السُّعار الشرس على الأمة
دواعي السُّعار الشرس على الأمة واختلال الحكم على مجريات التاريخ والحوادث!
تختل الأحكام على الأمور والحوادث بمحاكمتها بمعايير مختلة، أو بغير موازينها التي تُوزن بها. فالعالم والحضارة الإنسانية اصطلحا على معايير وأوزان لكل شيء؛ فمنها ما يقيس الثقل، ومنها ما يقيس المسافات، ومنها ما يسمى ميزان الأرباح والخسائر، ومنها ما توزن به الكتل والأحجام، وغيرها. وعند قياس أو وزن شيء على غير معياره وميزانه، يأتي الحكم مختلًا.
جدلية المعايير ومحاكمة الأمم…
حركة المجتمعات نحو المستقبل لا تُقاس بمعايير التجار من ربح وخسارة، ولا بمعايير الحروب بقدر الغنائم والمغارم، ولا بعدد الضحايا والأسرى، ولا بعدد التجارب الفاشلة أو أنصاف التجارب غير المكتملة، ولكن بحجم سقوط المسلمات التي تقود العقل وتحكم تصوره عن الواقع والمستقبل بكل متطلباته، وكانت أسس التخلف وقيوده التي أحاطت به وسادت في الماضي، واستبدالها بأسس لا تقوم للأمم قائمة إلا بها، ولا يمكن لها مزاحمة غيرها في المستقبل مجردةً منها.
ولهذا، فإن كل عمليات النقد الذاتي للمجتمعات، حين تصدر من أنصاف علماء الاجتماع أو غير المختصين، تكرس للهزيمة واليأس في أوقات تقترب فيها الأمم من آخر خطوات مغادرة الماضي بكل معاناته وهزائمه.
ولا توجد أمة مكتملة البنيان بين الأمم منذ نزول الوحي على محمد ﷺ، وحاضرة في كل عصر إلى اليوم، وعلى كافة المستويات، من مرجعيات مكتملة، وجغرافيا استراتيجية، وتنوع في الثروات الطبيعية والبشرية، وتنوع في المهارات حتى أدق التخصصات العلمية والفائقة التقدم، وتستطيع الاشتباك مع المستقبل، وتدفع أو تبذل كل التكلفة اللازمة بأوفر مما تطلبه، وفوق ما يتخيله أكبر المتخيلين في العالم، إلا أنه ينقصها فقط الرأس الرباني والنداء، حتى إن من يصلح أن يكون من حواريي هذه الرأس اليوم بوفرة لم يسبق لها مثيل فيما مضى.
ولهذا، فإن كل نقد للصحوة الإسلامية واتهامها بأنها لم تؤتِ أكلها، نقد يجافي الحقيقة، وما السعار الشرس على الأمة، وعلى كافة المستويات اليوم، إلا أن أعداءها يوقنون بأن الأمة، حتى وهي مبعثرة، وتعمل في جزر، بعضها ضد بعض، وبعضها ينازل عدوها، إلا أنها حاضرة، وحية، وبعافية، برغم كل الآلام، وأقرب ما تكون إلى لحظة التمام والكمال والنزال مع المستقبل بكل مكوناته.
وحين ييأس فقهاء الطوائف من الإجابة عن أسئلة المستقبل وعلاج الحاضر بفقههم، سيضطرون إلى فقه الأمة، الذي يعتمد التكامل لا التضاد، والإيثار لا الشح، واتساع ذمة الأمة لتحمل ضعفاءها قبل أقويائها، ووحدة الجغرافيا، ووحدة المسؤولية.
وحينها تستأنف الأمة بعثها من جديد، وهو آتٍ لا محالة، وعن قريب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق