السبت، 20 يونيو 2026

التبعية تبعيات: عندما تستعمر الخرافة العالم والمثقف

التبعية تبعيات: عندما تستعمر الخرافة العالم والمثقف


"ارتماء منظومة العقل العبقرية في أحضان الجهل ليس نقصاً في أدوات الفهم، بل هو هزيمة نفسية نتيجة كسل أو خوف أو عجز أو استعمار الغرائز للعقل"

تزاوج العلم والخزعبلات

تساؤل مشروع يظهر عندما تجد بروفسورا في جراحة الأعصاب، قضى عمره بين المراجع الطبية الصارمة، يقف خاضعاً يتبرك بخرافة بدائية، أو يطلب "خِيرة" من كهانة جاهلة لا تملك من العلم فتيلاً، وفي المقابل، ترى مثقفاً آخر يفر من هذا الزيف ليقع في رد فعل متطرف، فيرفض كل ممارسة الدين بلا استبانة وفهم وإنما لعكس اليقين، فيتيه في دهاليز العدمية والإلحاد. إننا لسنا أمام نقص في المعرفة، بل أمام كارثة فكرية مستدامة، وأزمة وعي تضرب عمق النفس البشرية، إنه تزاوج العلم مع خزعبلات باسم الإيمان أو الإلحاد عندما يقفل الملحد فكره عن دلائل الإيمان برمي نفسه إلى كاهن وخزعبلات من نوع آخر، وكل هذا لأن المثقف أو العالم لا يبحث في العمق وإنما يرتضي السطحية في الحالتين، وكلاهما هروب من التكليف.

سيكولوجية الانفصام: الخوف في مواجهة المنطق

لتفكيك هذه الظاهرة، يجب أن نفهم أولاً أن العبقرية العلمية ليست حصناً أوتوماتيكياً ضد الخرافة، منظومة العقل البشرية تمتلك قدرة هائلة على "الفصل الذهني المعزول" (Compartmentalization)؛ حيث يمارس العالم أرقى مستويات المنطق التجريبي داخل مختبره، بينما يترك مفتاح عقله خارج الباب ليمارس طقوساً بدائية في حياته الخاصة.

المثقف هنا هارب من المهمة لا يبحث عن الحقيقة، بل يذهب إليها لتجنبه عناء التفكير الفردي وتحمّل عواقب اختياراته، وينسى أن منظومته العقلية تُمتحن بالحقيقة لا بتجهيلها، وكونه عبقريا في اختصاصه لا يعفيه من كونه فاشلا في استخدام منظومته العقلية كآدمي

الدافع خلف هذا السلوك هو الهروب من البحث الحقيقي، هو الخوف من الحوادث وتحمل مسؤولية أمة منحدرة حضاريا ومتخلفة مدنيا، والركون للجهل لأنه يكسل على موازنة الأولويات، ما هو مطلوب منه كثير وثمنه كبير ويريد أن يهرب منه بتحميل أحد له هالة ما. يتراجع الوعي المنطقي إلى نمط الطفولة البدائي، وتبحث منظومة العقل عن "أبوّة فكرية" ترفع عنه ثقل المسؤولية، فيسقط صريعاً بكسله أمام أول دجال يمنحه "وهم اليقين الحاسم"؛ مختارا، والوضع نفسه عند دعاة الإلحاد.

الشيخ الجاهل وظاهرة "تعب القرار الفكري"

العقدة الأكبر تكمن في خضوع المثقف لشخص يفتقر لأبجديات العلم الدنيوي والديني معاً، هذا الدجال غالباً لا يؤمن بكلمة واحدة مما يقول، بل يمارس دجله بوعي مستغلاً حاجة الضحية، متلذذاً بشعور التفوق وهو يرى عقولاً ذكية تنقاد لخزعبلاته، ولا يؤنبه ضميره بتضليل الناس بل صدق هو نفسه ما يوصف به؛ أما دعاة الإلحاد فهم يجمعون من يؤنس خيبتهم في الضياع".

في عصرنا الحالي، تحول الصواب إلى مجرد "رأي من الآراء" وسط سيولة فكرية ونسبية معرفية مرعبة، البحث عن الحقيقة بات مجهداً، الجاهل لا يشك ولا يتردد، وهذا الحسم الجازم يمثل "شاطئ أمان زائف" يتشبث به المثقف التائه هرباً من حرية الشك الحائرة، أو يتبنى حيرة من نوع آخر بالرفض: "لا يوجد حقيقة مطلقة وأن وجودنا محض صدفة أو عبث".

المثقف هنا هارب من المهمة لا يبحث عن الحقيقة، بل يذهب إليها لتجنبه عناء التفكير الفردي وتحمّل عواقب اختياراته، وينسى أن منظومته العقلية تُمتحن بالحقيقة لا بتجهيلها، وكونه عبقريا في اختصاصه لا يعفيه من كونه فاشلا في استخدام منظومته العقلية كآدمي مكرم من الله، وخداع نفسه بالشك السلبي.

البعض يقول إن كان للكون خالق فأنا استفتيت وإن لم يكن فليس من ضرر، لكن الحقيقة هو يعين الدجال لمبتغاه، فهو من سيمتحن ويقيّم وليس من أفتى له بالأجوبة الخاطئة لأسئلة امتحان رسب فيه.

كذبة الكهنوت:

الإسلام؛ في جوهره وتشريعه الأصيل، لم يضع "رجال دين"ولم يؤسس لطبقة إكليروس أو كهنوت تتوسط بين العبد وخالقه، بل جاء ليتعامل مع النفس والعقل مباشرة بلا حواجز؛ ومع ذلك، وبفعل التراكمات التاريخية والسياسية، جاء ناس واغتصبوا هذا الدور، واختطفوا النص الديني، أو حلوا محله وحولوا التدين إلى "مؤسسة واحتراف" ووسيلة للنفوذ والسيطرة وتجهيل العوام.

من هذه المؤسسات الكهنوتية غير الشرعية هي التي شرعنت الخزعبلات، وجعلت الخرافة جزءاً من الدين، فكان الرد -كرد فعل مشوه- إلى رفض المنظومة برمتها والارتماء في أحضان الإلحاد، ظناً منهم أنهم يهربون من سجن الجهل، بينما هم في الحقيقة يهربون من شائبة الدين لا من جوهره

بعض من هذه المؤسسات الكهنوتية غير الشرعية هي التي شرعنت الخزعبلات، وجعلت الخرافة جزءاً من الدين، فكان الرد -كرد فعل مشوه- إلى رفض المنظومة برمتها والارتماء في أحضان الإلحاد، ظناً منهم أنهم يهربون من سجن الجهل، بينما هم في الحقيقة يهربون من شائبة الدين لا من جوهره، بكسلهم عن البحث وفقدان تسلسل الأولويات.

خريطة الطريق: كيف نخرج من التيه؟

إن علاج هذه الكارثة المستدامة يتطلب حلولاً جذرياً تبدأ من إعادة صياغة الإنسان والفهم ثم الفهم:

- التحول نحو ميزان الأدلة: يجب تغيير المنظومات التعليمية القائمة على التلقين، واستبدالها بمناهج تعلم الطالب "كيف يفكر" لا "يحفظ فقط". إن تدريب منظومة العقل على "السؤال المنهجي البناء" تطبيقا للتفكّر في الإسلام، ووزن الأفكار بميزان الدليل والاتساق الكوني، هو الكفيل بتدمير أسواق الدجل والإلحاد معا، فكلاهما أعداء لكرامة الإنسان وتكريم الله له.

- تحرير الدين من الكهنوت ومؤسساته: يجب نشر وعي معرفي يفصل بين "التدين الطقسي المغشوش" الذي يقدس الأشخاص والأحجار والموروثات الشعبية، والذي يغيّب الإنسان باختزال الدين بحركات جسدية وأفكار عبثية، وبين "الإيمان الواعي" الذي يحث على التفكر والتدبر ويحترم الكرامة الإنسانية وبديهيات العقل: فهم مهمة الإنسان في الوجود وأنه لا وكيل عنه وعليه أن يبحث دائما.

ارتماء منظومة العقل العبقرية في أحضان الجهل ليس نقصاً في أدوات الفهم، بل هو هزيمة نفسية نتيجة كسل أو خوف أو عجز أو استعمار الغرائز للعقل، ولن يسترد الإنسان توازنه النفسي والعقلي إلا عندما يدرك أن طمأنينة الخرافة أو الهروب إلى التخلف البديل بنكران كل شيء بالإلحاد أو اللاأدرية كله خداع للذات وتعويض جهله قبل جهل الكاهن، وأن الغفلة عن حقائق الكون هي عند العاجزين أو المتخلفين من النوعين.












ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق