الأربعاء، 2 فبراير 2022

عسكر مصر والسودان الخبثاء الأغبياء

عسكر مصر والسودان الخبثاء الأغبياء

بقلم الخبير السياسى والإقتصادى

د.صلاح الدوبى 

يشير تعيين حكومة تصريف أعمال في السودان مؤخرًا إلى أن الفريق “عبدالفتاح البرهان” – الحاكم العسكري الفعلي للسودان منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 – وحلفاءه ما زالوا واثقين من أنهم سيتمكنون من التحكم في عملية الانتقال الظاهرية إلى الحكم المدني عن طريق شراء الوقت لأنفسهم.

وجاء هذا التعيين بعد اجتماع “البرهان” أواخر الأسبوع الماضي مع مساعدة وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية “مولي في” ومبعوث الولايات المتحدة الخاص لمنطقة القرن الأفريقي “ديفيد ساترفيلد”، حيث أكد “البرهان” خلال الاجتماع على أنه منفتح على حوار شامل مع المعارضة السودانية وحكومة بقيادة مدنية لاستكمال المرحلة الانتقالية.

ويعود هذا الانفتاح إلى عدة عوامل. فأولاً يبدو أن “البرهان” يعتقد أنه سينجح في استمالة العديد من الأطراف المعارضة إلى جانبه بمساعدة “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الفترة الانتقالية في السودان”.

وثانيًا، أدت استقالة رئيس الوزراء “عبدالله حمدوك” (الذي وضع في البداية تحت الإقامة الجبرية من قبل الانقلابيين، ثم وافق على مخطط تقاسم السلطة مع البرهان ليستقيل مرة أخرى في 2 يناير/كانون الثاني في خضم احتجاجات حاشدة) إلى فقدان الشرعية الدولية، وهو ما اضطر “البرهان” وائتلافه الآن إلى محاولة استعادتها.

وثالثًا، يبدو “البرهان” واثقًا أن تعيين مسؤولين سابقين بارزين في “حزب المؤتمر الوطني”، والذين دعموا الديكتاتور المخلوع “عمر البشير”، بالإضافة إلى تعيين المعارضين أو الطموحين من مختلف قطاعات المعارضة حتى من “قوى الحرية والتغيير” المناهضة للجيش، سيكون كافيًا للاستجابة للتحذيرات الأمريكية والغربية من التعيين الأحادي الجانب للحكومة المدنية.

ويحمل هذا التكتيك أوجه تشابه مع استراتيجية “فرق تسُد” التي اتبعها نظام “البشير” من خلال الدخول في محادثات سلام مع عناصر مختلفة من المعارضة. وقد استخدم نظام “البشير” تلك الحوارات لاكتساب الشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه إضعاف حركات المعارضة المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

السيسى والبرهان ورؤيا فى المنام بحكم مصر والأن فى السودان نفس الرؤيا

عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في لقاء تلفزيوني عن رؤيا منامية لوالده بشره فيها بأن يحكم السودان، وتبرع البرهان بتذكير من كان يحاوره بأن التوقيع على الوثائق التي نصت على تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين بعد الإطاحة بالرئيس السوداني السابق عمر البشير، والتي جعلت منه رئيسا لمجلس السيادة، كان ذلك في الـ 11 من تموز (يوليو) (2019) أي متوافقا مع يوم مولده، وشخص يختزن تلك الواقعة ويرددها أمام الملأ، لا شك في أنه يريد أن يقنع الناس بأن صعوده إلى سدة الرئاسة في بلاده أمر تباركه السماء، وتأسيسا على ذلك فإن من يعارض صعوده ذلك يستحق عقاب الدنيا والآخرة.

والبرهان كما معظم العسكريين الذي استولوا على الحكم في بلدانهم صنيع الصدفة، فقد عمل 30 سنة بجانب عمر البشير ، وكان أقصى أمانيه أن يحظى بـ “صورة” مع قائده ورئيس البلاد السابق عمر البشير، فإذا بثورة تتفجر مطالبة برحيل البشير.

ولأن معظم العسكريين الذين يصلون إلى كراسي الحكم على متون الدبابات يدركون أنهم بلا “مشروع” أو سند شعبي، فإنهم وبموازاة استخدام أسلحة القهر والقمع يحيطون أنفسهم بالمحاسيب ويجعلون الفساد مؤسسيا ليتسنى لهم شراء الذمم والولاءات، وفيما يتعلق بالبرهان فقد وجد نفسه على رأس السلطة في بلد خزائنه فارغة، وليس فيها ما يعينه على شراء الذمم، فكان أن وجد في محمد حمدان دقلو (حميدتي) ما يسد تلك الفجوة، فللأخير إلى جانب الآلة العسكرية الغاشمة (قوات الدعم السريع) التي تدين له بالولاء الشخصي، موارد مالية ضخمة كونها من دخول سوق الذهب إنتاجا وسلكا وتصديرا ثم صارت له شبكة من الشركات تعمل في مجالات التصدي والاستيراد تدار من خارج الحدود، وهكذا ـ ونظير أن يصبح الرجل الثاني في هرم السلطة في البلاد تولى حميدتي توزيع العطايا بالتريليونات، على العاملين في مختلف أجهزة الدولة، ولما أدرك أن مردود ذلك هزيل، شرع في إحياء وإذكاء النزعات القبلية وغمر العمد (جمع عُمدة) ومشايخ القبائل بالهدايا العينية والنقدية، بل تمت فبركة قبائل وزعامات قبلية جديدة لتصبح حواضن شعبية له وللبرهان.

مريم صادق المهدي تتهم البرهان بالانصياع للإسرائيلين

اتهمت وزيرة الخارجية السودانية السابقة والقيادية في حزب الأمة القومي “مريم الصادق المهدي”، سلطات الجيش بالانصياع لإسرائيل، والاستماع لنصائحهم وتوجيهاتهم في التعامل مع السودانيين.

وفي تصريحاتها لفضائية “الجزيرة مباشر”، الأحد، استنكرت “مريم” أن “يقوم قادة المجلس العسكري بالاستنجاد بالأجانب، وخاصة الإسرائيليين، ويعملون بنصائحهم وتوجيهاتهم في التعامل مع السودانيين”.

وأضافت: “إسرائيل تدير جزءًا من المشهد السوداني، وهذا ما سمعناه ووقفنا عليه، حيث تبين لنا أن هناك وفوداً جاءت وأخرى خرجت والحكومة استجابت واستفادت من نصائح إسرائيل في طريقة التعامل مع الوضع العام في البلاد”.

وهذه ليست المرة الأولى، التي تكشف فيها الوزيرة السودانية السابقة عن وجود علاقة مباشرة بين قيادة مجلس السيادة السوداني  وإسرائيل.

ودللت على ذلك، في تصريحات سابقة، بوجود أحد المطبعين وهو “أبوالقاسم برطم”، المعروف بعلاقاته معه إسرائيل، في مجلس السيادة الجديد.

كما سبق أن كشفت أن “البرهان” حاول التودد لإسرائيل “أثناء الانقلاب العسكري” الذي أطاح خلاله بالشركاء المدنيين في السلطة، مشيرة إلى أن هناك سياسيين أبعدهم عن الحكومة كانوا مناهضين لتل أبيب.

https://www.youtube.com/watch?v=avq70JcLURc

خطة السيسى لتقسيم قوى المعارضة يستغلها البرهان

وفي حين أن هذه التكتيكات ربما ترضي المانحين الغربيين، فإن إدراج بقايا النظام السابق أو حتى عناصر من “قوى الحرية والتغيير” لن يُرضي بالتأكيد الغالبية العظمى من المتظاهرين الذين يواصلون النزول إلى الشوارع بالرغم من القمع الوحشي اللذي يمارسه الجيش والشرطة في ظل حالة الطوارئ منذ الانقلاب.

وعلى وجه الخصوص، فإن “لجان المقاومة” (التي يبدو أنها تتمتع بأكبر قدر من الدعم الشعبي في جميع أنحاء البلاد) سترى أي محاولة لإشراك “قوى الحرية والتغيير” على أنها محاولة لتوطيد سيادة الجيش، وليس التخلي عنها.

وهكذا رحب “البرهان” وحلفاؤه بمبادرة “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الفترة الانتقالية في السودان”، لأنهم يرون فيها فرصة لإضعاف “قوى الحرية والتغيير” على طاولة المفاوضات ودق إسفين بينها وبين “لجان المقاومة”.

ويأتي هذا في وقت تنقسم فيه “قوى الحرية والتغيير” بالفعل بين تلك الأحزاب التي شاركت في حكومة “حمدوك”، وتطالب بحكم مدني كامل، وأولئك الذين يأملون في تأمين دور لأنفسهم في العملية الانتقالية مع “البرهان” نتيجة ضعف قاعدتهم الشعبية، ما يجعلهم في وضع غير مواتٍ في الانتخابات المقرر إجراؤها في عام 2023.

وجعلت هذه الانقسامات من الصعب على “قوى الحرية والتغيير” كسب دعم “لجان المقاومة”، أو كسب تفويض بإعادة ترتيب الحوارات والضغط على “البرهان” وحلفائه لتسليم السلطة إلى المدنيين.

وبالتالي، فإن الانقسام بين المدنيين يلعب أيضًا في مصلحة الجيش حيث يظهر للولايات المتحدة والمجتمع الدولي أن “قوى الحرية والتغيير” لا تمثل مكونات الشعب السوداني.

وبينما تواصل واشنطن وعواصم غربية أخرى الدعوة إلى حكومة بقيادة مدنية قبل الانتخابات، فقد تتسبب الانقسامات داخل “قوى الحرية والتغيير” في تشجيع صانعي السياسة الغربيين على اعتبار الشراكة المدنية العسكرية الأخيرة المسار الأكثر واقعية.

البرهان وأمنيته فى حكم السودان

البرهان : لماذا عمر البشير يحكم بأكثر من 30 سنة وأنا ترفضونى

وبالرغم من تأييد الدول الغربية لاتفاقية عام 2019 بشأن تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين واتفاقية جوبا للسلام لعام 2020 بين الحكومة وجماعات المعارضة المسلحة باعتبارها أساسا للفترة المتبقية من المرحلة الانتقالية، فإن “لجان المقاومة” والمتظاهرين أدانوا الوثيقتين نظرًا لاعترافهما بالدور القوي الذي يجب أن يلعبه “البرهان” والجيش.

وتمكن “البرهان” حتى الآن من استغلال غموض الوثيقتين لتقويض كل من الحكومة المدنية والإصلاح الديمقراطي.

ومع ثقة “البرهان” في دعم الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، فقد كان يستعد لانتخابات ما بعد الفترة الانتقالية من خلال تعزيز الجهود التي يبذلها قادة مجموعة “الميثاق الوطني – قوى الحرية والتغيير” المنشقة عن “قوى الحرية والتغيير” لإنشاء كتلة انتخابية لدعم ترشح “البرهان” للرئاسة في الانتخابات المقبلة.

وتضم ​​الكتلة أحزابًا شاركت في حكومة “البشير” السابقة، وقد يعزز هذا ترشح “البرهان” للرئاسة، لأنه قد يجذب أنصار نظام “البشير” وهم كتلة انتخابية كبيرة يمكن أن تضمن فوزه الانتخابي.

ويشعر كل من “البرهان” والفريق “محمد حمدان دقلو” المعروف بـ”حميدتي” بالقلق بشأن احتمال إجراء محاكمات مستقبلية على دورهما في الإبادة الجماعية في دارفور ومذبحة القيادة العامة في الخرطوم في 3 يونيو/حزيران 2019.

وبالتالي فإن رغبة “البرهان” في الحصانة تدفعه لبذل كل ما في وسعه لتأمين فوزه بالرئاسة إذا تم المضي قدما في الانتخابات العام المقبل، ويبقى أن نرى ما إذا كان سينجح.






قيمة الصبر في قصة نوح عليه السلام.. دروس وعبر

 قيمة الصبر في قصة نوح عليه السلام.. دروس وعبر

القرية الأذربيجانية التي يُقال إن سفينة سيدنا نوح رست بها

د. علي الصلابي

قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الأحقاف: 35).

ويتفاوت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويتفاضلون في الصبر، فصبر أولي العزم من الرسل هو أعظم الصبر؛ لأنهم واجهوا من الأذى والصد ما لم يواجهه نبي قط، وقد جاء التنويه بذكر صبرهم في قوله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، فنوح عليه السلام من أولي العزم، صبر في دعوته لقومه صبرا عظيما. (الجليل، 1998، ج3، ص 107).

صبر نوح -عليه السلام- على قومه، فقد أنذرهم لأجل أن يتعظوا ويخشوا الله فيما يفعلونه فلم يستجيبوا، ومع ذلك صبر على أنهم لم يستجيبوا لدعوته التي دعاهم إليها، وهي أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، ولقد استمر فيهم داعيا ومبينا لهم خطورة كفرهم وشركهم بالله، ومع ذلك لم يستجيبوا أيضا، وأعاد الكرة عليهم مرات عديدة؛ لأجل أن يتقوا الله ويؤمنوا به فلم يستجيبوا، وأنبأهم ليلا ونهارا بمغفرة الله لمن يؤمن منهم ويتوب ويتقي، فازدادوا ضلالا وإصرارا واستكبارا، ومع ذلك صبر ولم يستسلم لرفضهم واستكبارهم فازدادوا إصرارا، وهكذا كلما ازدادوا إصرارا ازداد نوح صبرا. (عقيل، 2011، ص 89).

عاش نوح -عليه السلام- عمرا مديدا ودهرا طويلا، حيث بلغ ألف سنة إلا 50 عاما، لبثها في دعوة قومه إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له والحث على تقواه وطاعته، لا يكل ولا يمل، ليلا ونهارا، سرا وإعلانا وجهارا، وهذا من شدة حرصه على قومه، والتزامه أوامر في تبليغ دعوته.

إنَّ دعوة نوح عليه السلام والرسالة التي كلفه الله تعالى بتبليغها إلى قومه كانت تؤسس منهجا عاما للأنبياء والرسالات بعد نوح عليه السلام؛ وذلك بسبب:

  • أنها أول دعوة تحمل شريعة بعد آدم عليه السلام.
  • طول المدة التي استغرقتها.
  • الإيمان هو الأصل.
  • الشرك والكفر هما طارئان.
  • إظهار أسلوب الدعوة.
  • توضيح طريق الدعوة.
  • الدعوة من حيث الزمن {ألف سنة إلا خمسين عاما}.
  • الدعوة من حيث الوقت {ليلا ونهارا}.

أسست نبوة نوح -عليه السلام- ودعوة قومه -هذه المدة الطويلة- للأنبياء النهجَ والفكر والأسلوب والمطاولة والجدل والحوار والصراع والابتلاء والعبر، وما من نبي جاء بعد نوح إلا وكان له في نوح أسوة حسنة. (عقيل، 2011، ص 246). وكذلك لمن حوله من أتباعه الذين آمنوا به، فهل هناك أعظم من صبر نوح عليه السلام الذي بقي يدعو قومه قرابة 10 قرون من الزمن، ثم بعد ذلك لم يؤمن معه إلا قليل؟!

ولذا أخبر الله تعالى أن نوحا بقي في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا 50 عاما، 9 قرون ونصف قرن، ومع هذه المدة الطويلة قال تعالى: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ (هود: 40)، فهذه دلالة على عظيم صبر نوح عليه السلام، ذلك الزمن الطويل وهذه الفترة المديدة في دعوة قومه إلى الله.

وكيف لا يكون نوح من الصابرين وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153)، فكان الله معه في كل لحظة من حياته ومن خلال دعوته، فقد قال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾ (هود:37)، وعندما صنع الفلك برعاية الله تعالى وعنايته ووحيه، كان نوح عليه السلام صابرا على كل ما يلاقيه من أذى قومه، محتسبا ذلك عند الله عز وجل. (عقيل، 2011، ص 248).

إنَّ نوحا عليه السلام تميَّز في حياته بصفة الصبر، والتي كانت من أسباب الثبات والنصر على الأعداء وهو محل قدوة وأسوة، إذ صبر على تكذيب قومه وما لقيه من الإيذاء والسخرية إلى أن جاء نصر الله المبين ونصره على القوم الكافرين، وهذا يدلُّنا على حسن عاقبة الصبر، فمن كان أصبر كان أجدر بالنصر.

لقد كان نوح عليه السلام مدرسة فريدة من نوعها في الصبر والتحمل، وقد غرس هذا الخلق في أتباعه، فكان المجتمع الجديد بعد الطوفان في أشد الحاجة إلى التخلق بهذه الصفة في أفراده وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية والحضارية، وللصابرين درجات وفضائل تترى بيّنها الله عز وجل في كتابه، فقد ترتبت على الصبر خيرات الدنيا والآخرة:

  • اختصهم الله بمعيته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:153).

 

  • وفي سياق الفئة الثابتة مع طالوت يأتي الثناء عليهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين﴾ (البقرة: 249)، وهي معية خاصة تتضمن الحفاظ والرعاية والتأييد.

 

  • محبة الله تعالى لهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146).

 

  • إطلاق البشرى لهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ منَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ منَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة:155- 157)، وكان عمر بن الخطاب يقرؤها ويقول نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين، ويعني بالعدلين الصلاة والرحمة، وبالعلاوة الهدى.

 

  • إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم وتوفيقهم أجورهم بغير حساب ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب﴾ (الزمر:10). قال الإمام الغزالي -رحمه الله- فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر وأنه نصف الصبر، قال الله في الحديث القدسي "الصوم لي وأنا أجزي به"، فأضافه إلى نفسه من بين سائر العبادات. (الغزالي، 2016، ج4، ص 310). وقال العلامة ابن القيم "الصبر نصف الإيمان، فإن الإيمان نصف صبر ونصف شكر". (ابن القيم، 1991، ج2، ص 115).

 

  • الحصول على درجة الإمامة في الدين، نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية قوله "بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين"، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24). وقرأ سفيان بن عيينة الآية فقال "أخذوا برأس الأمر -يعني الصبر- فجعلهم رؤساء". (الرقب، 2010، ص 159).

إن خُلق الصبر وقيمته أصيلة في نشأة الحضارات الإنسانية، ولا يمكن أن ترتقي على المستوى المادي والمعنوي إلا بخلق الصبر على مستوى القيادة والأفراد والمجتمع، فمن ملامح ومعالم الحضارة الإنسانية الثانية خلق الصبر الذي تميز به نوح عليه السلام وربى عليه أتباعه.

 

مراجع البحث

  • علي محمد الصلابي، نوح عليه السلام والطوفان العظيم (ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية)، دار ابن كثير، بيروت، 1441هـ – 2020م، ص 396-400.
  • أبو حامد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1437هـ – 2016م.
  • ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق محمد حامد الفضي، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1412هـ – 1991م.
  • عبد العزيز ناصر الجليل، وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم، دار طيبة، السعودية، الرياض، الطبعة الثانية، 1419هـ – 1998م.
  • عقيل حسين عقيل، نوح عليه السلام من وحي القرآن، دار ابن كثير، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، 1432هـ – 2011م.
  • أحمد سليمان الرقب، منهج الدعوة إلى الله في سورة نوح، دار المأمون، الأردن، طبعة 1431هـ- 2010م.

فرصة ذهبية .. هل نغتنمها..؟

  فرصة ذهبية .. هل نغتنمها..؟

أعيد نشرها.. لتجدد ظرفها..

تعظيم شعائر الله بإقامة شرائعه يحتاج منا إلى برهان؛ يُدلل على ما وَقَرَ في القلوب من الإيمان، فقد قال الله تعالى: { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب } [الحج :32]..ومن شعائر الله الواجب احترامها والوقوف عندها؛ تعظيم الأشهر الحُرُم.. وأولها شهر رجب المحرم.
★.. ومن التعظيم الواجب لها؛ الابتعاد عن المظالم كلها، سواءً ما كان منها يتعلق بحدود الله التي من تعداها فقد ظلم نفسه، أو ما يتعلق بحقوق العباد التي من يتخطاها فإنه يجلب على نفسه الخطايا ويستنزل البلايا ، فالإنسان الذي يُبتلى بنوع من الظلم فيرد بأنواع أشنع من الظلم؛ يُنشئ حالة من تبادل المظالم تنتهك بها المحارم، ولهذا قال الله تعالى « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرمًا، فلا تَظَالموا» [ رواه مسلم/ 2577] .
★.. ومن أعظم المظالم ما يقع بين كثير من المسلمين من إطلاق الألسن في الأعراض والنوايا، بعد التنقيب عن الأسرار والسرائر والطوايا، بدعوى رد الاعتبار، أو النصيحة، أو قول الحق ولو كان مُرًا.. !.. وأَمَرُّ وأقبح من فعلهم هذا ؛ ان يتورع بعضهم أو يتبرع بكف لسانه عن أكابر المجرمين ؛ في حين يطلقه في أعراض وسِيَر من يخالفونه من إخوانه المسلمين.. فيستحل أذاهم ويستبيح حرمتهم التي هي أعظم من الكعبة حرمة، وانتهاكها أشد جُرمًا ..
★.. عاقبة إطلاق اللسان في المسلمين من أكبر موارد البوار الموصل للنار؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ - رضي الله عنه - وهو مَنْ هو؛ ورعًا وحرصًا وتُقىً : «كُفَّ عليك هذا؛ وأشار إلى لسانه». قال: يا نبيَّ الله ! وإِنَّا لَمُؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ( ثكِلتك أمُّك.. وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم » [أخرجه الترمذي /2616] [وصححه الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب / 2866)] .
★..دعانا الله تعالى في الأشهر الحُرُم أن نكُفَّ عن ظلم أنفسنا، ونصون قلوبنا وألسنتنا وأيدينا عن الخوض في أذى بعضنا، إذ المؤمنون كنفسٍ واحدة، قال سبحانه : { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } [التوبة/36] فالأشهر الحُرُم التي نعيش أوْلها ؛ أوجب الله تعظيمها وحفظ حُرمتها، بحفظ حدوده وحقوق عباده فيها.. ولا يكون ذلك - بعد بتقواه والتوبة إليه – إلا بإفراغ الضمائر من الضغائن، والقلوب من الأحقاد، وكف الألسن عن الأذى..
★..كثيرٌ مما يدور في المجالس ويُتداول على صفحات (التواصل) الاجتماعي ؛ يؤول إلى (تقاطع) اجتماعي .. فردي أو جماعي، ولا يعدو وصفه في كثير من الأحيان أن يكون من (التحريش) الذي يُرضي الشيطان ويُغضب الرحمن، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم - « إن الشيطان قد أيِسَ أن يعبده المُصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم»
[ رواه مسلم/2812] يعني : يئس أن يتحقق مُناه في إجماع أهل الجزيرة العربية على عبادته، لأن ذلك بعد الإسلام مستحيل، ولكنه رضي عوضًا عن ذلك بالتحريش بين المسلمين بالخصومات والشحناء والحروب والفتن .
★.. (رجب).. فرصة ذهبية كبيرة، في مهلة زمنية قصيرة، يمكن استغلالها في نزع الغل من الصدور، وتبريد القلوب التي تفور كالقدور، وهي فرصة تجيء على صورة فريضة شرعية، يزيد من فرضيتها ما يعانيه أهل الإسلام من ضرر واقع وضرورات واقعية... تدعونا جميعًا.. أن نعتصم بحبل الله جميعًا.. وأن نتقي الله في بعضنا بعضًا، فيكُف بعضنا عن بعض، ويتفرغ بعضنا للبحث في سبل الإصلاح بين بعضنا البعض.. {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [10الحجرات]
ملاحظة/ كتبت هذا في رجب الذي مضى، قبل عام انقضى، فبلغنا يارب بعده خير الشهور، وكل عام وجميعكم بخير..
.

الثلاثاء، 1 فبراير 2022

عودة إلى مذبحة الملعب: هم أو الفوضى

 عودة إلى مذبحة الملعب: هم أو الفوضى


وائل قنديل

قراءة الحدث على مسافة من وقوعه تظهره أكثر، وتستبطن رسائله ودلالاته على نحو أوضح، فما بالك إذا كانت أحد عشر عامًا كاملة مضت على المذبحة التي ارتكبت بحق جماهير الكرة المصرية في ملعب مدينة بورسعيد، وحصدت أرواح 74 شهيدًا.

لحظة وقوعها، وبينما كان الدم يتدفق ساخنًا والحزن ينهش الصدور، استقبلت جماهير الثورة المصرية في ذلك اليوم، الأول من فبراير/ شباط 2012، أنباء مذبحة بورسعيد على أنها طعنةٌ في قلب الثورة، وضربة موجهة بدقة شديدة في التوقيت والمكان، حيث مباراة فريقي الأهلي القاهري والمصري البورسعيدي، وما يكتنفها من أجواء إثارة وندّية وحضور جماهيري حاشد وغضب طوال تاريخ مواجهات الفريقين.

سجّلتُ وقتها أنها لم تكن مباراة فى كرة القدم بين المصري والأهلي، بل كانت معركة سياسية دامية ضد الثورة، خطّط لها ونفذها خصوم هذه الثورة ممن ضجّوا بمطالبها، وأصدقاؤهم من حثالات النظام السابق، في توقيت بالغ الدلالة قبل يوم من ذكرى موقعة الجمل، وهو اليوم الذي قايضنا فيه المخلوع "أنا أو الفوضى"، ثم قطعان البلطجية تعمل آلة القتل والتنكيل من فوق ظهور الجمال والخيول فى حشود الثوار في الميدان.

كانت هناك "بروفة" مصغرة لمجزرة بورسعيد، نفذها الممسكون بالسلطة، ولا يريدون أن يتنازلوا عنها قبل ذلك بتسعة أشهر، وتحديدًا في مباراة بين الزمالك المصري والنادي الأفريقي التونسي في مطلع أبريل/ نيسان 2011، حين فتحوا أبواب الملعب تمامًا للجمهور الغاضب، فسالت الدماء على العشب الأخضر. وكان ذلك بعد ساعاتٍ من المظاهرة المليونية فى ميدان التحرير، والتي ربح فيها المصريون التحدّي من خلال "جمعة الإنقاذ" التي استعادت وهج الثورة وزخمها، بعد أن زعم بعضهم أن أحدا لن يلبّي نداء التظاهر من أجل استكمال مطالب الثورة بعد فتنة الاستفتاء على تعديلات الدستور.

لا يخفى، بالطبع، أن الحضور المذهل لروابط مشجعي كرة القدم في مشهد الحراك الثوري كان فارقًا في منح هذه الثورة زخمًا على زخم، على نحوٍ وضع جماهير الملاعب على لوائح الانتقام عندما تحين الفرصة .. وقد كان.  

وقعت مذبحة بورسعيد في توقيتٍ وجد فيه المجلس العسكري نفسه، وقد استنفد مخزونه من الحيل والأكاذيب وأساليب الخداع التي استخدمها للتهرّب من مطالبات الثورة بتسليم السلطة من خلال الإسراع بإجراء الانتخابات الرئاسية، وهو ما عبّر عنه المصريون بتظاهراتٍ ملأت ميدان التحرير، والميادين الكبرى بالمحافظات، يوم 25 يناير/ كانون الثاني 2012، في مشهد لا يقل جلالًا عن مشاهد الأيام بين جمعة الغضب وإعلان رحيل حسني مبارك، حيث كان المطلب الوحيد يومها هو المطلب ذاته في اليوم نفسه في يناير من العام السابق 2011: رحيل المشير ومجلسه كما رحل حسني مبارك. .. ردّ مبارك بمذبحة حصدت 14 شهيدًا فيما عرفت بموقعة الجمل، وجاء رد المشير بالطريقة ذاتها في بورسعيد بمذبحة أوقعت 74 شهيدًا.

في التاسع عشر من يناير 2012، كانت الجولة النهائية من انتخابات البرلمان قد انتهت، معلنةً تشكيل مجلس نيابي يتولّى سلطة التشريع في الثالث من فبراير/ شباط، وبينما الجميع منشغلون بمتابعة النتائج، قام المجلس العسكري، خفية وفي جنح الظلام ومن وراء ستار، بتمرير قانون الانتخابات الرئاسية ونشره في الجريدة الرسمية، على الرغم من أن المحكمة الدستورية كانت قد رفضت القانون بالصيغة المقدّمة وأرجعته في اليوم السابق مباشرةً لنشره بالجريدة الرسمية إلى العسكري طالبة تعديل خمس مواد، ثم إعادة إرساله إليها.

كان المجلس العسكري حريصًا على تمرير ذلك القانون، قبل أن يتشكّل البرلمان، ويبدأ ممارسة سلطته التشريعية. وفي ذلك كتبت حينها: إما أن المجلس العسكرى لا يعترف بالمحكمة الدستورية العليا، ولا بملاحظاتها أو دورها فى الرقابة على التشريعات.. أو أن "الدستورية العليا" تحوّلت إلى إدارة تابعة للمجلس العسكري، وقرّرت التنازل عن إرادتها له، ليتصرّف في الدستور والقوانين كما يشاء.

في تلك الأثناء، كانت المخابرات العسكرية التي يرأسها اللواء عبد الفتاح السيسي تعبئ الفضاء الإعلامي المصري بتسريباتٍ وتحليلاتٍ عن مخطط أجنبي شرير، لضرب مصر في العيد الأول لثورة الخامس والعشرين من يناير. وأعلنت طائفة الخبراء الاستراتيجيين وإعلاميو الدوائر الأمنية التعبئة بشعارات مصر لن تركع، وأن الأساطيل الأجنبية تحرّكت لغزو البلاد بسبب مطالبة الثورة الشرير للعسكريين بتسليم السلطة للمدنيين.

غير أن ذلك كله لم يكن كافيًا لخداع جماهير الثورة، مرّة أخرى، فبقيت الميادين مشتعلةً بالغضب، وبالوعي الكامل بأن المؤامرة الحقيقية في الداخل ينفذها الذين ذاقوا طعم السلطة فقرّروا ألا يتخلوا عنها أبدًا. ومن أسفٍ أن البرلمان المنتخب الذي كان يعوّل عليه في انتزاع سلطة التشريع، خطوة أولى على الأقل، جاء دون مستوى الأحلام، وبان في أوقات كثيرة متناغمًا مع الرواية العسكرية. وشيئًا فشيئًا، نجح العسكري في اغتيال البرلمان، بضربةٍ استبق بها انتخاب رئيس للجمهورية، وكأن قرارهم دائمًا كان أن تبقى مصر تتحرّك طوال الوقت على ساقٍ واحدة، فلا تكتمل ملامح النظام السياسي أبدًا، وكما كان هناك برلمان من دون رئيس للدولة، كان لازمًا أن يأتي الرئيس من دون برلمان للدولة. وفي الحالتين، يكون العسكري هو الساق الثانية، بشكلٍ مؤقت، حتى يتمكّن من بتر الساق الأخرى، المدنية، ويصير النظام برمته عسكريًا.

 كانت مذبحة بورسعيد انتقامًا من ذلك الكيان الأسطوري الذي يسمّى الجماهير، ولا يزال الانتقام مستمرًا.

ما مكاسب إسرائيل في مساعدة الطغاة الديكتاتوريين العرب؟

 ما مكاسب إسرائيل في مساعدة الطغاة الديكتاتوريين العرب؟

العقلاء يعيشون في الهوامش الضيقة والمجانين يحكمون!


بقلم الخبير السياسى والإقتصادى
د.صلاح الدوبى 

العدالة والكرامة والحرية شعارات لاتريدها، اكثرية الدول الغربية لشعوبنا، فما بالنا اذا كانت اسرائيل أيضا من مصلحتها ذلك؟

تمثل علاقات إسرائيل المزدهرة مع مختلف الأنظمة العربية الاستبدادية أحد أهم التطورات في الشرق الأوسط الحديث، وعلى الرغم من أن هذه الروابط رفيعة المستوى قد توسعت بشكل كبير على مدى أكثر من عقدين من الزمن، إلا أنها تطورت من التعاون وراء الكواليس إلى أشكال أكثر وضوحًا من التنسيق، لا سيما بعد الانتفاضات العربية عام 2011.

وبلغ هذا التنسيق ذروته في عام 2020 فيما يسمى بـ “اتفاقيات أبراهام”، والتي كانت موقعة في الأصل بين إسرائيل والبحرين والإمارات، وتوسعت لاحقًا لتشمل المغرب والسودان.

تفسير المحللين الدوليين غير كافي

تركزت معظم تحليلات المحللين الساعين لفهم هذه العلاقات بالأساس على كيفية جمع الأهداف المشتركة لهذه الجهات الفاعلة معًا، خاصة بعد عام 2011.

وسواء كان ذلك لمواجهة الخصوم المشتركين مثل إيران أو الحركات الإسلامية السياسية، أو لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة بعمق في المنطقة، أو للحفاظ على توازن القوى الإقليمي السائد، فإن غالبية المراقبين ينظرون إلى هذه التقارب رفيع المستوى من خلال عدسة جيوسياسية.

ولكن، على الرغم من أن عدسة السياسة الواقعية تفسر بالتأكيد عناصر حيوي في هذه العلاقات، إلا أن هذه الدول لا تجمعها أهداف الجغرافيا السياسية فقط، إذ أن هناك عنصرًا قويًا متجذرًا في روح الثورة المضادة المشتركة لدى هذه الجهات الفاعلة التي تنظر إلى الديمقراطية – في أي مكان في المنطقة – على أنها لعنة على بقائهم.

منذ الانتفاضات العربية، انخرطت إسرائيل جنبًا إلى جنب مع شركائها الإقليميين في حملة ثورة مضادة متطورة لا تهدف فقط للحفاظ على توازن القوى الإقليمي السائد، وإنما أيضًا لمنع ظهور نموذج ديمقراطي شعبي في الشرق الأوسط.

وبالتالي، فإن فهم هذه الرغبة المشتركة لدى كل من تل أبيب والأنظمة العربية المختلفة في الحفاظ على الوضع الاستبدادي الإقليمي الراهن أمر بالغ الأهمية لفهم النطاق الكامل لهذه العلاقات.

مغالطة اسرائيل بأنها دولة ديمقراطية

تقدم إسرائيل نفسها كملاذ للديمقراطية داخل “جوار صعب” من الاستبداد والعنف المتأصل والتخلف، وعلى سبيل المثال، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول “ديفيد بن جوريون” ذات مرة “نحن [إسرائيل] نعيش في القرن الـ 20، وهم [العرب] في القرن الـ15″، وشدد على أن إسرائيل تمثل “مجتمعًا حديثًا وسط عالم من القرون الوسطى.”

وردد وزير الدفاع الإسرائيلي السابق “إيهود باراك” رسالة مماثلة، حيث أشار إلى البلاد على أنها “فيلا في غابة” و”واحة في الصحراء” لوصف علاقة إسرائيل بجيرانها العرب.

وفي كتابه “مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم”، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “بنيامين نتنياهو” إن “العنف منتشر في كل مكان في الحياة السياسية لجميع الدول العربية، وهو الأسلوب الأساسي في التعامل مع الخصوم؛ الأجانب والمحليين، العرب وغير العرب”.

وكما جادل المؤرخ الإسرائيلي “آفي شلايم” سابقًا، فإن مثل هذه النظرة للعالم “تُرجمت إلى مفهوم جيواستراتيجي” تكون الدولة الصهيونية وفقه “عالقة بشكل دائم في تحالف مع الغرب ضد الشرق المتخلف”.

يأتي هذا كله على خلفية أن مكانة إسرائيل كدولة ديمقراطية أمر متنازع عليه بشكل كبير، حيث تصف العديد من منظمات حقوق الإنسان البارزة الدولة اليهودية والأراضي الفلسطينية التي تسيطر عليها بنظام الفصل العنصري.

وعلى الرغم من الخطاب الذي يتبناه قادتها، عارضت إسرائيل التحولات الديمقراطية في الشرق الأوسط واستفادت من افتقار المنطقة إلى الديمقراطية.

التحالف مع المستبدين

تعتمد إسرائيل بشكل كبير على الحفاظ على الحكومات غير الديمقراطية في المنطقة، وحتى بعض المؤيدين الأمريكيين المخلصين لإسرائيل بشدة يعترفون بذلك، كما جادل “روبرت كاجان” بعد الانقلاب العسكري عام 2013 الذي أطاح بحكومة منتخبة ديمقراطيًا في مصر.

فقد كتب: “بالنسبة لإسرائيل، التي لم تدعم الديمقراطية في أي مكان في الشرق الأوسط باستثناء إسرائيل ، فإن وجود ديكتاتورية عسكرية وحشية مصممة على القضاء على الإسلام السياسي ليس فقط مقبولًا ولكن مرغوبًا فيه”.

وتخشى إسرائيل أن يؤدي تولي حكومات شعبية مسؤولة أمام شعوبها، إلى أن توسع مطالبها في النضال من أجل الحقوق الفلسطينية، بالإضافة إلى المطالبة بتسوية حقيقية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث يظل الرأي العام العربي مؤيدا بحزم للفلسطينيين.

وعلى الرغم من أن انتفاضات عام 2011 كانت مدفوعة بمطالب العدالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ركزت بشكل أساسي على المستوى المحلي، إلا أن رمزية فلسطين كانت تظهر في كثير من الأحيان خلال هذه المظاهرات.

ويستمر التعبير عن هذه الرمزية في الاحتجاجات داخل المنطقة، لا سيما بعد سلسلة صفقات التطبيع في السنوات القليلة الماضية، لذلك فإن تل أبيب تنفر من الحكومات الديمقراطية الناشئة في المنطقة، بالإضافة لخشيتها من التحديات التي يمكن أن يفرضها ذلك على استمرار سيطرتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي تعتمد على الحكام العرب المستبدين لقمع مثل هذه المشاعر.

أما ما يثير قلق إسرائيل بشكل خاص فهو مصر والأردن المجاورتان (كلاهما عقد معاهدات سلام مع تل أبيب)، فمصر هي أكثر دول العالم العربي سكانًا وتقع على حدود قطاع غزة بينما تحكم الأردن أقلية هاشمية على سكان من أغلبية فلسطينية ويحدها الضفة الغربية، وإذا ظهرت ديمقراطيات حقيقية في هذه البلدان، فيمكنها أن تلعب دورًا أكثر بروزًا في الضغط من أجل الحقوق الفلسطينية.


إسرائيل دائما الضحية

تستفيد إسرائيل أيضًا من غياب الحكم الديمقراطي في المنطقة عند محاولتها حشد الدعم الخارجي، فمن خلال تصوير نفسها على أنها في موقف دفاعي باستمرار في “جوار صعب”، تقدم تل أبيب دائمًا صورة لنفسها على أنها الضحية لمؤيديها الغربيين.

وعلاوة على ذلك، فمن خلال تصوير نفسها على أنها بؤرة استيطانية غربية وحيدة ومحاصرة، تهدف إسرائيل إلى تقديم نفسها على أنها أكثر الدول الإقليمية الفاعلة القادرة على العمل مع الديمقراطيات الغربية (بل وربما الوحيدة).

أما إذا تمكنت دول أخرى في الشرق الأوسط من ترسيخ نفسها كديمقراطيات فاعلة، فقد تُظهر أنها شريكة جديدة جذابة للدول الغربية في المنطقة وتتنافس مع إسرائيل على دعمهم.

ترجمت إسرائيل الانتفاضات العربية وما تلاها وفق هذا السياق، وعملت بشكل متزامن مع الأنظمة العربية المختلفة للحفاظ على السيطرة الأوتوقراطية على الشرق الأوسط، والتي بدورها تدعم هيمنة تل أبيب على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تجلى هذا منذ الأيام الأولى للانتفاضات في خطاب المسؤولين الإسرائيليين المختلفين مثل وزير الدفاع آنذاك “إيهود باراك”، الذي قال: “إن تلك القيادات بقدر ما كانت غير مقبولة من قبل شعوبها، فإنها كانت مسؤولة للغاية بشأن الاستقرار الإقليمي، إنهم مريحون أكثر بكثير من الشعوب أو الشوارع في نفس البلدان”.

وبالمثل، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “بنيامين نتنياهو” الانتفاضات العربية بأنها “موجة إسلامية معادية للغرب ولليبرالية ولإسرائيل وللديمقراطية”.

تحالف مع الإنقلابات العسكرية فى المنطقة وكذلك أفريقيا

وفي السنوات الـ 11 التي تلت تلك التعليقات، نمت علاقات إسرائيل مع الجهات الفاعلة الأخرى المضادة للثورة، ولا سيما مصر والسعودية والإمارات والبحرين وغيرهم بشكل كبير لتشمل تعاونًا دبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا مكثفًا، وتوفير تقنيات مراقبة متطورة، و جهود منسقة بشكل متزايد للضغط على واشنطن لصالح أجنداتهم.

ويجب النظر إلى ما يسمى بـ “اتفاقيات أبراهام” على أنها استمرار لهذه الجهود من خلال إنشاء تحالف أكثر رسمية يجمع الدول الفاعلة المناهضة للديمقراطية، بدعم متحمس من الولايات المتحدة، في خضم سعى واشنطن إلى التحول نحو منطقة الهندي – الهادي.

وفي الآونة الأخيرة، عملت إسرائيل على تنمية علاقاتها مع الحكام المستبدين، مثل عبد الفتاح السيسى قائد إنقلاب مصر العسكرى وأمير الحرب الليبي “خليفة حفتر” ونجله “صدام حفتر”، وكذلك الجنرال السوداني “عبدالفتاح البرهان” الذي استولى على السلطة في انقلاب العام الماضي.

تمتد هذه الجهود إلى ما هو أبعد من الجغرافيا السياسية وتدل على تحالف أوسع للثورة المضادة يسعى إلى تأكيد هيمنته على الشرق الأوسط.

ودعمت الولايات المتحدة بحماس هذه الدول المعادية للثورات من خلال تزويدها بأسلحة متطورة وغض الطرف عن سجلاتها المظلمة في حقوق الإنسان.

وعلى الرغم من وعد حملة “بايدن” بجعل حقوق الإنسان مركزية في سياسته الخارجية، فقد استمر هذا النمط نفسه بلا انقطاع تقريبًا، ويفاقم استمرار الدعم الأمريكي لهذا التحالف – المتجذر في ما يشار إليه غالبًا باسم “أسطورة الاستقرار الاستبدادي” – أسَّ المظالم التي تسبب مشكلات المنطقة؛ أيّ المستبدين أنفسهم.



المساواة والتمكين| النسوية العالمية إلى أين؟ (6)

 المساواة والتمكين| النسوية العالمية إلى أين؟ (6)

محمود عبد الهادي

انطلقت الحركة النسوية في أوروبا والولايات المتحدة، وتعود بداياتها إلى القرن الـ17؛ حينما كانت في شكل مطالب محدودة متفرقة هنا وهناك من بعض النشطاء والأدباء والكتاب 

نجحت الحركة النسوية العالمية بامتياز في التسلل إلى العديد من مراكز القيادة والتأثير في دول العالم المتقدمة والنامية، وقد وصل هذا النجاح إلى مبتغاه بالضغط على الأمم المتحدة، ودفعها إلى تبني مبادئها وأفكارها وتأسيس هيئة الأمم المتحدة للمرأة وإدراج هدف "المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة" ضمن أهداف التنمية المستدامة، مما مهّد المجال أمام هيئة الأمم المتحدة للمرأة لتعمل ليلا ونهارا على تحقيق أهداف الحركة النسوية العالمية بطرق دستورية قانونية تعتمد على التزامات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالعهود والمواثيق الدولية التي وقّعت عليها.

لم تعد الحركة النسوية مجرد نشاط يهدف إلى مساعدة المرأة الغربية للحصول على حقوقها الأساسية في الانتخاب والتعليم والعمل على قدم المساواة مع الرجل، بل تحولت إلى حركة عالمية ضخمة مهيمنة، تصرّ على تغيير النظام الاجتماعي البشري، وفرض أفكارها على شعوب العالم بصورة تثويرية انقلابية.

موضوع الحركة النسوية العالمية أكبر بكثير من أن نتناوله في مثل هذا المقال، فهو بحاجة إلى مجلدات ضخمة وجهد بحثي هائل للإحاطة به من جميع جوانبه، ولكن ذلك لا يمنع من تسليط الضوء على بعض الجوانب، التي توضح لنا حقيقة حجم الحركة ومدى انتشارها وتجذرها، نفوذها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، بدءًا بالتطور التاريخي، ومرورا بحجم انتشارها ونفوذها، وانتهاء بمعرفة المنطلق الفكري لها.

في انتظار الموجة الخامسة

انطلقت الحركة النسوية في أوروبا والولايات المتحدة، وتعود بداياتها إلى القرن الـ17؛ حينما كانت في شكل مطالب محدودة متفرقة هنا وهناك من بعض النشطاء والأدباء والكتاب، تدافع عن المرأة ومكانتها، وترفض الصور النمطية لها، التي تسود في الثقافة الاجتماعية السائدة وامتداداتها الكنسية في ذلك الوقت، والتي تسببت في إعدام نحو 50 ألف امرأة -وفي بعض الروايات 500 ألف امرأة- في أوروبا والولايات المتحدة بين القرنين الـ15 والـ18، بحجة قيامهم بأعمال السحر والشعوذة. وقد جاءت هذه المطالب والدعوات حينها، احتجاجا على فكرة حصر نشاط المرأة في دائرة الأسرة والمنزل والأطفال، في حين يستأثر الرجال بالسياسة والحرب والعمل المأجور في القطاعات المختلفة. ويقف المؤرخون والباحثون عند 4 موجات مر بها التطور التاريخي للحركة النسوية، على النحو التالي:

الموجة الأولى: الحق في الانتخاب

تغطي هذه الموجة الفترة من نهايات القرن الـ19وبدايات القرن الـ20، التي اتسمت بالتوسع الاستعماري، وتقدم الثورة الصناعية، وشهدت الحربين العالميتين الأولى والثانية وما خلفتاه من آثار فادحة على بنية المجتمع الغربي، حيث فُقد ما يزيد على 24 مليون رجل في الحرب العالمية الثانية وحدها، وبدأ النساء يقمن بأعمال الرجال المشاركين في الحروب، وكانت المطالب تتمحور في الغالب حول حق المرأة في الانتخاب، إذ كانت الانتخابات حينها تقتصر على الرجال، وشهدت هذه الموجة بدايات تشكّل العديد من التجمعات والمنتديات والمؤسسات النسوية التي تطالب بحقوق المرأة في الانتخاب والتعليم على وجه الخصوص، وبدأت أفكارها تنتقل من الدول الغربية إلى غيرها من دول العالم في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، خاصة بعد صدور العهد العالمي لحقوق الإنسان عن الأمم المتحدة، وتضمين حقوق المرأة بين بنوده.

الموجة الثانية: المساواة بين الجنسين

انطلقت هذه الموجة في ستينيات القرن الماضي، واتسعت دائرة الاهتمام بها والتجاوب مع مطالبها على المستويين الرسمي والشعبي، كما اتسعت فيها دائرة تشكيل المؤسسات والاتحادات والتجمعات النسوية، والاهتمام بها في الإعلام والأدب والفن، وقد ركّزت هذه الموجة على قضية المساواة بين الجنسين.

الموجة الثالثة: الحرية الجنسية والمثلية

بدأت هذه الموجة في تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2010، مستهدفة معالجة إخفاقات الموجة الثانية، ومواجهة التحديات التي تواجهها في كافة المجالات وعلى جميع المستويات، واتسعت دائرة النشاط لتشمل المجتمعات الفقيرة والفتيات الشابات، ولتدعم الحرية الجنسية، فتبنت المثلية الجنسية، واستقطاب منتسباتها والدفاع عن حقوقهن، إضافة إلى حق المرأة في تحديد النسل، بوصفه ضرورة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي عن الرجال، وقد صدر في هذه الفترة عن الأمم المتحدة ما يعرف بـ"منهاج عمل بكين" عام 1995، الذي يمثل المرجع لكافة الأعمال المطلوبة لتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.

الموجة الرابعة: التمكّن والتمكين

ظهرت هذه الموجة عام 2012، بعد إطلاق هيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2010، وكان تركيزها على قضية تمكين المرأة في كافة مجالات الحياة، بالتساوي مع الرجل، من دون تمييز بين مجال وآخر، أو مستوى وآخر، إضافة إلى تحقيق التغيّر الشامل ومحاربة التمييز. وقد ساعد ظهور منصات التواصل الاجتماعي، وانتشار منتديات مقاومة التحرش على تحقيق نشر القيم والأفكار والسلوكيات، وتوسيع دائرة التأييد على كافة المستويات وفي جميع دول العالم؛ فقد نظمت الحركة النسوية في لندن عام 2013 تظاهرة مليونية احتجاجا على تقرير أصدرته الأمم المتحدة ذكر أن واحدة من بين كل 3 نساء معرضة للتحرش والضرب في العالم، وقد تمكن المنظمون من تحويلها إلى تظاهرة مليارية عالمية عن طريق الإنترنت شارك فيها مؤيدون من 207 دول.

الموجة القادمة

تهيمن الحركة النسوية العالمية الآن على الأمم المتحدة بشكل كامل، وقد استطاعت -عن طريق العديد من وسائل وأساليب الضغط- إجبار الأمم المتحدة على تبني أفكارها ومبادئها، وتحويلها إلى قرارات وخطط واتفاقيات تتبناها الأمم المتحدة، وتراجع سنويا مستوى التقدم المتحقق فيها مع ممثلي الدول الأعضاء، وتنتظر الحركة النسوية العالمية الآن تحقق أهدافها فعليا بصورة كاملة بحلول عام 2030 ضمن أهداف التنمية المستدامة، بل إن "منتدى جيل المساواة" (Generation Equality Forum) الذي ينعقد سنويا في المكسيك وفرنسا بتنظيم هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وضع خطة تسريع أكثر تفاؤلا لتحقيق المساواة بين الجنسين، والتمكين الكامل للمرأة بحلول عام 2026، بتمويل وصل إلى نحو 40 مليار دولار.

وللأهمية والتدليل، أقتبس هنا عبارة المنتدى للعالم "بصفتها نصيرة عالمية للنساء والفتيات، تقف هيئة الأمم المتحدة للمرأة في قلب تعبئة الحكومات والمجتمع المدني، للوفاء بوعود منهاج عمل بكين للمجتمع بأسره. يقدم منتدى جيل المساواة الفرصة للجمع بين صانعي التغيير من جميع الأعمار والأجناس، من جميع أنحاء العالم، لمعالجة الأعمال غير المكتملة المتمثلة في تمكين المرأة، وعدم ترك أي شخص يتخلف عن الركب".

الدول الأعضاء والمجتمع المدني والقطاع الخاص وكيانات الأمم المتحدة مدعوة للانضمام إلى الجهود مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة والإسهام في هذه اللحظة التاريخية. وتسخّر الأمم المتحدة إمكاناتها عن طريق جميع وكالاتها -وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة للمرأة- لتسريع تحقيق الأهداف والوصول إلى هذه اللحظة التاريخية. وعلى مدار الساعة، تحقق الهيئة العديد من الإنجازات في هذا الصدد، ونشير -على سبيل المثال- إلى الحملة التي أطلقتها سبتمبر/أيلول 2014 تحت شعار "هو من أجلها" (HeForShe) الساعية إلى توسيع نطاقات التأييد وتغيير الفكر الاجتماعي والقيمي والسلوكي ليس على مستوى الفتيات والنساء فحسب، بل على مستوى الشباب والرجال أيضا، فقد بلغ عدد الناشطين الملتزمين معها نحو 3 ملايين ناشط حول العالم، إضافة إلى 600 مليون يمثلون شركاء للهيئة في العالم، وملياري محادثة نقاشية حول الموضوع سنويا عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وسواء أكانت هذه اللحظة التاريخية المنتظرة عام 2026 أم عام 2030، فإنها ستمثل علامة فارقة في تاريخ المجتمع البشري، قد تبدأ معها الموجة الخامسة للحركة النسوية العالمية، التي ستكون أكثر تمكنا وسلطة ونفوذا عبر تاريخها، فكيف ستكون ملامح هذه الموجة؟ وماذا ستكون أولوياتها؟

لم تعد الحركة النسوية مجرد نشاط حقوقي يساعد المرأة الغربية في الحصول على حقوقها الأساسية في الانتخاب والتعليم والعمل على قدم المساواة مع الرجل، بل تحولت إلى حركة عالمية ضخمة مهيمنة، تصرّ على تغيير النظام الاجتماعي البشري، وفرض أفكارها على شعوب العالم، بصورة تثويرية انقلابية. فمن وراء هذه الحركة؟ ومن أين أتت بهذه الأفكار؟ وماذا تريد من ورائها؟

يتبع… (من وراء النسوية العالمية؟)




الحرب الباردة .. وتداعياتها الساخنة..!

 الحرب الباردة .. وتداعياتها الساخنة..!

د.عبدالعزيز كامل

عودة الحرب الباردة التي استمرت عقودا بين الشرق والغرب بعد توقفها عقب سقوط الاتحاد السوفييتي، ببدو أنها ستتجدد وتتمدد ، فالحشود الجبارة التي تراكمها روسيا على حدودها مع أوكرانيا لانتزاعها من أحضان أمريكا المتربصة، وعضوية ( الناتو) المعادي.. هذه الحشود لم تجئ للعرض المسرحي، ولا للتهويل الإعلامي ..
★.. أوكرانيا التي يعدها الكرملين بمثابة ( روسيا الصغرى) لشدة ارتباط أوضاعها الاستراتيجية والاقتصادية بالمصالح العليا الروسية ؛ ستفتح فيما يظهر باب جحيم على الروس والأمريكان وحلفائهما في كل مكان ، فالصين وإيران لن تنزعا للسلم، واوروبا وحلف الناتو لن يفلتا من سعير الحرب ..
★.. أما عشرات أو مئات الملايين من المسلمين الذين اكتووا بنار " الأخوة الأعداء" من الصليبيين البروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس ، على مر التاريخ و امتداد الجغرافيا؛ فإنهم ينتظرون جريان سنة الله في الانتقام من الظالمين في الدنيا قبل الآخرة، تصديقا لقوله عز وجل :
( وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (المائدة/١٤) .