السبت، 20 يونيو 2026

كيف نعيد للكُردِ مكانتهم المُغيبة ودورهم المغصوب؟ مطالباتٌ واعيةٌ وتحدياتٌ قائمةٌ

كيف نعيد للكُردِ مكانتهم المُغيبة ودورهم 

المغصوب؟

مطالباتٌ واعيةٌ وتحدياتٌ قائمةٌ



نجحَ المشروع الغربي اللعينُ في نقلِ لوثاتِه القوميةِ والعرقيةِ، التي صاغتْ واقعَه في القرنينِ الثامنَ عشرَ والتاسعَ عشرَ الميلاديَّين، إلى المنطقةِ العربيةِ والأقاليمِ الإسلامية، عبرَ المسيحيينَ والقوميينَ العرب.

ومنذ ذلك الحين نبت في الأمة العربية والإسلامية نبتٌ شيطانيٌّ هجينٌ ودخيلٌ عليها، لم تعرفه الأمة منذ أن شكَّلها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنذ أن تجسدت روعةُ الإسلام في صهرِ الأعراقِ البشريةِ ضمن الرؤيةِ القرآنية، التي جعلت معيارَ التفاضلِ التقوى والعملَ الصالح، لا العِرقَ ولا القوميةَ ولا الانتماءَ الإثني، والتي نسجت وبنت نسقًا معرفيًا علميا مفتوحًا من خلال تعارف الشعوب وتفاعلها وتكاملها الثقافي، بعيدًا عن العصبيات العرقية والقومية الضيقة، 

والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فجعل القرآنُ التعارفَ غايةً من غاياتِ التنوّع البشري، وجعل معيارَ الكرامةِ والتفاضلِ التقوى والعملَ الصالح، لا العِرقَ ولا القوميةَ ولا الانتماءَ الإثني.

ومنذ أن زرع شياطينُ الإنس في شعوبِ الأمة المسلمة فسيلةَ القوميةِ والعرقيةِ بمفهومِها الأيديولوجي، أخذت شعوبُ الأمةِ تتمزقُ وتتباعد، وأتقن الغربُ صناعةَ الصراع السياسي وإدارته باحترافٍ وخبثٍ شديدين، حتى بات التركيُّ يُصوَّرُ أمةً قائمةً بذاتها، والعربي أمةً أخرى، وضاع بينهما الكرديُّ المظلومُ المذبوح، وهكذا دواليك في أرجاءِ المنطقة، حتى امتدَّ الأمرُ من المشرقِ إلى المغرب، فوقعتِ الخصوماتُ والنزاعاتُ بين مكوِّناتٍ كانت تجمعُها أواصرُ الدينِ والتاريخِ والمصيرِ المشترك، وظهر التوترُ بين العربِ والأمازيغِ وغيرِهم من شعوبِ المنطقة، في سياقِ انقساماتٍ غذَّتها المشاريعُ القوميةُ والعرقيةُ الحديثة برعاية غربية صليبية صهيونية خبيثة وواعية.

ولعلَّ من أكثرِ الشعوبِ التي تعرَّضت لاضطهادٍ مزدوجٍ الشعوبُ الكردية؛ إذ وقع عليها الظلمُ من جهتين: الأولى من الأنظمةٌ والقوى العربيةٌ والتركيةٌ القومية عبر مراحلَ مختلفة، والثانية من المشاريعِ السياسيةِ الكرديةِ المؤدلجةِ التي طغت على قطاعاتٍ من المجتمعِ الكردي، فسعت إلى إضعافِ انتمائِه الإسلاميِّ، وإبعاده عن حاضنتِه الحضاريةِ المسلمة، واختطافِ دورِه الأصيلِ الذي كان جزءًا مهمًّا من تشييدِ الحضارةِ الإسلامية، وإسهامِه البارزِ في توحيدِ بلادِ الشامِ ومصر، وتحريرِ القدسِ من الاحتلالِ الصليبي.

وقد كان للأكرادِ حضورٌ فاعلٌ في تاريخِ الأمةِ الإسلامية، وأسهموا في ميادينِ العلمِ والسياسةِ والجهادِ والعمران، وكانوا جزءًا من النسيجِ الإسلامي العام، الأمرُ الذي يجعلُ استعادةَ هذا الدورِ الحضاريِّ المتوازنِ ضرورةً تتجاوزُ الاعتباراتِ القوميةَ الضيقةَ إلى فضاءِ الانتماءِ الأوسعِ للأمةِ وتاريخِها المشترك.

ٱلْوَاجِبُ ٱلْعَرَبِيُّ ٱلتُّرْكِيُّ ٱلْإِسْلَامِيُّ تِجَاهَ ٱلْكُرْدِ

إنَّ واجبَ العربِ والأتراكِ المنتمين إلى هذا الدين أن يعيدوا للكردِ مكانتَهم في صناعةِ الواقعِ والحاضرِ والمستقبل، كما كانت لهم مكانتُهم ودورُهم في التاريخ، وأن يُمكِّنوهم من استردادِ دورِهم في التفكيرِ والتقريرِ المؤثرِ والنافذِ في مستقبلِ الأمةِ المسلمة.

ويستلزمُ ذلك إبرازَ حقيقةِ هويةِ الكردِ وانتمائِهم الحضاريِّ والإسلامي، ورفضَ احتكارِ تمثيلِهم من قِبَلِ قياداتٍ ومشاريعَ سياسيةٍ مرتبطةٍ بقوى الشرقِ أو الغرب، أو معاديةٍ لهذا الدين، وهي في حقيقتِها لا تُعبِّرُ عن عمومِ الشعوبِ الكرديةِ المنتميةِ إلى الإسلامِ تاريخًا وثقافة وهويةً.

ولعلَّ فلسطينَ، وأقصى المسلمين، يمثِّلان أحدَ أبرزِ العناصرِ الجامعةِ القادرةِ على الإسهامِ في تحقيقِ هذه الوحدة، كما يشكِّلان شاهدًا حيًّا على عظمةِ الدورِ الكرديِّ وأصالتِه في الماضي والحاضر، وعلى حجمِ إسهامِ الكردِ في قضايا الأمةِ الكبرى عبرَ تاريخِها الممتد.

إنَّ إبرازَ نموذجِ الداعيةِ الكرديِّ إسماعيل بنجويني، الذي يقومُ بأعمالِ التبليغِ في أفريقيا، والذي لم يتمالك دموعه أمام إسلامِ مئتين وخمسين شخصًا دفعةً واحدة، يُعدُّ أمرًا مهمًا في سياقِ إبرازِ الصورةِ الحقيقيةِ للشعوبِ الكرديةِ وإسهاماتِها الإسلامية الدعوية والسياسية.

إنَّ التنافسَ على الحالةِ والشعوبِ الكرديةِ يُطرحُ في سياقِ مشروعين رئيسيين: الأول مشروعٌ إسلاميٌّ يَسعى إلى توحيدِ وصهرِ جميعِ الأعراقِ تحت مرجعيةِ القرآنِ والسنة، والثاني مشروعٌ علماني صهيونيٌّ صليبي ذو امتداداتٍ دوليةٍ وإقليميةٍ يسعى إلى تصديعِ وإضعافِ المسارِ السياسيِّ والثقافيِّ الإسلامي من خلال قياداتٍ غيرِ منتميةٍ تختطفُ تمثيلَ شعوبِها بشكلٍ قهريٍّ.

مضر أبو الهيجاء، فلسطين-جنين 31/5/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق