وقفات مع آيات (34) حياة طيبة للمؤمنين
د. مالك الأحمد
قال الله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قيل في الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة، وقيل: الرزق الحلال، وقيل: التوفيق للطاعة والانشراح بها، وقيل: السعادة. وهذه المعاني في حقيقتها متكاملة لا متعارضة.
والآية وعد من الله لعباده المؤمنين بحياة طيبة، تشمل طمأنينة القلب وسكينة النفس ورضاها. فالحياة الطيبة للمؤمن ليست أمرًا واحدًا، بل هي معانٍ متكاملة، أصلها الإيمان بالله والعمل الصالح والالتزام بشرعه وحسن الخلق، وقد يصاحبها رزق طيب وأمن واستقرار. فهي تجمع بين ما يسعد القلب من المعاني الإيمانية، وما تأنس به النفس من أسباب الحياة.
إن جودة الحياة لا تُقاس بوفرة مظاهرها، بل بصلاح باطنها؛ فالحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين هي في حقيقتها حالة من السكينة الداخلية والرضا العميق، تنشأ من اجتماع الإيمان والعمل الصالح.
وقد ترى مؤمنًا في السجن، ومع ذلك يعيش في سكينة ورضا عجيبين، وترى آخر، رغم ما ابتُلي به من مرض، عالي الروح، قوي الصبر، عظيم التجلد.
وفي المقابل، قد يُعطى من فقد هذا الأصل شيئًا كثيرًا من متاع الدنيا، لكنه يبقى محرومًا من كمال الحياة الطيبة وطمأنينة الإيمان، وقد يعيش في قلق واضطراب، مهما بدا عليه من رفاه. وقد ينال لذة مادية عابرة، لكنها لا تبلغ أعماق القلب ولا تمنحه السكينة الحقيقية.
مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
ونقل ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قوله “إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”.
فالحياة الطيبة ليست أن يعيش الإنسان بلا ابتلاء، بل أن يعيش مطمئن القلب رغم الابتلاء. وهي فضل من الله وثواب عاجل للمؤمن، وتشمل الاستقرار والرضا والطمأنينة، وإن مرّ بشيء من المشقة أو الحزن؛ فهي ليست خلوًّا تامًّا من الألم، بل سكينة تعين على التوازن والصبر والرضا في تقلبات الحياة.
وقد رأيت معنى هذه الحياة الطيبة ماثلًا في رجل عرفته منذ زمن بعيد، وعايشته ردحًا من الدهر.
لا أعرفه إلا مبتسمًا، ولا أذكر أنني سمعت منه إلا الكلمة الطيبة. لا يتأفف، ولا يضجر، ولا يكثر الشكوى.
إن قلت: إنه من الصالحين، فذلك ما نحسبه، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا.
وإن قلت: إن في بعض أخلاقه وسمته شبهًا بما نقرأ عن أخلاق الصحابة وسمتهم، فلا أظنني مبالغًا. ناله من أذى الدنيا ولأوائها الشيء الكثير، لكنه صبر واحتسب، فرأيت آثار عوض الله عليه في أسرته ومجتمعه، وقبل ذلك في نفسه، بل وفي رزقه ومعاشه.
كان القرآن سلواه في خلواته، وكانت الصلاة زاده في الليل. ورأيت في حاله أثرًا من آثار الحياة الطيبة التي يهبها الله لعباده المؤمنين. قصّ عليّ كثيرًا من المواقف التي عاشها، وحدثني بما رأى في حياته من عطاء الله وحفظه وآثار إجابة الدعاء. جمع بين العلم الشرعي، والدعوة، والبذل، والاجتهاد في العمل؛ فهنيئًا له ما أنعم الله به عليه في دنياه، ونرجو له في الآخرة الجزاء الأوفى، كما نرجوه لكل مؤمن صادق.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق