في ظلال التربية والدعوة.. ملامح من سيرة الشيخ محمد فتحي رفاعي رحمه الله
علي محمد الصلابي
حفظ القرآن الكريم وهو في سنٍّ مبكرة، ولم يكن حفظه مجرّد ألفاظ، بل كان مدخلاً لتكوينٍ إيمانيٍّ عميق، لازمَه طيلة حياته..
من نِعم الله تعالى على العبد أن ييسّر له في طريقه رجالاً يذكّرونه بالله إذا غفل، ويأخذون بيده إلى معالي الأمور إذا فتر، ويغرسون في قلبه معاني الصدق والإخلاص قبل أن يفيضوا عليه من العلم والمعرفة. وإنّ من أولئك الذين منّ الله بهم عليّ في مسيرتي، الشيخ المربّي محمد فتحي رفاعي ـ رحمه الله ـ؛ رجلٌ جمع بين صلابة العالم، ورقّة المربّي، وسعة الأفق في النظر إلى قضايا الأمة، فكان مجلسه موطناً للإيمان، ومدرسته فضاءً لصناعة الرجال.
صلة ومعايشة
عرفتُ الشيخ في المدينة المنورة، وكنت أتردّد عليه مع أخي الشيخ سالم الشيخي، والشيخ يوسف محمد المقصي، في لقاءٍ أسبوعيٍّ ثابت، نلتقي فيه على كتاب الله تلاوةً وتدبّراً، ثم نغترف من معين علمه لطائف في التربية، وإشارات في الفكر، وتعليقات على واقع الأمة وأحوالها.
وكان ـ رحمه الله ـ شديد العناية بتربية طلابه، لا يكتفي بتلقينهم، بل يُدخلهم في معترك الحياة، ويغرس فيهم معنى المسؤولية. وقد تجلّى ذلك في موقفٍ لا أنساه؛ حين وقف معي في تأثيث بيت الزوجية، فشارك بنفسه، هو وأسرته، في أدقّ التفاصيل، واختار الأثاث، وتابع التنفيذ، وكلّف الشيخ سالم بنقله، حتى تمّ الأمر، وكأنّه يعلّمنا أنّ الأخوّة الصادقة ليست كلماتٍ تُقال، بل مواقف تُبذل.
نشأته وبداياته
وُلد الشيخ محمد فتحي محمد رفاعي في مصر، ونشأ في بيتٍ يُعلي من شأن العلم، وكان لعمل والده في ميدان التعليم أثرٌ بالغ في توجيهه نحو طريق المعرفة منذ صغره.
حفظ القرآن الكريم وهو في سنٍّ مبكرة، ولم يكن حفظه مجرّد ألفاظ، بل كان مدخلاً لتكوينٍ إيمانيٍّ عميق، لازمَه طيلة حياته. ثم التحق بالمعاهد الأزهرية، حيث تشرّب علوم الشريعة واللغة، وتكوّنت لديه شخصية علمية تميل إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة.
مسيرته العلمية
تدرّج في طلب العلم حتى نال دبلوم معهد المعلمين، ثم عمل مدرّساً للغة العربية، قبل أن يحصل على ليسانس كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1959م، ثم شهادة العالمية في التدريس عام 1960م، وهي من أعلى الشهادات في ذلك الوقت.
ولم يقف عند هذا الحد، بل واصل مسيرته العلمية حتى نال درجة الدكتوراه من الأزهر، وكانت رسالته في موضوعٍ دقيق من تراثنا اللغوي: أصول النحو وعلله عند ابن جني، وهو اختيار يدلّ على عمق اهتمامه بالمنهج العلمي، وليس مجرد النقل أو التلقين.
أثره في التعليم والدعوة
امتدّ أثر الشيخ خارج حدود مصر، فعمل في الجزائر في مرحلةٍ كانت الأمة فيها أحوج ما تكون إلى من ينهض بالتعليم بعد الاستقلال، فأسهم في بناء جيلٍ يحمل هويته.
ثم انتقل إلى المدينة المنورة، حيث عمل في الجامعة الإسلامية، وكان له دورٌ في إعداد بعض المقررات الفكرية التي تجاوز أثرها حدود المكان، إذ تُرجمت إلى لغاتٍ عدّة.
كما عمل مستشاراً تعليمياً في رابطة العالم الإسلامي، فجمع بين الخبرة الأكاديمية والرؤية العالمية، وساهم في دعم مشاريع تعليمية ودعوية في عدد من البلدان.
اهتمامه بالفكر والإعلام
أدرك الشيخ مبكّراً خطورة المعركة الإعلامية، وأنّها لا تقلّ أثراً عن المعركة العسكرية أو السياسية، فدرس الإعلام، ونال درجة الماجستير في هذا المجال من المعهد العالي للدعوة التابع لـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكانت دراسته حول الإعلام الصهيوني، وهو موضوع يكشف عن وعيٍ مبكّر بطبيعة التحديات التي تواجه الأمة.
حضوره في ميادين الأمة
لم يكن الشيخ من أولئك الذين يكتفون بالتنظير، بل كان حاضراً في ميادين الأمة، فزار أفغانستان في زمن الجهاد، وساهم في التعليم والإصلاح، وكان على صلةٍ ببعض رموز العمل الإسلامي، ومنهم عبد الله عزام.
كما زار الشيشان، ووقف مع المسلمين هناك، وشارك في دعمهم علمياً ودعوياً.
وكانت له رحلاتٌ دعوية إلى بلدانٍ متعدّدة، من قطر إلى كينيا وساحل العاج وروسيا، حيث ألّف كتاباً عن الإسلام طُبع هناك، مراعاةً لظروف النشر، وحرصاً على إيصال الحقّ بأيسر السبل.
سماته التربوية
كان ـ رحمه الله ـ صارماً في مواضع الحزم، رقيقاً في مواضع التربية، يأخذ نفسه وطلابه بالعزائم، ويرى أنّ بناء الإنسان لا يتمّ إلا بالمجاهدة والصبر.
ولم يكن اهتمامه منصبّاً على العلم وحده، بل كان يربط العلم بالعمل، ويؤكّد أنّ أعظم ما يقدّمه العالم للأمة هو أن يُخرج رجالاً يحملون همّها، ويعملون لنهضتها.
وفاته وأثره
توفي الشيخ محمد فتحي رفاعي ـ رحمه الله ـ في 9 يوليو 2012م، بعد حياةٍ حافلةٍ بالعطاء، وشيّعه أهله ومحبوّه في مصر.
وقد ترك أثراً لا يُقاس بعدد الكتب أو المناصب، بل يُقاس بالقلوب التي ربّاها، والعقول التي أنارها، والرجال الذين تخرّجوا على يديه.
كلمة خاصة
وإنّي إذ أكتب هذه الكلمات، لا أفي الرجل حقّه، ولكنّها شهادةُ محبٍّ وتلميذ، عرف من شيخه صدق التوجّه، ونبل المقصد، وعمق الفهم، فرأى أنّ أقلّ الوفاء أن يُعرّف به، وأن يُدعى له.
رحم الله الشيخ محمد فتحي رفاعي، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، ورفع درجته في عليّين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق