر وملهمها عبد الفتاح السيسي الذي استنفد كل الأيمان المغلظة لتبيان زهده في حكم مصر، أعلن عن مفاجأته المبيتة بالترشح للرئاسة، لتحتشد كل القنوات والفضاءات لاستعجال الفرح برئيسهم القادم، وكم بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء.

وفي جوار أرض كنانة تطل عليك ليبيا التي تشكو من ويلات فراغ الدولة، لكأن القذافي قام بتصفير ليبيا من كل شيء، فما أبقى فيها نظاماً ولا دولة، وكان عليها أن تبدأ من حيث العدم لبنة لبنة وخطوة خطوة باتجاه مستقبلها الذي يتعطش لنظام ديمقراطي حقيقي ولكنه يفتقر لمقوماته الصلبة.

ورغم أن ليبيا تمضي بهدوء إلى مستقبلها، إلا أن أطرافاً تنوي بها الشر والضرّ، فمرة يطل القائد العسكري خليفة حفتر من غيبته ليعلن على الملأ خارطة طريق هشة تطير بها الركبان العربية فتعود خاوية حتى من خفين تقيها رمضاء الفضيحة الإعلامية المدوية، ثم تعبر قطاعات مسلحة من الثوار عن ضجرها وتململها فتستعيد النوايا الخبيثة الأمل في إحياء مشروعها، وهذا يكشف عن جانب من المترصدين لمصير الثورات العربية والدول التي قامت بها، ممن يوظف آلاته الإعلامية وأرصدته البترودولارية لإجهاض المكاسب وتشويه الحقائق.

ورغم أن التفسير بناء على ترصد النوايا المتآمرة لا يصح في بناء متين لدولة تتشرف مستقبلها، أكثر من الاستعدادات السياسية والبنيوية التي تسهم في تشييد الدول الدستورية والأنظمة الديمقراطية ولكن الفضاء العربي مسموم بالتدخلات الخارجية والأيادي المبيتة.

وفي اليمن السعيد الذي عاث فيه نظام صالح الفاسد، جاءت المبادرة العربية لتنهي احتمالات مصائر دموية كانت تنتظر الثورة هناك في بلد لديه الاستعدادات القتالية والاجتماعية الكافية للخوض في الدماء، ورغم أن المبادرة خففت من الآثار السياسية الإيجابية للثورة ولكنها حافظت على دماء اليمنيين.

انتهى المخاض الصعب للحوار الوطني إلى نتيجة جريئة وربما للوهلة الأولى لا تملك رصيداً من الواقعية في بلد يعيش على التقاليد القبلية العتيقة ويضرب فيه الجهل والفقر والفساد بقوة مما يستدعي دولة مركزية قوية ترتب التنمية على نحو يستغل الموارد الضعيفة وينظم عملية توزيعها، فضلاً عن المخاطر الأمنية الملحّة في ظل تهديد الجنوب بالانفصال بعد وحدة هشة فرغها عهد صالح من قيمتها الوطنية والإنمائية والمخاوف التي تحيط بملف الحوثيين الذي يستقوون بالعامل الإيراني وهويته الطائفية الحادة.

اليمن مثقل بالملفات، وهو أوضح صورة لحضور "الدولة" المتواضع في الواقع العربي، يعاني هذا البلد من التدخلات الخارجية الصارخة، ومن ضعف الثقافة الاجتماعية، وعندما قامت الثورة لإزاحة النظام الفاسد الذي زاد من أعباء المشكلات على شعبه لم يكن هذا ليكفي للتخلص من اختناق الواقع، وربما تكون اليمن أحوج الدول العربية إلى جبهة داخلية ناضجة وقوية تحتكر القوة وتدير مشروعاً تنموياً وطنياً استيعابياً يلائم الجروح الداخلية ويؤطر الشعب بأطيافه المتنوعة وأجهزة الدولة في مشروع المستقبل.

أما سوريا التي تترنح في دمائها، فإن جنيف في نسخته الثانية لم يحمل جديداً لأزمة الإنسان والثورة، الخيار الجهادي الذي يطمح إلى اجتثاث جذري للنظام لا يروق بطبيعته للقوى العظمى، كما أنه لا يملك مقومات ذلك، فالدعم العتادي قاصر أو مقطوع حتى تغير أرتال المجاهدين من عقيدتها لتقبل بالخيار السياسي الذي يهادن النظام لبعض الوقت.

المجاهدون الأجانب ارتكبوا خطأ تدفقهم، ومهدوا لخطيئة الخذلان الدولي بحجة المتشددين واستغل النظام الأسدي البائس هذه الشماعة لاستنزاف الوقت وكسب المؤيدين، وما زالت القضية تدور في رحى الطائفية المقيتة التي تدفع بالمسلمين في حرب خاسرة، والله وحده يعلم كيف ينتهي الحال بسوريا.

فوضى الجهاد ليست وحدها التي تسببت في تعقيد الثورة السورية وتعسير مخاضها، ولكن سوريا تحولت إلى مسرح لعبث القوى العظمى وتطاحن الرؤوس الدولية وتكسير العظام، تبدد المصير السوري بين عواصم الدول التي تتقاسم العداء والولاء وتمددت أصابع المخابرات العربية والأجنبية في جسد هذه البلاد التي تحتاج لعقود حتى تتطهر من براثن هذه الأزمة.

ولا تتحمل الثورة مسؤولية ذلك، ولكن النظام منذ بدايته وحتى بلغ من الظلم عتيّاً وهو يقحم سوريا في حروب الوكالة لإمضاء عقود الخلود على أرض الشام.

الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013

مذبحة الإعلام في المسألة المصرية


مذبحة الإعلام في المسألة المصرية


بقلم: عمر علي البدوي 
كاتب من السعودية ـ جدة

لا يمكن أن يخيّل إلى أحد في مثل هذه الأيام أن يغيب عنه أثر الإعلام وقيمته في كشف الحقائق وربما تزييفها، ولحظة تأمل واحدة في الحروب الأمريكية على أفغانستان والعراق والتوظيف الإعلامي العبقري المذهل لأحداث الحادي عشر من سبتمبر في سبيل تجييش العالم وتجسيد مظلومية أمريكية، لا يقف في طريق الانتصار لها صوت من عقل أو نداء من ضمير.

كان العالم كله يصطف وراء الدعاية الأمريكية ذات الأذرع الواسعة، وكأنه شاخص البصر أمام شاشة سينما ضخمة ويفتح ذهنه باستسلام لامتناهي لتلقي الخطاب الأمريكي المصنوع بعناية من أجل توجيه ضربة موجعة لقلب كابل وبغداد دون مراعاة للقيم الإنسانية أو تفنيد المبررات القانونية الكافية لشن الحرب.

كانت الحرب على الإرهاب مسألة إعلامية في المقام الأول من جهة الترويج لها وإذعان العالم لأجندتها، تختفي وراءها الأهداف الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية، إذ لا صوت يعلو على الحرب على هذه "الكارثة الأصولية" التي تهدد الأصل البشري وتنذر باستئصال شأفته من الكون؟؟

بالانتقال إلى مصر في اللحظة الثورية وما تلاها أو ما سبقها، لا يمكن أن تغفل حجم برامج التوك شو وطاولات النقاش وكمية الخطاب الإعلامي الذي يسرف على شاشات التلفزة المصرية الخاصة والحكومية، أو الممولة من جهات خارجية تدعم التوجهات التقليدية للنظام العربي العام.

لم يكن بمقدور الرئيس المخلوع حسني مبارك وحزبه الوطني أن يعيش لثلاثة عقود راسخ القدمين في الأرض المصرية رغم ويلاته الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، لولا حجم التلميع الإعلامي والتزييف الذي تبذل له وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء كل جهدها وإمكاناتها لتحقيق أقصى درجات تركيع المجتمع وتشتيت انتباهه الذهني.

وخلال الثورة المصرية، كان الإعلام المصري الرسمي والخاص يعيش أكثر لحظاته ارتباكاً، إذ يمكنك أن تقف على مزيج من الشتات وضعف التركيز وضلال المواقف، ويمكن ملامسة ذلك عند درجة التحول الجذرية التي تقف عليها عند بعض الرموز الإعلامية أو المحطات الشهيرة التي انتقلت بين غمضة عين وانتباهتها من تمجيد الحاكم إلى التشميت به ومن غمط الثورة والتهكم بشبابها إلى إكبارها وحشد مفاتنها واستمطار خيراتها.

واستمر هذا الارتباك خلال فترة ما بعد تمام الخلاص من الحاكم الثلاثيني البائس، وبمجرد احتدام المنافسة الانتخابية التي انتهت بصعود التيار الإسلامي السياسي سدة حكم بعض البلدان العربية الثائرة وعلى رأسها مصر العروبة والكنانة، بدأت بعض المذاهب الإعلامية تتخندق في مناطقها التقليدية وتستعيد سياقاتها المعهودة.

ويمكن تقسيم المدارس الإعلامية التي وقفت من مفهوم وأحزاب الإسلاميين إلى أربع جهات متباينة أحياناً وممتزجة أحياناً أخرى، ولكنها في الغالب لم تلامس الحياد الإعلامي إلا لماماً وربما اخترقت قواعد شرف المهنة وأخلاقيات العمل الاحترافي المستقل بطريقة فجة.

طرف من الإعلام المصري والخارجي حافظ على خصامه التقليدي مع التيار الإسلامي السياسي، حتى في لحظات ذروة صعوده كان يمارس دوره في التحذير والإنذار من أحزابه وتوجهاته، ولكن صوته يغيب في حفلة النشوة الشعبية التي احتفت بالتيار الإسلامي واختارته طريقاً للخروج من عثرة السياسة ونكسة الواقع.

وطرف من الإعلام المصري كان مستسلماً للحظة، وتابعاً للمتغلب، وهذا أوضح ما يكون في الإعلام الرسمي الذي تملكه الدولة، إذ كان لا يخرج من دوره الوظيفي من الاستجابة لتوجهات مكتب الرئاسة الإخواني حينها إلى مناصرة اللحظة الانقلابية والترويج لخارطة الطريق المصرية التي أعلنها الجيش كقوة تقليدية حكمت مصر لستين عاماً وربما تزيد كما يظهر في إرهاصات المستقبل المصري مع السيسي.

وطرف ثالث من الإعلام الخارجي حاول أن يناصر التيار الإسلامي السياسي بحجة دعم التحول الديمقراطي في مصر واحترام الاستحقاق الشعبي والانتخابي لجماعة الإخوان، ولكنه بالغ بدرجة ما في ممارسة دوره إلى مستوى كشف عن استسلامه لأيدولوجيا تتماس مع الطبيعة السياسية لأصحاب رؤوس الأموال الذين يملكونها، وكان هذا يتسبب أحياناً في تخفيف الأثر الذي تتركه هذه المحطات في الذهنية العربية، سيما في ظل التنابز الإعلامي وأجواء التشاحن والاستقطاب الحادة بين التوجهات.

وبقيت بعض المحطات الإعلامية الأجنبية التي تمثل الطرف الرابع تقترب وتبتعد قليلا من موقف الحياد وتحاول أن تقف من كل الأطراف على مسافة واحدة، نتج هذا الحياد عن هامشية المسألة المصرية بالنسبة إليها، ومن واقع ضعف استنباتها في المحيط العربي وصفتها العالمية التي تضعف من حضورها المحلي وتواضع حماسها للقضايا الإقليمية العربية والإسلامية.

وبالنظر إلى مستوى الحرية التي يتمتع بها الإعلام في الواقع المصري بعد ثورة يناير، فإنك ربما تكتشف شيئاً من حاله ومآله بالنظر إلى برنامج الكوميدي المصري الشهير باسم يوسف الذي ظل طوال فترة رئاسة مرسي يمارس أقصى درجات الاستقلال والحرية والتمكين دون أن يمس برنامجه أو شخصه بانتقاص أو احتجاب، وبمجرد انتقاله إلى العهد الانقلابي حامت الشكوك بعد إعلان توقفه المفاجئ وفي حلقته الأولى بعد العودة الكسيرة ضاقت به الطبقة السياسية الحاكمة وأعلن البرنامج استقالته من الشأن العام.

لن تُطوى من التاريخ المصري صفحة إعلامه في هذه اللحظة الحرجة من مسيرته التي شهدت تحولات وتبدلات مصيرية ومفصلية، وسيحفظ له مستوى التمادي في التزييف والكذب الذي بلغ أقصى إمكاناته، ولن يفوت عليه أن يحتفظ ببعض ممارساته على بساط السطحية والسذاجة، وكان هذا في عناوين صحفية وتلفزيونية تشهد بمستوى متدني جداً للقيمين على الإعلام المصري واستخفاف بالعقل الشعبي وإهانة تاريخ مصر وحاضرها ومستقبلها.

كما إنه سيحتفظ بوثائقه التاريخية التي تسجل مستوى الحدة التي اتسمت في بعض الطروحات الإعلامية لمجرد الخلافات السياسية مع الأوضاع القائمة أو الأحزاب الإسلامية التي تنافس في فضاء عام بأدواتها المشروعة، والخصام الذي بلغ ببعض المؤسسات والمحطات الإعلامية إلى تشريع القتل والتسامح مع إدماء الشارع وإقصاء بعض أطيافه السلمية والمدنية بطريقة جنونية.

الأحد، 27 أكتوبر 2013

الإقصاء الناعم: النور السلفي خارج حساب خارطة المستقبل المصرية


الإقصاء الناعم:
 النور السلفي خارج حساب خارطة المستقبل المصرية
 |


بقلم: عمر علي البدوي 
 كاتب سعودي

مشهد السيسي وهو يلقي بيانه الأول بعد عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي يعبر عن الإعداد الدقيق للصورة التي ستعبر طوال التاريخ عن اللحظة الفاصلة في النهاية الدرامية لأول رئيس مصري منتخب شعبياً، يجلس ممثلو الأطياف والتيارات السياسية على يمين ويسار السيسي لاستكمال المشهد المسرحي بكل أركانه.

لا يبدو هذا المشهد معبراً بما يكفي عن قرار اتخذ نتيجة ضغط شعبي يضج في شوارع مصر، لا إحساس ثوري في الصورة، لا يبدو أن أحداً من الجالسين كان منفعلاً مع قرار الجيش بالعزل، يبدو أن العلم المسبق أو الترتيب الهادئ لهذه اللحظة أجهز على الإحساس بالإثارة وقتل الروح الثورية والانفعال مع الموقف البطولي "البارد".

العسكر والمدنيون والشباب الثوري والإسلاميون في صورتهم الدولاتية والحزبية كان حضورهم لازماً لإظهار مدى التوافق على عزل الرئيس، الإخوان وحدهم وبقية التيارات الممانعة لا وجود لها، لأنها ستكون كبش الفداء والمقصود بالعداء، إنها حجر الزاوية لبناء القوام الجديد بعيداً عن النفس الثوري الذي أراد له الإخوان الديمومة والاستمرار.

ختم السيسي تلاوة البيان وانتهى المشهد وسدل الستار عن الفصل الأول من مسرحية الموجة الثورية الباردة، انتهت أدوار الأطراف السياسية وذهب كل منهم إلى مقعده المرسوم له أو إلى حيث أرادت له السلطة أن يكون عليه، السلفية هم النسخة الإسلامية السياسية الأفضل بالنسبة للسلطة الجديدة.

وفي حقيقة الأمر ليست السلفية هي النسخة الإسلامية السياسية الأنسب في معالجة الشأن العام وتناول السياسة أو الدخول في دهاليزها وأزقتها الضيقة، فالسلفية على نصاعتها العقدية لا تملك إرثاً تاريخياً جيداً في هذا المجال ولا تجربة واقعية تطبيقية مقنعة ولا حزمة رؤى متينة وواضحة في الشأن السياسي، وهي مرتبكة في موقفها من السياسة ومحاذرة إلى درجة الضياع والشتات.

السلفية غير ناضجة سياسياً، وهي في غالب طروحاتها التاريخية والراهنة تعاني ضعفاً وهشاشة في المحتوى، ويزيد الأمر تعقيداً عند تناول مفردة الديمقراطية التي تتنافس عليها التيارات السياسية عامة لإثبات انسجامهم مع الفكرة وقبولهم بخياراتها الفلسفية والإجرائية.

وحتى في السعودية باعتبارها مركز الإشعاع السلفي في العالم، فإن السلفية السعودية لا تباشر العمل السياسي وتكتفي بالجانب الاجتماعي والتعبدي، وتتوقف في شأن السياسة عند إسداء النصائح والتوجيهات العامة التي تقترب من رسم السقف الأخلاقي الإسلامي الذي يحيط تعاملات الإنسان وتواصلاته والحفاظ على المكون الإسلامي وبيضة المسلمين دون إمعان واضح وتناول صريح للتفاصل الدقيقة للسياسة وإخلاء مسؤوليتها عن درجة التطابق بين الرأي السلفي والفعل السياسي.

وهذا يعبر عن السلفية بوصفها مؤسسة رسمية تندرج تحت عباءة الدولة مما يعرضها لمساءلة أخلاقية ودينية من حساسية اتصال العالم بالسلطان وخضوعه لأجنداته السياسية.

وبالحديث عن المكون الديني المتصل بالدولة، فإن الأزهر لم يضطرب في القطع بالتدخل في الشأن السياسي من عدمه مثل ما يحدث له الآن، فهو كثيراً ما يدعو إلى ذلك باعتباره مبدأ شرف ونزاهة ثم يتدخل بصورة صارخة.

كما إنه يدعو إلى عدم الخروج على ولي الأمر ثم يضفي شرعية لمن له الغلبة والقوة في ذلك، وهو على درجة عالية من الخضوع للسلطات الفعلية القائمة خلال السنوات العشرية الأخيرة، فإنه وبالنظر إلى تاريخه كان فاعلاً سياسياً وواحداً من أكثر مؤسسات الدولة تأثيراً في مناكفة الفاسدين والمتنفذين في الشأن العام، ولكن شيئاً من ذلك تغيّر وأخضع هذه المؤسسة الدينية العتيقة إلى مجانبة هذا الدور الفاعل والمؤثر في الحفاظ على مصالح الشعب وكرامته.

أما السلفية بوصفها حزباً سياسياً، فتلك تجربة طريّة لا يسع الحكم عليها، رغم أنها تتعارض مع بعض أدبيات الفكر السلفي مثل التشنيع على المنافسة في طلب الإمارة، إلى جانب تأكيدهم المستمر والدائم على ترك السياسة نهائياً والتزهيد فيها (واعتزالها)، وهذا ما أشار له بعض رموز السلفية في مصر.

حزب النور يعاني من الإهمال والتضييق أحياناً، كما إنه لا يملك أدواراً فاعلة في المشهد الجديد، ويبدو أنه يتجه شيئاً فشيئاً إلى الإبعاد سواء كان ذلك بإرادة السلطة الجديدة أو لضعف أجندته السياسية وهشاشة أدواته.

وعلى كل حال، فإن الغطاء السلفي للسلطة الجديدة يوفر المناخ الهادئ لطبختهم التقليدية ويزيح همّ النفس الثوري عن سماء مصر الملبدة بالارتهانات الخارجية والاستقطابات الداخلية، النور السلفي يبعد عن السلطة الجديدة أحزاب الاستقواء الإسلامي بخطابهم المزعج وإمكاناتهم الحشدية وخياراتهم المربكة وبرنامجهم السياسي.

وحزب النور على قاعدته الشعبية العريضة، انقسم خلال الانقلاب بين (الطبقة المتصرفة) التي جلست في مقعد خلف السيسي وبين قطاع ليس بالقليل من القاعدة الشعبية مالت مع الإخوان في مغالبتهم للانقلابيين وتمسكهم بشرعيتهم الانتخابية.

عندما تتابع التفاصيل الدقيقة لمشهد الانقلاب، تلاحظ بوضوح الانزعاج الكبير من الحركات الإسلامية السياسية، وتقف على الجهد المبذول من القوى الفاعلة دولياً وإقليمياً لإفشال تجربة الإخوان المسلمين في الحكم.

ورغم التردد الأمريكي المحاذر في القبول بالانقلاب وتقويض العملية الديمقراطية في مصر، إلا أن قوى عربية وإسلامية وقفت بالمرصاد لكل الحركات الإسلامية السياسية، وجأرت وزأرت بالحرب على التوجهات الحركية عبر منابرها الإعلامية المنتشرة وتمويلها المشاريع السياسية البديلة.

الحركات الإسلامية السياسية بعد جهدها الشاق في تطوير رؤيتها السياسية وإنضاجها بما يتوافق مع الفضاء الديمقراطي وتجاوزها لاحتباسات الموقف الإسلامي المرتبك من السياسة، انطوت (هذه الحركات) على ما يزعج الأنظمة التقليدية في المنطقة.

ومع أخطائها في التعصب لأحزابها وشدة انغلاقها على تنظيماتها، ولكن إيمانها بالنقد الذاتي وضرورة التحديث المستمر سيساعدها للخروج من عنق الزجاجة الأيدولوجية، سيما إذا استقرت القواعد الديمقراطية والسلمية في البلاد بما يرسخ لدى الأحزاب والجماعات خيار الاحتكام إلى وسائل التعبير والوصول السلمي والمدني التشاركي الآمن.

أخطأ الإخوان خلال فترة حكمهم وارتكبوا عدداً من الانحرافات التي لا تليق، ولكن الانقلاب على المسار الديمقراطي أكبر خطيئة في حق مصر وشعبها.

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

لن تقدروا على تصفية جماعة الإخوان بـشماعة "مكافحة الإرهاب"


لن تقدروا على تصفية جماعة الإخوان بـشماعة
 "مكافحة الإرهاب"

 عمر علي البدوي 
 كاتب سعودي

كيف أصبحت جماعة الإخوان المسلمين فجأة: جماعة إرهابية ؟ رئيس مصر المنتخب الدكتور محمد مرسي القادم من حزب الحرية والعدالة الذي تعود جذوره إلى هذه الجماعة يقبع في سجن قسري، وعشرات الأعضاء المنتمين إلى الجماعة رهن الاعتقال التعسفي ويتعرضون لمحاكمات عسكرية قليلاً ما تراعي ظروف العدالة والإنصاف .

ما يزيد على العامين فقط فصلت بين انتقالها من الجماعة المحظورة، إلى الجماعة المغدورة، عامان فقط عاشت فيها الجماعة أفضل فرص الانتقال من ضيقها الأيديولوجي إلى انسياب الأخلاق الديمقراطية في تكويناتها العميقة وتفكيكها في سياق تحديثها وتطويرها باتجاه المدنية والسلمية والتحرر من الانغلاق التنظيمي القاصر .

القصة باختصار: انتخابات نزيهة لأول مرة في تاريخ مصر .. رئيس إخواني منتخب بجدارة .. أداء رئاسي متواضع من مرسي .. انقلاب عسكري فجّ .. ثم توظيف أكثر فجاجة لمفهوم مكافحة الإرهاب لممارسة أشد أنواع الإقصاء والتصفية السياسية لكل معارضي الانقلاب وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين .

حصل انقلاب عسكري كامل الأركان على شرعية الرئيس مرسي، وحتى يجد الفريق أول عبد الفتاح السيسي وطغمته الانقلابية ذريعة لفعلته، بدأ في مغازلة المخاوف التقليدية للمجتمع الدولي وتوظيف كلمة السر التي استسلمت لها الشعوب العربية لعقد كامل من التضليل والخداع، إنها الحرب على الإرهاب .

ثمة ممارسات وجماعات وأعمال تدميرية تفجيرية يصلح أن تطلق عليها تهمة الإرهاب، وتستحق وقفة قانونية وأمنية حاسمة، وهذا مما لم يعد يختلف عليه أحد، ولكن استخدام الشماعة نفسها لتبرير نفوذ سياسي يبحث عن أرض ليستقر عليها ونواة صلبة تغذيه بمبررات البقاء، فهو عمل باطل لا بد وأن ينكشف في فلتات السياسات وثنايا السقطات .

ليست المرة الأولى التي يحدث فيها الاستخدام السيئ للمصطلح، إذ تقوم بعض الحكومات العربية بوصم معارضيها بالإرهابيين لتسهيل عملية ارتكاب مجازر لا تقبلها الإنسانية وتجنب الإدانة الدولية، فخلال ثورة 17 فبراير في ليبيا قال معمر القذافي أن القاعدة وراء الاضطرابات في ليبيا، وخلال الأزمة السورية التي راح ضحيتها أكثر من 100 ألف قتيل، أعلن بشار الأسد أنه في مواجهة مع مجموعات إرهابية، وفي ديسمبر 2011 دعا بشار الأسد الشعب السوري للاحتشاد والاعتصام لإعلان الحرب على الإرهاب

أما في 26 يوليو 2013، فقد دعا الفريق أول عبد الفتاح السيسي الشعب المصري للتظاهر بميدان التحرير لتفويض الجيش و الشرطة للقضاء على الإرهاب، وفي فجر اليوم التالي قامت الشرطة بارتكاب مذبحة راح ضحيتها كثير من المدنيين السلميين 

لم يحدث هذا بعيداً عن البذور الأولى لهذا المصطلح الملتبس، الذي ألصق بطريقة ظالمة بكل ما هو إسلامي، فأصبحت الحرب المعلنة على الإرهاب كأنها حرب خفية على الإسلام، حتى سقط هذا المفهوم من اعتبار المسلمين، واستخدمته القوى الدولية العظمى في "شرعنة" غطرستها ومظالمها على الشعوب الضعيفة، واستخدم بطريقة غير موضوعية لتصنيف الجماعات التي تنتصر لحقوقها القومية والدينية العادلة أحياناً، بينما تم تبرئة دول الاحتلال والاستغلال منه رغم تصرفاتها التي تتجاوز الإرهاب الجزئي إلى جرائم الحرب على الإنسانية .

* مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان:

واحدة من الصعوبات الرئيسية المتمثلة في تنفيذ فعالية تدابير مكافحة الإرهاب هو تضاؤل الحريات المدنية والخصوصية الفردية التي غالباً ما تنتهك هذه الحريات بسبب مكافحة الإرهاب، مثل كاميرات لندن التي تراقب المدينة طيلة الـ 24 ساعة، مما أثار استهجان الأفراد والمؤسسات على اعتبار ذلك انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وخصوصيته .

ولأن دول السبق الديمقراطي تحترم الإنسان، فإنها تتحايل قانونياً ودستورياً لإجراء تعديلات طفيفة لا ترقى إلى المساس بكرامات شعوبها وحقوقهم، وفي بلاد الزيف الديمقراطي العربية لا كرامة للإنسان ولا صوت يعلو على مطامع الطغاة والمستبدين، فإن حقوق الإنسان آخر ما يفكر فيه المستبد المتغلب.

وهذا عين ما جرى في عزل الرئيس مرسي وتعطيل العمل بالدستور وحل المجالس الشورية ورمي اختيارات الناس عرض الحائط، وأكثر من ذلك بفض دموي لاعتصام سلمي وزج الإخوان في السجون وإغلاق القنوات الداعمة لرافضي الانقلاب وصور شتى من القسوة في الفصال النكد بين أطراف المجتمع.

ثم بدأت وسائط الإعلام الخاصة والرسمية في ترويج الشعار الجديد للمرحلة القادمة، إنه الحرب على الإرهاب، فجأة تحول كل شيء إلى عرضة للتهمة بهذا الجرم الذي نسج سريعاً لاستعداء الخصوم السياسيين، وحافظ الإخوان على تمسكهم بالخيار السلمي، وتجددت المواجهة الصريحة بين الدولة الأمنية والشعب الأعزل، واستقطبت طاولات الحوار التلفزيوني المستأجرة أكثر الناس قدرة على قلب الحقائق وتزييف الأحداث في معرض كنس آثار ثورة يناير الحقيقية واستعادة النظام القديم .

ونشطت جماعات تكفيرية متشددة لم يعنّ لها الظهور إلا في هذه اللحظة الغريبة، ولاحت في المشهد محاولات اغتيال فاشلة، واستصدار بيانات إنترنتية تتوعد وتهدد، كل شيء بدأ يذكرنا بشيء لم ينطوي بعد من الذاكرة العربية، وظهر وكأن الدولة بجيشها المدجج منشغلة في حرب ضروس مع أعداء الوطن من الإرهابيين وانغمست في بحر هذه الضجة المريبة كل الاستحقاقات الثورية لبناء وطن ديمقراطي حر يخضع لمؤسسات نزيهة ومستقيمة .

* هل من حالات مشابهة في التاريخ؟

خلال حقبة الثورة الفرنسية الممتدة بين الأعوام 1789 إلى 1799، والتي يصفها المؤرخون بـ"فترة الرعب"، كان الهرج والمرج ديدن تلك الفترة إلى درجة وصف إرهاب تلك الفترة بـ"الإرهاب الممول من قبل الدولة"، فلم يطل الهلع والرعب جموع الشعب الفرنسي فحسب، بل طال الرعب الشريحة الارستقراطية الأوروبية عموماً .

وفي ليلة رأس السنة عام 2011، وقعت حادثة تفجير كنيسة القديسين في مصر ويعتقد بتورط وزير الداخلية المصري آنذاك حبيب العادلي في الحادث لإعطاء مبرر لتمديد قانون الطوارئ وممارسة المزيد من أعمال القمع ضد المعارضة لتسهيل مخطط توريث الحكم في مصر لجمال مبارك .

* هل مارست الجماعة إرهاباً من قبل؟

تواجه جماعة الإخوان المسلمين تهمة احتضان الإرهاب وبذوره الأولية، وذلك في أدبياتها القطبية التي رسمت الخطوط الأولى للمفاصلة بين الفكرة الإسلامية الحركية والأنظمة القائمة، وأسرف الخطاب القطبي في إذكاء الخلاف بوصم المجتمعات المغلوب على أمرها بالجاهلية الأولى مما يستدعي هبة إسلامية جذرية توظف كل إمكاناتها العنفية .

وبالنظر إلى أسرار بروز هذا الخطاب الراديكالي وتبنّي أدبياته من قطاع عريض وواسع من أبناء الحركة الإسلامية؛ لا يمكن فصل تاريخية ذلك عن ارتباطه بمرحلة المحنة الناصرية التي عصفت بالإسلاميين ودفعتهم إلى السجون والإعدامات والمطاردات، مما أضرم الخلاف بينهما إلى أبعد حدود الصراع الصفري.

وبقدوم السادات بدأت أسارير مرحلة جديدة من التوسط تبرز في الساحة، وقدمت الحركة الإسلامية في سبيل ذلك كثيراً من التنازلات والمراجعات التي جاءت استجابة لمرونة الحكومة وتسهيلاتها السياسية، ولكن تلك المراجعات لم تسلم من التشكيك وتهمة البراغماتية التي تليق بحزب سياسي ناضج يتطور بما يتوافق ويلائم محيطه السياسي.

وبدأت الحركة الإسلامية تستجيب لشروط العمل السياسي الديمقراطي كخيار استراتيجي للوصول إلى السلطة وممارسة طموحها الطبيعي، وظهر وكأن الجماعة اقتنعت نهائياً باعتزال الخيار العنفي وقناعتها بعدم جدواه للوصول إلى غاياتها النهائية .

مع وصول رئيس الصدفة مبارك تمكن من إدارة خيوط اللعبة مع الإسلاميين بمراوغة فائقة، ولكن في أكثر حالاته سوءاً لم يدفعهم للعنف بسياسات إقصائية فجة، ولاحقت التهمة المزجاة الإسلاميين، وجاء ذلك ضمن صفقة تحت الطاولة لاستبقاء نظام العسكر مع الحفاظ على بيضة الجماعة رغم سجلها النضالي إلى جانب بقية القوى والتيارات الوطنية النزيهة .

واليوم تأتي سياسات الانقلاب الصريح بأكثر أشكال الإقصاء وضوحاً مما يغري الجماعات الإسلامية بالركون إلى خياراتهم العنفية القديمة بعد تخليهم عنها منذ آماد طويلة، عمل انقلاب السيسي على إعادة إنتاج النظام الناصري المتضخم بما يزيح المتنافسين عن الساحة ويمنح العسكر من جديد حق التفرد بالسلطة لحماية مكاسبهم وامتيازاتهم وجعل مصر تراوح من جديد في مربعها السياسي التقليدي في حسابات المنطقة ورهانات المجتمع الدولي التي تبخس المصريين حقوقهم في الدسترة والكرامة والقانون.

وعبر التاريخ كان الإقصاء يدفع إلى الإرهاب، تماماً كما حصل في حرب العشرية السوداء في الجزائر، وهو صراع مسلح قام بين النظام الجزائري القائم وفصائل متعددة تتبنى أفكار موالية للجبهة الإسلامية للإنقاذ، بدأ الصراع في يناير عام 1992 عقب إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية لعام 1991 في الجزائر، والتي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزاً مؤكداً، مما حدا بالجيش الجزائري التدخل لإلغاء الانتخابات التشريعية في البلاد مخافة فوز الإسلاميين فيها.

ورغم إصرار الإسلاميين في مصر على السلمية، إلا أن سلطة الانقلاب تحاول دفعهم من جديد إلى العنف بعد تضييق أملهم في فرص الديمقراطية وتيئيسهم من أساليبها السلمية والمدنية وهذا ما سيعود بالسوء على المجتمع برمته، لأن الديمقراطية في شقها الفلسفي العميق لديها استطاعة متناهية على تقليم أظافر الراديكاليين وإدماجهم في أجواء التشارك السياسي التنافسي على أساس التعددية والاحتماء إلى مشتركات وطنية متينة تتيح للجميع تسجيل حضوره القاعدي والسلطوي دون دماء أو عداء .

* الإرهاب الحقيقي ينتعش:

في ظل هذه الأجواء المتوترة والاستقطابات الحادة بين الإسلاميين وخصومهم بما يحقق الانتفاع السهل لمجاميع الفلول والأنظمة القديمة البوليسية منها والعسكرية، بالإضافة إلى العسكرة المقيتة التي تعرضت لها الثورة السورية والاحتراب الطائفي الشائن على أراضي الشام العتيقة، والحرب الضروس العمياء على التيارات الإسلامية السياسية التي تصارع على البقاء بالحد الأدنى من اعتراف القوى المتغلبة في البلاد العربية والأدوات المتنفذة الخفية في جسد المنطقة ،يتنفس التيار التكفيري الصعداء بعد سقوط الرهان على خيار التغيير الديمقراطي من يد التيارات الإسلامية المعتدلة.

وكأن التيار المتشدد يضحك غروراً بنجاح فكرته التي نادى بها في الأصقاع وأسمع بها آذان رفقاء المنطلق وفرقاء الوسيلة بفساد المنطق الديمقراطي وخيانة الأنظمة القائمة لشعوبها وإصرارها على حرمان الفكرة الإسلامية وأحزابها ومناصريها من الوصول إلى السلطة، ها هو التيار المتشدد يستغل هذه الظروف ويتمدد من جديد في المنطقة ويستزرع أفكاره في عقول أبناء الإسلاميين الذاهلة من لحظة السقوط الإخواني الذريع .

* أين الخطأ الحقيقي؟

ربما أخطأت جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة حكمها القصيرة للبلاد المصرية، ولكن يبقى هذا في حدود الخطأ السياسي الذي يعالج بالأدوات الدستورية والديمقراطية السلمية والقانونية، وعلى القوى المتنفذة والمعاونة لها أن تتراجع عن الاستخدام السيئ للمفهوم الإرهاب، وتعود إلى القناعة بحتمية التشارك السياسي والتنافس التعددي دون استعداء أو توظيف القوى القابضة على أدوات العنف داخل الدولة وأن تيارات الإسلام المعتدل فرصة إستراتيجية للتواصل والتعاون وإنماء البلاد .

وسيبقى التيار الإسلامي السياسي بقواه وحركاته وأشكاله المختلفة موجوداً في الواقع السياسي العربي بالنظر إلى جموعه المناصرة وأتباعه، بدليل فوزه بالاستحقاقات الانتخابية العديدة والجموع الغفيرة في مليونياته الحقيقية، مما يستلزم التعامل معه بواقعية واحترام دون تعالي طبقي على الشعوب واختياراتها أو كراهية عمياء تجاه كل ما هو إسلامي .

وعلينا أن نقتنع مجدداً بنجاعة الخيار الديمقراطي في تأمين البلاد من الاحتراب الأهلي والانشقاق الداخلي، وهو الحل الحقيقي لتخفيف حدة التيارات الإسلامية المتشددة وإقناعها بالتزام الأدوات السلمية في العمل السياسي وتحقيق طموحاتها المشروعة، والعكس كذلك إذ يتسبب الإقصاء والعداء لهم بنتائج وخيمة وإرغامهم على استخدام خياراتهم التدميرية بجنون .

ولن تجد الجيوش العربية موقعاً حقيقاً لها مثل حماية حدود البلاد وتطوير قدراتها بما يحقق لها المنافسة مع القوى العسكرية الصاعدة في المنطقة، والكف عن التدخل في الشأن الداخلي بما يشعل الانقسام أو الخضوع لأجندة القوى الدولية التي تبتزها بالمعونات المالية والحماية الأممية، وستنال لحظة عودتها إلى ثكناتها مزيداً من التقدير والاحترام .

ومن العدل أن يُحاكم كل من حرّض على العنف أو مارسه من جميع الأطراف وأن يلقى جزاءه وعقابه لقاء ما اقترفه في حق الشعب المصري العظيم .


الاثنين، 30 سبتمبر 2013

الشيخ كشك.. صورة الدين غير المريح للساسة



الشيخ كشك.. صورة الدين غير المريح للساسة


بقلم: عمر علي البدوي / كاتب سعودي
بالمناسبة: لا أحب أنا شخصياً إقحام الدين في السياسة والعكس كذلك، وفي المقابل لا يجوز أن نستخدم تفسيراً اعتسافياً لهذا المبدأ بغرض تصفية الخصوم السياسيين أو توظيفه كفزّاعة لإقصاء المنافسين على قارعة السياسة، الإسلام السياسي تيار له وجود واقعي وبرنامج سياسي، ولأنه أكثر التيارات السياسية شعبية، و(نضالاً) ضد فساد السياسيين المتغلبين، فإنهم عادة ما يلصقون به تهمة إقحام الدين بالسياسة لمجرد تشويهه والتخلص من صداعه.
ربما كان للأحزاب الإسلامية السياسية أخطاء لا تغتفر، ولكن الحل الأسلم هو دفع هذه الأحزاب إلى تصحيح مكوناتها الفلسفية والفكرية، وهذا بتأسيس قاعدة دستورية مواطنية صادقة وإعمال أدوات الإصلاح السياسي لضمان نفاذ القانون على الجميع والخروج بدولنا العربية والإسلامية من أزمة التخلف والرجعية إلى مصاف التقدم والتنمية والنهضة الحقيقية.
لا ترقى أخطاء الأحزاب الإسلامية إلى مستوى أخطاء السياسيين الفعليين كالعسكر وثلة الليبرالية الممسوخة، ومع ذلك فإن النقد على بساط المساواة والحياد هو الطريق إلى صناعة بيئة سياسية ديمقراطية حرة، ومجتمع مدني حضاري، وضمان مستقبل تستحقه أجيال العرب والمسلمين.
منذ زمان اندلعت الحرب المبطنة بين التيار الإسلامي السياسي وبعض القوى الدولية والإقليمية التي تحافظ على التحالفات والاستراتيجيات السياسية في المنطقة، وزاد وضوح الحرب وأوارها بعد ثورات الربيع العربي التي أقلت التيارات الإسلامية السياسية دون استعداد كاف إلى سدة الحكم في عدد من الدول العربية.
ولأن مصر تقع في القلب من معادلات المنطقة الحادة، كانت مسرحاً مكشوفاً لهذه الحرب، إذ تولت جماعة الإخوان المسلمين كأكبر فصيل سياسي إسلامي حكم البلاد وتضافرت جمهورية العسكر الباطنية مع قوى إقليمية ودولية للتخندق في حرب علنية معها، وعادت تيارات الإسلام السياسي في نفس دائرة الاتهام والمسائلة والبحث والتحري.
لماذا تشكل الجماعات الإسلامية السياسية قلقاً حاداً للسياسيين بالمنطقة؟ فقبل الربيع العربي كان زين العابدين بن علي ومبارك يواجهانها بقوة ويستخدمانها ذريعة للالتفاف على الضغط الغربي البراغماتي أو للتحايل على الضغط الشعبي المتزايد، كانت ورقة "الإسلام السياسي" مبرراً كافياً لإدامة الاستبداد واستمراء الفساد.
وكانت شعرة ترخى لحظة البحث عن مخرج للانفجار الشعبي وتشدّ عند الشعور بالخوف من الانقلاب على المعادلة الراهنة، ويمكن اكتشاف ذلك عبر ثنائية الاعتقال التعسفي والإفراجات التي تأتي أحياناً في سياق مصالحة وطنية تطبيبية لامتصاص الأوضاع المتفجرة.
وُلد عبد الحميد بن عبد العزيز كشك في شبراخيت بمحافظة البحيرة يوم الجمعة 13 ذو القعدة 1351 هـ الموافق لـ 10 مارس 1933م، وحفظ القرآن وهو دون العاشرة من عمره، ثم التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية، وفي السنة الثانية ثانوي حصل على تقدير 100%. وكذلك في الشهادة الثانوية الأزهرية وكان ترتيبه الأول على الجمهورية، ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر.
وكان الأول على الكلية طوال سنوات الدراسة، وكان أثناء الدراسة الجامعية يقوم مقام الأساتذة بشرح المواد الدراسية في محاضرات عامة للطلاب بتكليف من أساتذته الذين كان الكثير منهم يعرض مادته العلمية عليه قبل شرحها للطلاب، خاصة علوم النحو والصرف.
عُين عبد الحميد كشك معيداً بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة عام 1957م، ولكنه لم يقم إلا بإعطاء محاضرة واحدة للطلاب بعدها رغب عن مهنة التدريس في الجامعة.

* لماذا يشعر الساسة بالقلق من لغة عبد الحميد كشك؟

اعتقل الداعية المصري عبد الحميد كشك عام 1965م وظل بالمعتقل لمدة عامين ونصف، تنقل خلالها بين معتقلات طرة وأبو زعبل والقلعة والسجن الحربي، وتعرض للتعذيب رغم أنه كان كفيفاً لا يبصر منذ صغره، ورغم ذلك احتفظ بوظيفته إماماً لمسجد عين الحياة.
في عام 1972م بدأ يكثف خطبه وكان يحضر الصلاة معه حشود هائلة من المصلين، ومنذ عام 1976م بدأ الاصطدام بالسلطة، وخاصة بعد معاهدة كامب ديفيد حيث اتهم الحكومة بالخيانة للإسلام وأخذ يستعرض صور الفساد في مصر من الناحية الاجتماعية والفنية والحياة العامة.
وقد أُلقي القبض عليه في عام 1981م مع عدد من المعارضين السياسيين ضمن قرارات سبتمبر الشهيرة للرئيس المصري محمد أنور السادات، بعد هجوم السادات عليه في خطاب 5 سبتمبر 1981م، وأُفرج عنه عام 1982م ولم يعد إلى مسجده الذي منع منه كما منع من الخطابة أو إلقاء الدروس، لقي كشك خلال هذه الاعتقالات عذاباً رهيباً ترك آثاره على كل جسده رغم إعاقته.

* "الاحتساب الأخلاقي.. والاحتساب السياسي":

كان الشيخ كشك يتعامل مع المحتوى الإسلامي ككل لا يتجزأ ويدلي برأيه في كافة الأحداث والقضايا، وفي القلب منها مسائل السياسة وإدارة شؤون البلاد، وهذا ما يخالف إرادة السياسيين.
إذ لا يريد المستبدون نسخة من الإسلام الشمولي، الذي يحقق المعنى التكاملي للدين الإسلامي بوصفه جاء تاماً وراسماً للتوجهات العامة للحياة البشرية، ولا شك في أن السياسة كفعل بشري تأتي في موقع متقدم من الأهمية لم تكن بعيدة عن الأطر العامة التي تضبطها حسب الرؤية الإسلامية، ومع ذلك لم يأت الإسلام في نصوصه المحكمة وتشريعاته المعلمة بشكل نهائي وناجز لإدارة البلاد وسياسة العباد، وترك ذلك رهناً لاجتهاد المسلمين ونوابغهم مستلهمين الأصول العامة والقيم الهامة، فضلاً عن العناية بتجدد الزمان وتبدل المكان والحرص على المصالح المتحققة والمرسلة، بما يضمن تحقيق الأهداف النهائية للدين الإسلامي.
على كثرة ما ينقده الشيخ على الفنانين والمطربين ونجوم الكرة وأنهم مواطن الفساد الأخلاقي ومحاضن الانحراف الاجتماعي، لم يكن يسلم من سلاطة لسانه وإحاطة بيانه حتى الساسة والقادة، فكان يشملهم بما يراه فيهم انحرافاً عن صراط العدل وخروجاً عن حياض العقل، وكان يلمزهم بالفساد الإداري وتضييع الحقوق والإفراط في المظالم، حتى يخيّل إليك وكأنك تسمع خطاباً سياسياً خالصاً يدلي به أحد رموز الأحزاب أو تلقيه إحدى جبهات المعارضة السياسية، ولكنه ليس أكثر من رجل دين لا يجد في الله لومة لائم، ولا يحابي في الحق أحداً.
ويملك كشك ومثله من يشبهه في ذلك، عدداً من المزايا التي تجعله يشكل قلقاً للسياسيين بخلاف بقية رجال الدين ممن لا تتوافر لديه هذه الشروط، أو تزيد وتنقص حسب استعداداته الشخصية والظروف المحيطة به:
- الاستقلال والتحوط من عتبة السلطان:
كان الشيخ كشك يتمتع باستقلالية تامة في مواقفه وآرائه، إذ ثبت على مسافة متنائية عن التزلف إلى السلطان أو محاباته في كلمة أو موقف، وكان زاهداً في دنياه وتنازل عن الأموال التي تدرها تسجيلاته المليونية التي يتعطش لها ملايين المسلمين حول العالم، وكثيراً ما ردد على منبره: أنه لن يتنازل عن موقعه من الخطابة وعن مدرسة محمد –صلى الله عليه وسلم– ولو عرضت عليه المناصب وزفت إليه المقامات، وحصل بالفعل عندما رفض أن يتولى منصباً للدولة أو يبيع منبره لعبد الحكيم عامر عندما طلب منه أن يبيح دم الشهيد سيد قطب، وكان لا يتوانى عن كشف التفاصيل الدقيقة لسجنه والعذابات وجلسات التحقيق بشكل وافي وكامل.
- تناول الشأن العام:
كانت روح الشيخ كشك معلقة بالمنابر التي كان يرتقيها منذ الثانية عشرة من عمره، ولا ينسى تلك الخطبة التي ارتقى فيها منبر المسجد في قريته في هذه السن الصغيرة عندما تغيب خطيب المسجد، وكيف كان شجاعاً فوق مستوى عمره الصغير، وكيف طالب بالمساواة والتراحم بين الناس، بل وكيف طالب بالدواء والكساء لأبناء القرية، الأمر الذي أثار انتباه الناس إليه والتفافهم حوله .
ولا غرو في أن يستمر الشيخ كشك في هذا المشوار عندما صلب عوده ونضجت تجربته، إذ استمر في تناول الشأن العام سياسياً كان أو اجتماعياً، مما عرضه للاستدعاءات الأمنية والاستعداءات المخابراتية، فضلاً عن المضايقات والاعتقالات وهو متمسك بموقفه لا يحيد ولا يبيد.
- الجماهيرية والتأثير والقبول:
في بلد الاستبداد لا صورة تعلو على صورة الرئيس، ولا مكان لمزاحمة جنابه الكريم أو شخصه العظيم، وإذا ما أراد رجل دين أو سواه أن ينافس القمر في ضيائه أو النجم في عليائه، فإنه سيفتح على نفسه أبواب النقمة والهلاك، سيما إذا لم يكن في صف الطاغوت وزمرته، وأسوأ من ذلك عندما يفتح نيران انتقاده وجلاده على الرئيس أو سياساته.
- المنافسة على تفسير الإسلام:
أعاد الشيخ كشك إلى المسجد دوره الإصلاحي، وعبر منبر الخطبة انتقد الشيخ عبد الحميد كشك موقف الشيخ الشهير محمد الشعراوي على خلفية تعليقه المبالغ فيه للرئيس المصري وقتئذ أنور السادات وأمام مجلس الشعب، فيما تكررت مواقفه الحادة والناقدة لبعض أطروحات مشيخة الأزهر.
وكأنه يقدم رأياً مختلفاً في دائرة الشريعة، لكنه لا يرضي الساسة ولا ترتاح له القيادة، وبما أوتي من قبول وتأثير، كان تفسيره المختلف لبعض قضايا الشأن العام بدليل الكتاب والسنة يعتبر مشكلاً بالنسبة لمن يريد أن يكسب الدين ورجاله في صفه.
كان الشيخ كشك يتلو آية "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون"، وكأنها سوط على ظهور علماء السلطان، تسمع الآية بتفسيرها الوافي وإسقاطها الواقعي ونبضها الحي، وهذا ما زاد من قلق السياسيين على كراسيهم الوثيرة.

* "خطاب التشدد المعيق للتنمية":

لا يحمل الشيخ عبد الحميد كشك منظومة آراء تقدمية في مسائل التنمية والمجتمع والسياسة، وهو لم يشتغل على تطوير ذلك وترقية مخزونه العلمي والمعرفي بما يصل إلى درجة مشروع فكري تحديثي، فهو محض خطيب مفوّه استخدم الخزينة العلمية والفكرية المكنوزة في المراجع الإسلامية الأصلية أو التابعة، وامتاز طرحه في المقابل بالبساطة والسهولة مع حرصه الشديد على اللغة الفصحى ومزجه بالعامية للتخاطب مع عموم الناس سيما في القضايا المعيشية والمحلية.
كان يحمل هم الطبقة المتوسطة والأدنى منها، ومع ذلك لم يقدم خطاباً متشددا يصل إلى مستوى المغالاة والتطرف التي تعيق التنمية وتعطل معيشة الناس، وكانت أبرز ملكاته هي القدرة على البلاغ والتأثير في الناس ولم يمتلك مشروعاً فكرياً مستقلاً بخلاف ما كان عليه بعض معاصريه من الفلاسفة والمفكرين الذين التزموا الخط الإسلامي كالغزالي والقرضاوي وأبو زهرة وسواهم.
وبهذا يكون الشيخ كشك تقليدياً في حصيلته، ونابغة في أسلوبه ووسيلته، وفريدا في درجة اتصاله بالمعنى الإسلامي المتكامل، وشجاعا في تبني رأيه.
كان الشيخ عبد الحميد كشك غصة في حلوق المستبدين، كان يغالب نواياهم المستبطنة وتصرفاتهم المستهجنة بسلاح الدين المتين وخطاب الشرع الثمين، نفض الغبار عن دين العلماء الممالئين، وأحيا في النفوس شرعة الحرية ودستور الموقنين.
كان يستخدم في خطبه النارية كلمات القرآن التي تعيد الأشياء إلى نصابها: "لمن الملك اليوم؟"، وكأنه يعرّض بالحكام الذين تبلغ بهم شهوة السلطة إلى الظن بغلبة أمرهم واستقرار حكمهم واستسلام الناس لهم، وعلى مسامع جماهيره الغفيرة ممن يحضر في مسجده أو يسمع له من خلال الشرائط التي تنتشر في أصقاع الدنيا كان يردد: "لا ظلم اليوم"، وكأن الظلم برأيه قاصمة العباد ومفسدة البلاد وسبيل الطغاة وصنيعة المستبدين.
كم هي حاجتنا إلى كشك جديد، يعيد إلى الدين هيبته في هذا الزمن المتراخي؟