يزداد المشهدُ الإقليميُّ والدوليُّ قتامةً في ظلِّ حالةِ اللا حربِ واللا سلم، مع ما تشهده المنطقةُ من علوٍّ صهيوني، وحلولٍ أمريكي، وتشذيبٍ للمشروع الإيراني، ومحاولاتٍ لتجيير حركة الشعوب ومواقف الدول العربية.
ومع تزايدِ الردِّ والردِّ المقابل بين حلفاءِ الأمس وأندادِ اليوم، الكيان الإسرائيلي والنظام الإيراني، يزداد المشهدُ ضبابيةً، مما يمنع العقولَ من الفهمِ الواسعِ والعميقِ لما يجري، كما يضعفُ بعضَ العقولِ عن التوصيفِ الصحيحِ للكياناتِ والمشاريعِ القائمة.
القواعد الإسرائيلية في حضن المشروع الشيعي الإيراني!
بدأت غزة معركتها في السابع من أكتوبر، ولم تمضِ سنتان حتى قُضي عليها عن بكرة أبيها، فيما لا يزال القتل قائمًا للسنة الثالثة من طرفٍ واحد. وقد جرى هذا في ظل إصرارٍ إيراني وتصريحاتٍ متكررة خلال عامين عن ضمانٍ إيراني لأمريكا وإسرائيل بعدم توسيع الحرب إقليميًّا، الأمر الذي منح الإسرائيليين فرصةً كاملة للإجهاز على غزة ومجاهديها وجميع أهلها وحجرها وشجرها، حتى أصبحت قاحلةً لا تصلح للعيش.
وفي الوقت الذي شهد فيه العالم كله بوضوح الموقفَ السياسي والعسكري الإيراني تجاه غزة، فإن إيران تقوم اليوم بقصف الكيان الصهيوني ردًّا على القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية، معقل حزبها اللبناني في بيروت!
إن المقارنة بين المشهدين تستدعي وعيًا يقينيًّا بأن إيران الملالي تستخدم القضية الفلسطينية وتستهلك دماء مجاهديها في معارك نفوذها بشكلٍ ماكر وخبيثٍ، ودون أي انتماء حقيقي للقضية الفلسطينية ولا انحياز لقضايا الأمة، وهو ما يوجب على الحمقى والمغفلين في عموم الحالة العربية والإسلامية، وخصوص الحالة الفلسطينية، تغيير تصوراتهم وأفكارهم ومواقفهم تجاه المسألة الإيرانية المرتبطة زورًا بقضية الأقصى وفلسطين عبر نافذة المقاومة الغزية المخدوعة بحقيقة المشروع الإيراني.
ترامب يؤيُّد الضربات الإيرانية لإسرائيل!
كما يعزز الوعيَ المتقدمَ بحقيقة المشروع الإيراني وتخادمه مع المشروع الصهيوني الصليبي في نحر الأمة موقفُ وإعلانُ ترامب عن تأييده لقصف إيران لإسرائيل في هذا اليوم ردًّا على القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية في بيروت.
ويزيد الأمرَ تعزيزًا ما تم اكتشافه مؤخرًا من القاعدة الإسرائيلية في أرض العراق، وتحديدًا في حضن الميليشيات الشيعية الإيرانية، التي وفرت لإسرائيل أماكن آمنة تنطلق منها لقصف وضرب المحيط العربي والإسلامي!
إن العلاقات الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية أعمق وأعقد مما قد يتصوره بعض السطحيين الظاهريين الذين تصوغ عقولَهم المشاهدُ العلنيةُ والصياغاتُ المخادعةُ التي تعرضها قناة الجزيرة وأمثالها.
أمريكا هل تستبدل الكيان السنِّي بالكيان الشيعي؟
وإذا كانت أمريكا تملك قدرةً رهيبةً على استخدام الأطراف والمشاريع في سياق هندستها الجديدة للمنطقة، فعلى المسلمين ألَّا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم، وألَّا يكونوا أدواتٍ مرحليةً للاستخدام -كما النظام الإيراني-، أو أن يضعوا دماء شعوبهم وقواهم العسكرية في الاتجاه الذي يخدم المشروع الأمريكي والصهيوني، حتى وإن كانت عناوينه براقةً وإسلاميةً وصحيحة.
وفي هذا المقام نعيد ونكرر التنبيه والتحذير -الذي أطلقناه في الشهور الأولى من تحرير سورية- من انزلاق سورية الحرة في الحرب اللبنانية لصالح الرؤية الأمريكية في صنع الفوضى الخلاقة عبر احترافها الحروب الطائفية المدمرة للجميع.
سورية الجديدة هي الصاعق الكبير بين البناء أو التدمير!
كانت وستبقى أرضُ الشام المباركة نقطةَ تأثيرٍ عظيم، وسببًا في منعطفاتٍ كبرى؛ فكما يمكن أن تخدم أوضاعَ الأمة، يمكن أن تدمرها، وهو ما حصل في حقبة نظام الأسد الطائفي.
وحتى لا يستمرَّ مسارُ استخدام سورية من قبل الصهاينة والصليبيين المتمثلين في المشروع الأمريكي اليوم -كما كان في حقبة الأسدين-، فعلى سورية الحرة وحكامها الجدد ألَّا يُستدرجوا إلى حربٍ تخدم الرؤية الأمريكية، وأولُ مظاهر ذلك ما يُطرح في لبنان بذريعة قتال حزب اللات الإيراني.
مَطْلَبُ تْرَامْبَ مُقْتَلَةٌ لِلسُّورِيِّينَ الجُدُدِ!
إنَّ مطلب ترامب بدخول سورية إلى لبنان غايةٌ في الحساسية والخطورة، ويمكن أن يستهلك أنهارًا من دماء المجاهدين الذين يسعون لبناء دولةٍ قوية ويُعِدُّون أنفسهم لتحرير القدس، فيجدون أنفسهم صاعقًا يُفجِّر الحروب الطائفية من جديد على مستوى الدول، وذلك لصالح الرؤية الأمريكية المتجددة.
ومن هنا فإنَّ الوعي بطبيعة المرحلة، وفهم مسارات الصراع، والتمييز بين ما يخدم مصالح الأمة وما يخدم مشاريع الآخرين، يُعد ضرورةً كبرى حتى لا تتحول التضحيات والبطولات إلى وقودٍ في معارك لا تحقق أهداف أصحابها، بل تصب في خدمة مشاريع أخرى تتقاطع مصالحها على حساب شعوب المنطقة وأمنها ومستقبلها.
الاخْتِنَاقُ الدُّوَلِيُّ القَائِمُ وَالحَلُّ الأَمْرِيكِيُّ الرَّاجِحُ
إنَّ حالة الاختناق القائمة في المنطقة، من خلال معادلة اللا حرب واللا سلم القائمة بين مشروعين متخادمين مع المشروع الأمريكي الغربي الصهيوني، وهما الكيان الإسرائيلي والنظام الإيراني الطائفي، هي حالةٌ تخلق أزمةً دوليةً وإقليمية، كما تضع أمريكا أمام حقيقةٍ موجعة بعد فشلها في إدارة الصراع، الأمر الذي يشير إلى انتهاء أو أفول مرحلة القطب الواحد الحاكم.
ومع طول عمر الأزمة القائمة بين حلفاء الأمس، الأنداد والمتنافسين بخشونةٍ اليوم، فإن أمريكا ستكون أمام خيارٍ وحيد إذا تصلب حكام إسرائيل وحكام طهران؛ فإما أن تقوم بإحباط إسرائيل، أو أن تقوم بإخصاء إيران، وهو الاحتمال الراجح لدي.
الفُرْصَةُ الذَّهَبِيَّةُ سَانِحَةٌ أَمَامَ العَرَبِ وَالمُسْلِمِينَ.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، فإن استمرار حالة الاستنزاف المتبادل وغياب الحسم يضاعف من حجم الاضطراب الإقليمي، ويفتح الباب أمام تحولاتٍ كبرى قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة على نحوٍ لم تعتده خلال العقود الماضية. وهنا تكمن فرصة العرب والمسلمين بإطلاق مشروعٍ عربيٍّ إسلامي، قوامه الكتلة العربية المنتمية، وعماده الشوكة التركية المسلمة، الأمر الذي يوجب على عموم السياسيين العرب والمسلمين، وخصوصًا الحكام السوريين والأتراك ومصر والخليجيين رفض الانجرار إلى أي معركةٍ في سياق الرؤية الأمريكية، والإصرار على الحياد، واستثمار كل دقيقةٍ في البناء الداخلي وتعزيز التقارب العربي التركي، مستفيدين من أرض الشام المباركة والمحررة، ومستثمرين حالة التناحر بين مشاريع الأعداء النظام الإيراني وإسرائيل.
سوريةُ الحُرَّةُ بَيْنَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا تُرْكِيَا وَإِمَّا إِسْرَائِيلُ
إن الخيار الوحيد الصحيح أمام سورية الحرة هو التوجه نحو تركيا بكتلةٍ عربيةٍ منسجمة معها في المصالح والتحديات، وخلاف ذلك لا يعني إلا هيمنةً إسرائيليةً قادمةً ستجتاح سورية لا سمح الله.
وكما صنع أهل الشام الكرام مجدًا عظيمًا في هدم المنظومة الأمنية الأسدية التي أقامها على أرض الشام الأمريكان وعززها كيسنجر، فإنهم يستطيعون اليوم -كنسيج سوري جماعي بعيدا عن عقدة اللون الواحد- القيام بواجب البناء الضروري للكتلة العربية المنسجمة في عناوينها، والمدركة لقيمة الحلف الاستراتيجي مع تركيا المسلمة والمنتمية، وذلك في سياق تشكل النظام العالمي الجديد، والذي لن يكون فيه للعرب والمسلمين حبةُ قمحٍ ولا شعير إذا لم يقوموا بواجبهم السياسي خارج منظومة الهيمنة الدولية التي تشهد حالةَ خلخلةٍ مفيدةٍ ونافعة.
مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 8/6/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق