‏إظهار الرسائل ذات التسميات وسام العامري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وسام العامري. إظهار كافة الرسائل

السبت، 19 أغسطس 2023

هذا بيان للناس!

هذا بيان للناس!

د. سامي عامري
كاتب،باحث.
عضو منظمة العفو الدولية

تحالَفَ النصارى العرب مع الملاحدة للطعن في الإسلام، ودعموهم بالمنصّات الإعلامية والمال، واجتهدوا للترويج لشذوذات الاستشراق الشاطح، ودعموا بقوّة العالمانيين في منع الشريعة وتشويهها.. ونحن ندعوهم إلى الحق، فلن يُفلح القوم إذا كان هذا طريقهم.. ومن أوجه دعوتنا لهم إلى الحق ودفع باطلهم [والأوجه كثيرة]، بيان فساد ما هم عليهم من اعتقاد، بفيض من الأدلّة التي تبين عن وجه الحق وتنقض المعارضات.. ومن ذلك بيان أمر تحريف العهد الجديد [الإنجيل]، وما أخفاه المحرّفون من تناقضات في النصوص وأغلاط فيها واضحة، وهو من أعظم أبواب الجدل بين المسلمين والنصارى.. وقد نشرتُ في ذلك كتابًا صدر منذ شهرين بعنوان: "تحريف الإنجيل: حقيقته ومناهج دراسته ومآلاته".. وهو في أكثر من ستمتمائة صفحة.. هو كتاب يناقش المخطوطات القديمة، والنصوص بلغتها اليونانية، ويطرح أقوال النقّاد الغربيين في الموضوع، موافقة ومخالفة وتعضيدًا.. الكتاب صدر حديثًا، وانتشاره في مكتبات العالم العربي يتطلّب مدة من الزمن..
ولذلك عرض الناشر (مركز رواسخ) الكتاب إلكترونيًا على موقع google play، وبتخفيض استثنائي جدًا (70%)، حتى يُتاح لطالب الحق من النصارى، ولطالب العلم من المسلمين..

تعريف بالكتاب للأستاذ محمد شاهين


رابط الكتاب على google play :
رابط الفيديو: تعريف بالكتاب للأستاذ محمد شاهين:
رابط اقتناء النسخة الورقية من الكتاب من موقع النيل والفرات:


الأحد، 8 يناير 2023

إطلاق دعوى الإجماع

 إطلاق دعوى الإجماع

وسام العامري 


جاء عن الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رضي الله عنه في معرض رده على بشر المريسي: "من ادعى الإجماع فقد كذب ومايدريه لعل الناس اختلفوا".. وقيل إن قوله هذا جاء رداً على الأصم، وقيل ابن علية، وجميعهم من فقهاء المتكلمين. وبغض النظر عن هوية المردود عليه، إلا أن المقولة ثابتة وصحيحة عن الإمام أحمد.

وللإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه قول آخر بقليل من التفصيل:

"لم يدّعِ الإجماع، فيما سوى جمل الفرائض التي كُلِّفَتها العامة، أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا التابعين، ولا القرن الذين من بعدهم، ولا القرن الذين يلونهم، ولا عالم علمته على ظهر الأرض، ولا أحد نسبته العامة إلى علم إلا حينا من الزمان".

مثل هذه النصوص من الائمة العدول تفتح المجال واسعاً للنظر، ناهيك عن استفزاز العقل البحثي للاطلاع والتوسع في فقه المذهب ثم في الفقه المقارن، والذي كان يُسمى عند المتقدمين بـ"فقه الخلاف".. وتجعل المرء مستريحاً مطمئناً من اضطراب الأقوال وتباين الآراء بين هذا الفقيه وذاك، مع ضرورة التنبيه والتأكيد (ولا تأكيد للمؤكد) على أهمية ثني الركب والسماع من الأشياخ والتسلسل والتدرج العلمي..


أما الاجتهاد فلا يكون إلا بآلته وضوابطه ومن أهله.. فلا يُفتأت عليه ممن ليس من أهله، ولا يتجرأ عليه أحد بغير الآلة التي لا يستقيم الاجتهاد إلا بها، وهي معلومة عند أهل الاختصاص.. ولا يُفتح باب الاجتهاد مطلقاً فيكون سراحاً مراحاً لمن هب ودب، ولا يُغلق مطلقاً فتُحجر العقول وتُكبت الآراء.. ولا اجتهاد في ما حسَّنه النص وما لا يُسَوّغ فيه الاجتهاد.. وما كان قطعي الثبوت والدلالة.. ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه..


وقد تشكلت عند العبد الفقير قناعة أنه لا إجماع بما دون أصول العقائد وأصول الشرائع، أو بتعبير الإمام الشافعي "جُمل الفرائض"، وهي التي نستطيع أن نجملها في الحديث المتفق عليه "إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".. وما دون الأصول فقد وقع من الخلاف الشيء الكثير، وإطلاق دعوى الإجماع فيه متعذر جداً بل يستحيل إلى حكم العدم..


ولهذا وقع من الخلاف والاختلاف في الفروع الحد الذي تجد فيه للإمام أحمد مثلاً، كما ينقل ابن قدامة المقدسي صاحب المغني، سبعة أقوال مختلفة في مسألةٍ واحدة، فتعددت واختلفت وتباينت أقواله في أمكنة وأزمنة وظروف مختلفة، حتى قال بعضهم إن الإمام أحمد في جُل إن لم يكن كل المسائل الفقهية تعددت الروايات عنه إلا ما ندر، وأن أوسع المذاهب في الروايات هو مذهب الإمام أحمد، وهذا لمرونته وسعته وثرائه الفقهي.


وللإمام الشافعي كذلك (وهو شيخ الإمام أحمد وتلميذ الإمام مالك) تجد له في المسألة الواحدة القولين والثلاثة وأكثر، وهذا جرى على سائر الأئمة وشيوخ الإسلام، فكيف ببقية جماعات الفقهاء في مختلف الأقطار والأمصار؟


وتباين الأقوال والآراء والروايات هو لأسباب كثيرة، منها عدم بلوغ النص واختلاف الناس في فهم النص، والخلاف في ترجيح النص، أو اختلاف الاستدلال والاستنباط والترجيح والعمل به عند الفقهاء في المذاهب الأربعة، واختلاف الفهم اللغوي للنص لتعدد لغات ولهجات العرب، ولهذا قيل: "اللغة باب العلم ومفتاح الفهم"، وقيل أيضاً: "العربية باب الشريعة". وهذا كله مما لا بأس ولا حرج من الخلاف فيه ما لم ينتقل من دائرة الفروع إلى دائرة الأصول والقطعيات والكليات.. فشريعة الإسلام فيها من الثراء والتنوع ما تحتار له العقول وتعجز عنه الفهوم.


وما جرى على أهل الفقه جرى على أهل الحديث كذلك، فقد اختلفوا في تصحيح وتضعيف الأحاديث، وفي الطرق والأسانيد، وفي الجرح والتعديل وفي الرجال والرواة. فهذا الراوي ثقة ثبت عند ابن معين، وعند غيره كابن حجر أو المزّي تجده متروك الحديث. وهكذا وجرى الأمر على جميع أهل العلم في التفسير، وسائر علوم السنة والقراءات وفروع العقيدة واللغة والنحو والبلاغة، فقد اختلف الجميع وتباينوا.


علّامة اليمن الكبير الفقيه المحدِّث محمد بن إسماعيل العمراني، المولود عام 1340هـ الموافق 1922م، وهو من العلماء القلائل في العالم الإسلامي من أصحاب السند العالي، فليس بينه وبين الإمام البخاري سوى 13 راويا.. كان في ذروة وعنفوان عطائه العلمي حسب ما سمعته من بعض طلبته وتلاميذه في صنعاء؛ أنه كان يروي في المسألة الواحدة في الجلسة الواحدة عشرات الأقوال من المتقدمين والمتأخرين لجودة حفظه..


وقد صنف الإمام الشوكاني رحمه الله كتاباً سماه "إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع"، أثبت فيه الخلاف الواسع في مسألة شائكة منذ الرعيل الأول لهذه الأمة.. فليس كل دعاوى الإجماع صحيحة.. وأقوال العلماء كثيرة ولا يحصيها إلا رب العالمين، وعدم العلم بها ليس حُجة.


وفي مسائل الفقه لا يليق بالفقيه إطلاق دعوى الإجماع بما دون الأصول والقطعيات، وكأنه سيف مسلط على رقاب الناس.. بل دعواه بإطلاق الإجماع مما يقدح في علمه ونقله وأمانته العلمية، والمأمول منه حصر الحديث عن المعتمد في المذهب وترك الحديث عن الراجح والمرجوح والمردود والغريب والشاذ وخلافه.. ودون التجريح والطعن في غيره من فقهاء المسلمين، وعدم إقحام العامة في ما تجهله ومما هي في غنىً عن معرفته، وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.. فقد تحولت الكثير من صفحات طلبة العلم على فيسبوك إلى صفحات استعراضية، وبعضها حلبات مصارعة فقهية، وبعضها الآخر مناقصات للفتوى شبيهه بمناقصات الأسهم، والله المستعان.


الإجماع حُجَّة.. فهو الأصل الثالث من أصول الفقه للمذاهب الفقهية الأربعة لأهل السنة والجماعة، فلا يجوز ولا يصح بحال إطلاقه بالجملة ولا إنكاره بالجملة، أما الأصول المجمع عليها، وهو الإجماع المتفق على حجيته والذي يُقال أن الإجماع فيه حُجَّة والله أعلم، فهو "إجماع الأمة جميعها بمجموعها" سلفاً وخلفاً سابقين ولاحقين متقدمين ومتأخرين على أصول الإيمان وأصول الشرائع وجُمل الفرائض.


وإجماع الأمة معصوم فلا يطعن في عدالتها طاعن، إلا من شذ عنها وخالف سبيلها. ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، وإجماعات الأمة قليلة جداً.. في أصول العقائد والإيمان، كأركان الإيمان مثلاً فهي معروفة أنها ست، فلم نسمع من خالف ذلك وقال إنها سبع!.. وأصول الشرائع كالإجماع على صحة الصحيحين البخاري ومسلم، وعدد ركعات صلاة الفريضة والإجماع على عدالة الرعيل الأول والجيل الأقدم، والآباء المؤسسين لهذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والأئمة الأربعة.. والإجماع على المقاصد والكليات الخمس التي جاءت بها الشريعة والقطعيات من المحرمات، كتحريم الشرك والتولي يوم الزحف وشهادة الزور والظلم والقتل والربا، وما هو معلوم من الدين بالضرورة والقطع بالثبوت والدلالة.. لا بالظن والشك والوهم والرأي.


ذكر بعض الباحثين أن ابن تيمية قال بإعذار المجتهد ولو كان اجتهاده في الأصول، وعندما بحثتُ في مصدر هذا القول لم أهتد إليه، وإذا صح هذا النقل فهذه كبوة جواد ولكل جواد كبوة، فكيف يُعذَر من يجتهد في "المسلَّمات والأصول" كأصول الإيمان والعقائد وأصول الشرائع وجمل الفرائض؟


الإجماعات الكلية ظاهرة عامة لا تكاد تكون مقتصرة ومحصورة على الإسلام فحسب، بل هي ظاهرة موجودة في جميع الديانات السماوية والأرضية. فكل الديانات السماوية وجل الديانات الأرضية أجمعت على ضرورة الإيمان بالله واليوم الآخر، وأجمعت كذلك على ضرورة وأهمية تكامل منظومة الفضائل والأخلاق بغاياتها العليا ومقاصدها المثلى، سعياً للسمو النفسي والكمال الإنساني والرشد العقلي والسلام الداخلي، وتحقيق العدالة والرحمة والمحبة، وتحصيل الحكمة والمعرفة، رغم طبيعة الخلاف في ماهية الإيمان وطبيعة الشعائر التعبدية. لكن هذه الأديان على ما فيها من حث على الإيمان بالله واليوم الآخر والفضائل والأخلاق؛ جميعها نُسخت بالإسلام، كما جاء في القرآن الكريم "ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".


وإذا كان الإنسان مسلماً صحيح الإسلام فقد جمع خيري الدنيا والآخرة بإذن الله، وإذا لم يكن كذلك فأن يكون كتابياً مؤمناً بالله واليوم الآخر فخيرٌ له ولدنياه من أن يكون لا دينياً أو ملحداً متجرداً من الأخلاق منسلخاً عن الفطرة، لا يؤمن بالخالق ولا بيوم الثواب والعقاب والحساب، عابداً لشهوته وذاته. فمن لم يكن عابداً لله كان عابداً لغيره لا محالة، ولا فكاك للإنسان من العبودية "فاستقم كما أُمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله".. والبشرية جميعها أو السواد الأعظم منها أجمعت على مركزية الإيمان في حياة البشرية وضرورة التدين والتعبد، واللجوء والإقبال على الله الخالق لهذا الكون، والسعي إلى العدل والصدق والخير ومحبة الإنسان والفضيلة، وكراهية الشر والكذب والظلم والرذيلة.


جاء في اليهودية: "التوراة كلها هي ألا تفعل بغيرك ما يكون مكروهاً لك".


ورُوي عن سيدنا عيسى عليه السلام: "إفعل بالناس ما تحب أن يفعله الناس بك".


ومن الوصايا العشر في اليهودية والمسيحية على حدٍ سواء:


"لا تقتل!


لا تكذب!


لا تسرق!


لا تشهد شهادة زور!


لا تزنِ!


لا تشتهِ بيت جارِك!


أكرم أباك وأمك!".


وتقول البوذية: "توجه إلى العالم كما تتوجه الأم نحو أبنائها".


وفي الطاوية قول جاء فيه: "الرجل الصالح من يعتبر ربح الآخرين من ربحه وخسارتهم من خسارته".


وقال كونفوشيوس: "لا تفعل بالآخرين ما لا تحب أن يفعله الآخرون لك".


وفي الإسلام الدين الخاتم والناسخ لكافة الأديان، جاء في الحديث النبوي الشريف المتفق على صحته، عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه".

وفي رواية أخرى بزيادة لفظية: "لايؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير".

وفي حديث آخر في سنن الترمذي: "أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما".

twitter.com/wesamalamery

‏الإخوان.. وحكام العرب بين الأمس واليوم

‏الإخوان.. وحكام العرب بين الأمس واليوم

وسام العامري 



جُنَّ جنون أبواق الثورة المضادة، وخاصة الإعلامية منها 

على وسائل التواصل الاجتماعي، من انتصارات الثوار 

الأخيرة في ‫ليبيا على الانقلابي خليفة حفتر وإخراجه 

ومليشياته من غرب ليبيا، مما دفعها لفتح إسطوانتها الصدئة 

مجدداً لشتم الإخوان المسلمين (وتركيا وقطر أيضاً) 

بصورة هستيرية تصل حد الهذيان المجنون، وكأن معركة 

دول الثورة المضادة هي مع نقائضها (كالإخوان وقطر 

وتركيا)، وليست مع الشعوب العربية التواقة إلى الحرية 

والاستقلالية والكرامة الإنسانية. وهذا ما تصنعه للأسف 

فلسفة ومنطق الثنائية الحادة (نحن وهم)، وكأنه لا شعوب 

تنشد العدالة في المنطقة.! أما مسألة خلل الأولويات 

وانحراف البوصلة فقصة أخرى.!




ورغم كثرة الجراحات والسهام والحراب التي وجهتها 

الثورة المضادة في صدور الإخوان مؤخراً، لكن الحقد 

المجنون أعماها وطمس على بصيرتها وبصائرها، وكأن 

قادتها لم يشبعوا بعد من إرواء غرائزهم وإرضاء ساديتهم! 

مع علمهم تماماً أن حربهم المفتوحة ضد الإخوان ما هي إلا 

حرب عدمية عبثية صفرية لا قيمة لها، ودوران في حلقة 

مغلقة.


فرغم ما لاقته الجماعة من عربدة الثورة المضادة، إلا أنها 

لا يزال لها تواجد حقيقي في الشارع والمشهد العربي 

والعالمي اليوم، ولا يزال لها وإلى اليوم تمثيل رسمي في 

14 برلمانا عربيا، منها برلمانان خليجيان (الكويت 

والبحرين)، أي أن الإخوان مُمَثلون برلمانياً وتشريعياً في 

أكثر من نصف الدول العربية، ولهم تمثيل وزاري أيضاً في 

عدة حكومات عربية بالأمس واليوم، منها تونس والمغرب 

والجزائر والأردن وفلسطين والبحرين وليبيا واليمن 

والسودان والصومال، وكان منهم رئيس دولة عربية 

(مصر)، ونائب رئيس دولة (اليمن والعراق والسودان)، 

ورئيس وزراء (فلسطين والمغرب وتونس)، ونائب رئيس 

وزراء (فلسطين وتونس واليمن والسودان وسوريا) ورئيس 

برلمان (اليمن ومصر والسودان وتونس).


ورئيس جمعية الإصلاح البحرينية (إخوان البحرين) الشيخ 

عيسى بن محمد آل خليفة، من أسرة آل خليفة الحاكمة في 

البحرين، والتقى بحسن البنا في أربعينيات القرن الماضي 

في مصر، هذا ناهيك عن حضورهم التفاعلي في الجامعات 

والنقابات والجمعيات والأحزاب والأندية والحركات 

الحقوقية والمدنية والأدبية والفنية (منذ أيام مسرح الإخوان 

في مصر الذي أسسه عبد الرحمن البنا شقيق حسن البنا، 

وساهم في تخريج كوكبة من نجوم الفن والمسرح منهم 

عبدالمنعم مدبولي ومحمود المليجي وحسين صدقي) 

والطلابية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والخيرية.

والخلاصة أن "الإخوان" لا يزالون رقماً صعباً في المشهد 

العربي اليوم بعد كل ما جرى عليهم ونزل بهم، فهم يمثلون 

أكثر من ثلث الشارع العربي تقريباً، وعلى أقل تقدير، وهذا 

ما يجعل من محاولات استئصالهم مستحيلة جداً. ولهذا لا 

تزال دول الثورة المضادة تعاني من مواقف محرجة 

ومرتبكة وصعوبة بالغة جداً من موقفها المتصلب في 

توصيف الجماعة بـ"الارهابية" على المستوى القانوني 

والحقوقي والصعيد السياسي عربياً ودولياً.

ولا ننسى أو نُغفل الإشارة بأن الإخوان قد شكلوا عبر كتبهم 

وشيوخهم وأدبياتهم وشعرهم وفكرهم الإسلامي المتوازن؛ 

وجدان وشخصية المواطن العربي لعقود من الزمن، حتى 

إن بعض المصادر الصحفية ومنها نيويورك تايمز 

الأمريكية، تذكر أن محمد بن زايد كان متأثراً بالقيادي

 الإخواني المصري الدكتور عز الدين إبراهيم، أول رئيس

 لجامعة الإمارات وأحد تلاميذ العلاّمة يوسف القرضاوي،

 قبل ابتعاث محمد بن زايد الى لندن للدراسة العسكرية!


الحرب المسعورة ضد الإخوان بالأمس واليوم ليست جديدة

 عليهم، وليس أيضاً لأنهم "إخوان" أو لأنهم مجرد مجموعة

 فكرية دينية وكفى! لا.. فقد تحالفت معهم بعض دول الثورة

 المضادة وعلى رأسها السعودية والإمارات لعقود من

 الزمن، وإنما لما يشكله الإخوان من ثقل استراتيجي هائل

 في الشارع العربي اليوم، وبوصفهم أيضاً كبرى حركات

 الإسلام السياسي السني وأم الحركات الإسلامية، وحاضنة

 الربيع العربي الذي انطلق من تونس، ومصر ورافعته

 الطبيعية، وقدرتهم المرنة على تشكيل الوعي العربي

 والإسلامي بشقيه الجمعي والفردي، والصخرة الكبرى التي

 تفتت أمامها جميع مشاريع التطبيع مع الكيان الصهيوني

 ومشاريع التدجين أمام الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله. فلهذا

 اعتبرهم قادة الثورة المضادة (وبتوجيه من مشغليهم)

 الخطر الأكبر عليهم، ولهذا فضل قادة الثورة المضادة

 مواجهة الإخوان ومحاولة استئصالهم، عوضاً عن

 مفاوضتهم واحتوائهم والتحالف معهم!

ومن المهم التنبيه هنا إلى تحفظ بعض الأفراد والنخب

 العربية والإسلامية على جماعة الإخوان، بسبب بعض

 أخطائهم في السلوك والفكر والمنهج والممارسة والوسائل،

 وإن كانت بعضها "تحفظات وانتقادات مبررة"، لكن هذه

 التحفظات في بعضها قد تكون تحاملية مجحفة وغير منطقية

 بالمطلق، وقد تنطلق من أحقاد وعُقَد شخصية أو خلافات

 جانبية، وقد تأتي من باب سلخ المسلوخ وعملاً بالمثل

 العامي الدارج "ادهنوا المدهون والاغبر انثروه برماد"!

ومع الحديث عن أخطاء الإخوان عموماً، سواء صغرت أم 

كبرت، دقت أو جلت، فإن فواجب الوقت الآن هو في 

مواجهة الثورة المضادة والاستبداد والطغيان. 

والشيخ محمد الغزالي رحمه الله عندما طُلب منه نقد الإخوان

 في زمن عبد الناصر وذكّره السائل بأنهم قد فصلوه، كان

 رده: "ليس من أخلاقي أن أُجهز على جريح".


اعلم بأنك إن طلبتَ


مهذباً رُمتَ الشططْ


من ذا ما أساء قطْ


ومن له الحسنى فقطْ

إذا كانت دول الثورة المضادة تراهن على حجم الخسائر

 التي تنزل على ‫الإخوان المسلمين طيلة هذه السنين للفت من

 عزيمتهم والنيل من إرادتهم وإفنائهم من الوجود، فهم

 يراهنون على بغل أعرج وليس على حصان خاسر، فأحكام

 الإيجاد والإفناء والعدم من الوجود بيد الله وحده، والإخوان

 ما هم إلا خلقٌ من عباد الله وأمرهم بيد خالقهم، وليس لأحد

 من خلق الله من أمرهم شيء. فالإخوان قد ألفوا وتطبعوا

 على مواجهة الابتلاءات، ولهم خبرة طويلة في تعويض

 الخسائر والنهوض مجدداً من أيام ضربة 1954م في ‫مصر

 على يدي جمال عبد الناصر.

وكان الأخير قد وقف منتشياً في العاصمة السوفييتية موسكو

 في بداية ستينيات القرن الماضي، ليعلن للعالم أجمع القضاء

 على جماعة الإخوان المسلمين نهائياً، ليس في مصر

 فحسب، بل في الوطن العربي كله. وفي الوقت الذي اجتاح

 المد الفكري الناصري البلاد العربية من المحيط إلى

 الخليج، بسبب تأثر العرب بالصوت الإعلامي الواحد

 المتمثل في إذاعة صوت العرب وصوت المذيع أحمد سعيد،

 عاد جمال عبد الناصر مجدداً ليخطب من ذات المكان في

 موسكو في منتصف ستينيات القرن الماضي، ليقول إنه

 اكتشف خلية سريه للإخوان المسلمين بقيادة سيد قطب

 وسيقضي عليهم مجدداً، لكنه قضى قبل القضاء على

 الإخوان.

فلهذا مهما حاول حكام العرب القضاء على الإخوان وأنفقوا

 كل أموالهم في حروب عبثية عدمية في محاولة النيل منهم،

 ستبوء حملتهم بالفشل، ولهم في هزائم جمال عبد الناصر

 عظة وعبرة.

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هنا: متى يتبصر القوم

 سبي الرشد؟!

twitter.com/wesamalamery


الثلاثاء، 3 يناير 2023

لا تُهنِّيني بعامٍ

لا تُهنِّيني بعامٍ


وسام العامري

كاتب،باحث.عضو منظمة العفو الدولية

 

لا تُهنِّيني بعامٍ ليس عامي

لستُ قِسِّيساً ولا جدّي ابْنُ حامِ 

أنا يا هذا حنيفٌ مسلمٌ

رأسُ عامي غُرّة الشهرِ الحرامِ.


وسام العامري

twitter.com/wesamalamery

"لا تغفل عني فإني مكروب".. عن الإيمان والحالة النفسية

نشر 03‏/01‏/2020


الجمعة، 3 يناير 2020

"لا تغفل عني فإني مكروب".. عن الإيمان والحالة النفسية

"لا تغفل عني فإني مكروب".. عن الإيمان والحالة النفسية

وسام العامري
كاتب،باحث.عضو منظمة العفو الدولية


قال المحدِّث يونس بن عبد الأعلى:

"ما رأيتُ أحداً لقيَ من السقم ما لقي الشافعي؛ فدخلت عليه، فقال لي: أبا موسى، اقرأ علي ما بعد العشرين والمائة من "آل عمران"، وأخف القراءة، ولا تثقل. فقرأت عليه، فلما أردت القيام قال: "لا تغفل عني؛ فإني مكروب"!.

الذي أثار تعجبي وإعجابي هو كيف لرجل بمكانة الشافعي -رضي الله عنه؛ وهو "الإمام الفقيه" وقد جَسُر بكل شجاعة وتجرد أن يعترف بضعفه ويبوح بكربته لصاحبه يونس!، وكيف أن الأخير أيضاً لم يرد عليه على طريقة بعضهم اليوم: "فين إيمانك يا رجل، اتقِ الله؟!".

مع التأكيد على فضل الشافعي وأسبقيته ومكانته في الدين والعلم والفقه والهدى والتقى والزهد والورع!، فهو الإمام العدل الثبت الثقة، وأحد الأربعة الذين أجمعت الأمة على إتباع مذهبهم في الفقه بعد أن وضع الله لهم القبول في الأرض وتقبلهم المسلمون بالقبول الحسن.

فهل كان الإمام الشافعي بدعاً من الناس أو مخالفاً لنهج الانبياء والرسل؟!

وهل كان الإمام الشافعي عندما قال لصاحبه "لا تغفل عني فإني مكروب"؛ ضعيف الإيمان واليقين والصلة بالله أو لا يصلي؟!، (بحسب منطوق بعضنا اليوم بلسان الحال والمقال) لتُعرَض عليه عوارض الضيق النفسي والكرب والهم والحزن!، أو فلنقل بلغة عصرنا "الاكتئاب" الذي وصفه د. عادل صادق؛ أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس والأمين العام السابق لاتحاد الأطباء النفسيين العرب بقوله: "إنه مرض الأذكياء والمثقفين.. وكذلك فهو مرض هؤلاء الذين لم يعرف الشر طريقه إلى قلوبهم".

هذه الحادثة البسيطة والمقولة الملهمة للإمام الشافعي تؤكد أن العِلل والأمراض النفسية ليست "بالضرورة" متّصلة دائماً بمدى قوة أو ضعف الإيمان واليقين والعلاقة مع الله؛ فهذا سيدنا موسى -عليه السلام- قال: "ويضيق صدري"، ونبي الله يعقوب -عليه السلام- بكى حتى ابيضّت "عيناه من الحزن"،
‏ووجه الله الخطاب في القرآن لسيدنا محمد بقوله: "فلعلك "باخع نفسك" على آثارهم"؛
‏باخع أي: مُهْلِك نفسك من الهم والغم والحزن.


‏والقرآنُ وصف الإنسانَ بأنه خُلقَ "ضعيفا"، فليس من الحكمة والعقل ولا من الفقه وحسن الفهم رمي المسلم في دينه وعقيدته وإيمانه ويقينه واتهامه بالتقصير في صلاته وعبادته وعلاقته بربه إذا مر ببعض التقلبات والاضطرابات النفسية كالاكتئاب وخلافه، أو مطالبته بمثالية مفرطة بأن يكون حديداً صلباً متجلداً، أو ملائكياً متنكراً لأصل خِلقته البشرية التي رُكبت من ضعف، أو إهماله والإعراض عنه وإظهار عدم المبالاة به، أو الازدراء أحياناً والاستخفاف والاستهتار بصورة معيبة ومخزية ومخالفة لأبسط قواعد الأخلاق والمروءة والأدب.


ولا يصحّ ولا يليق البتة أن يتم تفسير حالات الضعف البشري بالنقص والخلل في الدين، فهذا القرآن يقول لسيدنا لوط -عليه السلام- "لا تخف ولا تحزن إنا منجوك"، ويتحدث عن نبي الله يونس -عليه السلام- بأنه "ذَهَب مغاضباً".. 
وفي موضع آخر واصفاً موقف الصحابة في يوم الأحزاب بقوله: "وتظنون بالله الظنونا"، وقال القرآن على لسان الصِّديقة مريم البتول: "يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا"، وتأمل الخطاب القرآني لسيدنا محمد : "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون".


ولهذا قال سيدي : (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل). وفي رواية بزيادة (يُبتلى المرء على قدر دينه فإذا كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإذا كان في دينه رقة خُفف عنه)، وفي الصحيحين (ما يصيب المؤمن من نَصَب، ولا وَصَب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم...) وهنا لم ينفِ الإيمان عن من تمر به حالات الضعف النفسي المتعددة، بل كان نفسه يستعيذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل كل صباح ومساء.


ولو افترضنا أن الهم والحزن وضيق الصدر والخوف والجزع والقلق والإحباط واليأس قد تمكن من صاحبه وبلغ به حد اشتهاء الموت بل وعزمه وإقدامه على قتل نفسه!، فلا يصح أن يُرمى بالكفر أو يُتهم في دينه وإيمانه وصلته بربه، فليس كل منتحر فاقد للإيمان، فقد يكون الإنسان مؤمناً صالحاً مصلياً متصدقاً ذاكراً لله، لكنه يمر بأزمة نفسية خانقة، أفقدته عقله وتفكيره وصوابه.


وقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله: "لا تستفتِ من ليس في بيته دقيق فإنه لاعقل له".
واشتهى أبي محمد المهلبي الموت، وكان من أهل الذوق والأدب، فارتجل أبياتاً طريفة وجميلة قال فيها:
ألا موتٌ يُباعُ فأشتريهِ
فهذا العيش ما لا خير فيهِ..
ألا موتٌ لذيذ الطعم يأتي
يخلّصني من العيش الكريهِ..
إذا أبصرت قبرا من بعيد
وددت لو انني مما يليهِ..
ألا رحم المهيمنُ نفس حرٍ
تصدق بالوفاةِ على أخيهِ..


بل قد انتحر أحد أصحاب سيدنا رسول الله، وغفر الله له، فهل يصحّ أن نقول انه انتحر لأنه لم يكن مؤمناً؟ لا، بل كان صحابياً مهاجرا، ولكنه لم يحتمل حر المدينة المنورة وقرها فمرض بسبب تغير الجو مرضاً شديداً جزعت لها نفسه فانتحر، والحديث في صحيح مسلم، فقد ورد فيه أن "الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ، فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ (قال: حصن كان لدوس في الجاهلية) فأبى ذلك النبي ، للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ، فقال: ما لي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت.
فقصها الطفيل على رسول الله ، فقال رسول الله : "اللهم وليديه فاغفر".
قال النووي في شرح صحيح مسلم: "في هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة: أن من قتل نفسه، أو ارتكب معصية غيرها، ومات من غير توبة، فليس بكافر، ولا يُقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة".

وهذا النص يؤكد لنا مجدداً بطلان كل التفسيرات التي تصرف وجود المشكلات والعلل النفسية إلى قلة الإيمان وضعف اليقين والصلة بالله، نعم الإيمان ركن أصيل وحصن حصين وجزء مهم جداً في حياة الإنسان وعلاجه، لكن لا بد معه أيضاً من التضامن والتكاتف والتعاون على البر والتقوى وحسن الظن وحسن المعاملة، ثم المداواة والأخذ بالأسباب المادية لدفع الأذى، فالنبي ? قال: (تداووا عباد الله، فإن الله ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله".
ثم الحرص والعناية بجانب شديد الأهمية والمتمثل في جبر الخواطر ومواساة المكروب والمحزون والمهموم والمحبط واليائس ومن تقطعت به السبل والحيل، وإعانته ونصرته على شدائد الحياة الدنيا وشياطين الإنس والجن والوقوف إلى جانبه ودفع الضرر عنه بكل وسيلة مستطاعة، وإحياء وبث روح الأمل والحياة في قلبه المكسور، "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"، "وقفوهم إنهم مسؤولون مالكم لا تناصرون".
وفي الصحيحين قال سيدنا : "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة".
وقال سفيان الثوري: "ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم"، ولهذا قال بعض الصالحين: "من سار بين الناس جابراً للخواطر أدركته عناية الله في جوف المخاطر".
وما يُدري المرء لعل الذي يُنجيه تلك الخواطر التي جبرها وتلك القلوب التي واساها وتلك الشخوص التي نصرها، لعله يُنصَر ويُعَزّ في موضع يقف فيه ذليلاً راجياً آملاً استنزال عزة الله ونصره فتتنزل عليه بجبره ونصرته لإخوانه ودفع الحزن والكرب والذل عنهم.

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده قال : "من أُذل عنده مؤمن فلم ينصره، وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة".

وجاء لفظ "أُذِلَّ" في الحديث بصيغة المبني للمجهول فلم يشترط أن يكون معروفاً معلوماً، ثم جاءت كلمة "عنده" والعندية هنا ليست مقتصرة على العندية المكانية فهي شامله سواءً كانت بحضرته، أو بعلمه وإن لم تكن بحضرته كما قال الحافظ المناوي.

تبقى قضية مهمة يغفل عنها كثيرون، وهي أن الأمراض النفسية لها بُعد وراثي وجيني، وليست دائما نتاج عوامل خارجية، وهذه قد تخرج الإنسان عن طاقته وتدفعه إلى الانتحار في بعض الأحيان، فضلا عن العزلة والسلبية، وهناك تخصص مهم في الطيب يعالج هذا اللون من الأمراض، وهو يحقق تقدما ملموساً، وإن لم يعالج كل الأمراض على نحو حاسم بعد.

وأختم هنا بأبيات جميلة للشاعر عبدالله السعيدي:

رِقُّوا لِمنْ حولَكم عطْفاً وإحْساسا


ولا تزيدوهمُ لَوماً ولا ياسا..
كونوا لهم سنَداً واقْضوا حوائجَهم
أو فالْزموا الصّمت -كالباقين- إفْلاسا..
ووفِّروا الخُطَبَ العصْما لأنفسكم
لا يرحمُ الله من لا يرحمُ الناسا


شرح حديث: اللهم وليديه فاغفر اضغط هنــــا