‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي حسين باكير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علي حسين باكير. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 11 مايو 2016

التحالف الخبيث.. جرد حساب للتعاون بين الأسد وداعش

التحالف الخبيث.. جرد حساب للتعاون بين الأسد وداعش



علي حسين باكير:كاتب وباحث أردني
خلال المرحلة السابقة، استُخدم داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) ضد تركيا كأداة سياسية رخيصة، وقد صُنعت أساطير وروايات كثيرة عن التعاون بين الطرفين لاسيما فيما يتعلق بتجارة النفط، خاصة بعد أن أسقطتأنقرة المقاتلة الروسية التي اخترقت أجواءها، حتى وصل الأمر إلى درجة أن يقول نائب وزير الدفاع الروسي بنفسه أن الرئيس التركي وعائلته يتاجرون بالنفط مع تنظيم داعش!

لكن ما نشر قبل وبعد ذلك من وثائق لم يدع مجالا للشك أبدا حول طبيعة تجارة النفط التي كان تنظيم داعش يديرها والعلاقة بينه وبين مثلث الأسد وروسيا وإيران.

النفط مقابل المال
قصة داعش مع النفط في سوريا بدأت بعد أن استولى التنظيم على آبار النفط شرقي البلاد عام 2013، ومنذ ذلك الحين، بدأت مهمة تمويل داعش من قبل نظام الأسد ضمن صفقة النفط مقابل المال. لم يتوقف الأمر عند التمويل فقط، بل تعداه إلى التشغيل المشترك أيضا سواء من خلال وسيط أو من خلال موظفي الحكومة السورية التابعة لنظام الأسد.
"في مارس/آذار من العام 2015، أصدر الاتحاد الأوروبي لائحة عقوبات تضمنت لأول مرة اسم شخص يدعى جورج حسواني، وقد تم تعريفه حينها على أنه الرجل الوسيط بين داعش ونظام الأسد، وهو مسيحي سوري يحمل الجنسية الروسية، ويمتلك شركة مقاولات"
في مارس/آذار من العام 2015،أصدر الاتحاد الأوروبي لائحة عقوبات تضمنت لأول مرة اسم شخص يدعى جورج حسواني، وقد تم تعريفه حينها على أنه الرجل الوسيط بين داعش وبين نظام الأسد، وهو مسيحي سوري يحمل الجنسية الروسية أيضا، ويمتلك شركة مقاولات تدعى (HESCO) يدير مكتبها في موسكوشقيق زوجته.

عندما استولى داعش على معمل الطبقة في أغسطس/آب 2014، كانت شركة جورح حسواني لا تزال تدير المعمل، وبقي داعش يمد النظام بالطاقة منها، وقد ظل الموظفون الرسميون يعملون في حقول النفط والغاز التي يسيطر عليها التنظيم في الوقت الذي كانوا لا يزالون يتلقون فيه رواتبهم من نظام الأسد عبر وزارة النفط. لقد كان نظام الأسد حينها يشتري النفط من التنظيم ثم يعيد بيعه بسعر منخفض نسبيا مقارنة بالنفط الذي يباع في مناطق سيطرة المعارضة.

في تلك الفترة كشف المركز السوري لبحوث السياسات أن خسائر سوريا فاقت الـ 200 مليار دولار. ولا شك أن النظام كان يعاني إفلاسا ماليا لولا الدعم المالي الإيراني الذي كان يتراوح وفقا للتقديرات بين 6 و 14 مليار دولار سنويا، وقد تحدثت تقارير حينها عن أن الأسد وافق على بيع أو رهن أملاك تعود للدولة السورية مقابل استمرار المساعدات المالية المتدفقة من طهران، ولا شك أنه كان يستفيد من هذا الدعم في تمويل علاقاته التجارية مع العديد من الأطراف من بينها داعش.

في ديسمبر/كانون الأول من العام 2015 ، قال آدم سزوبن وكيل وزارة الخزانة الأميركية للإرهاب والاستخبارات المالية إن الغالبية العظمى من نفط داعش يذهب إلى مناطق تحت سيطرة نظام الأسد، وقد قدرت حينها مبيعات داعش من النفط بحوالي 40 مليون دولار شهريا، محققا ما مجموعه حوالي نصف مليار دولار.


الوثائق الفاضحة
هذه المعلومات لم تكن مجرد تخمينات أو ادعاءات، ففي مايو/أيار من العام 2015، قامت قوات كوماندوز أميركية خاصة بعملية داخل الأراضي السورية أدت إلى مقتل المسؤول المالي الذي يدير عمليات بيع النفط في تنظيم داعش ويدعى أبو سياف، وفي تلك العملية تم الاستيلاء على آلاف الوثائق التي عثر عليها في مقر أبي سياف في دير الزور، وقد عرفت العملية فيما بعد بأكبر عملية إغارة في تاريخ القوات الأميركية الخاصة نظرا للحجم الهائل من الوثائق التي عُثر عليها والتي تعود إلى التنظيم.

في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2015، عقد اجتماع مصغر رفيع المستوى للمجموعة الأساسية لمكافحة داعش في بروكسل. في ذلك الاجتماع المغلق شرح مبعوث الرئيس الأميركي أوباما للتحالف الدوليضد داعش برت ماكغرك حيثيات العملية الخاصة التي أدت إلى مقتل أبي سياف، وكيف تم جمع المعلومات اللازمة للعملية، وطريقة التنفيذ، ومن ثم الدروس والعبر التي تم استخلاصها.

وقال ماكغرك في ذلك الاجتماع المغلق إن داعش حصل على عوائد أكبر بكثير مما كان التحالف يظن سابقا. وعلى ما يبدو فقد تم التوصل إلى هذا الاستنتاج من خلال الوثائق التي تم الاستيلاء عليها آنذاك وجرى تحليلها ودراستها فيما بعد.

لقد كشفت هذه الوثائق حجم التعاون بين الأسد وتنظيم داعش، و كيف قام الطرفان بترتيبات نفعية متبادلة على الرغم من ادعاء كل منهما أن الهدف من حربه هو القضاء على الطرف الآخر. واستنادا إلى تحليل الوثائق، لم يعد هناك أدنى شك في تعامل الأسد مع تنظيم داعش.
"لقد كشفت الوثائق حجم التعاون بين الأسد وتنظيم داعش، و كيف قام الطرفان بترتيبات نفعية متبادلة على الرغم من ادعاء كل منهما أن الهدف من حربه هو القضاء على الطرف الآخر. واستنادا إلى تحليل الوثائق، لم يعد هناك أدنى شك في تعامل الأسد مع تنظيم داعش"
بعد الكشف عن فحوى هذه الوثائق، قامت وزارة الخزانة الأميركية في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بفرض عقوبات على جورج حسواني وعلى شركتهالتي تقع في روسيا وكذلك على رجال أعمال آخرين، بالإضافة إلى مؤسسات وبنوك في روسياوقبرص.
في أبريل/نيسان 2016، قامت بعض الصحف بنشر ما تضمنته بعض الوثائق عن العلاقة بين نظام الأسد وداعش، وتطلب إحدى الوثائق التي عثر عليها (تحمل الرقم 156 ومؤرخة في 11 فبراير/شباط 2015) والموجهة من ديوان بيت المال (وزارة المالية) لمكتب أبو سياف مشورة بخصوص تأسيس علاقات استثمارية مع رجال أعمال على تواصل مع نظام الأسد. وقد أشارت الوثيقة المذكورة إلى وجود اتفاقيات فعلية سابقة بين الطرفين تسمح بمرور الشاحنات وخطوط الأنابيب من مناطق سيطرة النظام إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة التنظيم دون التعرض لها.

وتؤكد الوثائق ما قيل سابقا عن التعاون على التشغيل المشترك بين داعش ونظام الأسد، وكيف أن التنظيم لم يقم بطرد أو قتل موظفي الحكومة السورية في الحقول النفطية التي احتلها، وإنما قام بدلا من ذلك بدفع مرتبات لهم تفوق ما يتقاضونه من نظام الأسد، وفي بعض الأحيان بلغت أربعة أضعاف ما كانوا يتقاضونه.

وتظهر بعض هذه الوثائق أن حجم العوائد المالية المتأتية من بيع هذه الموارد بلغت 289 مليون دولار ونصف في ستة أشهر حتى نهاية فبراير/شباط 2015 ، منها 70% جاءت من حقول نفط أبو سياف. كما تظهر أن التنظيم كان يستطيع التعافي والعودة بشكل سريع بعد الضربات، وفي إحداها يعد التنظيم بعودة الإنتاج النفطي خلال 14 يوما من إجراء عمليات الصيانة.


روسيا على الخط
لقد أصبحت طبيعة العلاقة بين داعش والأسد مثبتة ومؤكدة، لكن عنصرا جديدا دخل على المعادلة مؤخرا وهو العنصر الروسي. في فبراير/شباط 2016، نشرت الفورين بوليسي تقريرا مفصلا تحت عنوان "لماذا يعمل مهندسون روس في مصنع غاز تسيطر عليه داعش في سوريا"؟، ومرة أخرى يبرز هنا أيضا اسم جورج حسواني لكن مع دور روسي ليكتمل بذلك مثل محور التجارة الداعشي الأسدي الروسي.

قبل الثورة السورية قام نظام الأسد بتكليف شركة الإعمار الروسية "ستروي ترانس غاز" التي يملكها الملياردير الروسي غينادي تيمتشينكو المقرب من بوتين ببناء منشأة توينان للغاز، وهي أكبر منشأة من نوعها في سوريا.

وفي العام 2014، سيطر تنظيم داعش على المنشأة، وبالرغم من ذلك، فقد استمرت أعمال البناء في الموقع من قبل الشركة الروسية والعمال الروس، وقد تبين لاحقا أن شركة المقاولات هيسكو الذي يمتلكها جورج حسواني كانت قد توصلت إلى اتفاق مع داعش يسمح بمتابعة الشركة الروسية لأعمال البناء مقابل تخصيص جزء من المنافع المتأتية من المشروع للتنظيم.


وذكرت تقارير أخرى أن الغاز المنتج في المصنع كان يتم إرساله إلى محطة توليد الكهرباء الحرارية التي يسيطر عليها التنظيم في حلب. وينص الاتفاق على إرسال 50 ميغاوات من الكهرباء للنظام، في حين تلقى التنظيم 70 ميغاوات من الكهرباء و300 برميل من المكثفات، بالإضافة إلى ما يقرب من 50 ألف دولار شهريا لحماية معدات هيسكو القيمة في الموقع.
"في فبراير/شباط 2016، نشرت الفورين بوليسي تقريرا مفصلا تحت عنوان "لماذا يعمل مهندسون روس في مصنع غاز تسيطر عليه داعش في سوريا"؟، ومرة أخرى يبرز هنا أيضا اسم جورج حسواني لكن مع دور روسي ليكتمل بذلك مثل محور التجارة الداعشي الأسدي الروسي"
في 2 مايو/أيار الحالي، بثت قناة سكاي نيوز تقريرا عن وثائق كانت قد حصلت عليها من بعض المنشقين عن داعش تثبت أيضا وجود علاقة بين مثلث الأسد وداعش وروسيا. وتوضح الوثائق أن استعادة نظام الأسد لمدينة تدمر خلال أيام قليلة فقط في 27 مارس/آذار 2016 إثر الهجوم الذي تم بدعم روسي "كان جزءا من اتفاق سري تم الترتيب له مسبقا، ويسمح بنقل داعش أسلحته الثقيلة من المدينة قبل الانسحاب المتفق عليه"، وهو الأمر الذي تم بالفعل كما أثبتت الوقائع على الأرض دون التعرض للتنظيم.

هذه الحقائق أصبحت تؤكد يوما بعد يوم ما كان معلوما بالضرورة عبر التحليل، فتنظيم داعش في نهاية المطاف كان الأداة المثالية لكافة أعداء الشعب السوري، وخشبة الخلاص لنظام الأسد وحلفائه. فالتنظيم انتزع عام 2013 الأراضي التي حررها الجيش الحر من الأسد، وتوسع على حساب المعارضة وقتل الكثير من أفرادها واستولى على أسلحتهم، وأصبح يستخدم كمبرر لجرائم الأسد، كما أنه تحول إلى ذريعة إقليمية ودولية لتشتيت الجهود وخلط الأولويات.

فالجانب الإيراني أخذ يسوق لنفسه دوليا على أنه يتواجد في سوريا والعراق لمحاربة الإرهاب رغم أنه كان سببا من أسباب تواجده وتكاثره وخلق البيئة المناسبة له من خلال دعم الأسد والمالكي وتجنيد الميليشيات الطائفية، والجانب الأميركي وجد في داعش خير ذريعة للتهرب من تقديم الدعم الحقيقي للمعارضة السورية وللتهرب من مشكلة الأسد، والجانب الروسي تدخل في سوريا تحت شعار محاربة داعش وانتهى به الأمر بأجندة معلنة لدعم الأسد.

أما حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وميليشيات وحدات حماية الشعب فقد حصلا على دعم هائل سياسي ومالي وعسكري تحت ذريعة محاربة داعش، في الوقت الذي تم فيه حرمان المعارضة السورية المسلحة من الدعم بنفس الحجة.
باختصار لقد تبين أخيرا أن داعش هو الاستثمار الأفضل لنظام الأسد والمحور الداعم له سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

الاثنين، 28 مارس 2016

عن انسحاب أميركا العشوائي من المنطقة


عن انسحاب أميركا العشوائي من المنطقة



علي حسين باكير
نشرت «ذا ناشينال إنترست» الأسبوع الماضي مقالا في غاية الأهمية لزلماي خليل زاد تحت عنوان «أربعة دروس حول دور الولايات المتّحدة في العالم»، يشير فيه إلى أن النقاش داخل الولايات المتحدة حول عدد من قضايا السياسة الخارجيّة للبلاد قد بدأ ينجرف مؤخرا في اتجاهٍ مثيرٍ للقلق، وأنّ مرد هذا القلق لا يعود إلى سياسات الرئيس أوباما وبياناته حول هذه القضايا فقط، وإنما إلى بيانات المرشحين للانتخابات الرئاسية الأميركية أيضاً.
من بين المواضيع أو النقاط التي أشار إليها زاد في حديثه هذا، المقولة المتكررة عن ضرورة انسحاب الولايات المتّحدة من الشرق الأوسط، وهي فكرة تنطلق من مسلّمات أوباما بأنّ التمدد الزائد عن الحد في المنطقة من شأنه أن يضر بالاقتصاد الأميركي، وبقدرات أميركا على الاستفادة من الفرص، ومواجهة التحديات، والأهم من ذلك أنّه يعرّض حياة الجنود الأميركيين للخطر من أجل أمر لا يحتل أهمية مباشرة بالنسبة لمصالح الأمن القومي الأميركي.
وفي مناقشة هذه المقولة، يعتبر زاد أن هذه الفكرة هي من أهم أسباب تراكم المشاكل وانفجارها في منطقة الشرق الأوسط على اعتبار أن الانسحاب الأميركي يترك فراغا يدفع الآخرين للصراع عليه، وأنّ هذا الصراع لم يعد محصورا بين اللاعبين الإقليميين فقطـ، بل انضمت إليهم قوى أخرى كروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، فضلا عن أنّ هذا التدافع الناجم عن الانسحاب الأميركي يهدد المصالح الأميركية في المنطقة بشكل مباشر، مع فارق أنّه لن يكون باستطاعة أميركا الدفاع عنها في حال عدم وجودها هناك.
الفكرة وفقا لزلماي هي أن منطق أوباما يرفض الاعتراف بأنّ للانسحاب الأميركي مساوئ أكبر بدليل أن مشكلة العراق اليوم ناجمة عن الانسحاب الأميركي، وأنّ هذا الانسحاب قد نتج عنه فيما بعد مشكلة داعش، والشيء نفسه حصل في سوريا عندما تقاعست أميركا عن لعب دور حاسم في الملف.
هذه المشكلة الناجمة عن الانسحاب الأميركي من المنطقة تتفاقم عندما يقترن هذا الطرح بطرح آخر هو «الاعتراف بمناطق نفوذ جديدة للخصوم الإقليميين والدوليين» في محاولة لاستيعابهم، وهو الأمر الذي عبّر عنه أوباما بشكل صريح مؤخرا عندما طالب السعودية بأنّ تتشارك نفوذ المنطقة مع إيران.
يقول زلماي: إنّهم حاولوا دراسة هذه الفكرة في العام 1992، لكنّهم وجدوا أن الاعتراف بمناطق نفوذ للخصوم الإقليميين والدوليين والإذعان لهم في تحديد إطارها سيؤدي إلى تلاشي الأحادية القطبية بشكل سريع ونشوء عالم متعدد الأقطاب وهو ما يهدد باندلاع حروب مدمرة، خاصة أن العالم المتعدد الأقطاب كان قد أفرز حربين عالميتين مدمرتين، فكان أن خلصوا إلى نبذ هذه الفكرة والتركيز على منع أي من القوى الكبرى الإقليمية أو الدولية من السيطرة على منطقة معيّنة بذاتها بشكل مطلق.
يخلص زلماي إلى أنّ الانسحاب ليس حلاًّ وأنّ الحل هو دعم سياسة «توازن القوى» في المناطق الهامة حول العالم. 
لا شك أن طرح زلماي هو الأكثر وجاهة لكن المشكلة أنه يأتي في التوقيت الخاطئ؛ إذ لا يبدو أن الولايات المتّحدة سترتد عن سياسات أوباما وحتى وإن فعلت فسيلزمها استثمار موارد أكبر لتصحيح الأخطاء التي ارتكبتها في عهده، ولا يبدو أن أحداً من المرشحين الرئاسيين الموجودين حاليا قادر على فعل مثل هذا الأمر في المستقبل القريب، فضلا عن أن يكون موافقا عليه.

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

دور الصين العسكري المستجد في سوريا

دور الصين العسكري المستجد

 في سوريا 





علي حسين باكير

ذكرت العديد من التقارير مؤخرا أن حاملة الطائرات الصينية (لياونينغ) كانت قد عبرت قناة السويس في 22 سبتمبر الحالي في طريقها إلى سوريا، ووفقا لتقرير حصري نشره موقع «ملف دبكا» الإسرائيلي بتاريخ 26 سبتمبر، فإن حاملة الطائرات الصينية قد رست بالفعل في ميناء طرطوس السوري، وإن التواجد الصيني هناك ليس مؤقتاً على ما يبدو.
استنادا إلى التقرير المذكور، فإن الطائرات الصينية التي من المفترض أن تصل في منتصف شهر نوفمبر القادم ستشمل سربا من مقاتلات (جي-15) «القرش الطائر»، سيتم نشر عدد منها فوق حاملة الطائرات الصينية، فيما سيتم نشر العدد الآخر في القاعدة الجوية الروسية قرب اللاذقية، وطائرات مروحية من نوع (ز-18 أف) المضادة للغواصات بالإضافة إلى مروحيات (ز-18 جي) للإنذار المبكر، كما يشير التقرير نفسه إلى أن التعزيزات العسكرية الصينية في سوريا ستشمل أيضا إرسال الصين ألفا على الأقل من قواتها البحرية لمحاربة تنظيم الدولة إلى جانب القوات الروسية والإيرانية.
في المبدأ تبدو هذه المعطيات العسكرية التي يذكرها التقرير مخالفة للتوجهات التقليدية الراسخة والمتبعة في السياسة الخارجية الصينية، إذ لطالما شددت الصين دوما في سياساتها الخارجية على ثلاثة مبادئ أساسية هي: مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومبدأ الحرص على حماية الأمن والاستقرار، ومبدأ رفض استخدام القوة في العلاقات الدولية.
ولطالما بررت الصين من يتهمها بالتقصير في تحمل مسؤوليات ذات طابع دولي بأنها جاهزة لتحمل هذا القدر من الأعباء فهي لا تزال دولة نامية، ولديها الكثير من الأولويات الداخلية ولا تتطلع إلى قيادة عالمية.
في المقابل، يجب علينا ألا نستبعد بشكل كلي حصول مثل هذا الأمر خاصة إذا ما أخدنا بعين الاعتبار أن التحولات التي تجري اليوم في العالم بشكل عام وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص بسبب سياسة إدارة الرئيس الأميركي أوباما بشكل أساسي غير عادية وغير مسبوقة على الإطلاق منذ عقود طويلة. التواجد الروسي العسكري في سوريا على سبيل المثال هو الأضخم لموسكو خارج حدود الاتحاد السوفيتي منذ انهيار الأخير قبل أكثر من 25 عاما، كما أن التوسع العسكري والطائفي والاستيطاني الإيراني في المنطقة هو الأوسع على الإطلاق منذ حقبة الدولة الصفوية.
السؤال الذي يطرح نفسه بطبيعة الحال إذا ثبتت صحة المعلومات الواردة في التقرير لاحقا، ما دوافع الصين للتدخل العسكري في سوريا خاصة أننا نعلم جيدا أن مصالح الصين في سوريا تكاد تكون معدومة مقارنة بالمصالح الإيرانية ومن ثم الروسية؟
أما الجواب على هذا السؤال بالتحديد فيمكن في النقطة نفسها، إذ إن مصالح الصين في الملف السوري مرتبطة بشكل غير مباشر بمصالح بكين بكل من موسكو وطهران على وجه الخصوص.
في السنوات الأخيرة تقربت الصين من روسيا بشكل كبير في محاولة منها لموازنة الدور الأميركي في شرق آسيا لاسيما منذ إعلان واشنطن قبل عدة سنوات عن استراتيجيتها في تحول تركيزها الأساسي نحو آسيا (Pivot to Asia)، وقد انعكس ذلك أيضا زيادةً في التنسيق بين بكين وموسكو على مختلف المستويات لاسيما على المستوى السياسي في السياسة الخارجية للبلدين إزاء الأزمات الدولية خاصة تلك المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها سوريا.
إذا ما راجعنا سجل المواقف الرسمية للبلدين من الملف السوري سواء في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة فسنجد أنها متطابقة، إذ حيثما تصوت موسكو بالفيتو تفعل بكين الأمر نفسه، وحيثما ترفض موسكو قرارات الجمعية العامة تفعل بكين الأمر نفسه، وكذلك عندما تدعم روسيا مهمة المبعوث الأمم أو تقوم بإرسال موفد خاص لها إلى سوريا، تفعل بكين تقريبا الأمر نفسه.
إذا كان الخوف من سقوط الأسد من بين الدوافع الروسية الأساسية في التحرك عسكريا في سوريا، فلا بد أن الشيء نفسه سيثير قلق الصينيين أيضا، ذلك لأنهم يعلمون تماما أن انهيار هذا النظام يعد ضربة لإيران التي ترتبط الصين معها بمصالح ضخمة جدا (قطاع الطاقة، البنى التحتية، الملف النووي، التجارة البينية، التنسيق السياسي والعسكري).
بالإضافة إلى ذلك، يجب علينا ألا نتفاجأ أبداً في حال عزم الصينيون بالفعل على دعم التوجه الروسي- الإيراني في سوريا بما يصب في المحصلة في توسيع دائرة دور ونفوذ الصين الجيوبوليتيكي في الشرق الأوسط، خاصة أن ذلك لا يتناقض أبداً بل ينسجم تماما كما سبق وذكرنا مع مفاعيل الاتفاق النووي الإيراني الذي يعطي بالتحديد هذه البلدان الثلاثة (الصين وروسيا وإيران) دورا ونفوذا جيوبوليتيكيا أكبر في الشرق الأوسط وبمباركة من الإدارة الأميركية التي تعمل بشكل واضح على تخفيف تواجدها العسكري المباشر في المنطقة منذ سنوات.
أما تبرير الصين لمثل هذه الخطوة إن حصلت، فستعتمد بالتأكيد على العنصر الحاضر والجاهز دوما في المعادلة لدى كل اللاعبين وهو عنصر «محاربة داعش»، وذلك على اعتبار أن مثل هذا التبرير لن يواجه انتقادا من أحد، كما أنه من المفترض أنه يعمل على تجاوز التناقضات بين الدول الكبرى التي تدير اللعبة في سوريا وفي مقدمتها واشنطن وموسكو وطهران وبكين.

❍  @ AliBakeer

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2015

مناقشة دوافع الحشد العسكري الروسي في سوريا

مناقشة دوافع الحشد العسكري الروسي في سوريا


علي حسين باكير
من الطبيعي أن يحظى الحشد العسكري الروسي في سوريا هذا الشهر باهتمام واسع في مجال الإعلام والصحافة والسياسة والرأي العام، فهذه ليست خطوة عادية ولم يكن هناك من مؤشرات تفيد بأن هناك تحركات روسية تمهد لحصول مثل هذا الأمر، ولهذا السبب بالتحديد هناك الكثير من التكهنات حاليا حول النوايا الحقيقية التي تقف خلف اتخاذ الكرملين مثل هذا القرار وفي هذا التوقيت بالذات.
هناك العديد من النظريات التي تتحدث عن دوافع موسكو للقيام بمثل هذه الخطوة.
إحدى هذه النظريات تتحدث عن أن تعزيز التواجد الروسي في سوريا في هذه الآونة بالتحديد هدفه أن تستحوذ موسكو على مقود قيادة سوريا بالقوة من إيران وأن تظهر أن لها نفوذا حقيقيا على الأسد وعلى طهران وذلك كمقدمة من أجل التضحية بالأسد.
حقيقة لا أستطيع أن أرى كيف يمكن لمثل هذا التفسير أن يكون أحد الاحتمالات القائمة. باعتقادي، فإن ربط تعزيز موسكو لتواجدها في سوريا بتنافس روسي-إيران على النفوذ في سوريا أو بمحاولة استلام روسيا دفة القيادة في سوريا من إيران هو ربط لا يستند إلى أي دليل.
إذ إن مثل هذا الافتراض يتناقض تماما مع المعطيات القائمة التي حصلت في الفترة القليلة الماضية، ولعل أبرزها:
1) أن الحشد العسكري الروسي في سوريا جاء بعد تقارير تحدثت عن زيارة قام بها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني إلى موسكو بداية الشهر الماضي. هذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن هناك تعاونا وتنسيقا وتكاملا بين موسكو وطهران في سوريا وليس تنافسا أو صراعا.
2) الإمدادات الروسية التي تصل تباعا إلى الأسد تأتي بشكل أساسي عبر المجال الجوي الإيراني خاصة بعد أن أغلقت الدول الأخرى أجواءها في وجه عبور الطائرات الروسية المحملة بالعتاد والدعم اللوجستي للأسد. (تركيا في العام 2012، أما بلغاريا واليونان فقامت بذلك مؤخرا). وعليه، فكيف يمكن لنا أن نفسر الافتراض أعلاه في ظل حقيقة أن إيران هي البوابة الأساسية لمرور الدعم العسكري الروسي إلى الأسد؟
3) روسيا ليست مضطرة لأن ترسل قوات عسكرية وجنودا وعتادا وأسلحة إلى سوريا وأن تبني قواعد عسكرية هناك لكي تبرهن أن لها نفوذا على الأسد أو لكي تتجاوز النفوذ الإيراني هناك. يكفي أن تمتنع موسكو عن تعطيل مجلس الأمن حتى نرى وبسرعة كيف من الممكن أن تنعكس قرارات المجلس واقعا على الأرض تحت الفصل السابع.
من هذا المنطلق بالتحديد، لا أستطيع أن أستسيغ مثل هذه الفرضية. هناك معطيات لا يمكن تجاهلها أو القفز من فوقها. التحرك الروسي باعتقادي يأتي في سياق عاملين أساسيين:
1) الخوف من انهيار نظام الأسد: هناك خوف بالتأكيد من انهيار نظام الأسد، لكن اللافت للانتباه هنا هو أن هذا الخوف لا ينبع حصرا من اللاعب الروسي وإنما الإيراني والأميركي أيضا. هذه الأطراف الثلاثة عبرت وتعبر منذ عدة أشهر بشكل مباشر أو غير مباشر، مكشوف أو خلف الأبواب المغلقة، عن تخوفها من انهيار نظام الأسد وأن حصول مثل هذا الأمر يعد كارثة بالنسبة لها ويجب منعها. من المعلوم بالتأكيد أن منع الانهيار المفاجئ للأسد لا يمكن أن يتم إلا من خلال واحد من ثلاثة خيارات: إما من خلال الضغط عليه لإجباره على الرحيل (لكن لا أحد من هؤلاء يريد الضغط عليه فعلا)، وإما عبر زيادة الدعم الحقيقي لمناوئيه (ولا أحد من هؤلاء بالتأكيد بمن فيهم الولايات المتحدة الأميركية يريد فعل ذلك)، وإما عبر دعمه مباشرة، وهو الأمر الذي تلتزم به روسيا وإيران من جهة وتغض إدارة أوباما الطرف عنه من جهة أخرى منذ البداية.
2) في تبرير دعم موسكو للأسد من جهة وغض النظر عن هذا الدعم من قبل واشنطن من جهة أخرى، يأتي دور «داعش». ما تفعله روسيا حقيقية في تبرير موقفها اليوم هو المتاجرة بشعار «محاربة تنظيم داعش»، وهو الأمر نفسه الذي تفعله إيران والولايات المتحدة الأميركية. هذه الأطراف تستخدم ملف «داعش» من أجل أن تحاول تجاوز الخلافات والتناقضات الموجودة بين أجنداتها في المنطقة ولو مرحليا وذلك عبر طرح أجندة تعاونية محورها محاربة «داعش» بدل أن تكون الأجندة صدامية بين هذه الأطراف وبعضها البعض.
إذا أرادت موسكو محاربة «داعش» حقيقية، فلماذا ترسل قوات إلى سوريا فقط وليس إلى العراق أيضاً؟ ولماذا تحاول موسكو إنشاء محور جديد لمحاربة «داعش» بدلا من أن تنضم إلى المحور القائم أساسا والمتمثل بالتحالف الدولي والذي سبق موسكو إلى هذه المهمة منذ أكثر من سنة؟ ولماذا لا يتم التنسيق مع دول متضررة مباشرة من «داعش» بدلا من أن يتم التنسيق مع دول أو أنظمة هي السبب الرئيسي في ولادة «داعش» كنظام الأسد وإيران.
على كل حال، من الصعب جدا القول إن الحشد العسكري الروسي في سوريا جاء مفاجئا بالنسبة لإدارة أوباما، لأن هذه الإدارة بالتحديد تروج رسميا منذ عدة أشهر خلف الأبواب المغلقة لدور جديد لموسكو في سوريا، وأنه لا يمكن حل الملف السوري من دون أن يكون هناك دور فعال وأساسي لموسكو، بل إنها شرعت في تهيئة توليفات وأطروحات سياسية لا تتماشى مع أهداف الثورة السورية مطلقا وذلك لإرضاء موسكو فقط وضمان بقاء مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية في سوريا مع الأمل بأن يؤدي ذلك إلى تغيير موقفها من الأسد.
ربما تفاجأت إدارة أوباما بحجم وسرعة الحشد العسكري الروسي في سوريا بحيث إنها لم تكن قد استعدت سياسيا للتعامل مع مثل هذا الأمر وكيف من الممكن له أن ينعكس على الطرح الأميركي الداعي إلى إعطاء روسيا دور أكبر في سوريا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، منذ متى أصابت إدارة الرئيس أوباما في صحة تقدير أي شيء في الشرق الأوسط؟

الثلاثاء، 11 أغسطس 2015

خرق الاتفاق النووي الأميركي - الإيراني قبل تطبيقه!


خرق الاتفاق النووي الأميركي - الإيراني 

قبل تطبيقه!


علي حسين باكير

لم أجد حتى الآن أفضل من التعبير الدقيق الذي استخدمه القائد الأعلى السابق لقوات الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الأدميرال المتقاعد «جايمس ستافريديس» في وصف الاتفاق النووي الأميركي- الإيراني عندما علّق عليه بتهكّم قائلا: «الثغرات الموجودة في الاتفاق كبيرة لدرجة أنّه من الممكن لك أن تقود شاحنة من خلالها»!!

بالفعل، في كل صفحة من الاتفاق الذي يقع في 159 هناك ثغرات خطيرة وألغام مدفونة قابلة للانفجار في أي وقت، وهو مؤشر سيئ على أن الاتفاق لا يهدف إلى حل المشكلة على المدى البعيد بقدر ما يهدف إلى معالجة المتطلبات الآنيّة للطرفين المتمثلين بالرئيس أوباما والمرشد خامنئي وبالتالي تأجيل الإشكال والانفجار الذاتي لوضع الرجلين في البلدين وترحيل المشكلة إلى مرحلة لاحقة.

إحدى أهم المشكلات المتعلّقة بنص الاتفاق نفسه أنه مليء بالنقاط التي تسمح لإيران بإيقاف تنفيذ التزامتها الواردة فيه جزئيا أو كليا. إقدام إيران على مثل هذا الإجراء حال نشوء أي نزاع حول الاتفاق لن يكون حقيقة بمثابة خرق للالتزامات المفروضة عليها بموجبه، يكفي إيجاد أية ذريعة لفعل ذلك والاستناد إلى الفقرة التي تأتي في الصفحة السادسة بعد المقدّمة مباشرة أو إلى النقطة رقم 36 في الاتفاق تحت عنوان «آلية حل النزاع» واعتبار الموضوع مثار نزاع حتى تقوم بإيقاف تنفيذ التزاماتها.

قبل ثلاثة أيام فقط، نشر موقع الوكالة الدولية للطاقة الذرية نص رسالة كانت الوكالة قد تسلمتها من الجانب الإيراني بتاريخ 24 يوليو 2015، ويظهر من خلال نصّها أن الجانب الإيراني يشكو فيها الولايات المتّحدة الأميركية متّهما إدارة أوباما بخرقها الاتفاق الذي تم التوصل إليه في فيينا في 14 يوليو الماضي، أي بعد أقل من 10 أيام فقط على إعلانه، وذلك بسبب تصريح لجون أرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض يشير فيه إلى أن الخيار العسكري سيبقى قائما باعتباره تهديدا باستخدام القوة العسكرية ضد إيران.
لقد اعتبر الجانب الإيراني أن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها هو خرق لميثاق الأمم المتحدة و «خرق خطير» أيضا لنص الاتفاقية النووية على أساس أنّه يقوّض المتطلبات الأساسية لتطبيقه كما أنّه يخل بالالتزامات المفروضة بموجب الاتفاق. واعتبر كذلك أنّ التصريح يهدد دور الوكالة الدولية للطاقة الذريّة ويعرّضه للخطر، وقد طالبت إيران في نص الرسالة بأن تحمي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسرار الإيرانية التجارية والتكنولوجية والصناعية والماديّة وأي معلومات سريّة أخرى ستطلع عليها من أي جهة ثالثة.

لكن الحقيقة أن المتحّدث باسم البيت الأبيض لم يكن يهدد باستخدام القوة العسكرية ضد إيران وإنما كان يجيب عن سؤال في جلسة إيجاز معتادة تطرّقت إلى الاتفاق النووي، وكان مما قاله أرنست في الجواب «الخيار العسكري سيبقى على الطاولة...».. هذا بطبيعة الحال ليس تهديدا بقدر ما هو شرح للخيارات المتاحة، والمفارقة أن المتحدث باسم البيت الأبيض كسائر أعضاء إدارة أوباما أراد من خلال هذا الكلام أن يبدد شكوك المستفسرين الذين كانوا يسألونه بشأن الاتفاق.
بمعنى آخر، المتحدث باسم البيت الأبيض كان يحاول الدفاع عن الاتفاق النووي مع إيران، ولكن المكافأة من قبل الجانب الإيراني كانت باعتبار تصريحه خرقا للاتفاق!

لا شك أن إيران لا تبحث الآن عن وسيلة لإيقاف الاتفاق أو الانسحاب منه، لكن يمكن ملاحظة مدى سرعة استغلالها له بكل الطرق والوسائل الممكنة والمتاحة.
من خلال الرسالة الموجّهة للوكالة الدولية للطاقة الذرّية، يمكننا القول واستنادا إلى الخبرة التاريخية بسلوك النظام الإيراني بأنّ الأخير يحاول أن ينشئ قواعد تفسير لبعض مواد الاتفاق لتكون بمثابة مرجع مستقبلي للتفسير حال نشوب أي نزاع، وبالتالي فهذه الحالة اليوم هي بمثابة التأسيس لقواعد اشتباك مستقبليّة.

أضف إلى ذلك، فقد كان لافتا ربط الموضوع بدور الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومطالبتها بضرورة حماية الأسرار التي قد تطّلع عليها، ربما يريد الجانب الإيراني بذلك ربط التهديدات المستقبلية بدور الوكالة لكي يمكّنه ذلك من إيقاف أو تعطيل أي عمليات التفتيش بحجّة أن الوكالة قد تنقل معلومات حساسة إلى الجانب الأميركي يستخدمها في أي عدوان أو عمل عكسري، وهذا ربط مثير للاهتمام من دون شك.






❍  @ AliBakeer

الاثنين، 10 أغسطس 2015

تفكيك حجج إدارة أوباما حول الاتفاق النووي الإيراني

تفكيك حجج إدارة أوباما حول الاتفاق النووي الإيراني

علي حسين باكير

هل كانت ايران تسعى حقيقة الى إنتاج قنبلة نووية أم لا؟ بالنسبة الى الايرانيين فهم أنكروا دوما ان يكون هدفهم انتاج قنبلة نووية حتى وصل الامر بالرئيس روحاني ان يقول انّه لم يكن لدى ايران ابدا اي نوايا لانتاج قنبلة ولن يكون لديها اي مساع مستقبلا ايضا في هذا المجال.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، اذا لم يكن الايرانيون قد سعوا او يسعون الى القنبلة النووية، فلماذا هذه الهرولة من الجانب الامريكي الى عقد اتفاق سيئ بهذه المعايير؟ أما اذا كان الامريكيون يعلمون جيدا ان الايرانيين سعوا ويسعون الى قنبلة نووية، فهذا يعني أنّهم يعلمون ان الجانب الايراني كاذب وانّه لن يتورّع عن استخدام الاتفاقية من أجل تحسين موقفه لاحقا لمتابعة ما يسعى إليه وانّ هذا الاتفاق لن يوقفه، وانما سيكون بمثابة استراحة لهم في أسوأ الاحوال.

على العموم، خلال الأسبوع الماضي كان هناك تشديد من قبل الادارة الامريكي على عدد من الحجج التي بدت انّها غير قابلة للنقض أو المناقشة، وقد تمّ تكرارها سواء في جلسات الاستماع الى وزير الخارجية جون كيري او في خطاب الرئيس اوباما، لكنّ المناقشة الجدلية لهذا الطروحات التي يتم تسويقها على انها حقائق لا بديل عنها تشير الى انّها ليست صحيحة، ومنها:

أولا: الاتفاق يقطع الطريق على ايران للوصول الى القنبلة النووية.

كل نقاش ادارة اوباما حول هذه النقطة يرتكز على نظرية ان ايران تبعد قرابة شهرين الى ثلاثة اشهر عن إمتلاك ما يكفيها من مواد لازمة لصناعة القنبلة النووية، وانّ الاتفاق سيوسّع هذه المدّة الزمنية أو الفترة الفاصلة الى سنة. لا أحد يناقش "ماذا بعد ان ينتهي مفعول الاتفاق خلال 10 الى 15 سنة"؟
 "كيف سيكون وضع ايران النووي والتكنولوجي والصاروخي والعسكري في حينه اذا ما التزمت بالاتفاق"؟ و"كم ستكون المدة الزمنية الفاصلة حينها"؟ .

الجواب على هذا السؤال سهل، في القوس والنشّاب، عندما نشدّ النشّاب الى الخلف، فهذا يعني انّه يتراجع، لكنّ هذا التراجع مرحلي وهدفه النهائي هو الانطلاق الى الامام.
الاتفاق النووي الامريكي مع ايران كحال القوس والنشاب، فهو يرجع البرنامج النووي الايراني في بعض أجزائه ولكن ليس لكي يقف او يتعطّل كما يتم الترويج له وانما ليعود الى الانطلاق مجددا كالسهم، وهذا يعني أنّ المدة الزمنية ستتقلص حينها من سنة الى ايام معدودة بحسب الخبراء. فاذا كان تقييمنا الحالي انّ شهرين او ثلاثة اشهر هو امر خطير وغير مقبول به الآن، فما الذي سيجعلنا نعتقد انّه سيكون مقبولا لاحقا وغير خطيرا عندما يكون أقل زمنيا!!

ثانيا:جميع الخيارات السابقة ستكون متاحة مستقبلا.

تقول ادارة اوباما أنّ ايران اذا خرقت الاتفاق لاحقا فان جميع الاحتمالات القائمة حاليا ستبقى على الطاولة حينها، ما يعني إمكانية اعادة فرض العقوبات عليها وامكانية استخدام الخيار العسكري ضدّها.
لكن ادارة اوباما نفسها قد ضحّت بكل شيء وتخلّت عن ادنى المعاير المقبولة للإتفاق "الجيّد" وذلك من اجل تفادي إمكانيّة إندلاع حرب مع ايران. فاذا كانت الادارة الأمريكية تفعل كل ذلك من اجل ان الحرب مع ايران الآن وهي في موقع ضعيف سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا، فما الذي يجعلنا نؤمن بانّ هذه الادارة ستكون مستعدة لمواجهة إيران عسكريا وهي في وضع اقوى مما هي عليه الآن؟! بمعنى آخر، اذا كانت الادارة تعتقد انّ مواجهة ايران اليوم هو خيار سيء ولهذا يجب الاعتماد على الدبلوماسية، ما الذي سيتغير مستقبلا بخصوص هذه المعادلة باستثناء انّ ايران ستصبح أقوى؟!

ثالثا: هذا الاتفاق سيحقق الاستقرار للمنطقة.

بعد ايام قليلة من التأكيدات الأمريكية على انّ الاتفاق سيعزز من الاستقرار والأمن في المنطقة، خرج المرشد الأعلى علي الخامنئي ليؤكّد أنّ بلاده ستواصل دعمها لنظام بشار الأسد، والحكومة العراقية ولبنان واليمن ، مضيفاً أن الاتفاق النووي الإيراني لن يغير سياسة طهران في مواجهة "الحكومة الأمريكية المتغطرسة ولا سياستها في دعم أصدائها بالمنطقة. وما زاد الامور تعقيدا انّ هذا الاتفاق أطلق مباشرة سباق تسلّح رهيب في المنطقة، إذستقوم الولايات المتّحدة بتقديم دعم عسكري اضافي الى إسرائيل بعشرات المليارات من الدولارات بالاضافة الى احدث الاسلحة لاسيما في سلاح الجو ومنظومة الصواريخ، كما تعهدت واشنطن أيضا لدول مجلس التعاون الخليجي بدعم عسكري كبير مقابل عشرات المليارات من الدولارات لاسيما صواريخ وانظمة دفاعية، وفي المقابل فهي سترفع العقوبات عن ايران (ماليا وعسكريا) وهذا سيؤدي الى سباق تسلح تقليدي محموم سيزيد الامور تعقيدا وتفجيرا.

رابعا: الخيارات المتوافرة هي اما قبول الاتفاق أو الحرب.

يمكننا ان نفهم من كلام اوباما هذا أنّه ليس هناك خيارات أخرى أصلا، فاما الاتفاق السيء وإمّا الحرب، لكن ووفقا لرئيس هيئة الاركان الجنرال مارتن ديمبسي، هناك عدّة خيارات في حال فشل الاتفاق النووي.
ايضا في الكونجرس هناك من يرى ان احد الخيارات هو العودة للتفاوض على اتفاق أفضل، وهناك من يرى ان التمسك بالعقوبات وفرضها بشكل أكبر واكثر تماسكا سيكون له نتائج ايجابية. خيار الاطاحة بأذرع ايران الاقليمية في سوريا والعراق ايضا متاح لاضعاف النظام الايراني والضغط عليه، لكن الادارة الامريكية لا تريد ان ترى من هذا المنظور.

الثلاثاء، 21 يوليو 2015

أكاذيب حملة تسويق الاتفاق النووي الإيراني


أكاذيب حملة

 تسويق الاتفاق النووي الإيراني

علي حسين باكير

أما وقد تم التوصل إلى الاتفاق النهائي وأصبح الجميع على بينة من أمرهم،
نستطيع أن نؤكد أن التسريبات والمعلومات التي تم نشرها سابقا عن حجم التنازلات المخيفة التي قدمها أوباما في الاتفاق قد ثبت صحتها تماماً، رغم أن إدارة الرئيس أوباما كانت تجادل المعارضين دوما بأنهم لا يعرفون تفاصيل الاتفاق، وأنه ليس من الانصاف انتقاد شيء غير معروف.
من الصعب بطبيعة الحال مناقشة 159 صفحة في مقال صغير، لكن ما سنناقشه بشكل سريع هو بعض ادعاءات الحملة التي يقودها البيت الأبيض لتسويق الاتفاق، ويدافع فيها عما جاء فيه بأسنانه وأنيابه، ولعل من أهم هذه الادعاءات:
أولا: الاتفاق يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي
هذا غير صحيح، الاتفاق لا يمنع إيران من إنتاج قنبلة نووية إذا ما أرادت ذلك. الاتفاق هو ببساطة كما سبق وكتبنا يجعل العمل النووي الإيراني غير الشرعي شرعيا (كتبييض الأموال).
 قبل الاتفاق كان لدى النظام لإيراني خيار واحد وهو العمل سرا وبطريقة غير مشروعة وتحت الضغوط الإقليمية والدولية وتحت سيف العقوبات.
أما اليوم وبسبب الاتفاق، فسيكون لديها خياران، خيار الالتزام الكامل بالاتفاق وبعد 10 سنوات ستصبح في حل منه وستكون حينها دولة نووية متطورة، لأن الغرب ملتزم وفق الاتفاق بمساعدة إيران على تطوير قدراتها النووية العلمية والبحثية وتلك المتعلقة بالبنية التحتية والتكنولوجية. عمليا تصبح جاهزة لإنتاج القنبلة النووية متى ما أرادت إذا توافرت الإرادة السياسية، وحتى في حال لم تتوافر فهي ستعتبر دولة (دي فاكتو) نووية، وسيتعامل معها العالم على هذا الأساس كما هو الحال مع دول أخرى (اليابان، ألمانيا، البرازيل وغيرها).
أما الخيار الثاني، فهو خيار مواصلة العمل السري حتى في ظل الاتفاق، فسيبقى قائما لاعتبارات كثيرة سبق وأن شرحناها في المقال السابق، ولكن من دون ضغوط أو عقوبات دولية هذه المرة!
ثانيا: الاتفاق يتضمن آلية تفتيش صارمة
هذا غير صحيح. الإدارة الأميركية تنصلت بعد الاتفاق من مقولة كانت أعلنت عنها سابقا وهي أن «التفتيش سيتضمن أي مكان في أي زمان في إيران». النظام الإيراني لديه حق الاعتراض وفق الاتفاق على أي عملية تفتيش في المواقع المشتبه بها أو غير المصرح عنها، وعندها تبحث لجنة من الدول المعنية هذا الاعتراض (من بينها إيران نفسها!)، وإذا قررت التفتيش فقد تأخذ العملية كلها حوالي 24 يوما، وهذا قدر كاف لإخفاء ما تريد إيران إخفاءه، فضلا عن مشاكل التفاتيش الأخرى التي سبق وناقشناها أيضا.
ثالثا: الاتفاق يتضمن إعادة فرض العقوبات بشكل آلي إذا خرقته إيران
هذا نظريا لذر الرماد في العيون، أما عمليا فالأمر مختلف تماما في المبدأ وفي المضمون.
قال أوباما أثناء المفاوضات لتبرير الاتفاق إن «العقوبات على إيران لم تنفع ولم تمنعها من تحقيق تقدم في برنامجها النووي ولن تمنعها أيضا».
إذا كان هذا الكلام صحيحا، فالأولى أن يكون أكثر صحة بعد تنفيذ الاتفاق الذي سيحرر إيران من العقوبات وسيعطيها دفعات هائلة من الأموال (عشرات مليارات الدولارات المجمدة يصل مجموعها إلى حوالي 150 مليارا)، وسيفتح اقتصادها على الاستثمارات والتجارة الدولية. فلو التزمت إيران سنتين أو خمس ثم قررت خرق الاتفاق، وتقرر إعادة فرض العقوبات عليها (snap back) فلن يكون للعقوبات تأثير يذكر أبدا، هذا إذا استطاعوا فرض (snap back) أصلا.
رابعا: الاتفاق لم يتضمن مواضيع خارج الإطار النووي
هذا غير صحيح أيضا. عندما سئل أوباما قبل عدة أيام عن سبب عدم مطالبته لإيران بالإفراج عن المعتقلين الرهائن الأميركيين الموجودين لديها كجزء من الاتفاق، كان جوابه بأنه لا يجب ربط المواضيع الأخرى أو مثل هذه الأمور بالاتفاق المحصور بالملف النووي، وأنه لو طالب إيران بذلك لكانت استغلت الموضوع من أجل ابتزاز الجانب الأميركي بشكل أكبر لتقديم المزيد من التنازلات.
الحقيقة أن إحدى أكبر المشاكل المتعلقة بهذا الاتفاق على الإطلاق هو عدم ربطه بالكثير من الأمور التي كنا نتمنى أن تتم مناقشتها بشكل شفاف وربطها به، وأن تفرض بموجبه التزامات على إيران أيضاً وعقوبات حال خرقها، كموضوع «سلوك إيران الإقليمي ودعمها للإرهاب»، لكن الجانب الأميركي لم يفعل ذلك، وفي المقابل هو لم يلتزم كما ادعى بجعل النقاش حصريا في الإطار النووي.
ما جرى وفقا للمعلومات المتوافرة والتي تؤكدها الآن الوقائع، أن الجانب الإيراني فرض لائحة طويلة من الشروط على الجانب الأميركي، وطالب أيضاً في آخر لحظة بتضمين الاتفاق قضايا ليس لها علاقة بالاتفاق النووي أساسا، وقد وافقت إدارة أوباما في النهاية لأنها لا تريد التراجع وخسارة الاتفاق.
ومن بين هذه الأمور ما ورد في الاتفاق، كموضوع التسلح التقليدي وإزالة العقوبات عن الحرس الثوري الإيراني وعن قائمة من المسؤولين من بينهم الجنرال قاسم سليماني، ومنها ما لم يرد بالاتفاق وتم سرا كالتغاضي عن دور إيران في العراق (بل تشجيعه) والامتناع عن الإطاحة بنظام الأسد في سوريا، وعدم الالتزام الجدي بدعم العملية العسكرية السعودية في اليمن، وغيرها من الكوارث التي تبين لكل مشكك أن موقف إدارة أوباما المتراخي منها كان في الحقيقة مقايضة مع الجانب الإيراني لإبقائه على طاولة المفاوضات والحصول على هذا الاتفاق.

الأحد، 28 يونيو 2015

خامنئي يلغم المفاوضات النووية

خامنئي يلغم المفاوضات النووية


علي حسين باكير
كاتب وباحث أردني

في الربع ساعة الأخيرة كما يقال عادة رمى المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي حقيبة مليئة بالمتفجرات في غرفة المفاوضات النووية الأميركية الإيرانية، وذلك قبل أيام قليلة فقط من حلول الموعد النهائي المحدد سلفا لحسم مصير الاتفاق النووي نهاية يونيو/حزيران الحالي.

فقد أعلن علي خامنئي خلال مقابلة مع التلفزيون الإيراني أجريت معه الأسبوع الماضي عن ما يمكن تسميته بـ"مانيفستو الخطوط الحمراء الإيرانية في المفاوضات النووية"، ثم أتبعها في 23 يونيو/حزيران بسلسلة تغريدات يعلن فيها إنشاء سبعة خطوط حمراء لا يمكنلإيران التنازل فيها.

وإزاء هذه التطورات المتسارعة أصدرت مجموعة من الخبراء والدبلوماسيين والحقوقيين والمسؤولين الرسميين السابقين رفيعي المستوى ممن ينتمون للحزبين الجمهوري والديمقراطي بيانا عاما بتاريخ 24 يونيو/حزيران حذروا فيه من أن "الاتفاق بشكله الحالي لا يمنع إيران من الحصول على قدرة التسلح النووي ولا يؤسس أيضا لإستراتيجية متكاملة للتعامل مع النظام الإيراني، فهو لا يتعامل مع مشكلة دعم إيران للإرهاب والمنظمات الإرهابية، ومشكلة هيمنتها الإقليمية أي تدخلاتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومشكلة صواريخها البالستية، أو مشكلة قمعها لشعبها".
"خبراء أميركيون: الاتفاق بشكله الحالي لا يمنع إيران من الحصول على قدرة التسلح النووي ولا يؤسس أيضا لإستراتيجية متكاملة للتعامل مع النظام الإيراني، ولا يتعامل مع مشكلة دعم إيران للإرهاب، ومشكلة هيمنتها الإقليمية، وصواريخها البالستية"
وتكمن أهمية هذا البيان في أن مجموعة ممن تبنوه هم من مساعدي أوباما السابقين ومن المسؤولين الذين عملوا معه و/أو تابعوا المفاوضات النووية عن كثب، وعلى رأسهم كل من مستشار أوباما السابق في شؤون إيران والشرق الأوسط دينيس روس، وديفد باتريوس المسؤول السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) والقائد السابق للقيادة الأميركية الوسطى وللقوات الأميركية في العراق، وروبرت إنهورن وهو عضو سابق في فريق التفاوض الأميركي مع إيران، وجاري سامور مستشار أوباما للسياسة النووية الذي تحول في ما بعد إلى رئيس لمجموعة "متحدون ضد إيران نووية"، بالإضافة إلى الجنرال المتقاعد جيمس كارترايت.

ويشير البيان إلى أن الولايات المتحدة فضلت التعامل مع الملف النووي كأولوية على أمل أن يؤدي الاتفاق إلى التأثير إيجابيا على سياسات إيران في هذه المجالات، وأنه بصيغته الحالية ما لم يلب خمسة شروط تتعلق بإجراءات المراقبة والتفتيش والتحقق، والبعد العسكري لبرنامج إيران النووي، وأجهزة الطرد المركزي المتطورة، ومسألة رفع العقوبات، وأخيرا مسألة تداعيات خرق إيران للالتزامات، إلى جانب إستراتيجية إقليمية حازمة للتعامل مع إيران فإنه سيفشل في تلبية حتى معايير إدارة أوباما في أن يكون اتفاقا جيدا.

هذه التطورات تأتي مباشرة بعد الموقف الذي أعلنه المرشد الأعلى خامنئي، وبعد أيام أيضا على تبني مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) قانونا يؤكد أن الإلغاء الكامل للعقوبات على إيران يجب أن يتم "فور بدء تطبيق الاتفاق"، وهذا يتناقض طبعا مع ما شددت عليه الولايات المتحدة من رفع تدريجي للعقوبات بناء على مدى التزام إيران ببنود الاتفاق.

كما يحظر القانون الذي أقره البرلمان الإيراني على الوكالة الدولية للطاقة الذرية "الوصول إلى كافة الوثائق العلمية والمواقع العسكرية أو الأمنية، والمواقع الحساسة غير النووية"، وهو ما يعني عمليا تفريغ آلية التفتيش الواردة في نص الاتفاق الأميركي الإيراني من مضمونها، وبالتالي ترك الباب مفتوحا لإمكانية حصول إيران على أسلحة نووية من خلال نشاط في مواقع عسكرية وهو ما سبق أن مارسته إيران فعلا سابقا.

لا شك في أن مثل هذه المعطيات المتسارعة الآن تطرح علامات استفهام حول مصير الاتفاق الذي أعلن الطرفان الأميركي والإيراني التوصل إليه في 2 أبريل/نيسان 2015 في جنيف، وتطرح أيضا علامات تعجب إزاء مسار المفاوضات الحالية الجارية وإمكانية انهيارها مع ما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية ودولية.

البيان لم يكن مفاجأة بحد ذاته، فكل المعطيات كانت ولا تزال تشير حتى الآن إلى أن الاتفاق لن يصمد رغم كم التنازلات الهائلة والخطيرة التي قدمتها إدارة أوباما خلال مراحل التفاوض إلى الجانب الإيراني للتوصل إلى الاتفاق والتي كنا قد أشرنا اليها بشكل مفصل في مقال نشر سابقا في الجزيرة نت تحت عنوان "أسطورة إبطاء أوباما لبرنامج إيران النووي".

أضف إلى ذلك أن اتفاق جنيف النووي حمل معه منذ بداية إعلانه وحتى هذه اللحظة تفسيرات مختلفة لمضمون ما جاء فيه، فالنسخة التي وزعها الأميركيون تختلف عن تلك التي وزعها الإيرانيون، وحتى في نقاط الالتقاء بينهما قام كل طرف بتفسير ما جاء فيه بشكل مختلف بل متناقض عن الآخر.

وتتضمن كلتا النسختين الإيرانية والأميركي ثغرات خطيرة جدا دفعت كثيرا من الخبراء والمحللين للقول إن ما سيتم التوقيع عليه هو اتفاق سيئ في مضمونه ونتائجه.
"أمام الوضع الحالي سيكون على إدارة أوباما أن تقرر إما القبول بشروط خامنئي، وهذا ما يعني إفراغ الاتفاق النووي من مضمونه الحقيقي وأن كلمة المرشد هي الأقوى، ولذلك انعكاساته داخليا وخارجيا، أو أن تقرر إدارة أوباما رفضها لهذه الشروط وبالتالي تنهار المفاوضات"
لكن الأهم هو أن البيان التحذيري الذي يضم أسماء مجموعة من كبار مستشاري أوباما السابقين والمسؤولين رفيعي المستوى جاء بعد ورود معلومات حساسة تشير إلى أن إدارة أوباما اقترحت مؤخرا تقديم تنازلات إضافية خطيرة لإيران، وذلك لتجاوز عقبة تفتيش المنشآت العسكرية والمنشآت غير المعلن عنها وموضوع ضرورة استجابة طهران للأسئلة الموجهة لها من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ماضيها النووي للتأكد من أنه لم يكن هناك أي بعد عسكري له.
وتتضمن هذه التنازلات المقترحة التي أشارت إليها بعض التقارير التراجع عن مطالبة إيران بتقديم جرد حساب لنشاطاتها النووية غير المعلن عنها سابقا والمتمثلة في ما يعرف بالبعد العسكري لبرنامجها النووي في مقابل السماح للوكالة بإجراء عمليات تفتيش رمزية لموقعين عسكريين وتوجيه بعض الأسئلة لبعض المسؤولين العسكريين رفيعي المستوى على أن تصبح عمليات التفتيش في ما بعد للمنشآت المعلن عنها فقط، أما مواقع المنشآت النووية غير المعلن عنها أو المشتبه بها فستتم مراقبتها في ما بعد عبر وسائل استخباراتية، بالإضافة إلى تزويد إيران بتكنولوجيا نووية متطورة حال موافقتها على الاتفاق.

على كل حال، لطالما ارتبطت دوافع الجانب الإيراني في المفاوضات دوما بثلاثة معطيات أساسية هي: كسب المزيد من الوقت، وكسر العقوبات، والاستمرار في تطوير النشاط النووي.

أما على الجانب الأميركي فقد أكد أوباما أكثر من مرة على أهمية تحقيق إرث شخصي له يتمثل بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وعلى أن توسيع الفترة الزمنية اللازمة لإيران للحصول على المواد التي تمكنها من صناعة قنبلة نووية من بضعة أشهر إلى سنة هو إنجاز كبير يتيح أيضا المجال للرد على إيران حال خرقت الاتفاق.

لكن عمليا -وأمام الوضع الحالي- سيكون على إدارة أوباما أن تقرر إما القبول بشروط خامنئي، وهذا ما يعني إفراغ الاتفاق النووي من مضمونه الحقيقي وأن المرشد أثبت أن كلمته هي الأقوى، وبالتالي فسينعكس انتصاره هذا على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية، أو أن تقرر إدارة أوباما رفضها لهذه الشروط وبالتالي تنهار المفاوضات ولكن سيظل خامنئي قادرا على تسويق أنه لم يقدم أي تنازلات وأن برنامجه النووي لا يزال يعمل، وأنه حصل خلال فترة المفاوضات المباشرة العلنية التي امتدت منذ العام 2013 على دفعات مالية واستطاع اختراق العقوبات والحصار المفروض عليه، وأنه لم يتم فرض أي شروط عليه لتقييد أو تغيير سياساته الخارجية في المنطقة، ولا سيما في العراق وسوريا ولبنان وغيرها من البلدان.

في كلتا الحالتين ستظهر إيران وكأنها الرابحة، هذه المعطيات التي تضع أوباما في وضع حرج جدا تطرح تساؤلات عن الخيارات البديلة الموجودة لديه، فبعد إعلان خامنئي عن لائحة الخطوط الحمراء نشرت مجلة "بوليتيكو" تقريرا في 24 يونيو/حزيران الحالي تحت عنوان "الخطة (ب) للتعامل مع إيران"، وخلاصته أنه إذا اتجهت المفاوضات النووية نهاية الشهر إلى منحى سلبي أو سيئ فإن خيار أوباما الثاني سيكون جاهزا، وهو قصف المنشآت النووية الإيرانية، ومثلها قامت أيضا مجلة أيضا مجلة "ذا ناشيونال إنترست" تقريرا في اليوم نفسه تناول نفس الموضوع.

طبعا من الناحية النظرية سيكون هذا الخيار قائما، لكن لا أعتقد أن أوباما سيلجأ إليه، خاصة أنه ليس مستعدا -كما أظهرت المعطيات وأثبتت الوقائع دوما- للتمسك بخطوطه الحمراء والدفاع عنها واستخدام القوة لإثبات مصداقيته وإنشاء خطوط ردع جديدة.

أضف إلى ذلك أن أوباما استثمر الكثير من الوقت والمال والجهد، وتحدى خصومه في الداخل (السياسيين والكونغرس) وتحدى كذلك كل حلفائه في منطقة الشرق الأوسط من أجل الدفاع عن هذا الاتفاق، ولذلك فمن الصعب أن نتصور تخليه بسهولة عن الاتفاق مع إيران في اللحظة الأخيرة، ولذلك فقد يتم اللجوء ربما إلى تمديد المهلة النهائية للاتفاق، وذلك للتفاوض من جديد على هذه المعطيات.

على الجانب الآخر من الصورة، هناك فرنسا المقربة من الدول الفاعلة في المنطقة أيضا والتي سبق لها أن اتخذت موقفا متشددا من التساهل في التنازل لإيران، ومن المؤكد أنها لن تقبل بلائحة شروط خامنئي، وهناك أيضا لاعبون إقليميون ليسوا على طاولة المفاوضات ولكن موقفهم مما يجري بين الإدارة الأميركية والنظام الإيراني مهم جدا.

"تجاهل شروط بيان الخبراء الأميركيين والتوصل إلى اتفاق سيئ مع إيران سيؤديان إلى تضخم وطموح الهيمنة والتوسع لديها لأنه سيؤمن لها أموالا طائلة (الدفعة الأولى حوالي 50 مليار دولار بالإضافة إلى الأموال المجمدة قرابة 100 مليار، ناهيك عن نتائج رفع العقوبات اقتصاديا)"
التساهل مع لائحة مطالب خامنئي سيؤكد لهذه الدول تصورها الذي يقول إن "الاتفاق سيئ وسيؤدي في كل الأحوال إلى ولادة إيران نووية، وإنهم لا بد أن يحصلوا في النهاية على ما ستحصل عليه إيران في الاتفاق".

في جميع الأحوال تجاهل شروط بيان الخبراء الأميركيين والتوصل إلى اتفاق سيئ مع إيران سيؤديان إلى تضخم طموح الهيمنة والتوسع لديها لأنه سيؤمن لها أموالا طائلة (الدفعة الأولى حوالي 50 مليار دولار بالإضافة إلى الأموال المجمدة قرابة 100 مليار، ناهيك عن نتائج رفع العقوبات اقتصاديا).

وسيتم صرف جزء من هذه الأموال بالتأكيد على دعم أذرع إيران الإقليمية ومليشياتها بالمنطقة في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن وغيرها من البلدان، وجزء آخر على تحديث قدراتها العسكرية التقليدية، وهذا سيؤدي إلى زيادة الحريق المشتعل في المنطقة.

كما أن الاتفاق -وفق معطياته حتى الآن- لن يقيد طهران لناحية قدراتها الصاروخية أو لناحية ضرورة تغيير سياساتها العدائية والتخريبية ولن يحرمها قطعا من التحول إلى قوة نووية (عبر الالتزام بالاتفاق أو عبر خرقه سرا)، كما أنه قد يفتح أبوابا واسعة للتعاون الأمني الأميركي الإيراني في عموم المنطقة وعلى حساب الدول الأخرى.

في المقابل، فإن فشل المفاوضات الحالية يعني أن احتمال توتر العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران سيزداد، وقد يتسارع الحديث عندها عن ضرورة قصف منشآتها النووية، وهذا يدفعنا للاعتقاد أن دور إيران التخريبي في العالم العربي سيزداد بشكل سريع لأن إضرام المزيد من الحرائق المشتعلة وخلق المزيد من المشاكل داخل البلدان العربية -التي تعتبرها إيران ساحتها الخلفية- سيضمنان لها انشغال العالم هناك بعيدا عن الحدود الإيرانية، وهذا يشمل بالضرورة العراق وسوريا على وجه التحديد ولبنان واليمن، وذلك وفق القاعدة التي تقول إن إيران تدافع عن نفسها خارج حدودها.

ولا شك في أن طهران ستسرع بموازاة ذلك من جهودها النووية في هذا السيناريو لأنها تعتقد منذ البداية أن السلاح النووي هو أفضل ضمانة لمنع تغيير النظام الإيراني القائم أو شن حرب على إيران، وهذا بدوره سيدفع دولا إقليمية إلى التفكير في الحصول على قدرات نووية، ونعود إلى نفس الدائرة من جديد.
المصدر : الجزيرة

الاثنين، 15 يونيو 2015

أوباما يؤمن الغطاء لقاسم سليماني في المنطقة


أوباما يؤمن الغطاء لقاسم سليماني في المنطقة

علي حسين باكير


يخلط كثيرون عند الحديث عن سياسة إيران الخارجية بين توجهاتها في الدفاع عن نفسها خارج حدودها وبين استراتيجيتها في تصدير الثورة الإيرانية، فالثانية هي الأصل وهي الفعل المبادر وأما الأولى فهي رد فعل (وفق ادعاء الإيرانيين) ودرس تعلموه بعدما فشلوا في تصدير الثورة الإيرانية والإطاحة بالأنظمة المجاورة بداية الثمانينيات من القرن الماضي.
لقد تصدّى العراق آنذاك لهذا الطموح الإيراني التوسعي الجامح. لكن وبعد أن أسقط الأميركيون الكماشة التي كانت تطبق على أيادي الإيرانيين في الشرق والغرب، تنفس الإيرانيون الصعداء وكانت جيوش ميليشياتهم التي دربها الحرس الثوري وسلحها عقائديا وأيديولوجيا وماليا جاهزة للانتشار والعمل.
مهمّة الحرس الثوري باختصار ليست الدفاع عن النظام الإيراني أو عن إيران، فهناك جيش للدولة الإيرانية وهناك ميليشيات الباسيج، أما الحرس الثوري فأولى مهماته الدفاع عن الثورة الإيرانية وعن ما تمثّله هذه الثورة والعمل على نشرها وتصديرها إلى المنطقة، وبهذا المعنى فإن مهمة الحرس ليس دفاعيّة وإنما هجومية.
فيلق القدس في هذا الحرس هو ركيزة العمليات الخارجية القذرة، وقائده الجنرال قاسم سليماني يجسّد اليوم المشروع الإيراني في المنطقة بكل تفاصيله.
جنرال الوحش الطائفي في العالم العربي يجوب مستعمراته بارتياح، يعطي الأوامر وينشئ المجموعات الإرهابية ويدربها ويسلحها ويقودها، وبدل الواحدة هناك خمسين اليوم. 
ورغم دوره المشهود له بالتخصص في كافة أعمال الإرهاب والترهيب، إلا أنه لا يزال يتمتع بغطاء أميركي!
في التقرير الذي نشرته صحيفة «الواشنطن بوست» بتاريخ 30 يناير 2015 تحت عنوان «السي آي إيه والموساد قتلوا مسؤولا رفيعا في حزب الله بتفجير سيارة»، وردت أول رواية متكاملة عن الكيفية التي تم فيها قتل عماد مغنيّة، المسؤول العسكري الأرفع في حزب الله والمتهم بالقيام بعمليات إرهابية في الكويت منذ الثمانيات. الرواية التي سربها على ما يبدو جهاز أمني، تذكر بكل وضوح في إحدى فقراتها بأنّه وخلال العملية التي تم تنفيذها لقتل عماد مغنّيّة عام 2008، كان قاسم سليماني متواجدا في المكان نفسه وكان بإمكان الموساد و»السي آي إيه» اغتياله وكل ما كان عليهم فعله هو الضغط على الزناد ولكنّهم لم يفعلوا ذلك لأنّهم لم يمتلكوا التصريح القانوني لفعل ذلك، ولم يكن هناك أمر رئاسي بذلك كما يقول المسؤول الرسمي الأمني في النص المنشور!
عدم وجود أمر رئاسي بقتل سليماني لا يزال ساري المفعول على ما يبدو عند الرئيس أوباما، فالأخير لا يبدو متذمرا أو منزعجا من تحرّكات زعيم أكبر جيش ميليشياوي في العالم في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن، لم يكلّف أي طرف إقليمي أو دولي نفسه حتى عناء إدانة خرق سليماني لقائمة العقوبات الدولية الطويلة المفروضة عليه وعلى حرسه الثوري، أو رفعها إلى الأمم المتحدة أو الضغط على إيران للانصياع لها، لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي ولا أحد.
لم تمنع قائمة العقوبات الطويلة الدولية والأميركية والأوروبية المفروضة على قاسم سليماني ومنها القرار الصادر عن مجلس الأمن 1747 عام 2007، ولائحة العقوبات الأميركية 18 مايو 2011، ولائحة العقوبات الأوروبية 24 يونيو 2011 من أن يعمل الأميركيون معه. اليوم يعمل سليماني بحريّة تامة تحت الرادارت الأميركية وبالتنسيق معهم ويقود عمليات اجتياح برّية وجوية في عمق العراق وسوريا لأوّل مرة منذ إنشاء الجمهورية الإيرانية.
أكثر من ذلك، المقاتلون الأجانب التابعون للحرس الثوري لا يعتبرون على ما يبدو اليوم «مقاتلين أجانب» في القوانين الدولية الأخيرة التي تم إصدارها، فقد تمّ استثناؤهم! أما المجموعات المدرجة سابقا منهم على لوائح الإرهاب بما فيها لوائح الإرهاب الأميركية فقد تمّ غضّ النظر عنها، ليس هذا فقط بل يتم تسليحها كما يجري في العراق ويتم تأمين الإطار الشرعي لعملها من خلال حكومة مسخة ويتم الدفاع عنها في المؤتمرات والاجتماعات المغلقة كما جرى في اجتماع باريس الأخير، ويتم تأمين سلاح جو أميركي لمساندتها.
لكن لماذا؟ مرّة أخرى الجواب في الصفقة الأميركية- الإيرانية التي لا يبدو أنّها تقتصر على الملف النووي.
إدارة أوباما تمّهد المسرح الشرق أوسطي لإيران بكل ما للكلمة من معنى، وما يحصل اليوم سيكون من الصعب جدا على أي رئيس أميركي أو تحالف دولي أن يعكس مجراه أو يوقف تداعياته لعقود طويلة. علينا الاستعداد للأسوأ!

❍  @ AliBakeer

الثلاثاء، 9 يونيو 2015

إستراتيجية أوباما لمواجهة "داعش" العراق في الميزان


إستراتيجية أوباما لمواجهة "داعش" العراق في الميزان
علي حسين باكير
كاتب وباحث أردني

في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2011، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما انسحاب آخر دفعة من الجنود الأميركيين من العراق في عملية خروج ممنهجة منذ العام 2007.
وفي 18 ديسمبر/كانون الثاني 2011، تم الإعلان عن انحساب آخر جندي أميركي من العراق، وقد احتفظت الولايات المتحدة حينها بعدد كبير من العاملين في صفوف سفارتها في بغداد بلغ عددهم حوالي 17 ألف موظف، بالإضافة إلى عدد آخر من المتعاقدين في المجال الأمني والعسكري بمعدل حوالي 4500 متعاقد.
هذه المعطيات أتاحت لأوباما حينها الإعلان عن أنه نفذ وعده بسحب القوات الأميركية من العراق، وأنه استطاع أن يقدم نموذجا لعراق ناجح ومتماسك، وأنه لن يكون هناك إرسال لأي جنود أميركيين لكي يقاتلوا على أرض العراق أو في أي مكان آخر بعد الآن.
"يرى كثيرون أن لا إستراتيجية حقيقية لإدارة أوباما في مواجهة داعش باستثناء إستراتيجية "تمرير الوقت" ورمي المشكلة على الرئيس الأميركي القادم، مما حدا بالبعض لوصف الإستراتيجية التي أعلن عنها أوباما بـ"الوهم""
لكن لم نضطر إلى الانتظار طويلا حتى نرى العراق في أسوأ حالاته. والمفارقة أنه وبسبب سياسات رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي أتت به الصفقة الأميركية الإيرانية في العراق، فإن العراق كان يتجه إلى الانهيار الشامل والتشظي، وحصلنا في النهاية على "داعش" الذي شكل معضلة كبيرة لإدارة أوباما، لا سيما بعد احتلاله الموصل في ساعات قليلة في يونيو/حزيران 2014، وذلك لعلمها أنه لا يمكن هزيمة تنظيم كهذا من دون أن تكون هناك قوة عسكرية على الأرض.
ولأن أوباما لا يريد إرسال القوات الأميركية، فقد كانت إستراتيجيته تقوم على إشغال "داعش" وصد تقدمه والضغط عليه لإضعافه عبر استخدام ما تبقى من قوات الجيش العراقي وقوات البشمركة، على أن يتم ذلك بموازاة خطة تهدف إلى تدريب تسعة ألوية من الجيش العراقي وثلاثة من المسلحين الأكراد، أي ما مجموعه حوالي 24 ألفا، تشرف على تدريبهم قوات أميركية، ويتم تأمين الغطاء الجوي لهم من الجو، على أن يُصار أيضا إلى إنشاء حرس وطني من أجل تحفيز السنة على الدفاع عن مناطقهم واستقطاب العشائر السنية، تمهيدا للقضاء على "داعش".
وبالفعل في سبتمبر/أيلول 2014، تشكلالتحالف الدولي ضد "داعش"، ثم وافق أوباما على إرسال قوات أميركية (مجموعها حوالي ثلاثة آلاف) في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، على أن تكون مهمتها حصرا القيام بأعمال التدريب والتسليح للقوات العراقية وتقديم الاستشارات الأمنية والعسكرية دون القيام بأعمال قتالية على الأرض.
في يناير/كانون الثاني 2015، عقد أعضاء التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" اجتماعا فيلندن على مستوى وزراء الخارجية لتقييم مدى التقدم الدولي المحرز في الحملة العسكرية التي تُشن ضد التنظيم منذ شهر سبتمبر/أيلول من العام الماضي.
وفي نهاية الاجتماع، أدلى وزير الخارجية الأميركيجون كيري بتصريحات قال فيها إن تقدم التنظيم توقف أو تراجع، وإن الأسلحة الأميركية ستصل قريبا إلى القوات العراقية، وإن الجهد ضد تنظيم "داعش" -والذي تضمن شن نحو ألفي غارة جوية عليه- قد أدى في نهاية المطاف إلى استعادة نحو سبعمئة كيلومتر مربع.
بعد أربعة أشهر فقط على هذا التصريح، سقطت الرمادي كاملة بيد "داعش" في العراق، وقد قال الرئيس الأميركي أوباما حينها مبررا أن "الرمادي سقطت لأنها كانت معرضة لذلك منذ البداية، ولأن القوات العراقية التي كانت متواجدة فيها ليست من فئة القوات العراقية التي دربتها أو عززتها الولايات المتحدة".
لكن وفي نظرة شاملة على الوضع، يرى كثيرون أن لا إستراتيجية حقيقية لإدارة أوباما في مواجهة داعش باستثناء إستراتيجية "تمرير الوقت" ورمي المشكلة على الرئيس الأميركي القادم. فالبعض وصف الإستراتيجية التي أعلن عنها أوباما بـ"الوهم"، والبعض قال إنها مجرد سياسة تهدف إلى ضمان أن لا يرسل الأميركيون جنودهم إلى الأرض للقتال وأن لا يخسروا العراق كليا في نفس الوقت، وآخرون قالوا ببساطة إنها ليست معركتنا. ولذلك، فمن الطبيعي أن نجد أن ما تحقق بعد تسعة أشهر من تشكيل التحالف الدولي ضد داعش ليس بالكثير، لعدة أسباب أهمها:

التركيز على البعد الأمني
من الملاحظ أن الجانب الأمني والعسكري يطغى بشكل كبير على سياسات مكافحة "داعش"، وقد يؤدي ذلك في مرحلة من المراحل مستقبلا إلى نتائج سريعة نسبيا على الأرض، لكن أضراره ستفوق حتما منافعه، وسرعان ما ستظهر هذه الأضرار على المدى المتوسط والبعيد، وما ظاهرة "داعش" اليوم التي أتت بعد تنظيم القاعدة إلا دليلا على ذلك.
"ورقة العشائر السنية ورقة محروقة، لأن هذه القبائل عندما قاتلت القاعدة وسحقتها تمت مكافأة أفرادها بالسجن والتعذيب والنفي والطرد والقتل، ويراد منها الآن أن تقاتل "داعش" مع اعتراض الحكومة والقوى الطائفية على تدريبها وتسليحها اللازم للقيام بهذه المهمة"
لا يكفي أن يتم التضييق على التنظيم ماليا وأن تمطر مواقعه العسكرية بالصواريخ وأن يتم اغتيال قادته وأن تجفف منابعه الأيديولوجية والفكرية، ليتم الانتصار عليه. إذ يجب تفكيك العوامل الموضوعية التي أدت إلى ولادته، بمعنى آخر يجب التعامل مع المسببات وليس النتائج. ظاهرة داعش ظاهرة مركبة ومعقدة والعوامل الأساسية التي أدت وتؤدي إلى ولادتها وتكاثرها هي عوامل سياسية في الأساس، لذلك يحتاج التعامل معها النظر إلى ما هو أبعد من الخيار الأمني والعسكري. من الواضح أن إدارة أوباما لا ترى ذلك.
وحتى إذا افترضنا أن لهذه الظاهرة عوامل دينية وأمنية، فكيف يمكن القضاء على التطرف الديني في الوقت الذي يتم فيه التغاضي والسكوت عن الممارسات الطائفية وعمليات الإرهاب التي تنشرها أيضا جماعات أخرى تابعة لطهران في أماكن الصراع الأساسية في الشرق الأوسط.
هناك عدة حقائق يجب التعامل معها، إذ لا يمكن إنكار حقيقة أن التهميش الواسع والظلم والتعامل العنصري والطائفي والإجراءات الأمنية التي طالت غالبية بعض الشرائح العراقية نتيجة سياسات المالكي، بالإضافة إلى الدور الإيراني في دعم هذه السياسات، قد أعاد إنتاج نسخة جديدة أكثر تطرفا من القاعدة تسمى "داعش"، ووفرت البيئة المناسبة لعملها واستمرارها.
ولا يبدو أن ترتيبات مواجهة "داعش" الحالية تأخذ بعين الاعتبار أولوية معالجة هذا الوضع لتأمين الاستقرار السياسي والأمني، وإتاحة الفرصة أمام القوى المعتدلة للعمل بقوة ولحرمان المتطرفين من البيئة الحاضنة عبر انتزاع الذرائع التي تغذي وتدعم حججهم.
حكومة العبادي لا تبدو مختلفة كثيرا عن سابقتها، كما أنها جعلت موضوع "محاربة الإرهاب" أولوية قبل موضوع المصالحة الوطنية. ما هو الضمان للشرائح السنية التي ستحارب "داعش" بأنهم لن يتعرضوا لما تعرضوا له من قبل عندما نجحوا في محاربة القاعدة؟ لا شيء. إذا لم يكن لدى الحكومة العراقية دافع لحل الموضوع الآن، فعلى الأرجح لن يكون لديها دافع في فعل ذلك بعد القضاء على "داعش"، وسنعود حينها إلى الدائرة المفرغة نفسها.
إدارة أوباما نفسها لا تبذل أي مجهود للضغط على حكومة العبادي لتنفيذ وعودها التي قطعتها والتي تلقت بناء عليها دعما إقليميا ودوليا. في الاجتماع المغلق للمجموعة المصغرة للتحالف الدولي لمكافحة "داعش" الذي جرى في باريس في 2 يونيو/حزيران الحالي على سبيل المثال، لم يتطرق جون كيري نهائيا لضرورة إيفاء حكومة العبادي بالتزاماتها الداخلية، وبدا كأنه يتحدث باسمها في كثير من الأحيان.

تكرار نفس الأخطاء
لا يمكن لخطة تأهيل القوات العراقية أن تنجح بشكلها الحالي، فقد سبق أن قامت واشنطن بتدريبها منذ العام 2003 وحتى العام 2012، وأنفقت عليها قرابة 26 مليار دولار، ناهيك عن حوالي أربعين مليار دولار أنفقها المالكي عليها، وتوزعت بين فواتير تسلح وإغداق للأموال على الأتباع وشراء ولاء المليشيات الطائفية ودمجها بالجيش والقوات الأمنية، وكانت النتيجة انهيارات سريعة للجيش في أبسط المواجهات.
أما ورقة العشائر السنية، فهي ورقة محروقة لأن هذه القبائل عندما قاتلت القاعدة وسحقتها المرة السابقة تمت مكافأة أفرادها بالسجن والتعذيب والنفي والطرد والقتل من قبل المالكي وأتباعه. واليوم يراد منها أن تقاتل "داعش" مع اعتراض الحكومة والقوى الطائفية في العراق على تلقيها التدريب والتسليح اللازم للقيام بهذه المهمة، في وقت يرفض فيه هؤلاء أيضا تشكيل الحرس الوطني.

إرهابيون لمحاربة إرهابيين
الاعتماد على إرهابين لمحاربة إرهابيين آخرين أمر خطير للغاية، فعدا عن كونه غير أخلاقي وغير قانوني، ويعكس ازدواجية طالما استفادت منها تنظيمات مثل "داعش"، فهو يكرس المنطق القائل إن هناك استهدافا محددا للسنة في الشرق الأوسط، فـ"عندما ينتفضون لا يسمعهم أحد وعندما يضطرون إلى حمل السلاح يحاربهم الجميع"، ويتم استغلال هذا المنطق لتجنيد أبناء السنة الذي يتعرضون للقهر.
إن جزءا أساسيا من تطبيق إستراتيجية أوباما ينطوي على الاعتماد بشكل مباشر أو غير مباشر على إرهابيين في محاربة "داعش"، سواء من المليشيات الشيعية أو الكردية.
"قبل القضاء على "داعش" هناك حاجة للقضاء على سرطان المليشيات العراقية، وقبل الحديث عن توظيف القبائل والعشائر السنية هناك حاجة لحصول السنة على حقوقهم المشروعة، ودون حل هذه المشاكل الحقيقة، ستبقى الأمور على حالها، بل قد تتحول إلى أسوأ خلال السنوات القادمة"
الجانب الأميركي بدأ منذ شهر سبتمبر/أيلول من العام الماضي يعتمد شيئا فشيئا على المليشيات الشيعية المكونة من الحشد الشعبي، وعلى قوات الحرس الثوري الإيراني الموجودة في العراق إلى جانب الجيش العراقي، وقد كانت -ولا تزال- الطائرات الأميركية في كثير من الأحيان تلعب دور سلاح الجو التابع لهذه المليشيات. هذه المليشيات الطائفية لا تقل وحشية أو خطورة عن "داعش"، وعدد منها مدرج على قائمة الإرهاب الأميركية، ومع ذلك لم تجد إدارة أوباما حرجا من التعاون معها.

التعاون مع إيران
التعاون مع إيران لمواجهة تنظيم الدولة "داعش" يؤدي وسيؤدي إلى كوارث، كما أنه يشكل ورقة ممتازة للتنظيم لتجنيد المزيد من الأفراد. وحتى على فرض أن هذا النوع من التعاون قد أثمر، فإن النتيجة المباشرة له -وفق ما أثبته السلوك الإيراني خلال عقود من الزمن- ستكون إفساح المجال أمام نظام الملالي لإحكام نفوذه في المحور الممتد من طهران وحتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أيضا أن أي انتصار على تنظيم الدولة لا يتضمن خطة للتعامل مع خطر أدوات إيران وأذرعها في المنطقة، سيؤدي عمليا من الناحية الواقعية إلى زيادة الطائفية وإزالة العوائق أمام نظام الملالي لتسيد هذه المنطقة الجغرافية وفرض شروطه في العراق والانتقال بعدها ربما إلى الساحة السورية بقوة، على اعتبار أنه اللاعب الوحيد حينها الذي ستكون لديه قوة معتبرة على الأرض، تابعة له سواء بشكل مباشر (الحرس الثوري وجيش من المليشيات الشيعية) أو بشكل غير مباشر (القوات العراقية)، ولنا أن نتصور حينها كيف سيكون وقع ذلك على المنطقة بأسرها.
خلاصة الأمر أن كل الخطط الحالية تتم على المستوى التكتيكي في ظل غياب تصور إستراتيجي مُحكم، وهي تدور في حلقة مفرغة، وقد تمت تجربتها سابقا ولم تحل المشكلة بل فاقمتها، وذلك لسبب بسيط جدا وهو أنها تتجاهل كليا جذور المشكلة ومسبباتها الرئيسية التي أدت إلى ولادتها وتضخمها.
فبدلا من إعادة تدريب وتسليح نفس القوات العراقية التي تشكل المليشيات غالبيتها العظمى، هناك حاجة لبناء جيش وطني عراقي، وقبل ذلك هناك حاجة لحكومة وطنية جامعة وليس لمجموعة نُدل يقومون بطبخة أميركية في المطعم الإيراني.
وقبل القضاء على "داعش" هناك حاجة للقضاء على سرطان المليشيات العراقية، وقبل الحديث عن توظيف القبائل والعشائر السنية هناك حاجة لحصول السنة على حقوقهم المشروعة في الوطن العراقي. ومن دون حل هذه المشاكل الحقيقة، ستبقى الأمور على حالها بل قد تتحول إلى أسوأ خلال السنوات القادمة، وسنكون قد ضيعنا الوقت والمال والجهد والأوطان فقط قبل أن نعود ونكتشف ذلك حينها.
المصدر : الجزيرة