الجمعة، 19 يونيو 2026

هل أفشل العزوف الشعبي «حركة علمانيون» المصرية؟

هل أفشل العزوف الشعبي «حركة علمانيون» المصرية؟


لم يكن إعلان ما يسمى بـ«حركة علمانيون» المصرية وقف نشاطها بعد سنوات طويلة من العمل حدثًا سياسيًا مدويًا، ولا حتى خبرًا أثار اهتمام الرأي العام. والحقيقة أن المفارقة الأكبر لم تكن في إعلان الفشل، بل في أن قطاعًا واسعًا من المصريين لم يكن يعلم أصلًا بوجود الحركة حتى جاء بيان توقفها.

فكيف لكيان رفع شعارات التنوير والعقلانية والتأثير الثقافي أن ينتهي إلى هذا القدر من العزلة والغياب؟ وكيف لحركة ظنت أنها تخوض معركة تغيير الوعي أن تكتشف بعد سنوات أنها كانت تدور داخل دائرة مغلقة من النخب المتشابهة التي تخاطب نفسها بنفسها؟

النخبة التي تحدثت إلى المرآة

من أبرز أسباب الإخفاق أن الحركة بدت منذ نشأتها مشروعًا نخبويًا بامتياز، فقد انشغلت بخطاب يدور في قاعات الندوات المغلقة أكثر مما يدور في الشارع المصري الحقيقي.

كانت تتحدث عن المجتمع أكثر مما تتحدث إليه، وتفسر الناس أكثر مما تستمع إليهم، ولهذا لم تستطع أن تتحول إلى ظاهرة اجتماعية أو ثقافية مؤثرة، بل بقيت محصورة في نطاق ضيق من الأسماء والوجوه ذاتها.

ولعل الصور المنشورة والتي تداولتها وسائل الإعلام لعدد من فعالياتها كانت أبلغ من كثير من البيانات والتصريحات؛ فهي أصدق أنباء من الكتب، حضور محدود، اهتمام محدود، وتأثير محدود، وبالتالي نوم وسبات عميق!

سوء قراءة المجتمع المصري

الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه الحركة هو سوء فهم طبيعة المجتمع المصري.

فالمصريون، مهما اختلفت توجهاتهم السياسية والفكرية، يظلون مجتمعًا متدينًا بطبيعته الثقافية والحضارية، والتدين المصري ليس مجرد ممارسات شعائرية، بل جزء من الهوية الجمعية والوجدان الشعبي.

وكان من اللافت أن بعض الرموز المحسوبة على التيار العلماني كانت تخرج بين الحين والآخر بتصريحات صادمة أو مستفزة تجاه قضايا دينية شديدة الحساسية لدى الجمهور، وكأنها تخوض معركة مع الموروث الديني للمجتمع لا حوارًا معه.

والنتيجة الطبيعية أن قطاعات واسعة من المصريين لم ترَ في هذا الخطاب تعبيرًا عنها، بل شعرت بأنه خطاب منفصل عن وجدانها الثقافي، وأحيانا كثيرة صادما لتوقعاتهم المنحازة .

بين الإعلام والجمهور

ظنت الحركة أن الظهور الإعلامي المكثف، وشراء ساعات للبث عبر الشاشات، يمكن أن يعوض غياب الامتداد الشعبي.

لكن التاريخ السياسي والثقافي يعلمنا أن المساحة الإعلامية وحدها لا تصنع تيارًا جماهيريًا.

فخذ مثلا: حركة 6 أبريل عندما نشأت في أواخر عهد مبارك، لم تشتر ساعات بث ولم يكن لها حضور إعلامي، بل نزلت للشوارع واختلطت بالناس وانصهرت في همومهم، وعندما رفعت شعار (خليك بالبيت) دقت أول المسامير في نعش حقبة مبارك، وغيرها من الحركات المتجذرة في الوجدان المصري.

كم في مصر والعالم العربي من أفكار امتلكت المنابر ولم تمتلك الناس، وكم من حركات احتلت الشاشات ثم اختفت من الذاكرة العامة دون أثر يُذكر.

لقد راهنت حركة (علمانيون) على فشل رسالتها منذ اليوم الأول، فعمدت إلى تكرار الرسالة، وظنت أن ذلك كافٍ لإقناع الجمهور، بينما تجاهلت أن قبول الرسالة مرتبط أولًا بمدى اتصالها بقيم الناس وأولوياتهم ومشكلاتهم الحقيقية.

المواطن الذي يبحث عن الخبز لا الجدل النخبوي

في بلد يواجه المواطن فيه تحديات اقتصادية ومعيشية يومية، يصبح من الصعب أن ينجذب الجمهور إلى نقاشات نظرية مجردة لا تمس واقعه المباشر.

فالمواطن المصري يريد خطابًا يفسر مشكلاته ويقدم إجابات لأسئلته الحياتية، لا أن يغرق في سجالات أيديولوجية تبدو بعيدة عن همومه اليومية.

ولهذا بدت كثير من أطروحات الحركة وكأنها تدور في فضاء فكري منفصل عن الواقع الاجتماعي الذي تعيشه الأغلبية.

الموقف من القضية الفلسطينية

ومن بين العوامل التي ساهمت في اتساع الفجوة بين الحركة وقطاعات واسعة من المصريين، الصورة الذهنية التي تشكلت حول مواقف بعض الشخصيات المرتبطة أو القريبة من هذا التيار تجاه القضية الفلسطينية.

ففي وقت تتعاطف فيه الأغلبية الساحقة من المصريين مع الشعب الفلسطيني، بدا لبعض المتابعين أن بعض الأصوات المنتمية إلى هذا الفضاء الفكري تتبنى مواقف لا تنسجم مع المزاج الشعبي العام، وفي مقدمتها التطبيع مع الكيان ومشروعات الكيان، وليس هذا فحسب بل تشغيل ماكينات الزيف والكذب والبهتان لكل قيمة يصنعها الأحرار المناضلون من أجل تحرير وطنهم من رجس ورجز المحتلين لأولى القبلتين وثالث الحرمين، وهو ما زاد من حالة النفور والرفض تجاه الخطاب الذي تطرحه الحركة.

إعلان الفشل.. اعتراف متأخر

ربما يكون أهم ما في بيان التوقف أنه يمثل اعترافًا ضمنيًا بأن سنوات من النشاط لم تنجح في صناعة قاعدة اجتماعية حقيقية.

فالحركات الفكرية لا تُقاس بعدد الندوات ولا بعدد البيانات ولا بعدد ساعات الظهور الإعلامي، وإنما بقدرتها على التأثير في المجتمع وصناعة تيار يمتلك امتدادًا شعبيًا حقيقيًا.

وهنا يبدو السؤال مشروعًا:

إذا كانت النتيجة بعد كل هذه السنوات هي إعلان التوقف، فماذا بقي من فكرة المشروع أصلًا؟ وهل ستختفي هذه الوجوه والأبواق التي كانت تتصدر الشاشات ويفسح لها المجال لإثارة حالة من الحراك المضاد أم ستعود وتكرر المحاولة بأقنعة أخرى لخلق مساحة لها بعد أن لفظها الشعب؟!

لبّ الموضوع

لم تفشل «حركة علمانيون» بسبب نقص الندوات أو قلة المنصات الإعلامية، بل لأنها أخطأت في قراءة المجتمع الذي أرادت التأثير فيه.

تعاملت مع المصريين باعتبارهم مادة لإعادة التشكيل وفق تصوراتها الفكرية، بينما تجاهلت أن المجتمعات ليست صفحات بيضاء، وأن الهوية والثقافة والدين والانتماء الوطني عناصر أعمق بكثير من أن تتغير بخطابات نخبوية معزولة.

لقد اكتشفت الحركة، بعد سنوات من المحاولة، أن الطريق إلى المجتمع لا يمر عبر الصالونات الفكرية وحدها، وأن التأثير الحقيقي يبدأ من فهم الناس لا من إلقاء الدروس عليهم.

فالمواطن المصري الذي تجاهل عشرات الندوات والبيانات والمحاضرات لم يكن في حاجة إلى بيان التوقف ليعلن موقفه؛ لقد قال كلمته منذ سنوات طويلة بالصمت، وهو أحيانًا أقسى أشكال النقد.

وبينما كانت الحركة تظن أنها تخوض معركة تغيير الوعي، كانت في الواقع تخوض معركة إثبات الوجود، حتى انتهى الأمر بأن أصبح خبر توقفها أكثر انتشارًا من معظم أنشطتها طوال سنوات عملها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق