نقطة نظام
النَّاسُ طِباع!

لمَّا كان يومُ بدرٍ وجِيءَ بالأسرى،
قال النبيُّ ﷺ: ما تقُولون في هؤلاء؟
فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، قومكَ وأهلكَ، هؤلاء بنو العمِّ والعشيرة،
فإنِّي أرى أن تأخذَ منهم الفِدية،
فيكون ما أخذنا منهم قوةً لنا على الكُّفار،
وعسى اللّهُ أن يهديهم فيكُونوا لنا عضُدًا،
فقال عمر بن الخطاب: واللّهِ ما أرى رأيَ أبي بكر،
ولكن أرى أن تمكني من فلان – قريب له – فأضربَ عنقه،
وتمكِّن عليًّا من عقيلٍ فيضربُ عنقه،
وتمكِّن حمزة من فلانٍ أخيه حتى يضربَ عنقه،
حتى يعلم اللّهُ أنَّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين!
فسكتَ النبيُّ صلى اللّه عليه وسلّم ولم يُجبهم،
ثمّ دخلَ خيمته…
فقال ناسٌ: يأخذُ بقولِ أبي بكر،
وقال ناسٌ: يأخذ بقولِ عمر بن الخطاب،
ثمّ خرج النبيُّ ﷺ وقال:
إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ ليلينَ قلوب رجالٍ فيه، حتى تكون ألينَ من اللبن!
وإنَّ اللّه عزَّ وجل ليشدُّدُ قلوب رجالٍ فيه، حتى تكون أشدَّ من الحجارة،
وإنّ مثلكَ يا أبا بكرٍ كمثلِ إبراهيم عليه السلام قال:
” فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ “
وإنَّ مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام قال:
“إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ “
وإنَّ مثلكَ يا عمر كمثل موسى عليه السلام قال:
“رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ “
وإنَّ مثلكَ يا عمر كمثل نوحٍ عليه السلام قال:
” رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا “
ثمّ أخذ النبيُّ ﷺ برأي أبي بكر،
فأنزل الله تعالى قوله مؤيداً رأي عمر:
“مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ”.
الدَّرسُ الأوّل:
من الأشياء الجميلة التي لم تُذكر في هذه الرِّواية،
أنَّ النبيَّ ﷺ قبل أن يستشيرَ أصحابه في أسرى بدر،
نظر إلى هؤلاء الأسرى وقال:
لو كان مطعم بن عديٍّ حيًّا وكلّمني في هؤلاء النَّتْنَى لتركتهم له،
ومطعم بن عديٍّ هو الذي أجاره بعد أن رُجم في الطَّائف،
فقد منعته قريشٌ يومها أن يدخل مكة،
وكأنَّه لا يكفيه ما لاقاه هناك حتى يُمنعَ من دخول وطنه!
لا الغريبُ في الطَّائف قبِلَ دعوته، ولا القريبُ في مكّة قبل عودتَه!
فذهبَ إلى مطعم بن عدي يسأله أن يُجيره ويحميه،
فقبل ذلك، ودخل النبيُّ ﷺ مكة تحت حماية مطعم،
ثمّ دار الزَّمانُ ولم ينسَ لمطعم بن عديٍّ معروفه معه،
ما أوفاه من نبيٍّ، وما أكرمه من رسول!
رغم أنّ هؤلاء أسرى حرب، ولو أنَّ أحداً استطاع أن يقتله ما تردَّد،
ولكنَّه نبيل، والنُّبلاء لا ينسون مواقف النَّاسِ المُشرِّفة معهم،
حتى ولو كانوا على غير دينهم!
فكن وفيًّا كنبيِّك ﷺ،
اِحفظ للناس معروفهم، وتحيِّن الفرص لردِّ هذا المعروف،
صحيح أنّ الذي يفعل المعروف لا ينتظر سداداً،
ولكن من العارِ أن تنسى أنتَ!
الدَّرسُ الثَّاني:
النَّاسُ طِباعٌ مختلفة، والأنبياءُ ناس!
لهذا أنت ترى اِختلاف ردود أفعالهم تبعاً لاِختلاف طبائعهم،
والطَّبعُ شيءٌ فطريٌ جِبليّ لا علاقة له بدرجة الإيمان،
فإبراهيمُ وموسى وعيسى ونوحٌ عليهم السَّلام جميعاً،
هم من أُولي العزم من الرُّسل،
ولكنك تلاحظ لِيناً في طبع إبراهيم وعيسى عليهما السّلام،
بينما تلاحظ شيئاً من الحزمِ في طباع نوحٍ وموسى عليهما السّلام،
تماماً كما تلاحظ أنَّ أبا بكرٍ كإبراهيم وعيسى عليهما السَّلام في لِينهما،
وعُمر بن الخطاب كنوحٍ وموسى عليهما السَّلام في حزمهما!
الدَّرسُ الثَّالث:
كثيرٌ من مواقفِ النَّاسِ في الحياة، وكثيرٌ من ردَّات أفعالهم وتصرفاتهم،
مرجعه إلى الطَّبع لا إلى الإيمان!
النَّاسُ منهم العصبيُّ ومنهم الحليم،
منهم الشَّديدُ ومنهم اللَّين، ومنهم الكريمُ ومنهم البخيل،
لهذا فإنَّ فهم طباع النَّاسِ الذين نتعامل معهم، يوفِّر علينا وعليهم عناءَ كبيراً،
بل ويجعلنا حتى نتنبأ بردَّاتِ أفعالهم تبعاً لما نعلمه من طباعهم!
الدَّرسُ الرّابع:
عندما جاءت قبيلة عبد القيس إلى النبيّ ﷺ لتُسْلِم،
سارع أفراد القبيلة بالدُّخول عليه،
إلا سيِّدهم أشجُّ بن عبد القيس تمهَّلَ في المجيء!
فقد بقيَ حتى لبس أجمل ثيابه، ووضع عِطْراً،
فلما دخل على النبيِّ ﷺ قال له:
إنَّ فيك خصلتين يحبهما اللّه: الحِلْمُ والأناة!
فقال له: أَجُبلتُ عليهما أم تخلَّقتُ بهما يا رسول اللّه؟!
فقال له: بل جُبلتَ عليهما!
نصُّ صريح وقاطع أنَّ النَّاسَ يُولدون بطباعٍ مختلفة،
جبَلَهُم اللّه تعالى عليها وهم في بطُون أُمَّهاتهم،
وإنّنا نرى عياناً ونحن نخوضُ غمار الحياة،
البخيل والكريم في البيت الواحد،
والشَّهم والأنانيّ أخوين من أُمٍّ وأب،
والحليمُ والغضوب، وهما يُسقيان بماءٍ واحدٍ!
ولكن سبحان من فضَّلَ النَّاسَ بعضهم على بعض في الأُكل كالزَّرعِ!
الدَّرسُ الخامس:
حتى وإن كانت الطباع فطريَّةً والإنسان مجبولٌ عليها،
فهذا ليس مبرّراً لأن ينساقَ الإنسانُ لطبعٍ سيِّءٍ جُبلَ عليه،
لأن الدُّنيا دار مجاهدة وامتحان،
والفَلاحُ فيها يكون بمخالفة الهوى واِتِّباعِ الحقّ،
فكلنا قد جُبلنا على حُبِّ المال،
ولكن هذا ليس مبرّراً للسرقة أبداً،
وما من رجلٍ إلا ويشتهي النِّساء،
وما من امرأةٍ إلا وتشتهي الرجال،
فطرة اللّه تعالى التي فطر النّاس عليها،
ولكن هذا ليس مبرّراً للزِّنى!
وإنَّما جعلنا اللّه طباعاً ليمتحننا بهذه الطِّباع،
حتى يرى من يَتكسبُّ بالحلال إشباعاً لرغبةِ المال، ومن يَتكسبُّ بالحرام!
وحتى يرى من يُشبع غريزته بالحلال ومن يُشبعها بالحرام،
فجاهِدْ طباعَكَ، وأدِّبْ شهوتَكَ أن يكون إشباعها في الحلال!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق