من لا يفهم "الجغرافيا الجديدة" يواجه مصير الانهيار..
في إطار التصور الجديد للمنطقة، سيُنشأ حزام اقتصادي عملاق يمتد من آسيا الوسطى إلى شرق إفريقيا، ومن جنوب آسيا إلى كامل غرب آسيا، ليشكّل منطقة اقتصادية وسطى كبرى. وسيُنتزع هذا الفضاء الجغرافي من خرائط الهيمنة والاحتلال الغربية.
وسيُستفاد من الإرث التاريخي والخبرة المتراكمة للمدن الحضارية التي تجاوز تأثيرها حدود الدول، وستُنقل تلك الخبرات إلى الحاضر، كما ستُنشأ منظومات دفاعية مشتركة على امتداد هذه الرقعة الواسعة، وستكون ثروات المنطقة ومواردها ملكًا لشعوبها.
وقد تشكل شبكة العلاقات الجديدة بين تركيا وباكستان ومصر والسعودية، والتي تحظى أيضًا باهتمام متزايد من دول أخرى، نواةً لهذا العالم الجديد. وإذا لم تستطع الإرادة السياسية تحقيق هذا الهدف، فإن التهديدات القائمة، والتحولات في موازين القوى العالمية، قد تفرضه فرضًا. وعلى الدول الكبرى في المنطقة أن تدرك أنه لم يعد أمامها خيار آخر.
يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل
ينبغي للجميع أن يدركوا أن إسرائيل، رغم محدودية قدراتها الذاتية، تشكل تهديدًا لكلٍّ من تركيا ومصر، وأنها ستصبح تهديدًا للسعودية أيضًا، وأن الخيار الوحيد المتبقي أمام الجغرافيا الكبرى هو إزالة إسرائيل من خريطة المنطقة، إذ لا يوجد أي مسار آخر يمكن أن يضمن الأمن والاستقرار لدولها.
ويجب الإسراع في إنشاء مظلة دفاعية مشتركة بين تركيا وسوريا والعراق ولبنان.
وعلى سبيل المثال، ينبغي بناء تقارب، بل وشراكة، بين سوريا ولبنان في أسرع وقت.
كما يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل، سواء عبر سوريا أو عبر لبنان.
وقد حان الوقت لاتخاذ خطوات كبرى من أجل إغلاق جميع الحدود البرية لإسرائيل، بحيث لا يبقى لها سوى واجهتها البحرية على البحر الأبيض المتوسط.
العثمانيون غيّروا مجرى التاريخ... وتركيا ستغيّره مرة أخرى
سواء توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق في المباحثات الجارية في سويسرا أم لم تتوصلا إليه، فإن تاريخًا جديدًا قد بدأ يتشكل في هذه المنطقة، ولن يتغير المسار الذي فُتح أمامها.
لقد بدأت ملامح مصير المنطقة وشعوبها بالتبلور، ولم يعد من الممكن الاستسلام لحالة الغموض أو التردد، بل أصبح من الضروري السير في الطريق الذي انفتح أمامها، لأن ذلك سيشكل منعطفًا تاريخيًا جديدًا.
لقد غيّر العثمانيون مجرى التاريخ عندما هزموا الإمبراطورية البيزنطية، وأسقطوا أكبر إمبراطورية في العالم المسيحي، فغيّروا بذلك تاريخ أوروبا والعالم.
ستعرف تركيا كيف تُحدث تحولًا تاريخيًا جديدًا بإخراج إسرائيل من خريطة المنطقة، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ.
فالحامية التي زُرعت في قلب المنطقة وتسببت في كوارث جسيمة، سيتم إنهاء دورها.
ولا ينبغي أبدًا الاستهانة بالتاريخ، ولا بالجينات السياسية للشعوب، ولا بقوة الجغرافيا.
وكل ما ينبغي فعله هو إخراج الصراعات من داخل المنطقة إلى خارجها، وما بعد ذلك سيأتي تلقائيًا.
حان الوقت لكي يجري الجميع حساباتهم الصحيحة
لا أحد يعلم ما ستسفر عنه المباحثات في سويسرا.
فقد يتم التوصل إلى اتفاق، وقد تعمل إسرائيل على إفشاله.
لكن، أياً تكن النتيجة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لن تكونا قادرتين بعد اليوم على تحمل عبء إسرائيل، كما لن تمتلكا القدرة على مواجهة جميع دول المنطقة دفاعًا عنها.
لقد بدأت ملامح خريطة القوة الإقليمية الجديدة تتضح، وهذه التحولات قد تستمر لقرون طويلة.
ونحن، بطبيعة الحال، نجري حساباتنا وفق هذه المعطيات.
أما الولايات المتحدة وأوروبا، فقد حان الوقت أيضًا لكي تجريا حساباتهما الصحيحة.
فإن لم تفعلا، فستخسران العالم الذي بدأتا تخسرانه بالفعل بوتيرة متسارعة، وسيتعرض نفوذهما في هذه المنطقة لتراجع غير مسبوق.
العثمانيون هزموا بيزنطة وغيروا مسار التاريخ، وتركيا اليوم تستعد لصناعة تحول تاريخي جديد.. كيف سيكون ذلك؟

إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق حقيقي خلال المباحثات الجارية في سويسرا، فكيف ستكون خريطة موازين القوى في المنطقة؟
هل ستستعيد إيران، التي أضعفتها الحرب وتراجع نفوذها الإقليمي، شيئًا من قوتها؟ أم ستظل دولة أكثر ضعفًا، منحصرة داخل حدودها الجغرافية؟ أم سيُسوَّق لها باعتبارها دولة «حققت انتصارًا على الولايات المتحدة»؟
وماذا سيكون مستقبل العلاقات بين إيران ودول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية عنيفة؟ وهل ستدرك الدول العربية الخليجية أن الولايات المتحدة لن تحميها، وأنها لم تتمكن حتى من حماية قواعدها العسكرية، وأن مسار السلام مع إسرائيل لم يُصمَّم إلا لتعزيز قوة إسرائيل وحدها؟ وهل ستتجه بصورة كاملة نحو شراكة إقليمية جديدة بدأت مؤشراتها بالظهور بالفعل؟
حمل «عبء إسرائيل» سيصبح انتحارًا للولايات المتحدة وأوروبا
هل سيتقلص المجال الذي تتحرك فيه إسرائيل، أم ستزيد من هجماتها على فلسطين ولبنان وسوريا؟ أم أن الولايات المتحدة وأوروبا ستدركان أن استمرارهما في دعم إسرائيل يعني خسارة المنطقة، وأن ذلك سيشكل بالنسبة إليهما انتحارًا سياسيًا واستراتيجيًا؟
وهل تكفي الخطوات التي تتخذها تركيا ودول المنطقة للحد من نفوذ إسرائيل، من أجل إيصال هذه الرسالة إلى الولايات المتحدة وأوروبا؟ أم أنهما ستواصلان حمل «عبء إسرائيل»، وتغرقان في ذلك العمى الذي سيؤدي بهما إلى خسارة العالم؟
وهل ستدرك الولايات المتحدة، بعد أن أصبحت إعادة تشكيل المنطقة عبر إسرائيل أمرًا غير ممكن، أن خريطة إقليمية تقودها تركيا أصبحت أكثر انسجامًا مع مصالحها، فتتجه نحو هذا الخيار؟ وهل يمكنها، إلى جانب إسرائيل، أن تتخلص من صورة «الدولة المحاصرة في مساحة ضيقة»؟ وهل تستطيع التحرر من التعصب الأيديولوجي الذي يقيد سياساتها؟
هل تصبح الشراكة الإقليمية الجديدة مصدر أمل؟
هل سيدفع التعاون الأمني بين تركيا وسوريا والعراق والسعودية ومصر وباكستان المنطقة، وكذلك القوى الخارجية المتدخلة فيها، إلى واقع جديد؟
وحتى إن لم ترغب تلك القوى بذلك، فهل ستضطر إلى الإقرار بأن هذه هي الحقيقة الجديدة للعالم، فتبدأ باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه؟
لقد أفرز الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران حقائق جديدة تمامًا في المنطقة. فجميع الدول تعيد اليوم تحديد مواقعها، كما ستُعاد صياغة علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. وأصبح الحد من النفوذ الإسرائيلي أولوية قصوى بالنسبة إلى جميع الدول.
لقد انهار ذلك الوضع القائم... وسقطت خطط إسرائيل لإعادة تشكيل المنطقة
على الولايات المتحدة وأوروبا أن تعلما أن النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية قد انهار، وأن خريطة النفوذ التي بُنيت على التفوق الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي قد سقطت.
لقد انتهى الشعور بالدونية تجاه الغرب، وانتهت عقدة النقص أمامه. فالمنطقة تستعيد قوتها التاريخية، وتتحول إلى فضاء يرفض بصورة قاطعة أن يُعاد تشكيله أو التحكم به من الخارج.
كما يجب على الولايات المتحدة وأوروبا أن تدركا أن عصر إخضاع الأنظمة والدول عبر التخويف بإسرائيل قد انتهى. وانتهى أيضًا الخوف من ردود فعل الولايات المتحدة وأوروبا تجاه مواجهة العدوان الإسرائيلي. كما انتهى عهد احتلال الدول وتقسيمها، أو إخضاعها بواسطة التنظيمات الإرهابية المدعومة بالسلاح الأمريكي والأوروبي.
وانتهى كذلك عهد بناء العلاقات مع تركيا ودول المنطقة عبر البوابة الإسرائيلية، أو رسم خرائط المنطقة وفق الأولويات الإسرائيلية. فلم يعد لهذا النهج أي قدرة على الردع. ومن الآن فصاعدًا، ستدفع الولايات المتحدة وأوروبا ثمن استمرار وجود إسرائيل بهذا الشكل، وستكون الفاتورة باهظة للغاية.
لا بد من الجلوس إلى الطاولة مع تركيا... فجميع الطاولات التي قامت على إسرائيل قد انهارت
إذا أرادت الولايات المتحدة وأوروبا الحفاظ على وجودهما في المنطقة، فعليهما الجلوس إلى طاولة الحوار مع تركيا، والدول العربية، وإيران.
أما إذا استمرتا في تجاهل هذه الدول، ومواصلتا إقامة التفاهمات مع إسرائيل وحدها، فستخسران إلى الأبد.
ولم تعد المنطقة وحدها ترى في «الفائض الإسرائيلي» عبئًا، بل أصبح العالم بأسره يعاني من هذا العبء، وأصبح إنهاء دور هذا «الكيان الحصين» مصلحة مشتركة للجميع.
وأيًا كانت الوسائل التي ستجربها الولايات المتحدة وأوروبا، فإنهما ستواصلان الخسارة ما داما متمسكتين بإسرائيل. وهذا أمر لا مفر منه.
إن نهضة تركيا، ونهضة المنطقة بأسرها، تتحول إلى عاصفة كبرى تمتد من سواحل المحيط الأطلسي إلى سواحل المحيط الهادئ، بينما يصر الغرب على التمسك برواياته القديمة، وهو ما قد يشكل أقسى ضربة يتعرض لها تفوقه العالمي.
انتهى عصر التراجع والوصاية والدمار... ولن يتمكنوا بعد اليوم من رسم خرائطنا
لقد انتهى بالنسبة إلى منطقتنا عصر الدمار، وعصر التراجع، وعصر الوصاية. كما انتهى زمن إخضاع الدول عبر شراء القادة والأنظمة، وانتهى أيضًا عصر الترهيب بالقوة العسكرية أو بإسرائيل لإجبار الشعوب والدول على الاستسلام.
وانتهى كذلك عهد الاستيلاء على موارد المنطقة وثرواتها وأنظمتها وأراضيها. وانقضى عصر الهيمنة الغربية الذي استمر قرنين من الزمن. ووصل التاريخ الذي كانت فيه معايير القوة والدفاع والاستقلال والسيادة والحدود الوطنية تُحدَّد من قبل الغرب إلى نهايته.
«الأفكار الجديدة» تنبت لدينا... وهم يمثلون «العالم القديم»
لقد استيقظنا على عالم جديد، لكنهم لم يستيقظوا بعد.
نحن كرسنا أنفسنا لقوة جديدة، بينما بدأوا هم يفقدون قوتهم.
نحن بدأنا نفكر في خريطة جيوسياسية كبرى، بينما لا يزالون يدورون حول الخرائط القديمة.
نسعى، بعد خمسة قرون، إلى العودة إلى مركز خريطة القوة العالمية، بينما هم يحاولون فقط الحفاظ على ما تبقى لديهم.
إن الجديد ينبت في منطقتنا، بينما يمثلون هم عالمًا شاخ وتجاوزته الأحداث.
لقد رفعت البشرية راية التمرد على قرون من الهيمنة الأطلسية، بينما يزداد الغرب انكفاءً على ذاته يومًا بعد يوم.
ولو أنهم استطاعوا فهم تركيا وحدها، لكان ذلك كافيًا. لكنهم وثقوا بغرورهم، وبأسلحتهم، وثرواتهم، وتقنياتهم، حتى أصيبوا بما يشبه نشوة القوة.
لقد استهانوا بتركيا، مع أنها تمتلك جينات سياسية قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا. واعتادوا طوال قرن كامل على إبقائها تحت سيطرتهم، بينما كانت في الحقيقة وريثة لخريطة نفوذ تمتد من سور الصين العظيم إلى فيينا.
لم يتمكنوا من إيقاف تركيا... وسيحاولون قريبًا التقرب منها
ها هي تركيا اليوم، بعد مرور قرن كامل، تعود مرة أخرى إلى خريطتها الخاصة، وإلى تاريخها، وإلى جيناتها السياسية.
ويخبرنا التاريخ أن عودتنا الواحدة قادرة على إعادة تشكيل قرون كاملة. أما الذين يعدّون هذا مجرد خطاب حماسي، فهم لم يستوعبوا تاريخ الإمبراطوريات.
إننا نشهد اليوم تلك العودة التاريخية. ولسنا وحدنا من يراها، بل أوروبا والولايات المتحدة أيضًا.
لقد أمضوا العقدين الماضيين في محاولات إيقاف تركيا، عبر هجمات وضغوط داخلية وخارجية، لكنهم فشلوا.
ولم يكتفوا بالفشل، بل لم يتمكنوا حتى من إبطاء اندفاع تركيا.
ولذلك، لم يبق أمامهم سوى خيار واحد: التقرب من تركيا.
وأعتقد أن الولايات المتحدة وأوروبا ستجعلان من التقارب مع تركيا أولوية في سياساتهما خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذه المنطقة، ستكون رؤية تركيا، وأولوياتها، ونظرتها إلى التاريخ والجغرافيا، وخريطة الشراكات التي تعمل على بنائها، هي الأساس الذي ستُبنى عليه المرحلة المقبلة.
ولن يمتلك أحد القدرة على منع ذلك.
فمن يحاول عرقلته سيخسر، أما من يسير مع تركيا فسيزداد قوة.
«الحامية الإسرائيلية» ستُزال... والحروب ستُدفع إلى خارج المنطقة
في تصورنا الجديد للمنطقة، تمثل «الحامية الإسرائيلية» تهديدًا يجب التخلص منه.
كما يجب القضاء على جميع التنظيمات الإرهابية، لأنها – بحسب هذا التصور – جميعها ذات منشأ إسرائيلي وغربي.
وسيُطوى نهائيًا عصر غزو الدول واحتلال أراضيها.
كما ستُنقل الحروب والصراعات إلى خارج المنطقة بصورة كاملة.
وستُغلق جميع الأبواب المؤدية إلى تحويل الخلافات المذهبية أو العرقية إلى حروب وصراعات.
وفي إطار هذا التصور الجغرافي الجديد، فإن جميع الممرات الاستراتيجية؛ من مضيق ملقا إلى قناة السويس، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن مضيقي الدردنيل والبوسفور إلى شرق البحر المتوسط والبحر الأسود، مرورًا بالممرات التجارية البرية والبحرية، ستكون مغلقة أمام أي تدخل أو إدارة خارجية.
وستخضع جميع هذه المناطق لسيادة ورقابة صارمة من قبل دول المنطقة وحدها.
«الجغرافيا الجديدة» تحتاج إلى حزامٍ عملاق

إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق حقيقي خلال المباحثات الجارية في سويسرا، فكيف ستكون خريطة موازين القوى في المنطقة؟
هل ستستعيد إيران، التي أضعفتها الحرب وتراجع نفوذها الإقليمي، شيئًا من قوتها؟ أم ستظل دولة أكثر ضعفًا، منحصرة داخل حدودها الجغرافية؟ أم سيُسوَّق لها باعتبارها دولة «حققت انتصارًا على الولايات المتحدة»؟
وماذا سيكون مستقبل العلاقات بين إيران ودول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية عنيفة؟ وهل ستدرك الدول العربية الخليجية أن الولايات المتحدة لن تحميها، وأنها لم تتمكن حتى من حماية قواعدها العسكرية، وأن مسار السلام مع إسرائيل لم يُصمَّم إلا لتعزيز قوة إسرائيل وحدها؟ وهل ستتجه بصورة كاملة نحو شراكة إقليمية جديدة بدأت مؤشراتها بالظهور بالفعل؟
حمل «عبء إسرائيل» سيصبح انتحارًا للولايات المتحدة وأوروبا
هل سيتقلص المجال الذي تتحرك فيه إسرائيل، أم ستزيد من هجماتها على فلسطين ولبنان وسوريا؟ أم أن الولايات المتحدة وأوروبا ستدركان أن استمرارهما في دعم إسرائيل يعني خسارة المنطقة، وأن ذلك سيشكل بالنسبة إليهما انتحارًا سياسيًا واستراتيجيًا؟
وهل تكفي الخطوات التي تتخذها تركيا ودول المنطقة للحد من نفوذ إسرائيل، من أجل إيصال هذه الرسالة إلى الولايات المتحدة وأوروبا؟ أم أنهما ستواصلان حمل «عبء إسرائيل»، وتغرقان في ذلك العمى الذي سيؤدي بهما إلى خسارة العالم؟
وهل ستدرك الولايات المتحدة، بعد أن أصبحت إعادة تشكيل المنطقة عبر إسرائيل أمرًا غير ممكن، أن خريطة إقليمية تقودها تركيا أصبحت أكثر انسجامًا مع مصالحها، فتتجه نحو هذا الخيار؟ وهل يمكنها، إلى جانب إسرائيل، أن تتخلص من صورة «الدولة المحاصرة في مساحة ضيقة»؟ وهل تستطيع التحرر من التعصب الأيديولوجي الذي يقيد سياساتها؟
هل تصبح الشراكة الإقليمية الجديدة مصدر أمل؟
هل سيدفع التعاون الأمني بين تركيا وسوريا والعراق والسعودية ومصر وباكستان المنطقة، وكذلك القوى الخارجية المتدخلة فيها، إلى واقع جديد؟
وحتى إن لم ترغب تلك القوى بذلك، فهل ستضطر إلى الإقرار بأن هذه هي الحقيقة الجديدة للعالم، فتبدأ باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه؟
لقد أفرز الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران حقائق جديدة تمامًا في المنطقة. فجميع الدول تعيد اليوم تحديد مواقعها، كما ستُعاد صياغة علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. وأصبح الحد من النفوذ الإسرائيلي أولوية قصوى بالنسبة إلى جميع الدول.
لقد انهار ذلك الوضع القائم... وسقطت خطط إسرائيل لإعادة تشكيل المنطقة
على الولايات المتحدة وأوروبا أن تعلما أن النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية قد انهار، وأن خريطة النفوذ التي بُنيت على التفوق الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي قد سقطت.
لقد انتهى الشعور بالدونية تجاه الغرب، وانتهت عقدة النقص أمامه. فالمنطقة تستعيد قوتها التاريخية، وتتحول إلى فضاء يرفض بصورة قاطعة أن يُعاد تشكيله أو التحكم به من الخارج.
كما يجب على الولايات المتحدة وأوروبا أن تدركا أن عصر إخضاع الأنظمة والدول عبر التخويف بإسرائيل قد انتهى. وانتهى أيضًا الخوف من ردود فعل الولايات المتحدة وأوروبا تجاه مواجهة العدوان الإسرائيلي. كما انتهى عهد احتلال الدول وتقسيمها، أو إخضاعها بواسطة التنظيمات الإرهابية المدعومة بالسلاح الأمريكي والأوروبي.
وانتهى كذلك عهد بناء العلاقات مع تركيا ودول المنطقة عبر البوابة الإسرائيلية، أو رسم خرائط المنطقة وفق الأولويات الإسرائيلية. فلم يعد لهذا النهج أي قدرة على الردع. ومن الآن فصاعدًا، ستدفع الولايات المتحدة وأوروبا ثمن استمرار وجود إسرائيل بهذا الشكل، وستكون الفاتورة باهظة للغاية.
لا بد من الجلوس إلى الطاولة مع تركيا... فجميع الطاولات التي قامت على إسرائيل قد انهارت
إذا أرادت الولايات المتحدة وأوروبا الحفاظ على وجودهما في المنطقة، فعليهما الجلوس إلى طاولة الحوار مع تركيا، والدول العربية، وإيران.
أما إذا استمرتا في تجاهل هذه الدول، ومواصلتا إقامة التفاهمات مع إسرائيل وحدها، فستخسران إلى الأبد.
ولم تعد المنطقة وحدها ترى في «الفائض الإسرائيلي» عبئًا، بل أصبح العالم بأسره يعاني من هذا العبء، وأصبح إنهاء دور هذا «الكيان الحصين» مصلحة مشتركة للجميع.
وأيًا كانت الوسائل التي ستجربها الولايات المتحدة وأوروبا، فإنهما ستواصلان الخسارة ما داما متمسكتين بإسرائيل. وهذا أمر لا مفر منه.
إن نهضة تركيا، ونهضة المنطقة بأسرها، تتحول إلى عاصفة كبرى تمتد من سواحل المحيط الأطلسي إلى سواحل المحيط الهادئ، بينما يصر الغرب على التمسك برواياته القديمة، وهو ما قد يشكل أقسى ضربة يتعرض لها تفوقه العالمي.
انتهى عصر التراجع والوصاية والدمار... ولن يتمكنوا بعد اليوم من رسم خرائطنا
لقد انتهى بالنسبة إلى منطقتنا عصر الدمار، وعصر التراجع، وعصر الوصاية. كما انتهى زمن إخضاع الدول عبر شراء القادة والأنظمة، وانتهى أيضًا عصر الترهيب بالقوة العسكرية أو بإسرائيل لإجبار الشعوب والدول على الاستسلام.
وانتهى كذلك عهد الاستيلاء على موارد المنطقة وثرواتها وأنظمتها وأراضيها. وانقضى عصر الهيمنة الغربية الذي استمر قرنين من الزمن. ووصل التاريخ الذي كانت فيه معايير القوة والدفاع والاستقلال والسيادة والحدود الوطنية تُحدَّد من قبل الغرب إلى نهايته.
«الأفكار الجديدة» تنبت لدينا... وهم يمثلون «العالم القديم»
لقد استيقظنا على عالم جديد، لكنهم لم يستيقظوا بعد.
نحن كرسنا أنفسنا لقوة جديدة، بينما بدأوا هم يفقدون قوتهم.
نحن بدأنا نفكر في خريطة جيوسياسية كبرى، بينما لا يزالون يدورون حول الخرائط القديمة.
نسعى، بعد خمسة قرون، إلى العودة إلى مركز خريطة القوة العالمية، بينما هم يحاولون فقط الحفاظ على ما تبقى لديهم.
إن الجديد ينبت في منطقتنا، بينما يمثلون هم عالمًا شاخ وتجاوزته الأحداث.
لقد رفعت البشرية راية التمرد على قرون من الهيمنة الأطلسية، بينما يزداد الغرب انكفاءً على ذاته يومًا بعد يوم.
ولو أنهم استطاعوا فهم تركيا وحدها، لكان ذلك كافيًا. لكنهم وثقوا بغرورهم، وبأسلحتهم، وثرواتهم، وتقنياتهم، حتى أصيبوا بما يشبه نشوة القوة.
لقد استهانوا بتركيا، مع أنها تمتلك جينات سياسية قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا. واعتادوا طوال قرن كامل على إبقائها تحت سيطرتهم، بينما كانت في الحقيقة وريثة لخريطة نفوذ تمتد من سور الصين العظيم إلى فيينا.
لم يتمكنوا من إيقاف تركيا... وسيحاولون قريبًا التقرب منها
ها هي تركيا اليوم، بعد مرور قرن كامل، تعود مرة أخرى إلى خريطتها الخاصة، وإلى تاريخها، وإلى جيناتها السياسية.
ويخبرنا التاريخ أن عودتنا الواحدة قادرة على إعادة تشكيل قرون كاملة. أما الذين يعدّون هذا مجرد خطاب حماسي، فهم لم يستوعبوا تاريخ الإمبراطوريات.
إننا نشهد اليوم تلك العودة التاريخية. ولسنا وحدنا من يراها، بل أوروبا والولايات المتحدة أيضًا.
لقد أمضوا العقدين الماضيين في محاولات إيقاف تركيا، عبر هجمات وضغوط داخلية وخارجية، لكنهم فشلوا.
ولم يكتفوا بالفشل، بل لم يتمكنوا حتى من إبطاء اندفاع تركيا.
ولذلك، لم يبق أمامهم سوى خيار واحد: التقرب من تركيا.
وأعتقد أن الولايات المتحدة وأوروبا ستجعلان من التقارب مع تركيا أولوية في سياساتهما خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذه المنطقة، ستكون رؤية تركيا، وأولوياتها، ونظرتها إلى التاريخ والجغرافيا، وخريطة الشراكات التي تعمل على بنائها، هي الأساس الذي ستُبنى عليه المرحلة المقبلة.
ولن يمتلك أحد القدرة على منع ذلك.
فمن يحاول عرقلته سيخسر، أما من يسير مع تركيا فسيزداد قوة.
«الحامية الإسرائيلية» ستُزال... والحروب ستُدفع إلى خارج المنطقة
في تصورنا الجديد للمنطقة، تمثل «الحامية الإسرائيلية» تهديدًا يجب التخلص منه.
كما يجب القضاء على جميع التنظيمات الإرهابية، لأنها – بحسب هذا التصور – جميعها ذات منشأ إسرائيلي وغربي.
وسيُطوى نهائيًا عصر غزو الدول واحتلال أراضيها.
كما ستُنقل الحروب والصراعات إلى خارج المنطقة بصورة كاملة.
وستُغلق جميع الأبواب المؤدية إلى تحويل الخلافات المذهبية أو العرقية إلى حروب وصراعات.
وفي إطار هذا التصور الجغرافي الجديد، فإن جميع الممرات الاستراتيجية؛ من مضيق ملقا إلى قناة السويس، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن مضيقي الدردنيل والبوسفور إلى شرق البحر المتوسط والبحر الأسود، مرورًا بالممرات التجارية البرية والبحرية، ستكون مغلقة أمام أي تدخل أو إدارة خارجية.
وستخضع جميع هذه المناطق لسيادة ورقابة صارمة من قبل دول المنطقة وحدها.
«الجغرافيا الجديدة» تحتاج إلى حزامٍ عملاق
في إطار التصور الجديد للمنطقة، سيُنشأ حزام اقتصادي عملاق يمتد من آسيا الوسطى إلى شرق إفريقيا، ومن جنوب آسيا إلى كامل غرب آسيا، ليشكّل منطقة اقتصادية وسطى كبرى. وسيُنتزع هذا الفضاء الجغرافي من خرائط الهيمنة والاحتلال الغربية.
وسيُستفاد من الإرث التاريخي والخبرة المتراكمة للمدن الحضارية التي تجاوز تأثيرها حدود الدول، وستُنقل تلك الخبرات إلى الحاضر، كما ستُنشأ منظومات دفاعية مشتركة على امتداد هذه الرقعة الواسعة، وستكون ثروات المنطقة ومواردها ملكًا لشعوبها.
وقد تشكل شبكة العلاقات الجديدة بين تركيا وباكستان ومصر والسعودية، والتي تحظى أيضًا باهتمام متزايد من دول أخرى، نواةً لهذا العالم الجديد. وإذا لم تستطع الإرادة السياسية تحقيق هذا الهدف، فإن التهديدات القائمة، والتحولات في موازين القوى العالمية، قد تفرضه فرضًا. وعلى الدول الكبرى في المنطقة أن تدرك أنه لم يعد أمامها خيار آخر.
يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل
ينبغي للجميع أن يدركوا أن إسرائيل، رغم محدودية قدراتها الذاتية، تشكل تهديدًا لكلٍّ من تركيا ومصر، وأنها ستصبح تهديدًا للسعودية أيضًا، وأن الخيار الوحيد المتبقي أمام الجغرافيا الكبرى هو إزالة إسرائيل من خريطة المنطقة، إذ لا يوجد أي مسار آخر يمكن أن يضمن الأمن والاستقرار لدولها.
ويجب الإسراع في إنشاء مظلة دفاعية مشتركة بين تركيا وسوريا والعراق ولبنان.
وعلى سبيل المثال، ينبغي بناء تقارب، بل وشراكة، بين سوريا ولبنان في أسرع وقت.
كما يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل، سواء عبر سوريا أو عبر لبنان.
وقد حان الوقت لاتخاذ خطوات كبرى من أجل إغلاق جميع الحدود البرية لإسرائيل، بحيث لا يبقى لها سوى واجهتها البحرية على البحر الأبيض المتوسط.
العثمانيون غيّروا مجرى التاريخ... وتركيا ستغيّره مرة أخرى
سواء توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق في المباحثات الجارية في سويسرا أم لم تتوصلا إليه، فإن تاريخًا جديدًا قد بدأ يتشكل في هذه المنطقة، ولن يتغير المسار الذي فُتح أمامها.
لقد بدأت ملامح مصير المنطقة وشعوبها بالتبلور، ولم يعد من الممكن الاستسلام لحالة الغموض أو التردد، بل أصبح من الضروري السير في الطريق الذي انفتح أمامها، لأن ذلك سيشكل منعطفًا تاريخيًا جديدًا.
لقد غيّر العثمانيون مجرى التاريخ عندما هزموا الإمبراطورية البيزنطية، وأسقطوا أكبر إمبراطورية في العالم المسيحي، فغيّروا بذلك تاريخ أوروبا والعالم.
ستعرف تركيا كيف تُحدث تحولًا تاريخيًا جديدًا بإخراج إسرائيل من خريطة المنطقة، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ.
فالحامية التي زُرعت في قلب المنطقة وتسببت في كوارث جسيمة، سيتم إنهاء دورها.
ولا ينبغي أبدًا الاستهانة بالتاريخ، ولا بالجينات السياسية للشعوب، ولا بقوة الجغرافيا.
وكل ما ينبغي فعله هو إخراج الصراعات من داخل المنطقة إلى خارجها، وما بعد ذلك سيأتي تلقائيًا.
حان الوقت لكي يجري الجميع حساباتهم الصحيحة
لا أحد يعلم ما ستسفر عنه المباحثات في سويسرا.
فقد يتم التوصل إلى اتفاق، وقد تعمل إسرائيل على إفشاله.
لكن، أياً تكن النتيجة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لن تكونا قادرتين بعد اليوم على تحمل عبء إسرائيل، كما لن تمتلكا القدرة على مواجهة جميع دول المنطقة دفاعًا عنها.
لقد بدأت ملامح خريطة القوة الإقليمية الجديدة تتضح، وهذه التحولات قد تستمر لقرون طويلة.
ونحن، بطبيعة الحال، نجري حساباتنا وفق هذه المعطيات.
أما الولايات المتحدة وأوروبا، فقد حان الوقت أيضًا لكي تجريا حساباتهما الصحيحة.
فإن لم تفعلا، فستخسران العالم الذي بدأتا تخسرانه بالفعل بوتيرة متسارعة، وسيتعرض نفوذهما في هذه المنطقة لتراجع غير مسبوق.
Yeni Şafak
https://ar.yenisafak.com › الكُاتب › إبراهيم قراغول
ق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق