أخي الدكتور محمد عمارة كما عرفته
بقلم المستشار: طارق البشري
بقلم المستشار: طارق البشري(*)الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
أخي الدكتور محمد عمارة كما عرفته
بقلم المستشار: طارق البشري
بقلم المستشار: طارق البشري(*)(1)
من سمات الانقلابات العسكرية، أن القوى العسكرية التى تقوم بها، بما تشمله من مجموعات ووحدات وأفراد عسكريين، إنما يتحركون بآلاتهم وأجزتهم الحربية للسيطرة على الأوضاع المادية والإحاطة بها والتمكن منها، إنما يفعلون ذلك وهم لا يعرفون أية أهداف سياسية ستتحقق بسبب حركتهم، ولا يعرفون أنهم يقومون بانقلاب عسكرى يستهدف الإطاحة بالنظام السياسى القائم فى الدولة، ولا أنهم يستبدلون به نظاما آخر وسيطرة سياسية أخرى، لا يدرى هؤلاء المتحركون عنها شيئا. ولا يعرفون ما هى المجموعة السياسية التى سيتاح لها بصنيعهم أن تتولى السيطرة على الدولة.
ذلك لأن تحريك الجيوش، وتحريك سائر أجهزة الدولة حتى المدنية منها، إنما يجرى بما نسميه القرار الإدارى والأمر الرئاسى وليس القرار السياسى المباشر. فأجهزة الدولة بأجهزتها المدنية والعسكرية تتكون من العديد من الهيئات ومن المؤسسات المتعددة والمتخصصة فى الجوانب المختلفة لوجوه النشاط الاجتماعى والسياسى، وكل منها منفصل إداريا عن الهيئات الأخرى ولا يتصل بها إلا من خلال التشكيلات الرئاسية الجامعة لها وبالنظم المرسومة سلفا. وكل منها يجمع المعلومات فى إطار تخصصه النوعى والوظيفى ويصعد بهذه المعلومات إلى الرئاسات التى تتجمع لديها الخبرات والمعلومات، ثم تتخذ القرار السياسى أو الاجتماعى فى الإطار الرئاسى العام، ثم تهبط بهذا القرار من خلال مجموعة من الأوامر والتعليمات وبالقرارات الإدارية الرئاسية المتخصصة، إلى كل هيئة نوعية تابعة.
وكل هذه الأجهزة النوعية المتعددة تقوم بعملها بموجب القرارات والتكليفات الخاصة المحددة التى تهبط إليها من رئاستها، وتنجز الجزء الخاص بها فى حدود تخصصها النوعى أو الاقليمى، ثم يتكامل العمل العام وفقا للخطة الرئاسية المرسومة التى تحتكر معرفتها هذه الرئاسة العليا وتحقق بها ما رأته من أهداف سياسية أو اجتماعية عامة.
وهذا التصور العام للعمل العام يصدق بشكل أكثر ضبطا وإحكاما فى القوات المسلحة، لما يتسم به عملها من استخدام وسائل العنف والمحاربة والتحقيق العسكرى للأهداف التى ترسمها القيادة، ولما فى أصل عملها من وجوب التزام بالسرية والتحكم والحذر والتوجس.
●●●
(2)
والعمل الانقلابى فى السياسة تقوم به القوات المسلحة، وفيه بطبيعته العسكرية من الفجائية ما يستلزم القدر العالى من السرية والتكتم حول الأهداف المنشودة، وأن السرية والانضباط والحذر والتوجس يكون أوجب هنا من أى عمل عسكرى آخر، لأن القوات المسلحة هى قسم تابع للدولة ويستمد شرعية قرارات قياداته من خضوعه الرئاسى لرئاسة الدولة التى عينت القيادات العسكرية ومن سلطتها أن تعزلها وتنحيها. والقيادات العسكرية إن عُزلت فقدت شرعية وجودها على رأس التشكيلات العسكرية التنظيمية التى تتلقى أوامر الحركة من هذه القيادات، وفقدت إمكان تحركها الانقلابى. لذلك يتعين أن تتحرك القوات المسلحة بوحداتها بموجب أمر مجهول الهدف أو بموجب هدف صورى غير حقيقى، يمكِّن القيادة العسكرية من التنفيذ قبل انكشاف القرار وظهور الهدف. أى يجب الفصل التام بين قرار الحركة وبين هدف الانقلابى، واتخاذ أساليب من الخديعة والمناورة والمكر.
ويظهر هنا الفارق الواضح بين تغيير نظام الحكم بواسطة ثورة شعبية، وبين تغيير بواسطة الانقلاب العسكرى، لأن حركة الجماهير فى الثورة الشعبية التى يسقط بها نظام الحكم هى حركة ظاهرة الأهداف، وكل من يشارك فى العمل الثورى الجماهيرى إنما ينضم إليه ويشارك فيه عارفا بالأهداف المنشودة من هذا الحراك وهذا التجمع، أما بالنسبة للانقلاب فإن القيادة العليا للقوة المسلحة هى وحدها التى تعرف الهدف السياسى من وراء حركة الجنود، وكل الجنود المشاركين فى العمل حشدا وتوزيعها للمهمات يجهلون تماما ما يكمن خلف صنيعهم من نتائج منشودة. ولا يعرف الهدف السياسى لهذا الحراك العسكرى إلا فرد أو جماعة ضيقة جدا محدودة العدد من القيادات، يسوقون أكبر قوة مادية فى الدولة والمجتمع إلى غير ما تعرفه هذه القوة.
إن أظهر وقائع الانقلابات العسكرية فى مثل بلادنا، هو ما حدث فى سنة 1908؛ الانقلاب العسكرى الذى قامت به فرق من الجيش العثمانى على سلطة السلطات عبدالحميد الثانى فى استانبول. لقد سارت هذه الفرق العسكرية من سالونيك وغيرها فى البلقان، متجهة شرقا فى أراضى الدولة إلى العاصمة استانبول، وكان الجنود يهتفون بحياة السلطان عبدالحميد لما أشاعته القيادة العسكرية من أن هذا الحراك إنما يجرى لبلوغ العاصمة ولحماية السلطات عبدالحميد من مخاطر تحيط به، ولما بلغ الجنود قصر السلطنة وزعهم قادتهم حوله بما أحكم الحصار على القصر، ودخل القادة إلى السلطات وأملوا عليه ما رأوه من شروط وقرارات وأجبروه على قبولها. ثم عزلوه نهائيا فى سنة ١٩٠٨. وهكذا فإن قرار الانقلاب وفكرته كانت حكرا على قيادة فرق الجيش المتحرك، دون أية معرفة بها ممن قاموا بالحركة ونفَّذوها، وحققوا أهداف القيادة بصنيعهم دون أن يعرفوا بها، بل على عكس ما استقر فى وعيهم الجماعى أنهم يصنعوه بحركتهم.
وفى مصر فى سنة 1952، رغم أن البلاد كانت مهيأة للثورة وتنتظر حدوثها، فإن حركة وحدات القوات المسلحة التى قامت فى 22 يوليو، وكان هدفها الحقيقى السيطرة على مقر قيادة الجيش والمواقع الرئاسية فى القاهرة والاسكندرية وإعلان حصول الانقلاب العسكرى ثم إسقاط النظام وعزل الملك، هذه الحركة كان المعروف منها للوحدات المتحركة وضباطها الصغار وجنودها أنهم يتحركون تنفيذا لحالة «طوارئ».
ومفاد حالة الطوارئ فى اللغة السائدة وقتها بين أجهزة الدولة وفى الاستخدام الجارى أنهم يتحركون للدفاع عن الدولة وأمن البلاد ضد أى احتمالات هياج أو اضطراب يهدد الدولة أو منشآتها أو يهدد أمن المجتمع. وكانت حالة الطوارئ معلنة رسمية من قبل الدولة المصرية من الملك والحكومة مع أحداث حريق القاهرة التى جرت فى 26 يناير 1952.
وهكذا فى كلتا الحالتين، تحركت القوات المسلحة بزعم حفظ أمن الدولة ونظامها القائم، وذلك لتحقق عكس ما أعلنته هدفا لها وهو هدم هذه الدولة ونظامها وإنشاء نظام آخر. وكانت حقيقة الأمر مقصور معرفتها على قائد هذه الحركة أو على أفراد قليلين حوله محدودين ومعدودين، أما القوات المسلحة ذاتها بوحداتها ورجالها وقادتها فى الفروع المختلفة المتحركة فلم تكن حركتهم عندهم تستهدف ما ترتب عليها، بل لعل حركتهم كانت فى وعيهم على عكس ما ترتب عليها.
ولذلك فإن صنع الانقلابات، لا يقع عبء حصولها على الوحدات والفرق والمجموعات التى قامت بها، بل يقع عبء ذلك على رأس القيادات التى تتخذ قرار الحركة العسكرية ثم تحوله إلى عمل سياسى.
●●●
(3)
وهذا ما يلاحظ فى الأحداث التى جرت بيننا اليوم، بما عرف بأحداث 30 يونيو 2013 وما آلت إليه فى 3 يوليو التالى له. وحاصل المسألة أن كانت أعلنت قوى المعارضة، سواء فى تجمعاتهم السياسية أو بأجهزة الإعلام جميعها العاملة معهم وبهم أو من يواليهم من داخل أجهزة الدولة، ــ أعلنت كلها وعملت بدعوة مصرة وصاخبة للحشد ضد من يتولى السلطة من خلال أجهزة الدولة الدستورية، وذلك بهدف إنهاء هذا الحكم. ولم يظهر من هذه الدعوة ولا من أى من صورها كيف يكون الإنهاء ولا ما هى أدوات تحقيقه وأساليب إنفاذه.
ثم فى 23 يونيو، أذيع خطاب لوزير الدفاع الذى يتولى بهذه الصفة منصب القائد العام للقوات المسلحة، وأشار الخطاب إلى أن القوات المسلحة على وعى بما يدور داخل البلاد وهى بعيدة عن العمل السياسى، ولكنها تلحظ وجود حالة انقسام فى المجتمع وأن «استمرارها خطر على الدولة المصرية»، وأنه لابد من التوافق لأن الحالة الحاضرة تهدد الأمن القومى مما لا تكون القوات المسلحة بمعزل عنه و«أننا لن نظل صامتين أمام انزلاق البلاد فى صراع يصعب السيطرة عليه». ثم ذكر الخطاب أنه يخطئ من يظن أن هذه الحالة لا تهدد الأمن القومى أو أنها لا تهدد الدولة المصرية.
وأن مفاد هذا الخطاب أن وزير الدفاع القائد العام ذا المسئولية التضامنية مع الوزارة، أنه فى مواجهة انقسام حاد يعترى الوضع السياسى المصرى، إنما يكون اهتمامه وتدخله لحماية الدول المصرية، وكذلك الأمن القومى الملامس لحماية هذه الدولة. وطالب القوى السياسية بالتوافق خلال الأسبوع التالى.
والحاصل الذى يتبادر فهمه عند الحديث عن حماية الدولة، أن المقصود بذلك ما تتمثل فيه الدولة كهيئة ومؤسسة من أجهزة تنظيمية حاكمة ومؤسسات أساسية، كما تتمثل فى نظمها الدستورية القانونية التى تتشكل هذه الأجهزة والهيئات وفقا لها. لأن الدولة من الناحية النظامية هى أجهزة وهيئات وهى نظم دستورية وقانونية.
ثم حدثت الحشود المعروفة فى 30 يونيو، التى توزعت على حركتين سياسيتين شعبيتين متقابلتين، إحداهما ضد المؤسسات السياسية الحاكمة للدولة وهى رئاسة الجمهورية والمجلس الوزارى والمجلس النيابى، والأخرى تدعم هذه المؤسسات. وأيا ما كانت نسبة أرجحية أى من الحركتين على الأخرى، فهما حركتان شعبيتان سياسيتان متاقبلتان ليس فى مكنة إحداها أن تقضى على الأخرى ولا أن تتجاهلها، ولا يرد مرجح بينهما فى ظل نظام دستورى قائم إلا إنفاذ أحكام هذا الدستور بالنسبة لما يستوجبه من انتخابات تجرى فى مواعيدها، وأولها حسب سياق الأحداث انتخابات مجلس النواب الوشيكة الحدوث التى تتشكل الحكومة وفقا لنتائجها.
وقد أصدر وزير الدفاع والقائد العام فى 1 يوليو 2013 بيانا أمهل فيه القوى السياسية 48 ساعة للاتفاق على مخرج من الأزمة، وذكر أن القوات المسلحة ستعلن «خريطة طريق للمستقبل» إذا لم تتحقق مطالب الشعب مع الإجراءات التى تشرف عليها القوات المسلحة بمشاركة أطياف الاتجاهات الوطنية.
خلال هذه المدة، ومنذ 23 يونيو، تحركت وحدات من القوات المسلحة إلى الأماكن المعدة للسيطرة على المدن المهمة، وذلك باسم حماية المنشآت العامة ومن أهمها طبعا منشآت الدولة، وذلك طبعا يجرى فى إطار ما أورده خطاب وزير الدفاع من أنها حركة تهدف إلى حماية الدولة وهيئاتها ومؤسساتها ونظمها. وكانت كل الوحدات والمجموعات والأفراد والمعدات تتحرك فى إطار هذا الهدف المعلن وهو حماية المنشآت مما قد يحدث من انحرافات بعض المتظاهرين وضمان حماية أجهزة الدولة وهيئاتها، وبحسبان أن ذلك مما يتعلق بالأمن القومى.
ثم فوجئنا فى 3 يوليو بخطاب القائد العام الذى أعلن فيه مستندا إلى حركة الجيش السابقة، أعلن حصول الانقلاب العسكرى متمثلا فى تعطيل الدستور وعزل رئيس الجمهورية والإطاحة بالمؤسسات الدستورية القائمة وتعيين رئيس جمهورية مؤقت، ومنحه القائد العام لا سلطة إصدار القوانين فقط، ولكن منحه سلطة إصدار الأحكام الدستورية، واعتقل رئيس الجمهورية الدستورى المنتخب، ثم حل المجلس النيابى.
معنى هذا أن وحدات القوات المسلحة تحركت لحماية الدولة وأجهزتها وهيئاتها ونظمها، ثم استغل هذا الحراك واستخدم لتحطيم أجهزة الدولة وهيئاتها ونظمها، وانعكس توظيف حركة القوات المسلحة من هدف الحماية والإبقاء إلى هدف الهدم والإنهاء. وأن هؤلاء الذين تحركوا بمعداتهم قبل نحو عشرة أيام لم يكونوا يعرفون أى توظيف سياسى ستستخدم حركتهم فيه من جانب قيادتهم.
هذه بالضبط هى أساليب الانقلابات العسكرية، وهى أساليب تجعل من تحركوا إنفاذا لقرارات قياداتهم ليسوا مسئولين عن الأهداف السياسية التى حققتها قيادتهم بهذا الحراك.
والثورات الشعبية لا تفعل ذلك، لأن كل مشارك فيها من الجماعات والأفراد، إنما شارك وهو يعرف الهدف السياسى الذى ينتج عن حركته وأن الحراك الشعبى السابق فى ٣٠ يونيو كان منقسما بين تيارين شعبيين متعارضين ولم يكن مجتمعا على مطلب واحد كما حدث فى ٢٥ يناير ٢٠١١.
●●●
(4)
إن ما يتعين التمسك الآن به هو الآتى:
أولا: أن دستور 2012 لايزال قائما معمولا بأحكامه ويتعين إعماله وهو دستور مستفتى عليه شعبيا، ولا يعدل إلا وفق الأحكام التى نص عليها.
ثانيا: إعمال أحكام هذا الدستور يقتضى بقاء المؤسسات السياسية المنشأة وفقا له، وتستكمل بانتخابات مجلس النواب مع سرعة إصدار قانون تنظيم الانتخابات.
ثالثا: تشكل الوزارة وفق نتائج انتخابات مجلس النواب طبقا للدستور وتتولى السلطة الدستورية فى الدولة.
رابعا: يتحدد بعد ذلك وفق أحكام الدستور وإجراءاته ما إذا كان ثمة ما يستدعى إجراء انتخابات سريعة لرئاسة الجمهورية.
والحمد لله.
(1)
المسألة المثارة الآن، فى هذه الأيام العصيبة، التى بدأت مع أحداث 30 يونيو سنة 2013 وبلغت أوجها فى الانقلاب العسكرى الذى جرى فى 3 يوليو سنة 2013، المسألة المثارة الآن ليست حكم الإخوان المسلمين وهل يبقون فى السلطة أو لا يبقون، إنما هى مسألة النظام الدستورى الديمقراطى الذى تفتقت عنه ثورة 25 يناير، وهل تحتفظ مصر بهذا النظام أم يقضى عليه وهو فى مهده ليحل محله انقلاب عسكرى يدخل مصر فى حكم استبدادى جديد لعشرات السنين المقبلة.
إن متابعة الأحداث منذ 3 يوليو الجارى يكشف أننا أمام حركة قامت بها قيادة القوات المسلحة وأعلنها القائد العام وزير الدفاع بعد اجتماع سياسى مع بعض الوجوه السياسية والدينية التى اصطفاها لتقف معه وتؤيده، وأعلن بذلك تعطيل الدستور المستفتى عليه من الشعب المصرى والحائز على 63.6٪ من أصوات الناخبين فى حركة استفتاء حر ونزيه، كما عين رئيسا مؤقتا للجمهورية بما يفيد عزل الرئيس الدستورى المنتخب فى انتخابات باشرها المجلس الأعلى للقوات المسلحة وكانت حرة ونزيهة. وأعطى قائد الانقلاب الرئيس المؤقت الذى عينه، أعطاه سلطة إصدار إعلانات دستورية، وكل ذلك لمدة غير محدودة ولوزارة لم تتشكل بعد، ثم تقرر اعتقال رئيس الجمهورية الذى عزلته الحركة الانقلابية. وصرنا بلدا بغير دستور ولا نظام حكم معروف.
والسؤال الذى يثور، ما هو الانقلاب العسكرى إذا لم يكن ذلك انقلابا عسكريا؟
(2)
إذا قيل إن الأمر كان يتعلق بالإطاحة بحكم الإخوان المسلمين. فإن انتخابات مجلس النواب طبقا للدستور الجديد القائم كانت على الأبواب، بل كان تحدد لها أن تجرى وتتم فعلا ويتشكل المجلس مع بداية شهر يونيو، لولا أن رفعت المعارضة دعاوى إبطال قرار الدعوة للانتخابات ووافقتها المحكمة لأسباب شكلية وتبدو قانونية ولولا مسائل تفصيلية تتعلق بقانون الانتخابات، وحتى هذه العوائق كانت على شفا الانتهاء وصار القانون وإجراء الانتخابات على الأبواب. ولا يقال إن الإخوان كانوا سيسيطرون على أجهزة الدولة لضمان نتيجة الانتخاب، لأن وقائع الانقلاب الذى جرى الآن تثبت أن الدولة بأجهزة الإدارة والأمن والقمع لم تكن تحت سيطرة الإخوان مهما حاولوا.
وكان مفاد وجود أغلبية برلمانية غير إخوانية فى المجلس المرتقب، حسبما هو متوقع بسبب انخفاض شعبية الإخوان بعد أن تولوا محنة الحكم، (كان الإخوان وصلوا فى عز التأييد الشعبى لهم فى أواخر 2011 على أقل من 40٪ من مقاعد مجلس الشعب، ورئيس الجمهورية الإخوانى حصل بين مرشحى الرئاسة فى أول جوله على نحو 25٪ من الأصوات وحصل فى ثانى جولة على 51.7٪ فقط من أصوات الناخبين فى الإعادة بينه وبين أحمد شفيق) أقول كان مفاد انخفاض شعبيتهم فى الانتخابات المرتقبة أن تتشكل الوزارة من غيرهم أو ألا يكون لهم فيها صوت راجح.
وإن دستور 2012، الذى عطلته قيادة انقلاب 3 يوليو 2013 يعطى للوزارة المؤيدة من مجلس النواب سلطات شبه كاملة فى رسم السياسات وإدارة شئون البلاد، وهى سلطات أكثر كثيرا من سلطات رئيس الجمهورية، وهذا الدستور ذاته يجعل للوزارة وضع الحاكم على إرادة رئيس الجمهورية فى الغالب الأغلب مما يصدر من قرارات.
كان كل ذلك على الأبواب وفقا للدستور وإجراءات دستورية مؤسسية سليمة، ولكنه لم يتبع، وتحركت قيادات القوات المسلحة لتعلن وقف العمل بالدستور وتعود البلاد من جديد إلى مرحلة حكم غير دستورى ولا ديمقراطى.
●●●
(3)
قد يقال إن حركة قيادة القوات المسلحة جاءت نتيجة الحراك الشعبى الذى جرى فى 30 يونيو، وإنه حراك يشبه حراك الجماهير أثناء ثورة 25 يناير 2011. وهذا قياس فاسد وغير صحيح، لأن حراك 25 يناير كان حراكا سياسيا واحدا مجمعا عليه من جموع الشعب المتحركة فى مطلب واحد يتمثل فى إقصاء حسنى مبارك وجماعته من الحكم وإقامة نظام ديمقراطى مع إطلاق الحريات وبهذه الوحدة فى مطالب الجموع الشعبية حُقَّ للقوات المسلحة ان تتحرك استجابة لإجماع شعبى غير منازع ولا متفرق.
أما الآن، فإن حراك 30 يونيو 2013 حراك شعبى منقسم بين جماهير تجمعت فى ميدان التحرير وما يماثله معترضة على حكومة رئيس الجمهورية المنتخب، وبين جماهير أخرى تجمعت فى ميدان رابعة العدوية وما يماثله مؤيدة للرئيس الموجود المنتخب ولوزارته وطالبة بقاءه. وهذا الحراك المنقسم بين جماعات وجماعات أخرى وتعارض الأهداف والمطالب، هذا الحراك المنقسم لا تحسمه إلا انتخابات تجرى وفق الدستور. ولا يسوغ لقيادة القوات المسلحة أن تتدخل فيه لتحسم نتيجته لصالح فريق ضد فريق. إن ذلك منها يعد عملا حزبيا تنصر به جماعة سياسية حزبية على جماعة حزبية سياسية أخرى مما لا تملكه، لأنه ممنوع عليها الاشتغال بهذا النوع من السياسات، وهو حراك يكون منها بعيدا عن مجال المصالح الشعبية العامة وحفظ الأمن القومى. إنه تغليب لحزب على حزب ولسياسات داخلية على سياسات أخرى، ومن ثم يعتبر عملا انقلابيا.
●●●
(4)
نحن الآن لسنا إزاء معركة بين الإخوان المسلمين فى السلطة وبين غيرهم من معارضيهم، لأن هذه المعركة كانت يمكن أن تحسم فى ظل دستور 2012 بانتخابات مجلس النواب وما يفضى إليه من تشكيل وزارى يعكس حكم التأييد الشعبى الصحيح لكل فريق من الفرقاء المتصارعين وهو ما كان من شأنه دستوريا أن يقيد سلطات رئيس الجمهورية وفقا لنتجية الانتخابات.
ولكننا إزاء معركة تتعلق بالديمقراطية وبالدستور، وهو ما انتكس بفعل قيادة القوات المسلحة فى الانقلاب الذى حدث أخيرا. واستغلت هذه القيادة رصيدا شعبيا معارضا للإخوان المسلمين لتسوقهم جميعا إلى تأييدها فى معركة القضاء على روح ثورة 25 يناير 2011 والديمقراطية الدستورية، ولتعود بنا إلى الوراء وإلى نظام حكم استبدادى غاشم.
وأنا أتصور أن القوات المسلحة ذاتها برجالها وناسها بريئة من هذا الصنيع، لأنهم نزلوا إلى الشوارع بأمر القيادة وسيطروا على مرافق البلاد لا للقيام بانقلاب عسكرى، ولكن لتأمين منشآت الدولة وجماعة المصريين فى حراكهم المرتقب فى 30 يونيو وحتى لا يندس بينهم مخربون، ثم استغلت القيادة هذا النزول لترتب عليه آثارا سياسية أخرى تتعلق بهدم ما يشيد المصريون من نظام ديمقراطى دستورى. ولم يدرك قائدو الانقلاب انهم بتعطيلهم الدستور وعزلهم رئيس الجمهورية قد أسقطوا الوزارة التى يكتسب القائد العام شرعية أوامره التنظيمية من وجودها بحسبانه وزيرا بها.
وعلى الناس أن يدركوا أن سعيهم الآن لا يتعلق بإعادة حكم الإخوان، ولكنه يتعلق بالدفاع عن الدستور وعن النظام الديمقراطى، وأن يصطفوا اصطفافهم السياسى لا بين إخوان مسلمين ومعارضيهم ولكن بين مدافعين عن الديمقراطية وبين مؤيدين لحكم الاستبداد.
وإلى من يسعون الآن للتقريب بين وجهتى النظر، وقد سألنى كثيرون عنها وطلبوا منى الحديث عنها والمساهمة فيها، إلى هؤلاء أقول إننا أمام معضلة، وهى أن من يقوم بانقلاب عسكرى يكاد يستحيل عليه العدول عنه لأنه قد صار مصيره الشخصى متعلقا بمصير الانقلاب، وإن من يريد التنازل عن بعض الأوضاع الدستورية الديمقراطية ليتفادى إصرار القوة الانقلابية المادية، من يريد ذلك إنما ينشئ سابقة دستورية خطيرة تهدد النظام الديمقراطى دائما، وهى إمكانية أن تتحرك قوات فى أى وقت لفرض أى مطلب فى ظل أزمة سياسية فعلية، مما عرفته تجارب دول أخرى فى تركيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا لعشرات من السنين.
حفظ الله مصر من هذا المصير..
والحمد لله..