الاثنين، 15 يونيو 2026

من القدس إلى دمشق.. كيف تتشكل معادلة التوتر التركي «الإسرائيلي»

من القدس إلى دمشق.. كيف تتشكل معادلة التوتر التركي «الإسرائيلي»
حمزة قورقماز

باحث في مركز الدبلوماسية والعلاقات الدولية (MID)

شهدت العلاقات التركية «الإسرائيلية» خلال السنوات الأخيرة مساراً متقلباً، إلا أن التطورات التي أعقبت عملية «طوفان الأقصى» دفعت هذا التوتر إلى مستوى جديد يتجاوز حدود الخلافات الدبلوماسية التقليدية، فالتصريحات المتبادلة الحادة، والتحولات الإقليمية المتسارعة، والصراع على النفوذ في المشرق العربي، جميعها تشير إلى أن العلاقة بين الطرفين باتت تدخل مرحلة مختلفة أكثر حساسية وتعقيداً.

وفي هذا السياق، لفتت الأنظار تصريحات وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، حين تحدث في لقاء جماهيري عن أنه كان يدعو الله تعالى عندما كان والياً قبل تسلم الوزارة أن يكون والياً على القدس، وقد يبدو هذا الكلام للوهلة الأولى مجرد أمنية شخصية أو تعبير عاطفي مرتبط بمكانة القدس في الوجدان الإسلامي، إلا أن قراءة مثل هذه التصريحات بمعزل عن السياق السياسي والإستراتيجي القائم تبدو قراءة قاصرة، فالكلمات الصادرة عن كبار المسؤولين لا تُفهم عادة باعتبارها مواقف فردية مجردة، بل تُقرأ بوصفها مؤشرات تعكس جانباً من المزاج السياسي العام والرؤية الإستراتيجية للدولة.

ومن هنا، فإن التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مادة إعلامية عابرة أو خطاباً شعبوياً لا ينسجم مع طبيعة المرحلة الحالية، فتركيا تتبنى منذ سنوات خطاباً متصاعداً بشأن القدس والقضية الفلسطينية، وتسعى إلى ترسيخ حضورها السياسي والمعنوي في هذا الملف.

وفي المقابل، تنظر «إسرائيل» إلى هذا التوجه باعتباره جزءاً من مشروع نفوذ إقليمي أوسع، لا مجرد موقف سياسي مرتبط بالأحداث الجارية، ولعل هذا ما يفسر تصاعد حدة الخطاب «الإسرائيلي» تجاه تركيا خلال الفترة الأخيرة، فمراكز الدراسات الإستراتيجية «الإسرائيلية»، إلى جانب عدد من المسؤولين والعسكريين السابقين، باتوا يتحدثون بصورة أكثر وضوحاً عن تنامي الدور التركي في المنطقة وعن احتمال تحوله إلى تحدٍّ إستراتيجي مباشر للمصالح «الإسرائيلية»، وباتت السيناريوهات التي تتناول احتمال وقوع مواجهة بين الطرفين تُناقش في الأوساط السياسية والأمنية بصورة لم تكن مألوفة في السابق.

ومع ذلك، فإن طبيعة العلاقات الدولية وموازين القوى الإقليمية تجعل من غير المرجح أن يتجه الطرفان إلى حرب مباشرة في المدى المنظور، فكلاهما يدرك حجم الكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية لأي مواجهة مفتوحة، غير أن التاريخ السياسي للمنطقة يبين أن الأطراف لا تختار دائماً لحظة الصدام الكبرى، بل قد تجد نفسها مدفوعة إليها بفعل تراكم الأزمات وتداخل المصالح وتزايد الاحتكاكات الميدانية.

ومن هنا تبرز سورية بوصفها الساحة الأكثر ترجيحاً لتشكل هذا الاحتكاك المتصاعد، فبعد سنوات الحرب الطويلة، أصبحت الأراضي السورية نقطة تقاطع لمشاريع إقليمية ودولية متعددة، ومع تراجع النفوذ الإيراني نسبياً نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرض لها خلال السنوات الأخيرة، بدأت موازين القوى في المنطقة تشهد إعادة تشكيل تدريجية؛ الأمر الذي فتح المجال أمام بروز فاعلين آخرين في مقدمتهم تركيا.

وبالنسبة لـ«إسرائيل»، فإن التمدد التركي في سورية يمثل تطوراً يستحق المتابعة والاحتواء، فأنقرة تمتلك حضوراً عسكرياً وسياسياً مؤثراً في سورية، وتعمل على تثبيت موقعها في المعادلة السورية المستقبلية، كما أن قدرتها على التأثير في عدد من الملفات الإقليمية تجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات تخص مستقبل بلاد الشام.

أما تركيا، فتنظر إلى سورية باعتبارها جزءاً من أمنها القومي المباشر، فملفات الحدود واللاجئين والتنظيمات المسلحة ومستقبل التوازنات الإقليمية كلها عوامل تجعل من الصعب على أنقرة التخلي عن دورها هناك، ولهذا فإن استمرار الحضور التركي في الساحة السورية يبدو خياراً إستراتيجياً أكثر منه سياسة ظرفية مؤقتة.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو سورية مرشحة لأن تكون المسرح الرئيس للتنافس التركي «الإسرائيلي» خلال السنوات القادمة، وقد يبدأ هذا التنافس عبر أدوات غير مباشرة كالحرب الاستخباراتية والضغوط الدبلوماسية والتحركات السياسية المتعارضة، إلا أن استمرار التصعيد وتراكم عوامل الاحتكاك قد يدفع الأمور تدريجياً إلى مستويات أعلى من المواجهة.

صحيح أن الطرفين قد لا يرغبان في الانزلاق إلى حرب مباشرة، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن مسار الأحداث يتجه نحو مزيد من التصادم لا نحو التهدئة، فكثير من الحروب في التاريخ لم تبدأ نتيجة قرار واعٍ من جميع الأطراف، بل كانت ثمرة مسار طويل من التوترات المتراكمة التي جعلت الصدام أمراً شبه حتمي.


لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت العلاقات التركية «الإسرائيلية» تمر بأزمة عابرة، بل ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من التنافس الإستراتيجي طويل الأمد بين تركيا و«إسرائيل»، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية على حالها، فقد تتحول سورية من ساحة نفوذ متنازع عليها إلى نقطة الارتكاز الأساسية في صراع إقليمي ستكون له انعكاسات واسعة على مستقبل الشرق الأوسط بأسره.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق