السبت، 27 يونيو 2026

المعركة مع المنظّمات الدولية في السودان

 المعركة مع المنظّمات الدولية في السودان




حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني


ما أن أعلن قرار المحكمة الجنائية الدولية توقيف الرئيس السوداني السابق عمر البشير، في مارس/ آذار 2008، حتى خرج مؤيدوه إلى الشوارع مندّدين بالقرار، محتفين بالرجل ولقبه "أسد أفريقيا". 

بعد ساعاتٍ، أغلقت الحكومة السودانية مكاتب 13 منظمة إغاثة دولية، وطرد العاملون فيها من الأجانب خارج البلاد.

تلك كانت منظمات تقدّم الخدمات والطعام والمعونات الصحية لملايين المتضرّرين في دارفور. 

وقتها أعلن النظام أنه سيسودن العمل الإنساني، وأن السودانيين قادرون على إعانة أنفسهم. 

وقال أسد أفريقيا إن المنظمات الدولية يمكنها ترك المساعدات الإنسانية في الميناء وسيتولى السودانيون توزيعها.

حذّرت، حينها، الأمم المتحدة من كارثة إنسانية وشيكة. وأنذرت منظمات الإغاثة أن ملايين قد يفقدون الوصول إلى الغذاء والخدمات الطبية. 

لكن المسألة لم تكن إنسانية متعلقة بالمرضى والنازحين والمتضرّرين، إنما بالسيادة والكرامة الوطنية والمؤامرات على السودان. ... 

كانت المنظّمات تتحدّث بلغة الأرقام عن المحتاجين، وكان النظام ينظر إليها باتهامٍ لأنها جزء من مؤامرة دولية تهدف لإسقاطه.

رغم مرور سنوات، وتبدّل الحكام، لا تزال علاقة الدولة السودانية بالمنظّمات الأجنبية تقوم على الاتهام والعداء. 

قبل نشوب الحرب بوقت طويل، حذّرت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون أفريقيا مولي في 

من مجاعة تهدّد المنطقة، وحثت الفرقاء السودانيين على الحوار من أجل تسليم السلطة للمدنيين. 

ومنذ اندلاع الحرب في إبريل/ نيسان 2023 ظل برنامج الغذاء العالمي والأمم المتحدة يطلقان التحذير تلو الآخر من دون استجابة، وظلت أعداد الملايين المهدّدين بانعدام الأمن الغذائي تزداد. 

في 2024، وصفت تقارير برنامج الغذاء السودان بأنه يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم. 

ثم في تقريري 2025 و2026 حذرت من مواجهة ملايين السودانيين الجوع الحادّ، ووصول بعض المناطق إلى مرحلة المجاعة.

ظلت الأصوات المؤيدة للجيش السوداني تصف هذه التحذيرات بالمبالغة والتسييس، وأنها تريد إحراج السلطة العسكرية القائمة. 

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2025، طرد النظام العسكري الحاكم المدير القُطري لبرنامج الغذاء العالمي ومنسّقة الطوارئ في البرنامج. 

ما زالت الاتهامات المعبأة على عجل منذ عهد نظام عمر البشير صالحة، فقال النظام العسكري إن المبعدين تجاوزوا أدوارهم الإنسانية للقيام بدور سياسي.

وعلى الجانب الآخر، لا تبدو الحكومة الموازية التابعة للدعم السريع مختلفة عن شقيقتها الكبرى في الخرطوم. 

فقد تعرّضت المنظمات الإغاثية لتهديدات وقيود ومضايقات من مليشيا الدعم السريع أكثر مما فعلت حكومة الجيش. 

وأعلنت منظمة أطباء بلا حدود مرّات تعليق أنشطتها أو تقليصها لانعدام الأمن أو تدخل السلطات في عملها. ودخلت المنظّمة في نزاعات علنية مع قوات الدعم السريع أكثر من مرّة، مثلما حدث في بداية العام الجاري (2026) عندما اتهم تقرير للمنظمة المليشيا باستخدام العنف الجنسي في دارفور. 

لذلك ربما استغلت الحكومة الموازية في نيالا اتهام موظفين في المنظّمة بالاعتداء الجنسي على نازحات سودانيات في تشاد، وطردت المنظّمة ومنعت عملها في مناطق سيطرتها.

عندما تتعارض متطلبات الإغاثة مع حسابات حملة السلاح، يلجأون إلى تفسير كل شيء بالمؤامرة. ... لم يتعلم أحد من تجربة زيمبابوي عندما أوقف نظام روبرت موغابي عام 2008 عمل معظم المنظّمات الدولية واتهمها بالتدخل السياسي في الانتخابات. 

لم تلتفت السلطة الغاضبة إلى تعطّل برامج المياه والصحة والإغاثة في وقت انهيار اقتصادي حاد. 

ثم جاء تفشي وباء الكوليرا بعد أشهر ليجد بلاداً عاجزة وليس لديها من يعينها. توفي آلاف، وقالت الأمم المتحدة إن تقييد عمل المنظّمات كان أحد العوامل التي أضعفت الاستجابة لمواجهة الوباء. 

ولكن من يهتم بموت الآلاف طالما النظام ما زال على قمة السلطة. لا أهمية لعدد ضحايا الحروب أو المؤامرات أو الكوارث الطبيعية طالما نجا الحاكم.

يواجه السودان كارثة إنسانية كبرى، لا تجد استجابة متوافقة من العالم. 

لكن المنظّمات الدولية القليلة التي تنذر بالخطر، وتقدّم بعض العون للناجين من محرقة الحرب تواجه بالشك والتهديد والتضييق والمنع. 

مثلما حدث في صراع المعابر الحدودية لإدخال الإغاثة من قبل، عندما رفض قائد الجيش مرور الإغاثة إلى مناطق سيطرة "الدعم السريع"، ثم تراجع عقب أخذ ورد مع المجتمع الدولي. 

اليوم وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الحرب وتزايد أعداد المحتاجين وعلو أجراس الخطر، ما زالت المنظمات الدولية تعامل على أساس أنها ذراع إنساني لمؤامرة دولية ضد البلد الذي أدمن قتال نفسه وطواحين الهواء


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق