نقطة نظام
امــــرأةٌ مُشتـــاقــــةٌ لوصــــــــــلِــكَ يا الله!
أدهم شرقاوي
في بيت النبي
العباداتُ عند أهلِ الصِّدقِ ليستْ تكليفًا ثقيلًا، وإنَّما شَوقٌ يُطيلُ فيه المُحبُّ وقوفَه على بابِ حبيبِه. وحين يفيضُ الشوقُ أحيانًا، يبحثُ القلبُ عن وسيلةٍ ليبقى واقفًا، ولو تعبَ الجسد.
في مسجدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ظهرَ حبلٌ ممدودٌ بين ساريتَين، لم يكن شاهدَ تكلّفٍ، بل أثرَ هِمّةٍ عاليةٍ لامرأةٍ أرادتْ أن تُطيلَ الوصلَ مع الله. دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلم ينتقِصْ من قدرِ الاجتهاد، ولم يَغمِزْ في صدقِ النيَّة، بل جاءَ ليضعَ العبادةَ في أُفقِها الأجمل؛ حيث يكونُ القُربُ مطمئنًّا، ويكونُ الدوامُ أحبَّ إلى الله من المشقَّة.
دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسجدَ، فإذا حبلٌ ممدودٌ بين ساريتَين من سواريه، فقال: ما هذا؟
فقالوا: هذا لزينبَ، تُصلِّي من اللَّيل، فإذا كَسلَتْ أو فَتَرَتْ أمسكتْ به.
فقال صلى الله عليه وسلم: حُلُّوه، ليُصلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا كَسلَ أو فَتَرَ فليقعد!
خلاصة حكم المحدث : أخرجه في صحيحه
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : ابن حبان | المصدر : صحيح ابن حبان | الصفحة أو الرقم : 2492
| التخريج : أخرجه البخاري (1150)، ومسلم (784)، والنسائي (1643) واللفظ لهم جميع
لا شكَّ أنَّه يُحسَبُ لأمِّنا زينبَ بنت جحشٍ رضي اللهُ عنها هذا الحرصُ على قيامِ اللَّيل، وإن أجهدَها التَّعب. ولكنَّ صاحبَ الشَّريعةِ السَّمحاءِ يُذكِّرُ زوجتَه، والأمَّةَ كلَّها من خلالها، أنّ اللهَ يريدُ بنا إلىُسرَ ولا يريدُ بنا العُسر.
صحيحٌ أنَّنا لو قُمنا العمرَ كلَّه على سِجَّادةِ الصَّلاة، فلن نُوفِيَ اللهَ حقَّه من العبادة، ولو أمضينا العمرَ كلَّه صيامًا، فليس ذلك كثيرًا على الله.
ولكنّ اللهَ تعالى يحفلُ بنا، ويهتمُّ لأمرِنا، ومن رحمتِه بنا جعلَ في دينِه رُخَصًا يُحبُّ أن نأخذَ بها، وهذه الرُّخَصُ لِدفعِ المشقّةِ عنّا.
فإذا كان قد أحبَّ لنا الرُّخصةَ في الفرائض، فلَا شَكَّ أنَّه لم يُكلِّفْنا ما لا نُطيقُ في النَّوافل. غيرَ أنَّ هذا كلَّه لا يُلغي حقيقةَ أن نُسابِقَ أنفسَنا في رضى الله تعالى.
غيرَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان من أفقهِ النَّاسِ بطريقِ القُرب، وأعلمَهم أنَّ العبادةَ لا تُقاسُ بمُددِ التحمُّل، بل بصدقِ الحضور.
فجاءَ توجيهُه رحيمًا، لا ليكسرَ هِمّةً، ولا ليُطفئَ شوقًا، بل ليضعَ العبادةَ على سِكَّتِها الأجمل؛ حيث يكونُ النَّشاطُ رفيقَ العبادة، أو رفيقَ الطَّاعة، ويكونُ الدَّوامُ أحبَّ من الإفراط، وتبقى العبادةُ طريقًا يُحَبُّ أن يُسلَك، لا حِملًا يُخشى أن يسقط.
وهكذا علَّمَنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّ اللهَ يُحَبُّ على قدرِ ما نُطيق، وأنَّ أصدقَ الطاعاتِ ما سكنتِ القلبَ ولم تُثقِلِ الجسد.
لم يكسِرْ هِمّةَ العابدات، ولم يُطفئْ نورَ الاجتهاد، بل حماه من الإفراط؛ ليظلَّ الوصلُ بالله طويلًا، لا تقطعُه المشقَّة، ولا تُفسدُه المبالغة.
فكانت حكمتُه صلى الله عليه وسلم أن يُبقيَ العبادةَ حيَّةً تمشي معنا، ولا نتعثَّرُ بها!
وبين هذا وذاك، هذه زوجتُه؛ يجمعُه بها قلبٌ قبل فراش، ويظلِّلُه معها حبٌّ قبل سقف.
صحيحٌ أنَّه كان يشفعُ للأمّةِ كلِّها من خلالها، ولكنَّه كان أيضًا يهتمُّ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق