الأحد، 14 يونيو 2026

من أغرق جزيرة الديمقراطية.. مرسي أم مندريس؟

 من أغرق جزيرة الديمقراطية.. 

مرسي أم مندريس؟

عباس قباري

وجهت المدرسة التي تدرس فيها ابنتي الكبرى الدعوة لها للمشاركة في رحلة مدرسية إلى إحدى جزر الأميرات الشهيرة في تركيا، التي تتواجد في بحر مرمرة، لكن ضمن في إقرار الموافقة الذي يستلزم موافقة ولي الأمر؛ دعوة لزيارة جزيرة "Demokrasi ve Özgürlükler Adası" ومعناها "جزيرة الديمقراطية والحريات"، فكان السؤال هل الرحلة لجزيرة فعلاً وفسحة صيفية تناسب الطلاب، أم زيارة لمتحف مثلاً، وكانت الإجابة.. الاثنتان معاً؛ متحف في جزيرة صغيرة وسط بحر مرمرة لا تصل إليها إلا السفن أو الطائرات الهليكوبتر. جعلني ذلك أقترب من عدم الموافقة لكن بقليل من التفكير وبعد معرفة أن الجزيرة مقصد لزيارات مدرسية مستمرة في الصيف، برعاية الدولة وإشرافها، قررت في الأخير مشاركة ابنتي.

قبل الشروع في السرد، أحب أن أنوه أنني لا أحب الحكاية عن بلد المهجر والغربة بشكل يفهم منه المقارنة بين بلدي وبلادهم، عن جمال الشوارع ونظافتها، والانبهار بالمزارات والقيم والتعامل بين الدولة والمواطن، كون المقارنة ظالمة واستدعائها دوماً يغيّب الغرض منها ويوغر، الصدور فلا داعي لها في كثير من الأحيان، فرغم كل شيء تبقى بلدي هي موطني الذي لا أنفك عنه وأحبه، ومهجري هو موطني الاضطراري الذي ألجئت إليه وأحترمه، لكن المقارنة هنا تحمل رمزية إنسانية وسياق تاريخي يكمل بعضه بعضاً؛ لا نكاية فيه ولا تكلف.

قررت ألا أطرح الأسئلة على ابنتي إلا بعد رجوعها من زيارة الجزيرة، حتى تستطيع إجابة أسئلتي بعد مشاهدتها، لكنها لم تعد من رحلتها بإجابات بل عادت بأسئلة! فجولة المتاحف والمرئيات التي تجسد حقبا تاريخية متعددة، والتجارب المختلفة المكثفة في نصف يوم، تحمل أسئلة واستفسارات أكثر مما تحمل إجابات.

حكت لي عن الجزيرة التي تضم قاعات للكتب ومعارض للرسومات التي تدور حول حقب زمنية مختلفة، يتصدر المتحف المفتوح في حديقة الجزيرة جدارية ضخمة فيها أسماء بعض من شاركوا في التجربة الديمقراطية الرئيسية التي تحكي الجزيرة حكايتها، وزنزانتها التي حُبس فيها أحد حكام هذه البلاد وعدد من رفاقه في عهد مضى، قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام! وكيف كانت زنزانته، مع شرح بسيط للحقب التاريخية المختلفة.

تستمر ابنتي في الحكي عن المشاهد والمزارات، وبقدر ما تحمله حكايتها من أسئلة مباشرة عن الأشخاص والأماكن بقدر ما أسمع في نبرتها وأرى في نظرات عينيها أسئلة من نوع آخر، أسئلة غير مباشرة لم تسألها لكنها تحمل استنكاراً لبعض ما رأته وما سمعته، عن كيف ولماذا تعرض هؤلاء الناس لهذه المظلمة؟!

أكملت الحديث الذي تخللته مراجعة بعض فيديوهاتها التي التقطتها بالموبايل لتسترجع المشاهد التي رأتها من مجسمات وتماثيل، أحد هذه الفيديوهات لتمثال معصوب العينين يحمل رأساً بلا جسد، وآخر لأياد مصفدة بالسلاسل تخرج من الأرض كأنها تستغيث، وزنزانة تتعلق بنوافذها أياد كأنها تطلب الحرية، ومجسم للوحة تضم "أوراق اقتراع" تطير في الهواء، بجوارها لوحة تجسم "طيور حمام بيضاء" تطير بعد كسر حديد أقفاصها، بالقرب من هذه المجسمات منطقة أخرى تضم مجسمات لدواة حبر وريشة تكتب بعض الأخبار، ومجسم لراديو قديم (فيما يبدو أنه استدعاء رمزي لدور إعلامي ما).

بعد الزيارة المفتوحة توجهت "الرحلة" لمنطقة المتاحف المغلفة، زارت مع زميلاتها متاحف تضم قصصا رمزية من التاريخ، ولفت نظرها في هذه الزيارة مشاهد نساء حول صندوق انتخابي (فيما يبدو تجسيدا لرمزية نيل النساء حقهن السياسي)، مشهد مجسم للسلطان عبد الحميد يروي آخر مشاهد عزله ونفيه، ومشاهد لسلاطين الدولة العثمانية وأبرز محطات الحروب، انتهاءً بالمشاهد الأيقونية المجسمة التي اشتهرت بها محاولة الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2016 من محاصرة الدبابات، والتظاهر حول المقار العسكرية، وقطع الجسور، وأشهر مشاهدها للرجال الذين يتوضؤون من نافورة إحدى الحدائق قبل استشهادهم برصاص العسكر.

وصلت الرحلة للمحطة الأخيرة، والتي جسدت بانوراما تجسيدية عن المحاكمة التي ضمتها هذه الجزيرة المعزولة، توقفت ابنتي قليلاً فيما يبدو أنه تأجيل لسؤال ترغب في طرحه، ثم استكملت وهي تحكي بمشاعر مختلطة تطرحها نظراتها، عن تجسيد كامل بالحجم الطبيعي الأقرب للحقيقة لمحاكمة أشخاص متهمين، وقضاة يرتدون الملابس العسكرية، وشهود وضباط وجمهور حضور قليل منتقى ومنقول للمحاكمة -حينها- بحراً وجواً، وأصوات حاضرة عبر السماعات كأنها حقيقية، وشاشة عرض سينمائي تروي الحكاية وتعرض الشخصيات بتعليق صوتي يحكي التفاصيل؛ استمعت منها للترجمة فكانت الملاحظة أن الحكاية تروي بشكل رسمي يشرح الوقائع دون الانحياز لأطرافها أو المشاركة في تحليلها، وهي نقطة قوة مهمة لا تقف فيها الدولة موقف انتقامي أو منحاز.

في الواجهة يقف في قفص الاتهام تمثال لشخص يرتدي "بدلة" مدنية رسمية، وهو ذات الشخص الذي رأت له الصورة الرئيسة في مكان بارز في الجزيرة مكتوب تحتها "عدنان مندريس" (1899–1961)، وهنا توقف الحكي فجأة لتسأل سؤالها المباشر والرئيس: "مين دة؟ وليه اتعامل المعاملة دي؟!".

المهمة الأسهل عليّ كانت إجابة هذا السؤال، والذي ساعدني فيه بحث بسيط على الإنترنت، شاركتني هي فيه. لكن كثافة المشاهد التي روتها أثارت داخلي شجونا وهيّجت في مخيلتي ذكريات عشتها، جعلت مئات المشاهد تتقافز في عقلي كأنها بانوراما شبيهة بما رأته ابنتي في رحلتها، وولّدت في صدري أسئلة أعمق من سؤالها، أعادت لي مشاهد بانورامية شبيهة من ثورة يناير التي انطلقت من مساجد مصر وميادينها، ومشاهد التحرير التي يتوضأ فيها الناس للصلاة قبل أن يلقي كثير منهم ربه شاهداً وشهيداً، مشاهد انتخابات الرئاسة في 2012 وكيف وقف المصريون طوابير بالساعات لنيل حقهم لأول مرة في اختيار رئيسهم، مشاهد خطاب الرئيس المنتخب في التحرير، وقسم اليمين قبل أن يقسم اليمين الرسمي في المحكمة الدستورية التي انقلبت عليه بعدها، مشاهد الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013، وكيف داست الدبابات رؤوس المصريين، وخلعت رصاصات القناصة عقولهم وقلوبهم، مشاهد الرقص على دماء الناس وأحلامهم، مشاهد الفض في رابعة ورمسيس وسموحة.. مئات بل آلاف المرئيات مرت أمام عيني بكثافة غريبة كأنها قطار فائق السرعة يثير الذكريات كما يثير الغبار وتهتز له الأرض.

جراء هذه المشاهد المكوكية كانت الأسئلة تحوم حولي تحاصرني بصوتٍ عالٍ تخيلت أن من حولي يسمعه معي، عن التقارب بين مسيرتي "عدنان مندريس" و"محمد مرسي" اللتين انتهتا بمأساة كارثية، وصرت أتساءل: هل قرأت تجربة الانقلاب العسكري في مصر 2013 من كتاب تجربة الانقلاب العسكري التركي الذي انقلب على "مندريس"؟ لماذا حُبس "مرسي" في جزيرة بحرية كما تم مع "مندريس"، هل البحر هو الملاذ الوحيد لنجاح الانقلاب؟

لم تغرق جزيرة "مندريس" أو بالأحرى وجدت الأيادي التي انتشلتها بعد غرق في ظلمات المكايدة السياسية، وبحار النسيان، فهل تجد مصر من ينتشلها من الغرق ويعيد جزيرة "الثورة ومرسي" للحياة ولو بعد حين؟!

 أم أن الغرض هو قطع الطريق على الناس حتى لا يستطيعوا إنقاذ رئيسها بعد احتجازه في منطقة عسكرية لا يحق لأحد المدنيين اجتيازها؟ أم الاثنان معاً؟ وكيف يستغل العسكريون مقدرات الوطن في نيل امتيازاتهم؟

هل تم استلهام الأقفاص الزجاجية التي حوكم "محمد مرسي" في داخلها من فكرة تغييب "عدنان مندريس" في جزيرة معزولة، فكان القفص الزجاجي هو جزيرة "مرسي" المعزولة في قاعة محاكمته ينادي فيها فلا يسمعه أحد؟! لماذا لم يحضر محاكمة "مندريس" سوى من اختارهم العسكر ونقلوهم بحراً إلى الجزيرة، وكذلك لم يحضر محاكمة "مرسي" أمام الشاشات سوى من صرحت لهم المحكمة بالحضور أو بالأحرى أحضرتهم؟ هل يكشف التاريخ أن "مرسي" تعرض لتجربة إعدام خاصة ولم يمت ميتة طبيعية، كما أُعدم "مندريس"؟

الحقيقة المجردة التي حملتها لي بمنتهي الوضوح "رحلة" ابنتي، أن جزيرة الديمقراطية التي كانت مهجورة لمدة ستين سنة حتى افتتحها "أردوغان" عام 2020 صارت مزاراً للديمقراطية والحرية بعد نسيان لعقود، فهل تعني هذه الحقيقة أن الحقوق ومطالب العدالة المؤجلة قد يمكن للزمن إخفاؤها والمشاغبة عليها، لكن لا يتمكن من قتلها أو محو تفاصيلها، فهل يأتي يوم يتوجه "الطلاب المصريون" لمتحف الديمقراطية والحرية بدار الحرس الجمهوري، أو قصر الاتحادية، أو قاعدة أبو قير البحرية، لتخليد معاني الكرامة في وطنهم ورد الحقوق لأصحابها عبر حكي الرواية الصحيحة للتاريخ دون انحياز لطرف أو انتقام من حقبة تاريخية؟

لم تغرق جزيرة "مندريس" أو بالأحرى وجدت الأيادي التي انتشلتها بعد غرق في ظلمات المكايدة السياسية، وبحار النسيان، فهل تجد مصر من ينتشلها من الغرق ويعيد جزيرة "الثورة ومرسي" للحياة ولو بعد حين؟!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق