‏إظهار الرسائل ذات التسميات آفي شليم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آفي شليم. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 فبراير 2020

فلسطين والغرب: قرن من الغدر

فلسطين والغرب: قرن من الغدر

آفي شليم
تعتبر خطة ترامب بالنسبة لليمين الإسرائيلي انتصارا دبلوماسيا شبيها بوعد بلفور، أما بالنسبة للفلسطينيين فما هي سوى غدر آخر يمارسه الغرب ضدهم.


كان ناعوم تشومسكي قد وصف الاستعمار الاستيطاني بأنه أشد أشكال الإمبريالية سادية. من سوء حظ الفلسطينيين أنهم وقعوا ضحية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني والإمبريالية الغربية في نفس الوقت على مدى القرن الماضي.

كان أول وأهم غدر مورس ضد الفلسطينيين هو وعد بلفور في عام 1917، والذي التزمت الحكومة البريطانية بموجبه بدعم إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، شريطة ألا يطرأ شيء من شأنه أن "ينال من الحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين."

كان اليهود في عام 1917 يشكلون أقل من عشرة بالمئة من سكان فلسطين بينما كان العرب يشكلون تسعين بالمئة من مجموع السكان. ومع ذلك فقد اختارت بريطانيا الاعتراف بحق تقرير المصير للأقلية الضئيلة وحرمان الأغلبية العظمى من ذلك الحق. وحسبما عبر عن ذلك الكاتب اليهودي آرثر كوستلر فقد "وعد شعب شعبا آخر بأن يمنحه بلد شعب ثالث."

خطيئة كبرى

كان وعد بلفور وثيقة استعمارية أوروبية كلاسيكية. ولقد حلت في شخصية كاتب الوثيقة، وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر جيمز بلفور، الذهنية الاستعمارية، والتي ترى أن الحقوق الوطنية لسكان البلاد لا تعني شيئا بالنسبة له.

فقد كتب فيما بعد يقول: "سواء كانت الصهيونية صوابا أم خطأ، جيدة أم سيئة، فهي متجذرة في تقاليد ممتدة عبر الأجيال، وفي احتياجات حاضرة، وفي آمال مستقبلية، لمضمون أعمق بكثير من رغبات وميول سبعمائة ألف عربي يقطنون الآن تلك الأرض الموغلة في القدم." يصعب على المرء أن يجد توضيحا أشد من ذلك لما أطلق عليه إدوارد سعيد عبارة "المعرفة الأخلاقية للإمبريالية".

من وجهة نظر المصالح البريطانية، كان وعد بلفور خطيئة كبرى، بل واحدا من أسوأ الأخطاء الاستراتيجية في تاريخ بريطانيا الإمبريالي. أما من المنظور الصهيوني، فقد مثل فتحا كبيرا على طريق إنجاز مشروع الدولة، ومهد السبيل نحو الاستيلاء الصهيوني المنتظم على البلاد، وهي العملية التي استمرت بلا هوادة حتى يومنا هذا.

فمنذ عام 1920 وحتى عام 1948، كانت بريطانيا صاحبة الانتداب على فلسطين، وكان حجر الزاوية في السياسة الانتدابية هو حظر المؤسسات التمثيلية إلى أن غدا اليهود أغلبية. وحينما انتفض العرب في عام 1936 قمع الجيش البريطاني ثورتهم بوحشية شديدة.

لم تضع فلسطين في أربعينيات القرن العشرين كما هو رائج وإنما في الثلاثينيات منه، حيث لعبت بريطانيا دورا محوريا، وإن كانت لا تعترف بذلك حتى الآن، في خلق المأساة الفلسطينية.

رابحون وخاسرون

ينسجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تماما مع هذا النمط من خدمة المصالح الصهيونية على حساب الفلسطينيين. فمن خلال رؤيته المبسطة للعالم، لا يوجد سوى رابحين وخاسرين – وبالنسبة له، فإن الإسرائيليين هم الرابحون بينما الفلسطينيون هم الخاسرون على الدوام. وبذلك تجده قد تخلى تماما عن مجرد التظاهر بالإنصاف والتصرف كوسيط نزيه.

بدلا من ذلك، تولى ترامب دور محامي إسرائيل، فما كان من إدارته إلا أن انقلبت بشكل سريع ومفاجئ على السياسة الأمريكية معلنة أن المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة باتت مشروعة وأنها لا تشكل عقبة في طريق السلام. لم يكتف ترامب بدعم دولة إسرائيل، بل تحالف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومع المستوطنين اليمينيين المتطرفين الذين وضعوا نصب أعينهم هدف ضم معظم مناطق الضفة الغربية المحتلة إلى إسرائيل الكبرى.

منذ أن وصل إلى السلطة، وجه ترامب سلسلة من اللكمات للشعب الفلسطيني، حيث اعترف بالقدس كاملة عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، وأوقف تمويل الولايات المتحدة للأونروا، وهي الوكالة التي ترعى شؤون اللاجئين الفلسطينيين، وسحب المساعدة المالية التي تقدم للسلطة الفلسطينية، واعترف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان المحتلة، وأغلق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

ثم في الثامن والعشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي، كشف ترامب عن خطته المسماة "صفقة القرن" والتي طالما روج لها وأجل الإعلان عنها، واصفا إياها بالفرصة السانحة التي تعود بالخير على الفلسطينيين.

تعترف الخطة بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل وتمنح إسرائيل الحرية المطلقة في ضم المستوطنات اليهودية غير المشروعة في الضفة الغربية وكذلك ضم وادي الأردن الخصيب الذي يشكل سلة الخبز بالنسبة للمجتمع الفلسطيني. وتُمكن الخطة إسرائيل من الاحتفاظ بالسيطرة المطلقة على الأمن في الضفة الغربية وعلى ما فيها من شبكة طرق سريعة وأنفاق وقواعد عسكرية.

التجرد من الأخلاق

في ذات الوقت، مطلوب من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية والتوقف عن المطالبة بالعدالة إزاء ما ارتكب في حقهم من جرائم حرب.

أما الدولة الفلسطينية بحسب ما تتصوره الخطة، فستكون دولة منزوعة السلاح، ولها عاصمة تقع في ضواحي القدس الشرقية وتقتصر أراضيها على قطاع غزة وبعض الجيوب المتقطعة في الضفة الغربية. لن تكون لفلسطين حدود مع أي من الدول العربية المجاورة ولا سيطرة لها على مجالها الجوي ولا على مياهها ومواردها الطبيعية الأخرى.

إنها خطة لإقامة مجموعة من البانتوستانتات الجرداء المحاطة من كل مكان بالجيش الإسرائيلي وبأعداد متزايدة من المستوطنين اليهود. وهي بذلك أشبه ما تكون بالسجن منها بالدولة. ومقابل الموافقة على هذه الخطة المجحفة، غير المنصفة وغير القانونية، يوعد الفلسطينيون بتلقي مبلغ خمسين مليار دولار على مدى خمس سنوات، مصدرها ليس الخزانة الأمريكية وإنما دول الخليج.

لم يكن عجبا إذن أن يُقبل نتنياهو على خطة ترامب بابتهاج شديد، فهي في الأساس خطته التي تحقق له كل ما يتمناه. وفوق كل ذلك، وكما يجمع مؤيدو ومعارضو الخطة، فإنها ستكون بمثابة المسمار الأخير في نعش حل الدولتين وحلم إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ولا عجب أيضا أن تُجمع كل الفصائل الفلسطينية على الرفض الشديد لهذا العرض، وذلك أن ما يعرضه ترامب ليس خطة للسلام، وإنما خطة منبثقة عن نظام الفصل العنصري (الأبارتايد). إنه محاولة سافرة لشرعنة الاحتلال غير القانوني وإخضاع ملايين الفلسطينيين للسيطرة الإسرائيلية الدائمة. وإذ تفوح منها رائحة الذهنية الاستعمارية، فإن هذه الخطة تخلو من أي معنى للأخلاق ولا تتوفر فيها حتى أدنى مستويات الفضيلة الإنسانية.

تعتبر خطة ترامب بالنسبة لليمين الإسرائيلي انتصارا دبلوماسيا مذهلا شبيها بوعد بلفور، أما بالنسبة للفلسطينيين فما هي سوى فصل أخير في ملحمة مستمرة على مدى قرن من الزمن شيمتها الخديعة والغدر الذي تمارسه القوى الغربية ضدهم.


الأحد، 27 أغسطس 2017

وعد بلفور: دراسة في نفاق بريطانيا وازدواجية معاييرها

وعد بلفور: دراسة في نفاق بريطانيا وازدواجية معاييرها

آفي شليم

كان إعلان (وعد) بلفور، الذي صدر في الثاني من نوفمبر 1917، وثيقة قصيرة غيرت مجرى التاريخ. ألزمت الوثيقة الحكومة البريطانية بتأييد إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، شريطة ألا يؤتى بشيء من الأفعال التي قد تؤدي إلى "الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين."

حينها، كان اليهود يشكلون 10 بالمئة من سكان فلسطين: ستون ألف يهودي مقابل ما يزيد قليلا على ستمئة ألف عربي. ومع ذلك اختارت بريطانيا الاعتراف بحق تقرير المصير الوطني للأقلية الصغيرة، وإنكار ذلك الحق للأغلبية التي لا جدال فيها. وكما قال الكاتب اليهودي آرثر كوستلر: لدينا هنا شعب يعد شعبا آخر أرض شعب ثالث.

بعض السرديات المعاصرة تعرض إعلان بلفور كما لو كان لفتة إيثار متجردة، بل وحتى كما لو كان مشروعا مسيحيا نبيلا، قصد منه مساعدة شعب قديم في إعادة إنشاء حياته القومية في أرض أسلافه. تنبع مثل هذه السرديات من الرومانسية المتأثرة بروايات الكتاب المقدس لدى بعض المسؤولين البريطانيين وكذلك انطلاقا من تعاطفهم مع معاناة يهود أوروبا الشرقية. 

إلا أن الدراسات العلمية التي أنجزت لاحقا ترى أن المحفز الرئيس لإصدار الإعلان كان حسابات ماكرة تتعلق بالمصالح الإمبريالية البريطانية. ساد الاعتقاد حينها، وثبت أنه اعتقاد خاطئ فيما بعد، بأن مصالح بريطانيا يمكن أن تخدم على أحسن وجه من خلال التحالف مع الحركة الصهيونية في فلسطين. 

كانت فلسطين تتحكم بخطوط اتصال الإمبراطورية البريطانية مع الشرق الأقصى، وكانت فرنسا -حليف بريطانيا الرئيسي في الحرب ضد ألمانيا- تنافس بريطانيا هي الأخرى في السعي لبسط النفوذ على فلسطين. 

وكان البلدان أقدما بموجب اتفاقية سايكس بيكو، التي أبرمت في عام 1916، على تقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ بينهما، لكنهما توافقا على وضع فلسطين تحت إدارة دولية. وكان البريطانيون يأملون من خلال مساعدة الصهاينة في الاستيلاء على فلسطين في أنهم سيتمكون من ضمان جود مهيمن لهم في المنطقة ينجم عنه إقصاء الفرنسيين. ولذلك أطلق الفرنسيون على البريطانيين عبارة "الإنجليز الغادرون"، وكان إعلان بلفور هو المثال الأول لهذا الغدر الذي لم يتوقف. 


ضحايا بلفور الرئيسيين

إلا أن ضحايا بلفور الرئيسيين لم يكونوا الفرنسيين، وإنما عرب فلسطين. كان الإعلان وثيقة استعمارية أوروبية تقليدية نسجها معا مجموعة صغيرة من الرجال تهيمن على عقولهم الذهنية الاستعمارية، وصيغت بأسلوب تجاهل تماما الحقوق السياسية للأغلبية العظمى من السكان الأصليين. 

لم يبذل وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور أدنى جهد لإخفاء ازدرائه للعرب. فقد كتب في عام 1922 يقول: "الصهيونية، سواء كانت صوابا أم خطأ، حسنة أم سيئة، تعود في جذورها إلى تقاليد موغلة في القدم، وتمثل احتياجات الحاضر وآمال المستقبل لما هو أعمق وأهم بكثير من رغبات وتحيزات سبعمئة ألف عربي يقطنون الآن تلك الأرض العتيقة."

لا يمكنك أن تجد تفسيرا أبلغ لذلك مما عبر عنه إدوارد سعيد بعبارة "المعرفية الأخلاقية للإمبريالية". 

كان بلفور أرستقراطيا إنجليزيا ضعيف الهمة واهن العزم، وكانت القوة الحقيقية الدافعة وراء إصدار الإعلان تتمثل ليس في شخص بلفور وإنما في شخص دافيد لويد جورج، المتطرف الويلزي والخطيب الناري المفوه الذي كان حينها يترأس الحكومة البريطانية.

 كان لويد جورج في مجال السياسة الخارجية بريطانيا امبرياليا من النمط التقليدي والقديم، وكان مغرما بالاستيلاء على أراضي الغير. ومع ذلك، لم يكن دعمه للصهيونية منطلقا من تقدير سليم للمصالح البريطانية وإنما من جهل مدقع: كان معجبا باليهود ولكنه كان يخشاهم، ولم يدرك في حينه أن الصهاينة لم يكونوا سوى شرذمة قليلة ضمن أقلية صغيرة. 

وكان من خلال تحالفه مع الحركة الصهيونية ينطلق من وجهة نظر خاطئة، ومعادية للسامية في نفس الوقت، مفادها أن اليهود كانوا في منتهى النفوذ والهيمنة وأنهم كانوا القوة التي تدير عجلة التاريخ. بينما في واقع الأمر، كان اليهود في وضع بائس، لا حول لهم ولا قوة، ولا يملكون من النفوذ إلا ما حاكته أساطير تحدثت عن سلطان خفي نسب إليهم أو نسبوا إليه زورا وبهتانا. 

باختصار، كان الدعم البريطاني للصهيونية في زمن الحرب العالمية الأولى ينبع من سلوك استعماري مستكبر تجاه العرب، ومن انطباع خاطئ عن اليهود يرى أنهم باتوا قوة عالمية. 


واجب مزدوج

ضاعفت بريطانيا من خطيئتها الأولى عندما بادرت إلى دمج بنود إعلان بلفور في وثيقة الانتداب على فلسطين، والتي صدرت عن عصبة الأمم في ذلك الوقت. فما كان مجرد وعد من قوة عظمى إلى حليف صغير أصبح الآن وثيقة دولية ملزمة من الناحية القانونية. 

ولنكون أكثر دقة، يمكننا القول بأن بريطانيا بوصفها القوة المنتدبة بالوصاية على فلسطين حملت على كاهلها التزاما مزدوجا: مساعدة اليهود في إقامة وطن قومي في كل فلسطين التاريخية وفي نفس الوقت حماية الحقوق المدنية والدينية للعرب. أنجزت بريطانيا الالتزام الأول ولكنها أخفقت في الوفاء في الالتزام الثاني رغم تفاهته وانعدام قيمته. 

لا يمكن لأحد أن يجادل في أن بريطانيا مذنبة بممارسة النفاق والازدواجية والخداع. إلا أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح الآن هو: هل عادت هذه السياسة اللاأخلاقية على بريطانيا بمكاسب حقيقية؟ إجابتي القطعية على هذا السؤال هي: لا لم تعد عليها بشيء مفيد على الإطلاق. 

لقد كان إعلان بلفور عبئا كبيرا أثقل كاهل بريطانيا منذ أن بدأ الانتداب وإلى أن وصل إلى نهايته المخزية في مايو / أيار من عام 1948. 

ظل الصهاينة يدعون بأن كل ما فعلته لهم بريطانيا خلال فترة الحرب لم يرق إلى ما ورد في الوعد الأصلي الذي قطعته على نفسها لهم.

وزعموا كذلك بأن الإعلان كان يقتضي دعم قيام دولة يهودية مستقلة.
 رد على ذلك المسؤولون البريطانيون بالقول إنهم إنما وعدوا اليهود وطنا قوميا فقط، وأن الوطن والدولة ليسا شيئا واحدا. كسبت بريطانيا في تلك الأثناء ليس فقط عداوة الفلسطينيين بل وعداوة ملايين العرب والمسلمين حول العالم. 

في كتابها القيم "لحظة بريطانيا في الشرق الأوسط" Britain's Moment in the Middle East، قدمت إليزابيث مونرو حكما متوازنا حول ما جرى، إذ تقول: "إذا أردنا أن نقيس ما جرى فقط من خلال المصالح البريطانية، فقد كانت تلك من أفدح الأخطاء التي ارتكبناها في تاريخنا الإمبريالي."

يمكن للمرء من خلال الإدراك المتأخر أن يخلص إلى أن إعلان بلفور كان في الواقع سقطة استراتيجية هائلة. 


كانت ثمرته النهائية هي تمكين الصهاينة من الاستيلاء على فلسطين، وهو استيلاء مازال حتى يومنا هذا يأخذ شكل توسع استيطاني غير قانوني ولا يعرف الشفقة في كل أنحاء الضفة الغربية على حساب الفلسطينيين. 


الذهنية المتجذرة


أخذا بالاعتبار ذلك السجل التاريخي، قد يتوقع المرء أن يجد القادة البريطانيين يطأطئون رؤوسهم خجلا وشعورا بالذنب وأن يلمس منهم النأي بأنفسهم عن الإرث البغيض لذلك الماضي الاستعماري. إلا أن آخر ثلاثة رؤساء وزراء من الحزبين السياسيين الرئيسين – طوني بلير، وغوردون براون، ودافيد كاميرون – كلهم عبروا عن تأييدهم الشديد لإسرائيل وتجاهلهم التام للحقوق الفلسطينية. 

أما رئيسة الوزراء الحالية تيريزا ماي، فهي أكثر الزعماء في أوروبا تأييدا لإسرائيل وحماسة لها.

ففي خطاب ألقته في ديسمبر / كانون الأول أمام جمعية أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين، والتي ينتسب إليها ما يزيد عن ثمانين بالمئة من نواب حزب المحافظين وكافة أعضاء الوزارة، أشادت بإسرائيل واصفة إياها بـ "البلد الرائع" وبأنها "منارة للتسامح". 

وفيما يتعلق بإعلان بلفور، راحت تفرك الملح في جروح الفلسطينيين واصفة إياه بأنه "واحد من أهم الخطابات التي كتبت في التاريخ"، ووعدت بأن تنظم احتفالا بمناسبة ذكراه المئوية. 

وكان 13,637 شخصا – بمن فيهم كاتب هذا المقال – قد وقعوا على عريضة تطالب الحكومة بالاعتذار عن وعد بلفور، فردت الحكومة عليهم بالتصريح التالي:

"إن إعلان بلفور بيان تاريخي لا تنوي حكومة صاحبة الجلالة الاعتذار عنه، بل نحن فخورون بالدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل". 

كان الإعلان قد حرر في عالم يشهد تنافسا بين القوى الإمبريالية، في أوج الحرب العالمية الأولى وفي ساعة أفول شمس الإمبراطورية العثمانية. في مثل هذا السياق، كان تأسيس وطن للشعب اليهودي في الأرض التي ربطتهم بها أواصر تاريخية ودينية قوية هو الإجراء الصائب والأخلاقي، وخاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار ما عانوه لقرون من اضطهاد. 

لقد وقعت كثير من الأحداث منذ عام 1917، ونحن ندرك بأنه كان ينبغي على الإعلان أن يطالب بحماية الحقوق السياسية للمجتمعات غير اليهودية في فلسطين، وخاصة فيما يتعلق بحقها في تقرير المصير. إلا أن ما هو مهم الآن هو التطلع إلى الأمام وتوفير الأمن والعدل للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء من خلال تحقيق السلام الدائم."

من الواضح، وبالرغم من مرور قرن من الزمن، أن الذهنية الاستعمارية للنخبة السياسية البريطانية مازالت متجذرة بعمق. إذ مازال الزعماء البريطانيون المعاصرون، مثلهم في ذلك مثل أسلافهم في زمن الحرب العالمية الأولى، يشيرون إلى العرب على أنهم "المجتمعات غير اليهودية في فلسطين". 

صحيح أن الحكومة تقر بأنه كان يتوجب على الإعلان حماية الحقوق السياسية للعرب في فلسطين، لكنها تخفق في الاعتراف بأن إسرائيل مستمرة بكبر وغطرسة في إنكار حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم الوطني، كما تخفق في الاعتراف بتواطؤ بريطانيا نفسها في بقاء هذه الحالة من الإنكار. ومثلهم في ذلك مثل ملوك البوربون في فرنسا، يبدو أن حكام بريطانيا لم يتعلموا شيئا، ولم ينسوا شيئا طوال المئة عام الماضية.