‏إظهار الرسائل ذات التسميات "عربي21" حوار مع وزير الاستثمار المصري الأسبق يحيى حامد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات "عربي21" حوار مع وزير الاستثمار المصري الأسبق يحيى حامد. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 10 أبريل 2019

"عربي21" تحاور يحيى حامد عن اقتصاد مصر والثورة(ج2)

"عربي21" تحاور يحيى حامد عن اقتصاد مصر والثورة(ج2)  

فراس أبو هلال
يحيى حامد: هناك تحركات من شخصيات معارضة لتكوين موقف موحد من التعديلات الدستورية- عربي21

قال يحيى حامد، وزير الاستثمار في عهد الرئيس مرسي، إن هناك تحركات من شخصيات معارضة لتكوين موقف موحد من التعديلات الدستورية التي يروج النظام لها بهدف التمديد للسيسي في الحكم.

وأضاف حامد، في حوار شامل مع رئيس تحرير "عربي21" فراس أبو هلال، أن شخصيات معارضة من كافة الاتجاهات تتحاور حول خيارات مختلفة، منها مقاطعة الاستفتاء أو التصويت بـ"لا" على التعديلات، مشيرا إلى أن المعارضة ستتحسس التوجهات الشعبية في هذا المجال وتتبناها.


ودعا حامد كافة الأطراف المعارضة للسيسي للاجتماع على هدف واحد هو إسقاط النظام، وتجاوز أخطاء وجراحات الماضي، مضيفا أن النظام يشعر بالقلق والضعف رغم سطوته وقمعه الكبيرين.

وفي ما يأتي الجزء الثاني من الحوار:


بخصوص الأوضاع الحقوقية السيئة المعروفة للجميع في مصر.. ما الذي يمكن أن يفسر زيادة حالة التوحش التي يتبناها النظام حاليا، على الرغم من الاستقرار الذي يبدو أنه وصل له؟

أستطيع تفسير هذه الحالة بسببين. 
الأول هو ضعف القوى الثورية والجمود الثوري، وهو أمر يعطيه النشوة ورغبة بالانتقام من كل من شارك في ثورة يناير ومنع أي تفكير بالثورة مجددا. ولذلك هو أعدم 46 شخصا في 2018، وحكم بإعدام 737 شخصا، وأحكام نهائية بإعدام 81 شخصا على الأقل. ونحن بانتظار قضية جديدة هي قضية 181 والتي يحاكم فيها 14 شخصا بريئا أحدهم بدري الجمل الذي أخذ من "كوشة الفرح" يوم عرسه.

السبب الثاني هو حالة القلق التي يعيشها النظام، صحيح أن لديه السيطرة الأمنية بسبب القمع، ولكن مظاهر القلق بادية. فعلى سبيل المثال، عند إطلاق الإعلامي معتز مطر حملة "اطمن انت مش لوحدك" واقترح كتابة الشعار على العملات الورقية اضطر البنك المركزي بطلب من النظام إلى إصدار أمر برفض التعامل بالأوراق النقدية التي يكتب عليها.

كذلك فإن التهديدات التي أطلقها إعلام النظام بقتل إعلاميي المعارضة، وسجن رئيس أركان سابق (سامي عنان) وملاحقة مرشح رئاسي سابق (أحمد شفيق)، كلها علامات قلق.

كيف تفسر قلة الاهتمام الدولي بالانتهاكات الحقوقية في مصر مقابل الاهتمام بانتهاكات دول أخرى؟
أعتقد أن السبب الرئيسي هو حالة "الصمت السياسي"، وهنا يجب التفريق بين مستويين: السياسي والشعبي. فعلى المستوى السياسي هناك صمت وتواطؤ بسبب رغبة دول العالم بالتعامل مع السيسي بكل ما يمثله من مصالح سياسية لهم في العلاقة مع إسرائيل وتنفيذ صفقة القرن، فهم يحبون التعامل مع الأنظمة الديكتاتورية.

أما المستوى الثاني الذي يشمل الشعوب والإعلام ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية فهو يتفاعل حقيقة مع الانتهاكات التي يرتكبها النظام، ومصر حاضرة في الإعلام الدولي، وبالطبع فإن وجود ملفات كثيرة ملتهبة في المنطقة يقلل الاهتمام في مصر أحيانا.

ولكن، ألا يمكن أن تكون هناك مسؤولية للمعارضة وما تبقى من "مجتمع مدني" في مصر عن الفشل في إيصال القضايا الحقوقية للعالم؟

لا أعتقد ذلك. يجب أن نعلم أن المجتمع المدني أثناء حكم مبارك لم يكن قويا أو مسيسا، ولكن الثورة أدت إلى حالة وجو مناخ سياسي أفضل استفادت منه منظمات المجتمع المدني، ولكن الانقلاب أدى لحرمان المعارضة والمجتمع المدني على حد سواء من تطوير أدواته، ومنها العلاقات مع منظمات حقوق الإنسان الدولية والعلاقات مع صانعي السياسة الدولية ومع الإعلام العالمي أيضا.

لذلك نحن الآن في مرحلة بناء لهذه الأدوات من قبل كل أطراف المعارضة والآن يوجد الكثير من شباب التيارات المختلفة يتواجدون في الغرب ويؤسسون أنوية لعمل حقوقي حرفي وفاعل. صحيح أن العمل الموجود الآن غير كاف، ولكنه موجود ويتطور وهي تسبب إرباكا للنظام كما يبدو خصوصا أثناء زيارات رئيس الانقلاب الخارجية، ولعل آخرها تأسيس منصة من عدة شباب مصريين من عدة تيارات شاركوا في لقاءات في الكونغرس الأمريكي لدعم القضايا الحقوقية في مصر.


التعديلات الدستورية
في ما يتعلق بالتعديلات الدستورية.. ما هي اعتراضاتكم عليها؟
نحن من ناحية المبدأ، نعترض على كامل المسار وليس على تفصيلاته، بمعنى أن كل ما يفرزه النظام الانقلابي مرفوض أساسا. وكما تعلم فإن هناك موقفين داخل المعارضة، أحدهما والذي أتبناه شخصيا هو رفض المسار كاملا منذ الانقلاب لأن النظام غير شرعي وكل ما يقوم به غير شرعي وهناك تيارات تتبنى هذا الموقف، أما الثاني فهو الذي يقر بأن ما حصل انقلاب ولكنه يناقش في تفاصيل المسار أو حتى لم يكن يرى في 3 يوليو أنه انقلاب عسكري ولكنه انتقل الآن للمعارضة.

إذا أردنا أن نتحدث في التفاصيل بعيدا عن رفضنا التام للمسار، فإن هذه التعديلات جاءت لتنسف حتى الدستور الذي أقر عام 2014 والذي استفاد من دستور 2012 في كثير من المواد، وأهم الإشكالات هي تتعلق بالتمديد في فترات الرئاسة ودور الجيش في الحياة السياسية في محاولة لوضع المؤسسة العسكرية في وضع مشابه للجيش التركي في السابق واعتباره "مصدرا للسلطات".

وإضافة لذلك فإن هذه التعديلات تحول مصر من دولة مؤسسات إلى دولة الفرد الذي هو السيسي الذي سيملك صلاحيات واسعة بتعيين رؤساء المؤسسات القضائية والمؤسسات القومية الأخرى.

وأود الإشارة هنا إلى نقطة مهمة، وهي أن التلاعب بالدستور كان دائما يساهم في إضعاف النظام الذي يسعى للتلاعب به، فالشعب المصري برغم حلمه وصبره إلا أن مسألة الدستور مهمة عنده وأنا أعتقد أن هذه التعديلات سيكون لها ما بعدها.

هل هناك تحركات لتوحيد جهود المعارضة للتعامل مع هذه التعديلات؟
يوجد لقاءات من كل الأطراف تشمل شباب وممثلين للمعارضة لاتخاذ موقف موحد من التعديلات الدستورية، وكما تعرف فإن من المتوقع أن يتم الاستفتاء في نهاية نيسان/ إبريل على التعديلات، وأعتقد أن المجموعات السياسية التي تؤمن بضرورة الديمقراطية وحقوق الإنسان ومنح الشعب المصري ما يستحقه من حكم رشيد يجب أن تتفق على طريقة الرد على التعديلات، ما بين المقاطعة الإيجابية أو الحشد لقول لا.

حالة المعارضة الكبيرة للتعديلات الدستورية حتى بين بعض التيارات والشخصيات التي لم ترفض مسار الانقلاب من حيث المبدأ، كيف يمكن الاستفادة منها في تجميع كل الرافضين للتعديلات حول قرار واحد؟
كما ذكرت أننا نحاول الآن الوصول لاتفاق، وقد تمت لقاءات وستلحقها لقاءات أخرى، شخصيا سأتبنى ما تتبناه الأغلبية، وما أؤمن به أن الاتفاق يجي أن يكون محوره الشعب المصري، فإذا رأينا أن الشعب مستعد للخروج والتصويت بلا، فإننا سندعم هذا الخيار برغم كل ما نتوقعه من قمع وإجراءات من قبل النظام قد تحول دون تحقيق ذلك، ولا بد أن تتبع التيارات السياسية خيار الناس.

أهمية هذا الخيار هو أنه سيحرج النظام لأنه غالبا سيلجأ للتزوير، ولكن فيه مخاوف من قمع الناس ومنعها من الخروج والمشاركة أو من استفادة السيسي من الأعداد الكبيرة المشاركة وتزوير النتيجة ليظهر أن هناك مشاركة واسعة بالتصويت ومنح شرعية للاستفتاء، وهناك أيضا تخوف من عدم القدرة على الحشد للتصويت بسبب عزوف الناس وإحباطها من المشاركة. وبشكل عام كل خيار له حسنات وسيئات، وكلا الخيارين نجحا تاريخيا في بلاد أخرى، ولكن الأهم هو الاتفاق بين المعارضة على خيار واحد.

ولكن ألا تعتقد أن قرار أو اتفاق المعارضة قد تأخر بالحسم حتى الآن ونحن على بعد شهر ونصف عن الاستفتاء؟


نحن أمام إشكالية حقيقية بخصوص المعارضة، فهي ليست معارضة متماسكة أو قادمة من توجهات واحدة، كما أن بينها الكثير من الخلافات التاريخية والآلام، ولكنني أعتقد أن هذه فرصة مواتية لتراجع كل الأطراف أخطاء الماضي وتتفق على رؤية للمستقبل، وأؤمن أن هذه هي اللحظة المناسبة لاستثمار الاتفاق على رفض التعديلات لبناء جبهة عريضة معارضة للنظام.

ما هو المطلوب منكم ومن المعارضة بشكل عام؟

المعارضة يجب أن تدرك أن الشباب المصري لن يستسلم، وأنها يجب أن تتخذ مواقف مسؤولة للاستفادة من الشباب، وعندما نتحدث عن الموقف المسؤول فنعني بها تجاوز الماضي لأننا لن نستطيع أن نتفق عليه، والاتفاق بدلا من إضاعة الوقت حول خلافات الماضي على مبادئ تركز على التعايش الإنساني والسياسي في المستقبل، وأن يكون محور ارتكازه هو المواطن المصري غير المهتم بالخلافات الأيدولوجية، فالشعب المصري جله مسيحيين ومسلمين شعب محافظ، وتركيزه الآن على مشاكله اليومية والحياتية.

لذلك نحن يجب أن نتحرك سويا، وأن نتفق بعدم تحرك أي طرف منفردا، وقد سبق الشباب بذلك حركات المعارضة، حيث يلتقي شباب التيارات المختلفة بعيدا عن انتماءاتهم. لا يمكن لأي طرف أن يحكم مصر منفردا، خصوصا أننا لا نتحدث اليوم عن دولة غير متماسكة كما كان الحال في 2011، بل أمام دولة تم تدميرها من قبل السيسي لمصلحة الكيان الصهيوني، ولذلك لا يجب أن يفكر أي طرف بالمكاسب السياسية، ولا ينبغي أيضا محاولة إقصاء أي طرف من العملية السياسية كما يدعو البعض مثلا لإقصاء الإسلاميين، فما تحتاجه مصر اليوم هو مشروع وطني جامع لكل الأطياف يفكر بما يريده المواطن المصري لا ما يريده السياسيون.

لكن هذا الطرح والمشروع يبدو أن المعارضة لم تتوافق بعد على آليات لتحقيقه ولبلورة مشروع على الأرض بناء عليه؟

نعم للأسف هذا لم يتم حتى الآن. ولكننا نؤكد على الحاجة لمثل هذا التوافق. نحن بحاجة لجسم مثل "الجمعية الوطنية للتغيير" التي تشكلت 2010 وهزت نظام مبارك وشارك فيها شخصيات مثل البرادعي والبلتاجي وحسن نافعة وغيرهم، ثم انضم التيار الإسلامي للحشد لها.

هل سيلعب يحيى حامد دورا في تشكيل نواة لمثل هذه الجمعية؟
أنا فرد واحد، ولذلك أقول إنني ضمن مجموعة كبيرة تضم الدكتور محمد محسوب ود. عمرو دراج ود. طارق الزمر ود. أيمن نور وسياسيون وإعلاميون غيرهم تحركت في مناسبات كثيرة، وأنا أعتقد أن الوقت الان مناسب لنلتقي وأن نستثمر حالة الرفض للتعديلات الدستورية للقفز على خلافاتنا وقد تحدثنا كمجموعة مع كثيرين ومنا من سافر لأوروبا وأمريكا ودول مختلفة لنتحدث مع أطراف أخرى حتى لا يتحدث أي طرف منفردا. هناك عمل على الأرض نتمنى أن يتبلور لعمل جماعي، وأنا حقيقة متفائل بحذر بحصول تقدم في هذا المجال.

ما هي المقومات الرئيسية للرؤية المستقبلية التي يمكن أن تكون محل اتفاق التيارات المختلفة؟ 
يجب أن تكون هذه الرؤية شاملة وكفيلة بطي الصفحة السوداء التي تمر بها مصر تحت حكم الانقلاب، وقادرة على أن تصنع مستقبلا أفضل للأجيال القادمة. وحتى يحدث هذا يفترض أن تشمل على مشروع سياسي يضمن العدالة الانتقالية، ومشروع اقتصادي يضمن حياة، ومشروع لإدارة العلاقة بين الجيش والحياة السياسية.

وحتى ينجح ذلك لا بد من إبعاد الأصوات التي تريد إقصاء الآخرين. وأؤكد لك أن كل التجارب المشابهة كانت تعاني من خلافات وآلام، وقد جلست مع ممثلي تجارب مشابهة في إيرلندا الشمالية وجنوب إفريقيا وغيرها، وعلمت أنهم كانوا يعانون من الخلافات ولكنهم استطاعوا حلها بالابتعاد عن الإقصاء والتفاهم على الحد الأدنى من المبادئ. وأوكد هنا أن الحركة الإسلامية شبابها متقدمون عليها، وهم يلتقون مع كل التيارات ويؤمنون أن مصر للجميع، بما في ذلك كل التيارات المدنية وحتى الجيش بشرط الابتعاد عن السياسة.

هل أنت متفائل بأن تتمكن اللقاءات التي أشرت إليها من الوصول للاتفاق على موقف موحد تجاه التعامل مع التعديلات الدستورية؟
 
نعم.. أتمنى ذلك، ومتفائل بصدور موقف يعبر عن مجموعة من التيارات والشخصيات حتى لو خرجت بعض الأصوات المنفردة. المهم أن يجتمع أكبر عدد ممكن من التيارات على موقف وتقوم بالحشد له بالداخل، لأن الداخل هو المهم وهو المعول عليه بالتغيير دون إهمال مساعدة من هم بالخارج.

هل يوجد تواصل مع الداخل؟
 
بالتأكيد هناك أنواع من التواصل.. ولكن لا أريد أن أخوض في التفاصيل حتى لا أشكل ضغطا على الناس في الداخل.

كيف ترى الدور الذي لعبه السيسي بالتأثير على صورة مصر ودورها الإقليمي والدولي؟ 
السيسي انتقل في سياسته الخارجية من موقف لآخر، ومن محور لآخر أيضا. في بداية استيلائه على السلطة لم يكن للسيسي سياسة خارجية، ولكنه الآن يلعب دورا وظيفيا، وهو يلعب دورا لصالح القوى الكبرى والاحتلال الصهيوني. في ليبيا مثلا هو يدعم حفتر لصالح الإمارات، وفي فلسطين يلعب دورا مرسوما له، وحتى في سوريا حاول أن يكون له دور ولكن لم يسمح له بذلك. مصر السيسي هي الآن ضمن معسكر واضح هو معسكر إسرائيل بكل مواقفها الساعية لتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني ومنع عودة اللاجئين وسرقة الأراضي وغير ذلك. أما في مناطق أخرى فالسيسي ليس له وجود، خصوصا في إفريقيا التي كانت دوما ساحة مهمة للدور المصري الإقليمي. وينطبق ذلك على الحال في اليمن أيضا.

مصر كبيرة وستسترجع دورها، وفيها مئة مليون منهم الكثير من الكفاءات والعقول، ولذلك هي تستحق الكرامة والموقع المحترم في العالم، وهي تستحق الاستقلال الحقيقي الذي وصفه الرئيس مرسي ببساطة بأننا نريد امتلاك سلاحنا وغذاءنا.

ختاما، التقارير الدولية وأهمها تقرير "التنمية العربية" الذي تصدره الأمم المتحدة والذي أكد في بداية العام الماضي أن الأوضاع الآن في العالم العربي ومصر فيها من الأسباب الدافعة لقيام ثورة أكثر مما كانت عليه حتى عام 2011 قبل الربيع العربي.. هل أنت متفائل بموجة ثورية جديدة؟


أنا متفائل بإمكانية تجدد الثورة. قد نضطر فيها للتعاون مع أضداد، فمثلا قد نضطر للتعاون مع أطراف كانت جزءا من دولة مبارك التي ثرنا عليها عام 2011 أو مع أطراف من الجيش. صحيح أن هذا الأمر قد يكون صعبا على القوى الثورية، ولكن التوافقات مطلوبة إذا قامت موجة جديدة للثورة. والمقصود بالتوافقات هو ليس التحالف الكامل، بل الانطلاق من نقطة اتفاق على أن مصر تتعرض الآن لخطر التفكك والتدهور بسبب هذا النظام وأن الجميع يجب أن يتخلوا عن خلافاتهم وعن مصالحهم لمنع هذا التدهور. لا أريد رفع التوقعات، فنحن أمام حركة تغييرات كبرى ومثل هذه الحركات يرافقها الفوضى وعدم الاستقرار والتراجع الاقتصادي، ولكنها في النهاية تقود إلى وضع أفضل وأكثر استقرارا. والتغييرات الكبرى بحاجة أيضا لقيادات مختلفة ببرامج مختلفة، تستمع للشباب وتعدهم للقيادة، وتؤمن أن ليس أمامها سوى أنت تنتصر في معركتها لبناء مصر ومنح الناس ما يستحقونه من كرامة.
اقرأ أيضا:

الأحد، 7 أبريل 2019

"عربي21" تحاور يحيى حامد عن اقتصاد مصر والثورة (ج1)

"عربي21" تحاور يحيى حامد عن اقتصاد مصر والثورة(ج1)  

فراس أبو هلال
قال يحيى حامد وزير الاستثمار في عهد الرئيس مرسي، إنه يأمل بموجة جديدة من الثورة في مصر، مشيرا إلى أن النظام في مأزق، رغم قوته وسطوته الشديدة، وأن هزيمة الموجة الأولى من الثورة لا يعني هزيمتها تماما.

وأضاف حامد في حوار شامل مع رئيس تحرير "عربي21" فراس أبو هلال، أن المؤشرات الاقتصادية لمصر في تدهور كبير، وأنها تقع أسفل القائمة في معظم المؤشرات الدولية، ما يدل على أن النظام "ينصب" على الناس، وأنه يطبق سياسة اقتصادية مدمرة تسعى لسحق الطبقة الوسطى في البلاد.

ودعا حامد الأطراف المعارضة للسيسي كافة للاجتماع على هدف واحد هو إسقاط النظام، وتجاوز أخطاء وجراحات الماضي، كاشفا عن وجود تحركات من شخصيات معارضة لتكوين موقف موحد من التعديلات الدستورية التي يروج النظام لها، بهدف التمديد للسيسي في الحكم.

وفيما يلي الجزء الأول من الحوار:
كيف ترى الأوضاع في مصر بعد 5 سنوات على الانقلاب؟

يوجد زوايتان ترى منهما الأوضاع حاليا. الأول هو وضع مصر والثاني هو الوضع في الإقليم والساحة الدولية بشكل عام.

بخصوص مصر، فإن الوضع فيها غاية في السوء بعد أكثر من 5 سنوات من الانقلاب، سواء كان ذلك على المستوى الاقتصادي أو الحقوقي أو الأمني أو السياسي أو حتى النفسي مع تصاعد نسب الانتحار بشكل غير مسبوق.

في عام 2011 كان قطاع كبير من الشعب يحدوهم الأمل أن تتغير مصر وتتبوأ المكانة التي تستحقها في المنطقة والعالم. بعد الانقلاب ب 5 سنوات ترى دولة صغيرة مثل الإمارات تتحكم بالقرار المصري، وترى أيضا أن النظام يتخلى عن أراض مصرية، ونرى تطابقا تاما وليس فقط تطبيعا مع الاحتلال الصهيوني. هي إذن صفحة سوداء من تاريخ مصر، ويتطلع جزء من الشعب للتخلص منها. ولكن عندما نقرأ تاريخ الثورات فإننا ندرك أن ما تمر به مصر حاليا يشبه ما جرى في مراحل الثورة في بلاد أخرى، كما حصل في تشيلي وإسبانيا وجنوب أفريقيا وغيرها.

أما بخصوص الوضع الإقليمي فقد أدى إلى زيادة الأوضاع سوءا في مصر، لأن الانقلاب في مصر تبعته أزمات أخرى في سوريا واليمن وليبيا، وشهدت المنطقة انسحابا أمريكيا وما تبعه من دور أكبر للاعبين اقليميين في المنطقة، ومع وصول ترامب للسلطة أقام تحالفا مع محور "الشر" ممثلا بإسرائيل والسيسي ومحمد بن زايد ومحمد بن سلمان. وهذا مشهد معقد، ولكن المشهد غير مستقر ومن المؤكد ستتبعه تغييرات كبرى.

على ذكر التغييرات الكبرى، يرى كثير من المراقبين أن المرحلة الأولى من "الربيع العربي" وما تبعها من خسائر للشعوب وتقدم للثورة المضادة ما هو إلا مرحلة ضمن تغييرات جذرية ستشهدها المنطقة.. السؤال، هل هناك الكثير من القوى الحية في المنطقة لا يزالون يؤمنون بهذا التوصيف؟ أم أن الإحباط سيد الموقف؟

أعتقد أن هناك طريقتين للتفكير لدى القوى الديمقراطية والحية، أحدها يرى أن الموجة الثورية الأولى كسرت وأننا في حال انتظار طويلة، والآخر يرى أن ما جرى مرحلة ستمر وسيحصل التغيير بعدها خصوصا أن الثورة المضادة لم تستقر ولم تحقق نجاحات ثابتة، سواء في ليبيا أو اليمن أو مصر، ولا بد أن المتابع يدرك حجم الأموال التي تصرفها السعودية والإمارات لتثبيت الوضع في هذه الدول التي خسرت فيها الموجة الثورية الأولى ولكن دون جدوى. 

وعلى الرغم من حالة القمع الشديدة، إلا أن بعض القوى الثورية لا تزال تتحرك من فترة لأخرى سواء في الشارع أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان آخرها الحملة التي أطلقها الإعلامي معتز مطر- حملة اطمن إنت مش لوحدك-، وكما حدث في حالة الرد على التنازل عن تيران وصنافير. ولم يقتصر التحرك على القوى الثورية، بل إنه وصل إلى رموز النظام القديم مثل الفريق سامي عنان والفريق أحمد شفيق اللذين أعلنا ترشحهما للرئاسة وواجها بسبب ذلك السجن والأذى.

وبالتالي أنا أرى أننا في حالة الصراع، وهي حالة قد تقود إذا لم نحسن التصرف للانكسار، ولكنني أميل أكثر للاعتقاد أن النظام في مأزق وقمع، في حين أن الشباب الذين كانوا صغارا عند قيام ثورة يناير أصبحوا الآن فاعلين ويشاركون بفعاليات رافضة للنظام مما يضطر النظام لاعتقالهم. الثورات في المنطقة لم تقم لأجل الخبز فقط، ولكن لأجل الحريات والحياة الكريمة أيضا، ولهذا لا زلت أرى أملا كبيرا بالثورة على النظام.

فيما يتعلق بالاقتصاد، وأنت كنت وزير الاستثمار في عهد الرئيس مرسي، ماذا يقلقك بخصوص مؤشرات الاقتصاد المصري؟

المؤشرات المقلقة كثيرة، منها مثلا حجم الدين الخارجي الذي وصل إلى 94 مليار دولار بينما كان عام 2013 حوالي 45 مليار دولار، أما حجم الدين المحلي فقد وصل إلى 3.8 تريليون جنيه، مع العلم أن الدين المحلي كان عند استلام السيسي للسلطة حوالي 1.8 تريليون جنيه، مما يعني أنه ضاعف الدين المحلي خلال خمس سنوات، أي أن ما استدانته مصر تحت حكم السيسي يساوي كامل حجم دين الدولة المصرية منذ تأسيسيها!

هذا التصاعد في حجم الدين حصل على الرغم من حصول السيسي على 100 مليار دولار من هبات وقروض وودائع من الدول الخليجية والصندوق الدولي. إذن، الدولة تقترض والقطاع العام يقترض والشركات الخاصة تقترض بضمان من البنك المركزي، بما يعني أن النظام يرهن مستقبل مصر وأجيالها بحجم هائل من الديون الخارجية والداخلية.

ولكن مع ذلك، هناك مؤشرات إيجابية في الاقتصاد المصري، مثل حجم النمو مثلا، ألا تشكل هذه المؤشرات نجاحا اقتصاديا؟

حتى نفهم هذا المؤشر جيدا دعنا نعود للتاريخ قليلا.كان حجم النمو في عام 2008 حوالي 7.2% ثم تراجع بعد الثورة وأثناء الحكم العسكري إلى نسبة 2-3% واستمر كذلك في فترة حكم الرئيس مرسي. أما في السنة الماضية فإن النظام يزعم أن النمو وصل إلى 5.2%، ولكنه لم يذكر مصدر هذا النمو. إن جل هذه الزيادة في النمو جاءت من الاكتشافات البترولية الجديدة، التي لم ينعكس اكتشافها على أي بند من بنود الميزانية التي تهم المواطن، بدليل أن 50% من الشعب المصري يعيش تحت خط الفقر الذي حدده البنك الدولي وهو1.9 دولار يوميا.

لو افترضنا أسرة من 5 أشخاص فإنها تحتاج لدخل متوسط 5500 جنيه حتى تتجاوز حد الفقر المدقع، بينما الحد الأدنى من الأجور حوالي 2000-2500 جنيه، ثم لو نظرنا لمناطق الفقر مثل الصعيد، فإننا نجد أن 70% من المواطنين في الصعيد هم تحت خط الفقر، وفي نفس الوقت لا نجد أية مشاريع انتاجية أو تنموية تستهدف هذه الفئة من الشعب لحل أزماتهم الاقتصادية. وبدلا من التنمية فإننا نجد أن السيسي ركز على المشروعات الكبيرة "الوهمية" عندما حصل على قروض وهبات وودائع وصلت إلى 100 مليار دولار، وهذه المشروعات لا تدر أي جنيه على الاقتصاد المصري والإنتاج والتنمية، فمثلا صرف السيسي 9 مليار دولار على "تفريعة السويس"، والنتيجة أن القناة كانت تدخل على الاقتصاد عام 2014 حوالي 5.2 مليار دولار وبعد التفريعة زادت فقط 2% بدخل يصل إلى 5.3 مليار دولار مقابل استثمار هائل بلغ 9 مليارات دولار.
أما العاصمة الإدارية الجديدة التي كلفت حوالي 46 مليار دولار، فإن النظام يقول إنها خارج الميزانية، وهذا بالطبع كلام مرفوض لأن الميزانية ليست من جيب السيسي. 

ومن الأرقام المفزعة أيضا بجانب الدين العام والفقرهي الأموال التي أنفقت على استيراد الأسلحة، حيث أصبحت مصر ثالث دولة في العالم استيرادا للأسلحة بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار، دون أن يعرف هذه الأسلحة موجهة لمن في ظل العلاقات المتميزة للنظام مع دولة الاحتلال وحفتر في ليبيا، مما يؤكد أن هذا النظام يلعب دورا وظيفيا في المنطقة وأن شراء الأسلحة ما هو إلا "رشى سياسية" للحصول على دعم الدول المصدرة للسلاح لتغض الطرف عن سياسات السيسي الحقوقية والانتهاكات الكبيرة المستمرة.

بيع الأصول

ما دلالات إنشاء ما يسمى بالصندوق السيادي؟ وما تأثيراته على الاقتصاد المصري؟

يعتبر إنشاء ما يسمى "الصندوق السيادي المصري" من أشد السياسات الاقتصادية خطورة لنظام السيسي.فهذا الصندوق له صلاحيات واسعة وغريبة جدا، مثل التعامل مع "الأصول المستغلة وغير المستغلة للقطاع العام"، وهو ما يشمل طرح شركات القطاع العام التي يبلغ عدد موظفيها حوالي 300 ألف شخص للبيع، وخصوصا الشركات الناجحة. وعلى سبيل المثال تم بيع 4.5% من قيمة "الشرقية للدخان"وهي شركة ناجحة اقتصاديا لمستثمر إماراتي هو محمد العبار. وفي نفس الإطار قال وزير الاستثمار في حكومة السيسي أن الحكومة ستطرح 50 شركة من القطاع العام للتداول، ولكن الأخطر هو التوجه لطرح أهم ثلاث شركات هي الإسكندرية للحاويات، أبو قير للأسمدة، وإم بي وهي الشركة الأهم للبترول في مصر.

هذا يعني أن عشرات الآلاف قد يسرحون من أعمالهم وأن مصر لن تكون قادرة على امتلاك بعض الأصول وبعض الصناعات الاستراتيجية، وعلى الرغم من أننا حريصون على أن لا تنافس الدولة تجار القطاع الخاص ولكن هناك بعض الصناعات التي تتعلق بالأمن القومي يجب أن تبقى للدولة سيطرة عليها لأسباب اقتصادية واستراتيجية، وهذا ما يحدث حتى في دول أوروبا ذات الاقتصاد الرأسمالي.

وفي نفس الوقت، نجد أن دولا صغيرة مثل الإمارات صارت تسيطر على قطاعات اقتصادية حيوية مثل الصحة، على سبيل المثال اشترت شركات إماراتية حوالي 12 مستشفى خاصا، إضافة لعدد من مراكز الفحوص والمختبرات.

باختصار، سياسة السيسي هي طحن الطبقة الوسطى من خلال رفع أعباء المواطن، وزيادة أسعار السلع وخصوصا الأساسية منها مثل الكهرباء والغاز، إضافة لرهن حاضر ومستقبل مصر من خلال رفع الاستدانة وبيع الأصول لدول خارجية، وهناك خوف من تدويل هذه الأصول فمن يدري إذا كانت الشركات الإماراتية ستبيع هذه الأصول لشركات إسرائيلية مثلا.

ويجب أن أشير إلى أن أحد سياسات السيسي في هذه الفترة هي الزيادة الدائمة في رواتب الجيش والشرطة بلغت 12 زيادة منذ الانقلاب ووصوله للسلطة.

مصر في المؤشرات العالمية

البعض قد يشكك في المؤشرات السلبية للاقتصاد التي تذكرها المعارضة.. ما هو وضع مصر في المؤشرات العالمية؟

دعنا نرى تقييم التنافسية الدولية التي يصدره البنك الدولي مثلا، فهو يقول إن مصر من حيث تقييم المؤسسات هي في المركز 102 من 140 دولة. أما فيما يتعلق بقدرة مصر على مقاومة الإرهاب فإن مصر تقع في المركز الـ 135 على مستوى العالم، بينما حصلت على مركز 132 في مستوى حرية الصحافة، أما بخصوص استخدام التقنية في الحكم فإن مصر تقع في المركز 100. أمام في مجال السياسات الكلية الاقتصادية فإن مصر تعتبر في آخر خمس دول بالعالم حسب نفس التقرير وهي كذلك في المركز 135 فيما يتعلق بمستوى التضخم، وفي المركز 127 بخصوص مستوى الدين، أما في المجال الصحي فإن مصر في المركز 99 من 140 دولة في العالم. كل هذه المؤشرات تقول إن النظام "ينصب على الناس"!

أما العنصر الوحيد الذي تتقدم فيه مصر فهو العنصر المصري وقدرته على الاختراع "Innovation Capacity"، حيث احتلت مصر المركز 38 على العالم في هذا المجال، ولكن المشكلة أن هذه القدرات بدلا من أن تستفيد منها الدولة فإنها تهملها، ويختصر السيسي الموضوع بالتسول من خلال قوله إنه يريد المطالبة بنسبة مالية من العالم مقابل هذه القدرات في مجال الاختراع!

الاكتشافات النفطية الجديدة

ما هي أهمية الاكتشافات النفطية الجديدة؟ ولماذا لم تستفد مصر منها اقتصاديا كما يبدو من المؤشرات؟

دعنا نعود للتاريخ قليلا. لقد طلب الرئيس مرسي عام 2012 بإعادة تقييم الاتفاقيات مع شركات الطاقة العالمية الكبرى مثل بريتيش بيتروليوم وإيني الإيطالية وغيرها، وبدأت بالفعل وزارة البترول في نهاية السنة التي حكم فيها مرسي بالجلوس مع الشركات لمراجعة الاتفاقيات لأن فيها خللا، ولعل هذا يفسر دعم الدول الغربية للسيسي لأنها لا تريد رئيسا مصريا مثل مرسي يمتلك الإرادة.

أما بخصوص السيسي، فقد أعلن عن هذه الاكتشافات حتى يسجل إنجازات وهمية باسمه، ونحن على كل سعداء باكتشافات الطاقة لأنها ملك للشعب المصري، أما مشكلتنا الحقيقية فهي عدم وجود شفافية ومعلومات واضحة حول الاكتشافات، فلا نحن نعرف حجمها ولا طبيعة الاتفاقات مع شركات الطاقة العالمية، وحتى الآن لم نستفد منها في الاقتصاد المصري. وبالتالي فإن الاكتشافات بحد ذاتها ليست إنجازا، ولكننا نريد معرفة طبيعتها وعوائدها على المواطن المصري، لأن السيسي يتحكم فيها ويتصرف كأنه المالك لها، وحتى الآن لم نر أي مدخول منها في الميزانيات، ومع كل هذه الاكتشافات لا تزال مصر تستورد الغاز من دولة الاحتلال.

إذن المشكلة هي في الشفافية فيما يتعلق بالاكتشافات وليس بطبيعة التعاقدات مع الشركات العالمية المستثمرة فيها؟

نحن لا نعرف هذه التعاقدات وطبيعتها بسبب غياب الشفافية، ولكنني أعتقد أن التعاقدات مجحفة بحق مصر بالتأكيد. مشكلتنا الحقيقية أنه لا يوجد من يمثل الشعب المصري ويدافع عن حقوقه، ولا يوجد أي معلومة عن خيرات البلد.