الاثنين، 29 يونيو 2026

في بيت النبي

نقطة نظام

في بيت النبي

النَّبيُّ يستشيرُ زوجتَه!

في بيت النبي

القيادةُ ليستْ في امتلاكِ أسباب القوَّة، بل في حُسن إدارتها، وليست صوتًا عاليًا يُؤمَر به النَّاس، بل بصيرةٌ تعرف متى تتكلَّم، ومتى تصمت، ومتى تتركِ الفعلَ يقولُ ما تَعجزُ عنه الكلمات.

في حياة النَّبيِّ مواقفُ لا تعلِّمنا كيف ننتصر، بقدر ما تعلِّمنا كيف نحتوي، وكيف نُدير اللَّحظة الحرِجة بعقلٍ هادئٍ وقلبٍ واسع.

في هذا المشهدِ النَّبويِّ سنرى الحكمة تمشي على الأرض، لا في صورةِ معجزةٍ هابطةٍ من السَّماء، بل في مشورةٍ صادقة، وفي ثقةٍ بالزَّوجة، وفي قرارٍ يُتَّخذ حين تعجز الأوامر ولا يبقى إلَّا الفعل الهادئ الذي يُعيد للأمور اتِّزانها.

رأى النَّبيُّ ﷺ في منامه أنَّه يدخل هو وأصحابه مكَّة ويطوفون بالبيت العتيق، فلمَّا أصبح أخبر أصحابه بالرُّؤيا، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، فرؤيا الأنبياء حقٌّ، والحنين إلى مكَّة ديار بعضهم وقِبلتِهم كلِّهم كان كالحسرة في قلوبهم.

ومضى النَّبيُّ ﷺ قاصدًا مكَّة للعمرة في أربعة آلافٍ من الصَّحابة، وزوجتُه أمُّ سَلمة، فلم يَهُن على قريشٍ أن يدخلها النَّبيُّ ﷺ على غير شروطهم، فنزل بالحُديبية، وهناك توالتْ الوفودُ والوَساطات، إلى أن جاء أخيرًا سُهيل بن عمرو، وتمَّ عَقد صلح الحُديبية.

وكان من شروطها:

- يرجعُ المسلمون عامَهم هذا عن مكَّة، ويعودون في العام القادم والسُّيوف في أغمادها.

- ⁠وأن يَرُدَّ المسلمون من جاءهم مسلمًا من قريش، ولا تَرُدُّ قريش من جاءها مرتدًّا من المسلمين.

- ⁠وللعرب الخيار أن تدخلَ في حلف المسلمين أو في حلفِ قريش،.

- ⁠ومدَّةُ هذا الصُّلح عشرُ سنوات.

رأى الصَّحابة في هذا الصُّلح إجحافًا كبيرًا، وتملَّكتهُم غَضبةُ المؤمنِ للحقِّ حين يغضب لله ورسوله ﷺ، حتَّى أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال للنَّبيِّ ﷺ: ألسنا على حقٍّ وعدوُّنا على باطل؟

فقال له النَّبيُّ ﷺ: بلى.

فقال عمر: فلم نُعطي الدَّنيَّة في دِيننا؟

ولكنَّ النَّبيَّ ﷺ المُؤيَّد بالوحي، والمُمتلئ ثقةً بالله، كان يعلم أنَّ الحُديبية هي أولى خطوات فتح مكَّة، فنادى في النَّاس قائلًا: أيُّها النَّاس، اِنحروا واحلقوا، أي أنَّ الله تعالى قد قبِل منهم عمرتهم.

ولكنَّ الصَّحابة لِحبِّهم لله وعزَّة أنفسهم ما قام منهم أحد، فعاد النَّبيُّ ﷺ قوله فما قام منهم أحد، ثمَّ أعاد قولَه مرَّة ثالثةً فما قام منهم أحد.

عندها دخلَ النَّبيُّ ﷺ على أمِّ سَلمة، وقال: يا أمَّ سَلمة، ما شأنُ النَّاس؟

فقالت: يا رسول الله ﷺ، قد دخَلهُم ما رأيت، فلا تُكلِّمَنَّ منهم إنسانًا، واعمد إلى هديِكَ فانحره واحلق، فلو فعلتَ ذلك فعلوا مثلك.

فقام النَّبيُّ ﷺ فلم يُكلِّم منهم أحدًا، فنحرَ هديَه وحلقَ رأسَه، فلمَّا رأوه قاموا فنحروا وحلقوا.

النَّبيُّ ﷺ المُؤيَّد بالوحي، والمحفوفُ بالتَّوفيق والعصمة، يستشير زوجتَه في قضيَّةٍ سياسيَّةٍ ودينيَّةٍ شائكةٍ تخصُّ الأمَّة كلَّها، وعندما سمع رأيها، عمِل به.

ليس في الأمر انتقاصٌ من الرُّجولة أن يستشيرَ الرَّجل زوجته في مشاكله وشواغله، على العكس من هذا تمامًا، بل إنَّ هذا من تمامِ الرُّجولة وحُسنِ القِوامة.

وكلُّ أفعالِ النَّبيِّ ﷺ حجَّةٌ على النَّاس، وما نسمعه من هادمي البيوتِ ومُقلِّلِي شأنِ النِّساء حين يقولون: شاوِرُوهنَّ وخالِفُوهُنَّ، ما هو إلَّا ذُكوريَّة مقيتة لا تمتُّ بِصِلةٍ لا إلى الدِّين ولا إلى المنطق.

يعلِّمنا النَّبيُّ ﷺ أنَّ القيادة ليست استعلاءً بالرَّأيِ ولا تعاليًا بالمقام، بل تواضعٌ للحكمة حيثما وُجدت، ويعلِّمنا أنَّ الوحيَ لا يُغني عن المشورة، وأنَّ العِصمة لا تُلغي البشريَّة، وأنَّ أعقدَ الأزماتِ قد لا تُحلُّ بخطبةٍ طويلة، بل بفعلٍ صامتٍ يُعيد إلى النُّفوس رُشدها.

ففي هذا الموقف لم ينتصر القرار وحده، بل انتصرت الإنسانيَّة، وانتصر العقل، وانتصر البيتُ الذي كان شريكًا في تحمُّل أعباء النُّبوَّة، لا شاهدًا عليها من بعيد.

هكذا كان محمَّدٌ ﷺ نبيًّا في محرابه، وقائدًا في أمَّته، وزوجًا يسمعُ ويثِقُ، بل ويعملُ بما سمِع.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق