‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات طارق البشرى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات طارق البشرى. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 9 مارس 2026

أخي الدكتور محمد عمارة كما عرفته – بقلم المستشار: طارق البشري

 أخي الدكتور محمد عمارة كما عرفته 

 بقلم المستشار: طارق البشري

بقلم المستشار: طارق البشري(*)
الدكتور محمد عمارة: أخُ وصديقُ، جمعتنا الأُخوَّة والصداقة لمدىً زمنيٍّ يصل أو يشارف نحو نصف القرن، منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.. وحتى إن باعدت بيننا ظروف المعيشة وأحوال الزحام القاهري والتقدم في السن عن اللقاءات في السنوات الأخيرة، فإن القرابة الوجدانية والمحبة والتقدير والاحترام، مع الشعور بالانتماء الفكري المشترك وبالصحبة القلبية، إن ذلك كله يُبْقِيني معه على لقاءٍ مستمر وصُحبةٍ باقية؛ إن شاء الله تعالى.

****

نحن جيل واحد، تفتح إدراكه السياسي لشؤون بلاده وجماعته السياسية مع نهايات الحرب العالمية الثانية ومع نهايات الأربعينيات من القرن الماضي. وكانت مسألة الاستقلال السياسي لوطنه من أهم شواغله العامة، وكان تصوُّر الوطن المستقل الناهض هو المدينة الفاضلة التي يرنو إليها هذا الجبل لتكون على المستوى الطموح من الاستقلال والنهوض الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والتقدم الفكري والحضاري والثقافي. وكلُّ منا من هذا الوقت المبكر، ينشط في مجال اهتمامه، ويربط بين (طموحه الفكري والمهني) وبين (اندراجه في بناء هذا الوطن المأمول)، فلم يَشغَل أحداً منا (الاهتمامُ والبحثُ عن مستقبل فردي له)، وإنما كلُّ منا ربط – في خياله وآماله وطموحاته – بين (تخصصه الفكري والمهني المأمول مستقبلاً)، وبين (دوره في الأداء الرسالي لازدهار الوطن وجماعته).

ورغم كل الصعوبات كنا نسير على الطريق بما فيه من عراقيل ومشاكل، ولكن بتحقق عام عملي بطيء، ولكنه محسوس بالدرجة التي تُبْقي الأملَ باقياً ودافعاً لتوَجُّهِ النفوس، وللكدح، لتحقيق المأمول العام.

وكنا بوصفنا مصريين عربًا مسلمين، أي ننتمي لهذه الحقول المعرفية والحضارية، ونَصْدُرُ عنها، فيما تربينا عليه، بمدده الثقافي المتنوع، كنا – في ذات الوقت – ننهل من علوم الغرب الوافد إلينا من خلال الأجيال الثلاثة السابقة أو الأربعة. واختلفت وتنوعت جرعات الأخذ والهضم من هذا المعين الوافد. وكل ذلك تَعُجُّ به الحياة الثقافية المصرية والعربية، وكتابات الكُتَّاب، وتراجم المترجمين، ونُقُول الناقلين، عن الغرب وحضارته وأفكاره ومذاهبه وفنونه وآدابه. ونحن تَخْتَلِفُ معنا معاييرُ الأخذِ والتشرب وتجارب الإنتاج الذاتي، ويَنعكسُ كلُّ ذلك في كتاباتِ الكُتَّاب وأعمالِ الدعاة السياسيين والاجتماعيين وإنتاجِ الأدباء والفنانين ونشاطِ الجماعات الثقافية. كما يظهر كل ذلك وينعكس في النشاط السياسي وصراعات الأحزاب والتوجهات السياسية. وظَهَرَ منا القوميون والليبراليون والماركسيون والإسلاميون، ومَن يدعو إلى المرجعية الثقافية الوافدة من الغرب، ومَن يؤكد ويتمسك بالمرجعية الإسلامية، وكل ذلك بتأويلاتٍ متعددةٍ لدى كلَّ من هؤلاء.

لا أريد أن أستطردَ كثيراً في بيان تفاصيل هذا الأمرِ، ولكنْ حَسْبي أن أشيرَ إلى أنَّ السؤال عما نأخذ وما نَدَع من موروثنا الحضاري والثقافي الإسلامي لبلدٍ عربي مسلم، وكذلك السؤال عما نأخذ وما نَدَع من الوافد الغربي الحديث الذي أتى إلينا مع بدايات القرن التاسع عشر بنُظمٍ وعلوم وفنونٍ وآدابٍ وقيمٍ وأساليبِ عيشٍ ومناهج تفكير:

هذا السؤال كان من أهم ما شغلنا أجيالاً وأجيالاً، وعلى وجه الخصوص مع مُفتتح القرن العشرين حتى الآن، بحيث إنه لم تكن مشكلتنا فقط في تحقيق الاستقلال السياسي عن المحتل الأجنبي لأراضينا أو المُسْتَعْمِر المُسَيْطر على مصائرنا السياسية والاقتصادية من خارج أراضينا، ولم تكن مشكلتنا فقط أيضاً الاستقلالَ الاقتصادي عن السيطرة الأجنبية، وإنما جَدَّت علينا مشكلة أنه في بناء مجتمعنا الجديد بعد الاستقلال السياسي والهيمنة الذاتية الاقتصادية والاجتماعية: كيف سندير شؤوننا، وبأي مناهج فكرٍ ونُظُم وأساليبِ إدارةٍ ونهوضٍ، وكيف نُصَمِّمُ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل هذا المجتمع المأمول؟

ومن هنا كان الخلاف والتجارب والصراع السياسي والفكري حول مقادير ما نأخذ من الغرب وما نَدَع، وأوضاع ما نَسْتَبْقي من موروثنا الثقافي والحضاري وما نترك.

****

نحن نشأنا جميعاً في بيئة إيمانية وثقافية إسلامية، هي البيئة المصرية العربية حسب الطابع الغالب الأعم بها، ولكنَّ كلاّ منا نهل من الفكر الغربي، بقدر ما أتاحته له ظروفه المعيشية والثقافية، وبقدر ما تعرض له في أجواء تربيته التعليمية، وبقدر ما فرضته عليه ثقافته المهنية، وبقدر ما صيغت به – من ذلك – نَظرَتُهُ إلى ما يظن أنه يُوجِبُهُ التقدمُ والنهوضُ ببلده وبمجتمعه في طريقِ بناء وتحقيق حُلْمِهِ عن المدينة الفاضلة.

وكانت درجةُ التجريع للفكر الغربي وعناصر حضارته الغربية لا تَصْدُرُ في الغالب الأعم من الناس عن إيمان عَقَدِي بما يُصَدِّقُهُ القلبُ، ولكنْ عن دعوى اقتناع عقلي بما يَلْزَمُ لتحقق النهوض من عناصر ثقافية وافدة، صَحَّ هذا الاقتناعُ أو أَخْطأ.

إنَّ في الثقافة الغربية ما يستوجِبُ النَّهْلَ منه، وبخاصةٍ في العلوم الطبيعية وما يصاحبها ويتفرع عنها من مناهج وممارسات، وكذلك في علوم الإدارة والبناء المؤسسي ونُظم الاقتصاد وأساليب البحوث الاجتماعية، وكذلك ثمة فنون كثيرة في الأدب والقصة والمسرح والموسيقى الكلاسيكية.

ولكنْ، فرقٌ بين أن تتناول كلَّ ذلك و(تُغْنِي به ذاتَكَ الثقافية والإيمانية)، وبين أن (تَهْجُرَ ذاتَكَ هذه منفصلاً عنها وعن أُسُس حضارتك ومرجعيتك الثقافية العامة).

وإنَّ قدماء المفكرين في الحضارة الإسلامية درسوا حضارات اليونان والرومان والهنود والفرس القدامى دون أن يذوبوا فيها، فأغْنَوا ذواتِهم دون أن يَفقدوها. وكذلك صَنع الأوربيون مع الحضارة الإسلامية في بدء نهضتهم.

والحاصل أنه اضطربت المعايير في هذا الشأن بين (الأخذ للاستفادة مع بقاء الغيرية الحضارية العقدية)، وبين (الأخذ للتبني والانتماء والهجرة الثقافية).

ومن حيث السياق السياسي: تحقق لدينا في مصر ما تحقق من نهوض ومن استقلال سياسي واقتصادي بمعايير كانت أقرب للوضوح والشيوع العام بين المصريين ونخبهم الثقافية العامة، وذلك على مدى الثلثين الأولين للقرن العشرين (بثورتي 1919م و1952م).

وكان السؤال الخاص بالجانب الثقافي سالف الذكر مُثاراً لدى الجماعة الوطنية في وضع انتقامي حاد: بين تيار علماني يأخذ بحضارة الغرب كلاًّ لا يتجزأ، وبين تيار إسلامي موروث يَرفض هذا الأمرَ ويتمسك بالوضع التقليدي الموروث وحده، وبين هؤلاء وهؤلاء درجاتٌ من المواقف غير المحسومة وغير الواضحة.

ثم جاءت هزيمة 1967م بصدمة سياسية هزَّت كيان النظام السياسي جميعه، ثم مع الوقت بدأ ينطرح – فيما ينطرح – (السؤال الفكري) الذي يتجاوز ما يتعلق بالنظام السياسي ومدى استبداديته أو كفاءته التنظيمية والإدارية ومدى صحة سياساته. كانت (الهزة الفكرية)، التي نَتَجت عن الهزيمة من الضخامة والزلزلة بحيث طَرَحَت لدينا كل الأمور، وجَعَلت كلَّ أمرٍ مَدعاةً لإعادةِ البحث والتساؤل عن قدر الصحة والصواب، ومقدار الخطأ والخلل، فَيما نَعْرِفُ وما نَقتنع به من أمورنا العامة.

وبَدَأ الأمرُ بطَرْح السؤال الفكري عن الخلل في التشكل الحضاري والثقافي السائد؛ فالدولة لم تستطع أن تحمي الاستقلالَ الوطني وحدها، ولا بد من نهضة شعبية وتشكيلات شعبية مُوازِية لها: تُصَحِّحُ مسارَها وتَمنع استبدادَها وتُقَوِّمُ اعوجاجَها.

وبمُوجِبِ هذه التساؤلات التي طرحها هَولُ الحادث: انطرح السؤال عن (العلاقة) بين التيارات الفكرية والسياسية القائمة (ليبراليةً وقوميةً وإسلاميةً)، لا لـ (توحيدها)، وإنما لـ (إدراك المشترك العام بينها)؛ إن كان ثمة مشترك عام.

وقد لُوحِظ أن كلاًّ من هذه التيارات، في لحظةٍ تاريخية ما، أُمْسَك بالحكم وحده في بلد عربي ما، وأنَّ كلاًّ منها قد ارتبك ثم سقط.

كما لوحظ أنَّ (الدولةَ الاستبدادية) تَكْسِبُ استبدادَها مِن هذا (التقاتل) الذي يجري بين هذه الاتجاهات، ومن ثَمَّ فإنه قد وَجَبَ البحثُ عن (المشترك العام)؛ لِيُمْكِنَ مواجهةُ الاستبدادِ الفردي واستبدادِ الدولة بتيارٍ شعبي متجاوِبٍ ومترابِط مع بعضه البعض في سياق عام.

كما لوحظ أنَّ (الاستقلالَ الوطني المطلوب)، منذ ظَهَرت دعواه بعد السيطرة الأجنبية الاستعمارية، لا يمكن أن يكون (استقلالاً سياسياً) فقط، وإنما يتعين أن يُكَمِّلَه (استقلالٌ اقتصادي) أيضاً، وكانت هذه هي الخبرة التي أدركتها ثورة 1952م في مصر، ولكنَّ الهزيمةَ أظهرت أنْ لا بد أن يُكَمِّلَ هذه الجوانب تيارٌ شعبي أساسي واحد، بمنظمات أهلية تقف إزاء الدولة؛ لتصحيح مسارها. ولن يتم ذلك إلا إذا أضفنا وجهاً ثالثاً وأساسياً للاستقلال، وهو (الاستقلال الحضاري) الذي يُدرِكُ به الشعبُ ذاتَه الحضارية وفقاً للثقافة العامة السائدة لديه.

****

اجتمعنا – كمثقفين ومهتمين بالفكر السياسي والاجتماعي على اختلاف تخصصاتنا العلمية والمهنية – جماعة، فيها عادل حسين رحمه الله، ومحمد عمارة، وأنا، ورفقة طيبة من أمثالنا لا يزيدون على العشرة إلا قليلاً جداً، وفيهم أساتذة من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكلية العلوم، وكلية الهندسة، وغيرها، وانضم إلينا في فترةٍ لاحقةٍ عبد الوهاب المسيري رحمه الله، كما انضم إلينا فترة محددة جلال أمين ثم تَرَكَنا. كنا نجتمع كل ثلاثة أسابيع بمنزل أحدنا لنناقشَ موضوعاً فكرياً مُعَدًّا سلفاً، أو كتاباً محدداً.

وكان الهدف واضحاً، وصريحاً، وهو أن يضع كلُّ منا فِكرَه أمامَ نفسه وأمام إخوانه؛ ليتناقشوا معاً بشأنه، ونتداول معاً فيما هو قائمٌ، وما نأخذ، وما نترك، وما نعتمده متمسكين به، وما نتركه لعدم الحاجة إليه، وما نقاومه، وذلك بدراسة نقدية وتمحيص إيجابي.

وكان ثلاثتنا (عادل حسين ومحمد عمارة وأنا) هم مَن استطاعوا أنْ يَخْرُجُوا مِن هذا الحوار الدائر لسنين عديدة، بهذا (الترابط الفكري الكثيف) الذي يَعْتَبرُ أن الاستقلالَ الوطني ليس سياسياً فقط، وليس اقتصادياً فقط، ولكنه أيضاً ينبغي أن يُستكملَ بـ (استقلال حضاري ثقافي) فيما يتعلق بـ (المرجعية السائدة)، وأن الإسلامَ ليس عقيدة دينية فقط، ولكنه أيضاً هو الثقافة السائدة في المجتمع، بحيث لا يُرجَى قيامُ نظامٍ ديمقراطي حقيقي باشتراك شعبي عام ومؤسسات شعبية أهلية فعَّالة وباقية، إلا بأن يكون الإسلامُ هو الثقافةَ العامةَ والمرجعيةَ الأساسية لدى هذه الحركات والمكونات والمؤسسات الشعبية. ومن ثَمَّ، فلا حركة وطنية مضمونة البناء بفاعلية إلا بديمقراطية شعبية، ولا شيء من ذلك باقٍ وفعَّال إلا بالثقافة العامة السائدة، بحسبانها مكوناً ركيناً من مكونات وأركان التشكل الجمعي المطالِب والممارس للاستقلال وللوطنية.

كنا قبل عام 1967م أناساً مكتملين، أو نظن أنفُسَنا كذلك، ولكل منا وجوهُ نشاطٍ عام وكتابات عامة وآراء متبلورة، ولكنْ بعد هذه (المحنة الوطنية)، ومع بداية السبعينيات وما انطرح من أسئلةٍ بعد الهزيمة صارَ كلٌّ منا يطلب مِن نفسه قبلَ أنْ يطلب مِن الآخرين، أن يعيدَ طرحَ أركانِ فكره وأسس مواقفه ومبادئه السياسية والوطنية مع مَن اختارَ مِن أصفياء يشاكلونه في ذات المسائل. وبالنقاش الأمين الصادق: يطرح كلٌّ منا شواغله وخواطره ومراجعاته، والنقاشُ يَغْتَنِي بما ينطرح في هذا الشأن، وخَرَجَ كلٌّ منا بنظرٍ مُعَدَّلٍ في مجالات اجتهاداته وتخصصاته؛ عادل حسين في مجال العمل السياسي، ومحمد عمارة في مجال الفكر الإسلامي، وأنا في بناء تيار أساسي للأمة، وعبد الوهاب المسيري في مجال النظر للعلمانية والفكر الغربي.

لم يَكُن الأمرُ عُدولاً مِن موقفٍ كاملٍ إلى موقفٍ كاملٍ آخَرَ مُغايِرٍ، وإنما كان يتعلق باختلاف درجات المزج والاقتران، والعنصرُ العقدي الإيماني موجودٌ وفعال، ولكنَّ المسألةَ كانت تتعلق بقَدْرِ أثرِهِ في الموقف السياسي والاجتماعي وقَدْرِ فاعليته ودرجة حاكميته بالنسبة لغيره من أفكار وأسس ومطالب.

إن عادل حسين رحمه الله: كان قد تربى في حزب مصر الفتاة الذي خرج من عباءة الثقافة الإسلامية في موقفه الوطني السياسي. ثم بعد انتهاء الحرب انتمى عادل إلى التيار الاشتراكي، ثم عدل عن الصيغة العلمانية.

ومحمد عمارة: الأزهري القُح، الذي تربى داخل مؤسسة الأزهر، ثم جَذبه التيار الاشتراكي، ثم استعاد موقفه: بعمقٍ إسلامي أكثرَ، وبجدَّةٍ تراها في كتاباته المعروضة هنا في الكتاب الذي أُقدِّم له.

وأنا: بتربيتي ونشأتي الدينية، وباتصالي -الذي لم ينفصل أبداً- بالفقه الإسلامي وعلم أصول الفقه، وبالثقافة الإسلامية في الأدب والفكر الصوفي، في عز اقترابي من العلمانية الاشتراكية، وبغير ارتباطٍ بتنظيم أو جماعةٍ محَدَّدَةٍ.

فلما جاءنا الفكرُ الغربي بعلومه وثقافته وأسسه وتنظيماته السياسية والاجتماعية: وَقَفْنا نتشربه ونمتص نتاجه، ثم عُدنا مُحَمَّلِين بما أخذناه منه، عدنا إلى (موطننا الثقافي) كما لو أن كلٌّ منا كان في (بعثة علمية وثقافية) سافر فيها سنين ثم عاد إلى وطنه بخبراته، ومازجاً بين هذه الخبرات وبين أصل نشوئه وما تربى عليه، وصار هذا الوضعُ هو ما تحدد به هدفْ كلٍّ منا فيما تخصص فيه، حتى يقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً.

****

هذه هي درجة (القرابة الفكرية) التي تربطني بمحمد عمارة، الأخ الحبيب، والصديق الصدوق، وهذا هو (المجال الفكري المشترك) الذي يجمعنا، وأنا أكتب الآن عن عملٍ يَعرِضُ لبعضِ من أفكار محمد عمارة، وأتكلم عنه بانحيازٍ فكري كامل وارتباطٍ وثيق، ليس أساسه الموقف الفكري الثقافي فقط، ولكنْ أيضاً أساسه ذكريات حميمة وارتباط عاطفي عميق، يُكَمِّلُ ذلك شعور بأواصر من المودة والمحبة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يبقينا عليها حتى آخِر العمر.

إن الدكتور محمد عمارة هو الآن (أحد أركان التجديد الصحيح) في (حركة الفكر الإسلامي المَعِيش)، هذه الحركة التي أرى عليها – من مصر، وعلى سبيل المثال – محمد عبده، ورشيد رضا، وحسن البنا، ومحمد مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت، وأحمد إبراهيم، وعلي الخفيف، وعبد الحليم محمود.

“عمارة” في كلْ ما كَتَبَ طوالَ حياته الفكرية النافعة إن شاء الله، لم يتقيد برأي حاكمٍ ولا سلطانٍ، ولا راعى في أخص ما كَتَبَ إلا ما يراه وَجْهَ الحق الذي يُقَدّمُ ليَنفعَ به الناس؛ لأنه كاتبٌ نَذَرَ حياته كلها للفكر الإسلامي، وهذه شهادةُ الثقاتِ من أهل جيله الذين عاصروه وتابعوه وتحققوا مما يَشْهَدُون به..

إن فكر “عمارة” يؤكد في كل حين انتفاءَ التعارض المزعوم الذي يَدَّعيه العلمانيون بين (العقل)، و(النقل)؛ باعتبار أنَّ القرآنَ – وهو المعجزة التي قدمها الإسلام – هو (معجزةٌ عقليةٌ) وليست (ماديةً)، ومن ثَمَّ، فـهي باقيةٌ ومستمرةٌ، في أثرها وشواهدها، عبر الأجيال، ولكل المسلمين، مهما اختلفت بيئاتهم الاجتماعية، وهي متجددةٌ مع ما يَحدُثُ في بيئات المسلمين من تجدد وتغير واختلاف.

الدكتور “عمارة” مع حرية الرأي كاملةً للمخالفين؛ لأنه لا يخشاها، ولأنه قادرٌ على أن يَرُدّ على الرأي الآخَر؛ كشفاً لسلبياته وبياناً لوجه الحق في الموقف الإسلامي الذي يَفْرِضُهُ.

إنه حُرٌّ يدعو للحرية؛ لأنه قوي، ويؤيد الحريةَ الكاملةَ؛ لأنه يؤمن بقدرة الفكر الإسلامي على أن يسودَ بما يستجيبُ له مِن حاجات مُعْتَنِقِيه، وَفْقاً لِمَا بَلَغه مِن معرفةٍ بهذا الشأن.

وبهذا الدفاع عن الحرية: يُؤكِّدُ سلميةَ الدعوة الإسلامية الصحيحة، وأنها تَعُمُّ وتزدهر بإعمال العقل والتجاوب مع واقع الحياة المعيش، وتَكْسِبُ – عن غيرها- قدرتها الإيمانية على تحريك القلوب بنور اليقين، فيكتمل لها تصديقُ القلوبِ مع صحةِ إعمالِ العقول، بحفظ الدين وسياسة أمور الحياة الدنيا.

كما يؤكد على أن التعاملَ مع ثقافة الغُزاة يكون بالدعوة، فلا خشية على الإسلامِ من فكر العلمانيين الحداثيين؛ لأنه يُدْرِكُ كيف يُبَيِّنُ لهم وجوة الخطأ في فكرهم وحلولهم لواقعهم المعيش. يَذْكُرُ ذلك؛ لأنه دارسٌ لفكرهم ولمحركاتهم الذهنية، ويدرك كيف يمكن التعامل الثقافي معها.

 الدكتور “عمارة” هو مِن خير مَن جمعَ – في زماننا المعيش – بين (المحافظةِ على أصول الدين)، و(التفريع عليها في قضايا المجتمع ومسائله المثارة)، مع الربط بين (المرجعية الإسلامية) وبين (الفكر السياسي الاجتماعي المطروح)؛ ففِكرُ الدكتور “عمارة ” هو ثمرةُ اللقاء بين المحافظين والمجددين في الفكر الإسلامي، إذ عَرَفْنا في أول القرن العشرين نوعاً من الفصام بين هذين الاتجاهين، ثم ما لَبِثَ مع النصف الثاني من القرن العشرين ذاته أنْ تلاشى على أيدي الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي ومَن ماثلهم، ونلحظُ ثمرةَ هذا اللقاء الحميد في المُنتَجات الفكرية التي تَجد الدكتور عمارة من أبرز ممثليها ومحققيها.

 الدكتور “عمارة” ليس مجرد كاتبٍ أو مفكرٍ، إنه فرد، ولكنه قامَ بعملٍ فيه من الضخامة ما لا يضاهيه إلا عملُ المؤسساتِ والمراكز البحثية (التي تعمل بالعديد من الباحثين والعلماء، وتعمل على مدى يتجاوز جهد البشر الأفراد، ويمتد عبر أجيال)؛ تحقيقاً للتراث الحديث، وجمعاً للمادة البحثية، وإضافةً إليها، وربطاً بين جهود التحقيق والتجميع والإضافة والابتكار الأصيل المُسْتَنِدِ إلى أصوله المرجعية، إنه عملُ مؤسساتٍ وهيئاتٍ، وليس مجردَ عملِ أفرادٍ، قَدَّره الله سبحانه وتعالى.

لقد بارك الله له في عمله؛ لأنه أخلصَ فيه وفي التفرغ له، ولِمَا اتَّصَفَ به مِن مسلَكٍ أخلاقي مَكَّنه من العزوف عن مغريات الحياة، والتفرغِ – كلِّ التفرغ – للعمل الجادِّ وَحْدَه، ولأدائه على نحو رسالي لا يَبْغِي إلا الحق ورضاءَ الله سبحانه. هي نشأةٌ أزهريةٌ، وتربيةُ دينية.

بارك الله في هذا الجهد النافع للأمة وللدين وللوطن وللجماعة السياسية.. والحمد لله.

(*) من مقدمة المستشار طارق البشري لكتاب: المشروع الفكري للدكتور محمد عمارة – تأليف: يحيى رضا جاد، من إصدارات دار “مفكرون الدولية للنشر والتوزيع”، ط1، 2018م، اخترنا لها هذا العنوان المناسب. رحم الله الأخوين الكريمين والمفكرين الكبيرين (عمارة والبشري) برحمته الواسعة، وجمع بينهما في جنات النعيم، وألحقنا بهما غير مفتونين.


الأحد، 2 يوليو 2023

ما معنى الانقلاب العسكرى

 ما معنى الانقلاب العسكرى


طارق البشرى

 الإثنين 22 يوليه 2013 

(1)

من سمات الانقلابات العسكرية، أن القوى العسكرية التى تقوم بها، بما تشمله من مجموعات ووحدات وأفراد عسكريين، إنما يتحركون بآلاتهم وأجزتهم الحربية للسيطرة على الأوضاع المادية والإحاطة بها والتمكن منها، إنما يفعلون ذلك وهم لا يعرفون أية أهداف سياسية ستتحقق بسبب حركتهم، ولا يعرفون أنهم يقومون بانقلاب عسكرى يستهدف الإطاحة بالنظام السياسى القائم فى الدولة، ولا أنهم يستبدلون به نظاما آخر وسيطرة سياسية أخرى، لا يدرى هؤلاء المتحركون عنها شيئا. ولا يعرفون ما هى المجموعة السياسية التى سيتاح لها بصنيعهم أن تتولى السيطرة على الدولة.

ذلك لأن تحريك الجيوش، وتحريك سائر أجهزة الدولة حتى المدنية منها، إنما يجرى بما نسميه القرار الإدارى والأمر الرئاسى وليس القرار السياسى المباشر. فأجهزة الدولة بأجهزتها المدنية والعسكرية تتكون من العديد من الهيئات ومن المؤسسات المتعددة والمتخصصة فى الجوانب المختلفة لوجوه النشاط الاجتماعى والسياسى، وكل منها منفصل إداريا عن الهيئات الأخرى ولا يتصل بها إلا من خلال التشكيلات الرئاسية الجامعة لها وبالنظم المرسومة سلفا. وكل منها يجمع المعلومات فى إطار تخصصه النوعى والوظيفى ويصعد بهذه المعلومات إلى الرئاسات التى تتجمع لديها الخبرات والمعلومات، ثم تتخذ القرار السياسى أو الاجتماعى فى الإطار الرئاسى العام، ثم تهبط بهذا القرار من خلال مجموعة من الأوامر والتعليمات وبالقرارات الإدارية الرئاسية المتخصصة، إلى كل هيئة نوعية تابعة.


وكل هذه الأجهزة النوعية المتعددة تقوم بعملها بموجب القرارات والتكليفات الخاصة المحددة التى تهبط إليها من رئاستها، وتنجز الجزء الخاص بها فى حدود تخصصها النوعى أو الاقليمى، ثم يتكامل العمل العام وفقا للخطة الرئاسية المرسومة التى تحتكر معرفتها هذه الرئاسة العليا وتحقق بها ما رأته من أهداف سياسية أو اجتماعية عامة.

وهذا التصور العام للعمل العام يصدق بشكل أكثر ضبطا وإحكاما فى القوات المسلحة، لما يتسم به عملها من استخدام وسائل العنف والمحاربة والتحقيق العسكرى للأهداف التى ترسمها القيادة، ولما فى أصل عملها من وجوب التزام بالسرية والتحكم والحذر والتوجس.

●●●

(2)

والعمل الانقلابى فى السياسة تقوم به القوات المسلحة، وفيه بطبيعته العسكرية من الفجائية ما يستلزم القدر العالى من السرية والتكتم حول الأهداف المنشودة، وأن السرية والانضباط والحذر والتوجس يكون أوجب هنا من أى عمل عسكرى آخر، لأن القوات المسلحة هى قسم تابع للدولة ويستمد شرعية قرارات قياداته من خضوعه الرئاسى لرئاسة الدولة التى عينت القيادات العسكرية ومن سلطتها أن تعزلها وتنحيها. والقيادات العسكرية إن عُزلت فقدت شرعية وجودها على رأس التشكيلات العسكرية التنظيمية التى تتلقى أوامر الحركة من هذه القيادات، وفقدت إمكان تحركها الانقلابى. لذلك يتعين أن تتحرك القوات المسلحة بوحداتها بموجب أمر مجهول الهدف أو بموجب هدف صورى غير حقيقى، يمكِّن القيادة العسكرية من التنفيذ قبل انكشاف القرار وظهور الهدف. أى يجب الفصل التام بين قرار الحركة وبين هدف الانقلابى، واتخاذ أساليب من الخديعة والمناورة والمكر.

ويظهر هنا الفارق الواضح بين تغيير نظام الحكم بواسطة ثورة شعبية، وبين تغيير بواسطة الانقلاب العسكرى، لأن حركة الجماهير فى الثورة الشعبية التى يسقط بها نظام الحكم هى حركة ظاهرة الأهداف، وكل من يشارك فى العمل الثورى الجماهيرى إنما ينضم إليه ويشارك فيه عارفا بالأهداف المنشودة من هذا الحراك وهذا التجمع، أما بالنسبة للانقلاب فإن القيادة العليا للقوة المسلحة هى وحدها التى تعرف الهدف السياسى من وراء حركة الجنود، وكل الجنود المشاركين فى العمل حشدا وتوزيعها للمهمات يجهلون تماما ما يكمن خلف صنيعهم من نتائج منشودة. ولا يعرف الهدف السياسى لهذا الحراك العسكرى إلا فرد أو جماعة ضيقة جدا محدودة العدد من القيادات، يسوقون أكبر قوة مادية فى الدولة والمجتمع إلى غير ما تعرفه هذه القوة.

إن أظهر وقائع الانقلابات العسكرية فى مثل بلادنا، هو ما حدث فى سنة 1908؛ الانقلاب العسكرى الذى قامت به فرق من الجيش العثمانى على سلطة السلطات عبدالحميد الثانى فى استانبول. لقد سارت هذه الفرق العسكرية من سالونيك وغيرها فى البلقان، متجهة شرقا فى أراضى الدولة إلى العاصمة استانبول، وكان الجنود يهتفون بحياة السلطان عبدالحميد لما أشاعته القيادة العسكرية من أن هذا الحراك إنما يجرى لبلوغ العاصمة ولحماية السلطات عبدالحميد من مخاطر تحيط به، ولما بلغ الجنود قصر السلطنة وزعهم قادتهم حوله بما أحكم الحصار على القصر، ودخل القادة إلى السلطات وأملوا عليه ما رأوه من شروط وقرارات وأجبروه على قبولها. ثم عزلوه نهائيا فى سنة ١٩٠٨. وهكذا فإن قرار الانقلاب وفكرته كانت حكرا على قيادة فرق الجيش المتحرك، دون أية معرفة بها ممن قاموا بالحركة ونفَّذوها، وحققوا أهداف القيادة بصنيعهم دون أن يعرفوا بها، بل على عكس ما استقر فى وعيهم الجماعى أنهم يصنعوه بحركتهم.

وفى مصر فى سنة 1952، رغم أن البلاد كانت مهيأة للثورة وتنتظر حدوثها، فإن حركة وحدات القوات المسلحة التى قامت فى 22 يوليو، وكان هدفها الحقيقى السيطرة على مقر قيادة الجيش والمواقع الرئاسية فى القاهرة والاسكندرية وإعلان حصول الانقلاب العسكرى ثم إسقاط النظام وعزل الملك، هذه الحركة كان المعروف منها للوحدات المتحركة وضباطها الصغار وجنودها أنهم يتحركون تنفيذا لحالة «طوارئ».

ومفاد حالة الطوارئ فى اللغة السائدة وقتها بين أجهزة الدولة وفى الاستخدام الجارى أنهم يتحركون للدفاع عن الدولة وأمن البلاد ضد أى احتمالات هياج أو اضطراب يهدد الدولة أو منشآتها أو يهدد أمن المجتمع. وكانت حالة الطوارئ معلنة رسمية من قبل الدولة المصرية من الملك والحكومة مع أحداث حريق القاهرة التى جرت فى 26 يناير 1952.

وهكذا فى كلتا الحالتين، تحركت القوات المسلحة بزعم حفظ أمن الدولة ونظامها القائم، وذلك لتحقق عكس ما أعلنته هدفا لها وهو هدم هذه الدولة ونظامها وإنشاء نظام آخر. وكانت حقيقة الأمر مقصور معرفتها على قائد هذه الحركة أو على أفراد قليلين حوله محدودين ومعدودين، أما القوات المسلحة ذاتها بوحداتها ورجالها وقادتها فى الفروع المختلفة المتحركة فلم تكن حركتهم عندهم تستهدف ما ترتب عليها، بل لعل حركتهم كانت فى وعيهم على عكس ما ترتب عليها.

ولذلك فإن صنع الانقلابات، لا يقع عبء حصولها على الوحدات والفرق والمجموعات التى قامت بها، بل يقع عبء ذلك على رأس القيادات التى تتخذ قرار الحركة العسكرية ثم تحوله إلى عمل سياسى.

●●●

 (3)

وهذا ما يلاحظ فى الأحداث التى جرت بيننا اليوم، بما عرف بأحداث 30 يونيو 2013 وما آلت إليه فى 3 يوليو التالى له. وحاصل المسألة أن كانت أعلنت قوى المعارضة، سواء فى تجمعاتهم السياسية أو بأجهزة الإعلام جميعها العاملة معهم وبهم أو من يواليهم من داخل أجهزة الدولة، ــ أعلنت كلها وعملت بدعوة مصرة وصاخبة للحشد ضد من يتولى السلطة من خلال أجهزة الدولة الدستورية، وذلك بهدف إنهاء هذا الحكم. ولم يظهر من هذه الدعوة ولا من أى من صورها كيف يكون الإنهاء ولا ما هى أدوات تحقيقه وأساليب إنفاذه.

ثم فى 23 يونيو، أذيع خطاب لوزير الدفاع الذى يتولى بهذه الصفة منصب القائد العام للقوات المسلحة، وأشار الخطاب إلى أن القوات المسلحة على وعى بما يدور داخل البلاد وهى بعيدة عن العمل السياسى، ولكنها تلحظ وجود حالة انقسام فى المجتمع وأن «استمرارها خطر على الدولة المصرية»، وأنه لابد من التوافق لأن الحالة الحاضرة تهدد الأمن القومى مما لا تكون القوات المسلحة بمعزل عنه و«أننا لن نظل صامتين أمام انزلاق البلاد فى صراع يصعب السيطرة عليه». ثم ذكر الخطاب أنه يخطئ من يظن أن هذه الحالة لا تهدد الأمن القومى أو أنها لا تهدد الدولة المصرية.

وأن مفاد هذا الخطاب أن وزير الدفاع القائد العام ذا المسئولية التضامنية مع الوزارة، أنه فى مواجهة انقسام حاد يعترى الوضع السياسى المصرى، إنما يكون اهتمامه وتدخله لحماية الدول المصرية، وكذلك الأمن القومى الملامس لحماية هذه الدولة. وطالب القوى السياسية بالتوافق خلال الأسبوع التالى.

والحاصل الذى يتبادر فهمه عند الحديث عن حماية الدولة، أن المقصود بذلك ما تتمثل فيه الدولة كهيئة ومؤسسة من أجهزة تنظيمية حاكمة ومؤسسات أساسية، كما تتمثل فى نظمها الدستورية القانونية التى تتشكل هذه الأجهزة والهيئات وفقا لها. لأن الدولة من الناحية النظامية هى أجهزة وهيئات وهى نظم دستورية وقانونية.

ثم حدثت الحشود المعروفة فى 30 يونيو، التى توزعت على حركتين سياسيتين شعبيتين متقابلتين، إحداهما ضد المؤسسات السياسية الحاكمة للدولة وهى رئاسة الجمهورية والمجلس الوزارى والمجلس النيابى، والأخرى تدعم هذه المؤسسات. وأيا ما كانت نسبة أرجحية أى من الحركتين على الأخرى، فهما حركتان شعبيتان سياسيتان متاقبلتان ليس فى مكنة إحداها أن تقضى على الأخرى ولا أن تتجاهلها، ولا يرد مرجح بينهما فى ظل نظام دستورى قائم إلا إنفاذ أحكام هذا الدستور بالنسبة لما يستوجبه من انتخابات تجرى فى مواعيدها، وأولها حسب سياق الأحداث انتخابات مجلس النواب الوشيكة الحدوث التى تتشكل الحكومة وفقا لنتائجها.

وقد أصدر وزير الدفاع والقائد العام فى 1 يوليو 2013 بيانا أمهل فيه القوى السياسية 48 ساعة للاتفاق على مخرج من الأزمة، وذكر أن القوات المسلحة ستعلن «خريطة طريق للمستقبل» إذا لم تتحقق مطالب الشعب مع الإجراءات التى تشرف عليها القوات المسلحة بمشاركة أطياف الاتجاهات الوطنية.

خلال هذه المدة، ومنذ 23 يونيو، تحركت وحدات من القوات المسلحة إلى الأماكن المعدة للسيطرة على المدن المهمة، وذلك باسم حماية المنشآت العامة ومن أهمها طبعا منشآت الدولة، وذلك طبعا يجرى فى إطار ما أورده خطاب وزير الدفاع من أنها حركة تهدف إلى حماية الدولة وهيئاتها ومؤسساتها ونظمها. وكانت كل الوحدات والمجموعات والأفراد والمعدات تتحرك فى إطار هذا الهدف المعلن وهو حماية المنشآت مما قد يحدث من انحرافات بعض المتظاهرين وضمان حماية أجهزة الدولة وهيئاتها، وبحسبان أن ذلك مما يتعلق بالأمن القومى.

ثم فوجئنا فى 3 يوليو بخطاب القائد العام الذى أعلن فيه مستندا إلى حركة الجيش السابقة، أعلن حصول الانقلاب العسكرى متمثلا فى تعطيل الدستور وعزل رئيس الجمهورية والإطاحة بالمؤسسات الدستورية القائمة وتعيين رئيس جمهورية مؤقت، ومنحه القائد العام لا سلطة إصدار القوانين فقط، ولكن منحه سلطة إصدار الأحكام الدستورية، واعتقل رئيس الجمهورية الدستورى المنتخب، ثم حل المجلس النيابى.

معنى هذا أن وحدات القوات المسلحة تحركت لحماية الدولة وأجهزتها وهيئاتها ونظمها، ثم استغل هذا الحراك واستخدم لتحطيم أجهزة الدولة وهيئاتها ونظمها، وانعكس توظيف حركة القوات المسلحة من هدف الحماية والإبقاء إلى هدف الهدم والإنهاء. وأن هؤلاء الذين تحركوا بمعداتهم قبل نحو عشرة أيام لم يكونوا يعرفون أى توظيف سياسى ستستخدم حركتهم فيه من جانب قيادتهم.

هذه بالضبط هى أساليب الانقلابات العسكرية، وهى أساليب تجعل من تحركوا إنفاذا لقرارات قياداتهم ليسوا مسئولين عن الأهداف السياسية التى حققتها قيادتهم بهذا الحراك.

والثورات الشعبية لا تفعل ذلك، لأن كل مشارك فيها من الجماعات والأفراد، إنما شارك وهو يعرف الهدف السياسى الذى ينتج عن حركته وأن الحراك الشعبى السابق فى ٣٠ يونيو كان منقسما بين تيارين شعبيين متعارضين ولم يكن مجتمعا على مطلب واحد كما حدث فى ٢٥ يناير ٢٠١١.

●●●

 (4)

إن ما يتعين التمسك الآن به هو الآتى:

أولا: أن دستور 2012 لايزال قائما معمولا بأحكامه ويتعين إعماله وهو دستور مستفتى عليه شعبيا، ولا يعدل إلا وفق الأحكام التى نص عليها.

ثانيا: إعمال أحكام هذا الدستور يقتضى بقاء المؤسسات السياسية المنشأة وفقا له، وتستكمل بانتخابات مجلس النواب مع سرعة إصدار قانون تنظيم الانتخابات.

ثالثا: تشكل الوزارة وفق نتائج انتخابات مجلس النواب طبقا للدستور وتتولى السلطة الدستورية فى الدولة.

رابعا: يتحدد بعد ذلك وفق أحكام الدستور وإجراءاته ما إذا كان ثمة ما يستدعى إجراء انتخابات سريعة لرئاسة الجمهورية.

والحمد لله.

الخميس، 19 ديسمبر 2013

مشروع الدستور حدث سياسى.. وليس عملًا قانونيًا


مشروع الدستور حدث سياسى.. وليس عملًا قانونيًا 


طارق البشرى




(1)

سيُدعى الشعب للتصويت على مشروع للدستور مطروح، وذلك فى الأيام القليلة المقبلة، والعجيب فى الأمر أن لجنة الدستور فى جلستها الأخيرة قد عدلت مواد مشروعها التى تسرى على مؤسسات الدولة التى ستُنشأ بعد الموافقة عليه وفور صدوره، عدلتها لا لتغير من مضمونها المحدد إلى مضمون آخر محدد، ولكنها عدلتها لتتركها «على بياض» أى حكم غير محدد، بمعنى أنها أفرغتها من مضمونها ومعناها وتركتها «على بياض».
 فصار من سيصوت للدستور لا يعرف متى وكيف سيشكل كل من مجلس النواب ورئاسة الجمهورية، أى لا يعرف متى وكيف ستشكل كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، ولا يعرف ما هى الأحكام والأساليب التى ستشكل بها السلطة التشريعية فى أول تكوين لها بعد صدور الدستور، ولا يعرف هل سيتحدد رئيس الجمهورية ويتولى منصبه قبل تشكيل المجلس النيابى أم بعده.
ولا يعرف هل سيكون المجلس النيابى بالانتخاب الفردى أم بالقائمة الجماعية أو الحزبية، ولا بأية نسبة سيكون كل منهما ان اجتمعا، ولا يعرف النسبة التى ستخصص للعمال والفلاحين ولا نسبة ما سيتخصص للشباب وللأقباط والمعاقين.

وقيل فى أحكام المشروع (بعد تعديلها فى الساعة الأخيرة لاجتماع اللجنة) إنه ستصدر قوانين بعد الاستفتاء على الدستور تحدد كل ذلك.
بمعنى أنه مطلوب من الشعب المصرى أن يصوت على الدستور بنعم أولا دون أن يعرف أى شىء عن وضع المؤسستين الحاكمتين فى تشكيلهما الأول والذى سيتم فور العمل بالدستور، وهى المؤسسات التى ستعمل لخمس سنوات تالية بالنسبة للمجلس النيابى ولأربع سنوات تالية بالنسبة لرئاسة الجمهورية.

والسؤال الذى يطرح الآن: أليس فى هذا الإجراء نوع من الاستخفاف بالإرادة الشعبية، وهو ان تطرح على الناس وان تطلب رأيهم «الملزم» دون ان تكلف نفسك بتحديد ما تفرضه عليهم من أسس ومقومات وأحكام تحدد ما ستكون عليه أولى خطوات تنفيذ هذا الدستور وبناء مؤسساته الأولى.

وأحد الأسئلة التى تطرح أيضا، هو: هل ستكون إرادة التصويت الشعبى إرادة شرعية وصحيحة، بواسطة إبداء رأى بالموافقة على تشكيل مؤسسات لم تتحدد الأحكام النافية للجهالة عما سيكون عليه تكوينها الأول.
 وبالمنطق القانونى الذى نعرفه، فإن إبداء الرأى بالموافقة على ما ليس محدد المحل بطريقة نافية للجهالة، ان ذلك تكون به الإرادة المبداة إرادة باطلة شرعا وقانونا.
ولا يصح قول بالموافقة والرضاء على ما لم تنتف الجهالة عنه.
فلا يعتد مثلا بزواج ممن لم تولد بعد، ولا يحل شراء ما لم يتشكل بعد، ولا يعتد بتعيين موظف على وظيفة لم تنشأ بعد.

ومن جهة أخرى فإن هذه الأحكام التى لم يحددها مشروع الدستور، أرجأها وأحالها إلى قوانين تصدر بها.
وهى ستصدر طبعا قبل ان تنشأ أجهزة المؤسسات الدستورية الجديدة، بمعنى أن من ستصدرها هى السلطة السياسية القائمة الآن قبل الاستفتاء على الدستور وقبل نفاذ أحكامه، وهى سلطة رئيس الجمهورية المؤقت الذى عينه فى هذا المنصب وزير الدفاع بوصفه القائد العام للقوات المسلحة فى 3 يوليو الماضى.
(أنا صادق التقدير والاعزاز لشخص رئيس الجمهورية المؤقت كرجل قضاء جليل ورجل قانون نقدر علمه وزميل عزيز سابق، ولكننى أتكلم هنا عن وظائف ومهام سياسية وعن مراكز قانونية لذوى المناصب الحالية مجردة عن شخصيات أصحابها).

إن من ستُصدر التشريع هى رئاسة الدولة التى أصدرت قيادة الجيش فى 3 يوليو قرارها الفردى بتعيينها، وسلطتها تئول من الناحية السياسية إلى مصدرها، ومن ثم فهى تعكس المشيئة السياسية لنمط الحكم الذى قررته قيادة انقلاب 3 يوليو العسكرى وتدور فى هذا السياق من التوجهات.
 ومن ثم يكون من يتحكم فى أول تشكيل لمؤسسات الدولة السياسية الناجمة عن هذا الدستور المطروح، وعلى مدى السنوات الخمس الأولى منه هو صاحب الكلمة النافذة التى تحدد بها التشكيل السياسى للدولة فى 3 يوليو، أى سلطة الانقلاب العسكرى.
وتذهب الجماهير للتوقيع «على بياض» لتعلن هذه السلطة «الرضاء الشعبى» المسبق على ما عسى أن تقرره وتزكيه فى بناء الدولة، إن هذه النصوص فى حقيقتها تتيح لسلطة 3 يوليو 2013 ان تستمر وفق مشيئتها الذاتية لمدة خمس سنوات تالية لصدور هذا الدستور إن رأى النور.

(2)

إن ما أعرفه وما ذكرته علانية منذ مساء الثالث من يوليو الماضى ونشر فى اليوم التالى مباشرة، ان ما حدث هو انقلاب عسكرى على دستور ديمقراطى هو دستور 2012 (لعلم القارئ فأنا لم أشارك فى إعداد هذا الدستور، فكنت اعتذرت عن عدم الاشتراك فى الجمعية التأسيسية التى أعدته، وذلك سواء فى تشكيلها الأول أو تشكيلها الثانى، وكنت كتبت فى الصحف آراء تتعلق بعدد من أحكامه، وهى منشورة فى الصحف وفى كتاب أصدرته). ولكن دستور 2012 دستور ديمقراطى نشأ بتشكيلات انتخابية حرة ونزيهة.

وفى إطار النظر فى مشروع الدستور المعروض الآن، فأنا أبدأ بأن دستور 2012 لايزال قائما وساريا. وإن تعديل هذا الدستور يكون وفقا للنظام والإجراءات التى قررتها المادتان 217، 218 منه، ويكون التعديل بطلب من رئيس الجمهورية أو من خُمس أعضاء مجلس النواب، ثم يناقش من مجلسى النواب والشورى خلال ثلاثين يوما، ولا يقبل إلا بأغلبية أعضاء كل من المجلسين، ثم يناقش فى كل منهما بنصوصه خلال ستين يوما، ولا يقبل التعديل إلا بأغلبية ثلثى أعضاء كل من المجلسين، ثم يعرض على الاستفتاء الشعبى خلال ثلاثين يوما.

هذا حكم الدستور الذى تولد شعبيا من ثورة 25 يناير وقامت شرعيته بإرادة شعبية حرة ونزيهة، ودخلت به مصر فى إطار نظام دستورى ديمقراطى، تتغير فيه الحكومات بالانتخابات وليس بطريق الانقلاب العسكرى.
 وان شعار مصر بعده بموجب إنفاذ معنى ثورة 25 يناير الشعار الذى يتعين أن يبقى وان يستمر وتدافع عنه القوى الثورية، هذا الشعار هو «التغيير بالانتخابات وليس بالانقلاب».

ومن ثم فإن كل ما يجرى الآن اتباعه لا تقوم به شرعية دستورية ولا شرعية سياسية، لأن ثورة 25 يناير 2011 آلت إلى نظام دستورى تحقق بدستور 2012 السارى فى التطبيق منذ 25 ديسمبر 2012. لذلك فنحن لا نعرض لتفاصيل الأحكام الواردة بالمشروع المطروح الآن. ولا بأى تعديلات ترد على دستور 2012 بغير الإجراءات المرسومة به. ان مقتضى قيام نظام تشريعى معين، ان تتبع أحكام هذا النظام وإجراءاته، وألا يلتفت إلى ما يخرج عن هذه الأحكام الواردة به.

وإن ما نكتبه الآن لا نعرضه الآن بوصفه مشاركة منا فى النقاش الدائر حول هذا الدستور المزعوم وليس حوارا نشارك فيه لتعديل أحكام وردت به، لأننا لا نشارك فيما هو غير معتد بشرعيته من حيث المبدأ.
 وقد ساهمنا بالصمت فى كل ما دار حوله عند مناقشته فى لجنة العشرة ولجنة الخمسين.
ولكننا الآن نعرض لبعض جوانب الموضوع الهيكلية بحسبانه حدثا سياسيا يدور الآن، وهو حدث يستدعى التعليق عليه لأمرين: أولهما: النظر فى مصداقيته وما يعكسه من استهانة بالإرادة الشعبية، وثانيهما: النظر فى آثاره فى صياغة نظام الحكم القائم ومؤسساته الحاكمة حسبما يراد لها ان تكون بعد 3 يوليو.

(3)

يلاحظ مثلا، أن سلطات رئيس الجمهورية فى المشروع الدستورى المطروح، قد صارت أوسع مما كانت فى إطار دستور 2012، فقد أسقط هذا المشروع نص المادة 141 من دستور 2012 وهى تقضى بأن «يتولى رئيس الجمهورية سلطاته بواسطة رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء، عدا ما يتصل منها بالدفاع والأمن القومى والسياسة الخارجية، والسلطات المنصوص عليها فى المواد 129، 145، 146، 147، 148، 149 من الدستور» وهى مواد تتعلق بذات ما ورد مجملا بالنص من شئون، وحتى هذه السلطات فإن من أحكام الدستور التفصيلية الأخرى ما يقيد سلطات رئيس الجمهورية بشأنها وبما لا يمكَّنه من الانفراد بها، وبما يشرك معه فيها مجالس تتكون من كبار رجال الدولة، ولا يتسع المقام لذكر هذه الأمور. وان تقييد العديد من سلطات رئيس الجمهورية يجعلها تمارس منه من خلال الوزارة، ان ذلك لا يفيد إشراك الوزارة معه فى هذه السلطات فقط ولكنه يخضع هذه الأعمال للسلطة الرقابية للمجلس النيابى من خلال مسئولية الوزارة أمام البرلمان وحق سلطة البرلمان فى مساءلة الوزراء.

وكان نص المادة 141 يوازن السلطات الأخرى المتاحة لرئيس الجمهورية بدستور 2012 مثل ما ورد بالمادة 146 عن سلطته فى حل مجلس النواب عند الاختلاف على تعيين رئيس الوزراء مرتين متتاليتين، ومثل المساهمة فى اختيار وزراء السيادة كوزارتى الدفاع والداخلية.

وبدون إثقال على القارئ فى التفاصيل العديدة، فيمكن القول بأن أى رجل قانونى متخصص يمكنه أن يدرك بالمقارنة بين نصوص دستور 2012 والمشروع المطروح الآن، يمكنه ان يدرك حجم الزيادة الحاصلة فى سلطات رئيس الجمهورية، وان ذلك يعنى أنه مثلما قلت مسئولية الوزراء وزادت مسئولية رئيس الجمهورية، فإن ذلك يعنى أن يقل مدى الرقابة الفعالة للمجلس النيابى على أعمال السلطة التنفيذية، لأن الوزراء فقط هم من يخضعون لهذه الرقابة، أكثر كثيرا مما يتصل بأعمال رئيس الجمهورية.

(4)

ويبقى ما هو أخطر من ذلك كله، فى ترتيب مؤسسات الدولة، فإن القوات المسلحة قد اكتسبت فى هذا المشروع المطروح استقلالا يكاد يكون كاملا عن مؤسسات الدولة الأخرى.

فنحن إن قارنا بين دساتيرنا فى التاريخ المعاصر، وبخاصة الدساتير الثلاثة الأخيرة، وهى دستور 1971 ودستور 2012 والمشروع المطروح حاليا.
 نلحظ أن دستور 1971 كان يشير إلى القوات المسلحة فى إطار المهام الخاصة بوظيفتها، ولكنه وما سبقه كان يضعها جزءا من الدولة بمؤسساتها المتعددة، جزءا لا ينفصل ولا يستقل عن الهياكل الكلية للدولة.
 ثم جاء دستور 2012 ليضع القوات المسلحة فى موقف متميز من حيث الاستقلالية التنظيمية والمالية والمؤسسية.
ثم جاء المشروع الأخير المطروح ليضعها فى وضع استقلال كلى عن أجهزة الدولة ونظمها وتشكيلاتها المؤسسية، بما لا أعرف له سابقة عندنا.

فبعد ان تنص المادة 200 على الحكم التقليدى المتكرر من أنها ملك للشعب مهمتها حماية أمنه، ومع حظر إنشاء أى تشكيلات عسكرية لأى فرد أو جماعة أو هيئة.
بعد هذا الحكم يرد بالمادة 201 ما يوجب أن يكون وزير الدفاع الذى هو القائد العام للقوات المسلحة معينا من ضباط الجيش، ثم يأتى تشكيل مجلس الدفاع الوطنى من ستة أعضاء مدنيين (منهم رئيس الجمهورية) وثمانية أعضاء عسكريين بحكم وظائفهم.
وهو الجهة التى تناقش الميزانية ويجب أخذ رأيها فى مشروعات القوانين الخاصة بالجيش.
 ونحن هنا لا نعترض على حكم محدد، ولكن نحاول ان نبين الصورة العامة لهذه الهيئة فى علاقتها بهيئات الدولة ومؤسساتها. فإن مدى الاستقلالية يتراءى من جماع الاستقلالية التنظيمية فى التعيين فى الوظائف القيادية ومن استقلالها المالى ومن الاستقلال القضائى، ومن ذلك كله مجتمعا.

ويرد نصا المادتين 402، 204، أولهما ينشئ لجانا قضائية خاصة بضباط وجنود القوات المسلحة تختص دون غيرها بالفصل فى كل المنازعات الإدارية الخاصة بهم، وهو نص دستورى مستحدث، وثانيهما يورد حكم القضاء العسكرى كجهة قضائية مستقلة للفصل فى كل الجرائم المتصلة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها، وأفراد المخابرات العامة أثناء أداء الخدمة وبسببها.
 ثم أخضع المدنيين للقضاء العسكرى فى جرائم الاعتداء المباشر على المنشآت والمعسكرات ومناطق الحدود والمعدات والمركبات والأسلحة والذخائر والوثائق السرية والأموال العامة والمصانع الحربية والتجنيد، والجرائم التى تمثل اعتداء مباشرا على ضباطها وأفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم، أى يخضع المدنيون للقضاء العسكرى فى كل تعامل لهم مع العسكريين.

ثم يرد فى الأحكام الانتقالية نص المادة 234 «يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسرى أحكام هذه المادة لمدتين رئاسيتين كاملتين اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور».
أى أن يكون تعيين القائد العام الوزير تعيينا ذاتيا لمدتين لرئيس الجمهورية كل منهما أربع سنوات.

وبهذا تتكامل الاستقلالية الانفصالية للهيئة بالتعيين الذاتى للقيادة ذات السيطرة وبالاستقلال المالى وبالانفصال القضائى. والقوات المسلحة من الناحية الدستورية ليست سلطة سياسية قائمة بذاتها مثل السلطة التشريعية أو السلطة القضائية.
بل انها تشكل عمود الارتكاز فى الدولة وهى الجوهر الأساسى للسلطة التنفيذية، لما تحتكره دون غيرها من وسائل العنف المشروع.
هى تستقل بنص مشروع الدستور عن أجهزة الدولة التنفيذية ورئاسة الجمهورية بوصفها رئاسة للدولة.
وذلك لمدة ثمانى سنوات على الأقل وهو مجموع المدتين الرئاسيتين الكاملتين اللتين أوردتهما المادة 234 من المشروع الدستورى. ونقول «على الأقل» لأنه إذا انتهت إحدى المدتين الرئاسيتين الأوليين فى أقل من أربع سنوات بسبب طارئ كوفاة أو استقالة فلن تكون مدة كاملة ولن تحسب ضمن المدتين اللتين أوردتهما المادة المذكورة بقولها «مدتين رئاسيتين كاملتين».

وهذا النص يؤكد أن ما جرى فى 3 يوليو 2013 هو انقلاب عسكرى، لأن وزير الدفاع المشار إليه فى النص ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، هو ذاته وزير الدفاع ورئيس هذا المجلس الأعلى الذى عين رئيس الجمهورية المؤقت فى 3 يوليو ومنحه سلطة إصدار بيان دستورى يحل محل دستور 2012 الذى أوقفه، واستبقى لنفسه منصب وزير الدفاع فى الوزارة التى عينها رئيس الجمهورية المؤقت.

ولنا أن ننظر فى المستقبل القريب فى الشهور القليلة القادمة بعد الاستفتاء بنعم على «مشروع الدستور»، فإن كل من سيتولى فيه منصبا رئاسيا أو قياديا أو وزاريا فى سلطته التنفيذية هو الآن فى علم الغيب بالنسبة لنا لا نعرفه، وكل من سيتكون منهم المجلس النيابى من أعضاء يشكلون السلطة التشريعية هو فى علم الغيب لنا الآن لا نعرفه.
وكل ذلك مجهول ومتغير ومحتمل، وذلك فيما عدا وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة، فهو بنص الدستور يشكل القطب الثابت غير المتغير الذى تدور حوله الأحداث.
وبهذا الوصف تعلو قامته السياسية على عناصر أجهزة الدولة جميعا ورجالها كلهم. أو بمعنى آخر تتساوى قامته مع أكبر كبير منهم، لأنه لم يعنيه رئيس الدولة القادمة وهو رأس السلطة التنفيذية، ولم يعنيه مجلس نيابى وهو المكون للسلطة التشريعية، والسلطة القضائية طبعا لا تعين أحدا.

وأكثر من ذلك فهو يشغل وظيفة ذات استقلالية إدارية وتنظيمية ومالية. ومن ثم يكون أكثر ثباتا من رئيس الدولة الذى يشغل منصبه بعد ذلك بالانتخاب من الشعب لمدة أربع سنوات فقط. 
ونحن نعرف أن عنصرا من عناصر الجبروت فى استخدام السلطة، لا يتأتى فقط مما تتيحه من اتخاذ قرارات نافذة، ولكنها تتأتى من المدة المتاحة لشاغلها فى البقاء فيها، وكلما كانت مدة أطول كان استخدام شاغلها للسلطة ذاتها أكثر قدرة وأثرا وأقل تعرضا للمعارضة ممن تسرى بشأنهم قراراته.
والوزير عضو فى الوزارة تنتهى خدمته فى الوزارة بانتهاء عمل الوزارة بالاستقالة أو السقوط، وذلك صحيح فيما عدا من حصنت بقاءه المادة 234 سالفة الذكر لمدة ثمانى سنوات على الأقل.

(5)

الدلالة الأكبر فى أهميتها العظمى تبدو عندما نرجع إلى معارفنا فى علم السياسة عن الدولة، فإن الدولة أهم خصائصها أنها هى المؤسسة المجتمعية التى «تحتكر وسائل العنف المشروع»، وهذا الوصف هو ما يبوئها مكان الحاكمية فى المجتمع على الجماعة الوطنية.
وهذا الوصف يتضمن عنصرين، عنصر العنف المادى والذى تحتكر حيازته واستعماله وتكسب به نفاذ أمرها وقرارها على المواطنين فلا يستطيعون له فى جملتهم معصية، والعنصر الآخر اللصيق به هو عنصر الاتصاف بالمشروعية أى بالتقبل والرضاء من جمهور من يمارس عليهم هذا العنف.

ولكن المشكلة أنه إذا اجتمعت وسائل العنف المادى والقدرة عليه مع مشروعية ممارسته، إذا اجتمع هذان فى يد واحدة، فيكون قد توافرت القدرة على الاستبداد، وإنفاذ الصالح الذاتى الخاص للمسيطرين على هذين العنصرين دون مقاومة أو احتمال مقاومة جماعية، لذلك كان من حسن تنظيم الدول منعا من الاستبداد والطغيان الناجم عن احتكار العنف والمشروعية معا، كان من حسن التنظيم أن تبنى مؤسسات الدولة على أساس من تقسيم العمل داخل مؤسساتها، فتنشأ بداخلها أجهزة تحوز وسائل العنف بتنظيم منضبط يسيطر على أدوات القهر والأسلحة والقدرة على جباية المال جبرا لإدارة هذه الأعمال، ولكن هذه الأجهزة تكون بعيدة ومجردة تماما عن تملك الشرعية، شرعية إصدار القرارات التنظيمية للمجتمع وللدولة وللعلاقات بين أفراد الجماعة، وشرعية إصدار الأوامر باستخدام أدوات الدولة لتحقيق هذه التنظيمات وكفالة انتظام هذه العلاقات.

وكذلك ان تنشأ أجهزة أخرى هى من يملك سلطة إصدار القرارات المشروعة باستخدام العنف ووسائله، وتكون هذه الأجهزة التى تملك «كلمة المشروعية» مجردة من أية حيازة لأية أسلحة أو وسائل عنف مادى وبعيدة عن جباية المال.

والنوع الأول الذى يحوز وسائل العنف هو ما اصطلح على تسميته بالسلطة التنفيذية، والنوع الثانى الذى لا يملك هذه الوسائل ولا يحوزها ولكنه يملك القول بالمشروعية ويملك الأمر باستخدام وسائل العنف هو ما نسميه السلطة التشريعية التى يوكل إليها إصدار القوانين ورسم السياسات ومساءلة رئاسة السلطة التنفيذية عما تفعل، وكذلك السلطة القضائية التى تختص بالحكم بصحة ومشروعية أى تصرف أو فعل تأتى به السلطة التنفيذية فترد الحق إلى نصابه، الحق الذى عينته ورسمته السلطة التشريعية.

والسلطة التشريعية لا يملك ذووها من الأدوات إلا مجلسا يجتمع فيه رجالها يتحدثون ويتناقشون ويصدرون قرارات، والقضاء لا يملك ذووه من الوسائل المادية إلا أقلاما وأوراقا يسطرون فيها أحكامهم التى ينطقون بها، وإن استقلال كل من هاتين السلطتين لا يؤدى وحده إلى الاستبداد لأن أيا منهما لا يملك وسائل إنفاذ ما يقول. بل هو استقلال واجب حتى لا تسيطر عليها السلطة المالكة لوسائل العنف.

وهذا التقسيم بالضبط هو ما يجعلنا نأمن جانب الدولة وأشخاص القائمين عليها، وهو ما نسميه فى لغة فقه القانون «السلطة المقيدة» وكل النظم إنما تستهدف ضمان أن تبقى السلطة مقيدة، فإذا انفك قيدها دق نفير الخطر.
وذلك حرصا على ألا يجتمع وصف العنف والشرعية فى يد شخص واحد أو جهاز واحد أو هيئة واحدة.

فإذا كان الجيش هو عمود الارتكاز الأساسى فى حيازة وسائل العنف المادى، قد صيغ وضعه فى مشروع الدستور بما يجعله مستقلا عن الأجهزة الأخرى، من النواحى التنظيمية وتشكيل القيادة ومن ناحية المورد المالى والاستقلال القضائى، فقد تحقق وجه من الانفصال صار به العنف معزولا عن الهيئات التى ترسم إطار الشرعية وضوابطها وتراقب أعمالها، وصارت به الشرعية عزلاء من الحماية والهيبة التى تكفلها لها وسائل التنفيذ عندما تستخدم لإعلاء كلمة الحق.
 بمعنى أن الدولة تكون قد أصيبت بالانفصام التنظيمى، أو تندمج الوظيفتان معا فيثور احتمال الطغيان، وقد جربناه عقودا من السنوات.

رعى الله مصر وألهمها الرشاد

الثلاثاء، 9 يوليو 2013

الصراع القائم الآن هو بين الديمقراطية والحكم والانقلاب العسكرى وليس بين الإخوان ومعارضيهم

الصراع القائم الآن هو بين الديمقراطية والحكم والانقلاب العسكرى وليس بين الإخوان ومعارضيهم

طارق البشري
 الأربعاء 10 يوليه 2013

 (1)

 

المسألة المثارة الآن، فى هذه الأيام العصيبة، التى بدأت مع أحداث 30 يونيو سنة 2013 وبلغت أوجها فى الانقلاب العسكرى الذى جرى فى 3 يوليو سنة 2013، المسألة المثارة الآن ليست حكم الإخوان المسلمين وهل يبقون فى السلطة أو لا يبقون، إنما هى مسألة النظام الدستورى الديمقراطى الذى تفتقت عنه ثورة 25 يناير، وهل تحتفظ مصر بهذا النظام أم يقضى عليه وهو فى مهده ليحل محله انقلاب عسكرى يدخل مصر فى حكم استبدادى جديد لعشرات السنين المقبلة.

 

إن متابعة الأحداث منذ 3 يوليو الجارى يكشف أننا أمام حركة قامت بها قيادة القوات المسلحة وأعلنها القائد العام وزير الدفاع بعد اجتماع سياسى مع بعض الوجوه السياسية والدينية التى اصطفاها لتقف معه وتؤيده، وأعلن بذلك تعطيل الدستور المستفتى عليه من الشعب المصرى والحائز على 63.6٪ من أصوات الناخبين فى حركة استفتاء حر ونزيه، كما عين رئيسا مؤقتا للجمهورية بما يفيد عزل الرئيس الدستورى المنتخب فى انتخابات باشرها المجلس الأعلى للقوات المسلحة وكانت حرة ونزيهة. وأعطى قائد الانقلاب الرئيس المؤقت الذى عينه، أعطاه سلطة إصدار إعلانات دستورية، وكل ذلك لمدة غير محدودة ولوزارة لم تتشكل بعد، ثم تقرر اعتقال رئيس الجمهورية الذى عزلته الحركة الانقلابية. وصرنا بلدا بغير دستور ولا نظام حكم معروف.

 

والسؤال الذى يثور، ما هو الانقلاب العسكرى إذا لم يكن ذلك انقلابا عسكريا؟

 

(2)

 

إذا قيل إن الأمر كان يتعلق بالإطاحة بحكم الإخوان المسلمين. فإن انتخابات مجلس النواب طبقا للدستور الجديد القائم كانت على الأبواب، بل كان تحدد لها أن تجرى وتتم فعلا ويتشكل المجلس مع بداية شهر يونيو، لولا أن رفعت المعارضة دعاوى إبطال قرار الدعوة للانتخابات ووافقتها المحكمة لأسباب شكلية وتبدو قانونية ولولا مسائل تفصيلية تتعلق بقانون الانتخابات، وحتى هذه العوائق كانت على شفا الانتهاء وصار القانون وإجراء الانتخابات على الأبواب. ولا يقال إن الإخوان كانوا سيسيطرون على أجهزة الدولة لضمان نتيجة الانتخاب، لأن وقائع الانقلاب الذى جرى الآن تثبت أن الدولة بأجهزة الإدارة والأمن والقمع لم تكن تحت سيطرة الإخوان مهما حاولوا.

 

وكان مفاد وجود أغلبية برلمانية غير إخوانية فى المجلس المرتقب، حسبما هو متوقع بسبب انخفاض شعبية الإخوان بعد أن تولوا محنة الحكم، (كان الإخوان وصلوا فى عز التأييد الشعبى لهم فى أواخر 2011 على أقل من 40٪ من مقاعد مجلس الشعب، ورئيس الجمهورية الإخوانى حصل بين مرشحى الرئاسة فى أول جوله على نحو 25٪ من الأصوات وحصل فى ثانى جولة على 51.7٪ فقط من أصوات الناخبين فى الإعادة بينه وبين أحمد شفيق) أقول كان مفاد انخفاض شعبيتهم فى الانتخابات المرتقبة أن تتشكل الوزارة من غيرهم أو ألا يكون لهم فيها صوت راجح.

 

وإن دستور 2012، الذى عطلته قيادة انقلاب 3 يوليو 2013 يعطى للوزارة المؤيدة من مجلس النواب سلطات شبه كاملة فى رسم السياسات وإدارة شئون البلاد، وهى سلطات أكثر كثيرا من سلطات رئيس الجمهورية، وهذا الدستور ذاته يجعل للوزارة وضع الحاكم على إرادة رئيس الجمهورية فى الغالب الأغلب مما يصدر من قرارات.

 

كان كل ذلك على الأبواب وفقا للدستور وإجراءات دستورية مؤسسية سليمة، ولكنه لم يتبع، وتحركت قيادات القوات المسلحة لتعلن وقف العمل بالدستور وتعود البلاد من جديد إلى مرحلة حكم غير دستورى ولا ديمقراطى.

 

●●●

 

(3)

 

قد يقال إن حركة قيادة القوات المسلحة جاءت نتيجة الحراك الشعبى الذى جرى فى 30 يونيو، وإنه حراك يشبه حراك الجماهير أثناء ثورة 25 يناير 2011. وهذا قياس فاسد وغير صحيح، لأن حراك 25 يناير كان حراكا سياسيا واحدا مجمعا عليه من جموع الشعب المتحركة فى مطلب واحد يتمثل فى إقصاء حسنى مبارك وجماعته من الحكم وإقامة نظام ديمقراطى مع إطلاق الحريات وبهذه الوحدة فى مطالب الجموع الشعبية حُقَّ للقوات المسلحة ان تتحرك استجابة لإجماع شعبى غير منازع ولا متفرق.

 

أما الآن، فإن حراك 30 يونيو 2013 حراك شعبى منقسم بين جماهير تجمعت فى ميدان التحرير وما يماثله معترضة على حكومة رئيس الجمهورية المنتخب، وبين جماهير أخرى تجمعت فى ميدان رابعة العدوية وما يماثله مؤيدة للرئيس الموجود المنتخب ولوزارته وطالبة بقاءه. وهذا الحراك المنقسم بين جماعات وجماعات أخرى وتعارض الأهداف والمطالب، هذا الحراك المنقسم لا تحسمه إلا انتخابات تجرى وفق الدستور. ولا يسوغ لقيادة القوات المسلحة أن تتدخل فيه لتحسم نتيجته لصالح فريق ضد فريق. إن ذلك منها يعد عملا حزبيا تنصر به جماعة سياسية حزبية على جماعة حزبية سياسية أخرى مما لا تملكه، لأنه ممنوع عليها الاشتغال بهذا النوع من السياسات، وهو حراك يكون منها بعيدا عن مجال المصالح الشعبية العامة وحفظ الأمن القومى. إنه تغليب لحزب على حزب ولسياسات داخلية على سياسات أخرى، ومن ثم يعتبر عملا انقلابيا.

 

●●●

 

(4)

 

نحن الآن لسنا إزاء معركة بين الإخوان المسلمين فى السلطة وبين غيرهم من معارضيهم، لأن هذه المعركة كانت يمكن أن تحسم فى ظل دستور 2012 بانتخابات مجلس النواب وما يفضى إليه من تشكيل وزارى يعكس حكم التأييد الشعبى الصحيح لكل فريق من الفرقاء المتصارعين وهو ما كان من شأنه دستوريا أن يقيد سلطات رئيس الجمهورية وفقا لنتجية الانتخابات.

 

ولكننا إزاء معركة تتعلق بالديمقراطية وبالدستور، وهو ما انتكس بفعل قيادة القوات المسلحة فى الانقلاب الذى حدث أخيرا. واستغلت هذه القيادة رصيدا شعبيا معارضا للإخوان المسلمين لتسوقهم جميعا إلى تأييدها فى معركة القضاء على روح ثورة 25 يناير 2011 والديمقراطية الدستورية، ولتعود بنا إلى الوراء وإلى نظام حكم استبدادى غاشم.

 

وأنا أتصور أن القوات المسلحة ذاتها برجالها وناسها بريئة من هذا الصنيع، لأنهم نزلوا إلى الشوارع بأمر القيادة وسيطروا على مرافق البلاد لا للقيام بانقلاب عسكرى، ولكن لتأمين منشآت الدولة وجماعة المصريين فى حراكهم المرتقب فى 30 يونيو وحتى لا يندس بينهم مخربون، ثم استغلت القيادة هذا النزول لترتب عليه آثارا سياسية أخرى تتعلق بهدم ما يشيد المصريون من نظام ديمقراطى دستورى. ولم يدرك قائدو الانقلاب انهم بتعطيلهم الدستور وعزلهم رئيس الجمهورية قد أسقطوا الوزارة التى يكتسب القائد العام شرعية أوامره التنظيمية من وجودها بحسبانه وزيرا بها.

 

وعلى الناس أن يدركوا أن سعيهم الآن لا يتعلق بإعادة حكم الإخوان، ولكنه يتعلق بالدفاع عن الدستور وعن النظام الديمقراطى، وأن يصطفوا اصطفافهم السياسى لا بين إخوان مسلمين ومعارضيهم ولكن بين مدافعين عن الديمقراطية وبين مؤيدين لحكم الاستبداد.

 

وإلى من يسعون الآن للتقريب بين وجهتى النظر، وقد سألنى كثيرون عنها وطلبوا منى الحديث عنها والمساهمة فيها، إلى هؤلاء أقول إننا أمام معضلة، وهى أن من يقوم بانقلاب عسكرى يكاد يستحيل عليه العدول عنه لأنه قد صار مصيره الشخصى متعلقا بمصير الانقلاب، وإن من يريد التنازل عن بعض الأوضاع الدستورية الديمقراطية ليتفادى إصرار القوة الانقلابية المادية، من يريد ذلك إنما ينشئ سابقة دستورية خطيرة تهدد النظام الديمقراطى دائما، وهى إمكانية أن تتحرك قوات فى أى وقت لفرض أى مطلب فى ظل أزمة سياسية فعلية، مما عرفته تجارب دول أخرى فى تركيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا لعشرات من السنين.

 

حفظ الله مصر من هذا المصير..

 

والحمد لله..