‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عصام سلطان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عصام سلطان. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 14 يونيو 2018

حديث المصارحة عن مجاري المصالحة

حديث المصارحة عن مجاري المصالحة



يتناول الشباب داخل أروقة السجون ورقه "مجهولة المصدر" تتحدث عن المصالحة، من يوقع عليها ينال النعيم المقيم، ومن يرفض يبوء بالغضب..  منذ شهرين تم تركيب سماعات بث داخل العنابر بسجن العقرب -عدا عنبر (2) بالطبع الذي أسكنه- تبث محاضرات لمشايخ رسميين، طلبت من الإدارة توصيل السماعات عندي، فلا مانع لدي من سماع أي رأي حتى لو كان يخالفني، رُفِضَ طلبي، طلبت سماع أم كلثوم ورفض طلبي أيضا.. سألت عن السبب.. قالوا تعليمات من الجهة المجهولة..

إضافة إلى برامج التعذيب المعتادة، تم منع الزيارة نهائيا عن جميع المعتقلين مع تقليل طعام الكافيتريا كماً ونوعا وزيادة سعره أضعافا مضاعفة.. أيضا بتعليمات من الجهة المجهولة.. مؤخرا وصل ارتفاع مياه المجاري إلى مترين أسفل الزنازين لتخنقنا برائحتها التي لا تطاق وتفرخ أسراب البعوض بالملايين، لجأت إدارة السجن إلى قطع المياه معظم فترات اليوم حتى لا يزيد منسوب المجاري فيُغرِق طرقات السجن ويصل للإدارة.

حين اقترحت عليهم الحل الأسهل وهو تسليك المجاري بدلا من قطع المياه في هذا الحر القائظ، رُفِض طلبي تحت مبرر أن تعليمات الجهة المجهولة تقضي بالحفاظ على منسوب المجاري عند مترين، لا أكثر ولا أقل، ضمانا لاستمرار الرائحة ودوام حياة البعوض بسلام وأمان..

إن جسد الوطن - أو قل إن شئت جسدي - لم يعد في قوس عافيته منزع لم يصيبه وخز بعوض المصالحة، مصحوبا بطفح المصارحة.. التي لم تفلح سنوات السجن في علاج لساني وقلمي منها
خلال العام الماضي تكررت أحاديث المصالحة كثيرا بين الإدارة وعدد من المعتقلين، تُلقي الجهة المجهولة برسائلها ثم تتنصل منها.. يُبدي الإخوان حيالها لا مبالاة ظاهرة.. والباطن لا يعلمه إلا الله.. أتابع الطرفين باندهاش لا يخلو من قلق.. عقب حديث منسوب للإعلامي عماد أديب عن المصالحة، تكثفت الرسائل المجهولة وقوبلت بذات الردود الظاهرة.. والباطنة..
غداة إطلاق الأستاذ كمال الهلباوي اقتراحه بوساطة الشخصيات العربية لحل أزمه مصر السياسية والاقتصادية.. والإرهابية.. وصلت أوضاع المجاري ورائحتها وبعوضها لقمة السوء حتى منعتنا النوم نهائيا.. أعرف الأستاذ الهلباوي منذ زمن وأكن له مودة وتقدير، وقد لبيت دعوته على الغداء بأحد مطاعم لندن منذ ثمانية عشر عاما، ولكني أختلف معه في موقفه السياسي المنحاز للاستبداد خلال السنوات الخمس الأخيرة، على حساب الديمقراطية التي كان يحدثني عنها أثناء تناول الغداء الباكستاني الحار.. من حق الهلباوي أن يختلف مع الإخوان.. فقد كنت ولا زلت مختلفا بل ومنافسا للإخوان في الأفكار والبرامج ودائرتي الانتخابية، ولكن ما علاقه ذلك بالانحياز للاستبداد والظلم والفساد..؟

عموما أنا أقدر الهلباوي ببواعثه الوطنية الجادة، ومؤكدٌ أن أجندة مجموعة الوساطة ستزدحم بالموضوعات الهامة، وهي بالقطع تخص أطرافها الذين لست واحدًا منهم، ولكن بحق ما بيني وبين الهلباوي من مودة، أرجوه أن يضع على رأس الأجندة موضوع تسليك المجاري، حتى تزول الرائحة الكريهة العفنة.. وتعود المياه الطبيعية.. وينقشع البعوض المتوحش القاتل..

إن جسد الوطن -أو قل إن شئت جسدي- لم يعد في قوس عافيته منزع لم يصيبه وخز بعوض المصالحة، مصحوبا بطفح المصارحة.. التي لم تفلح سنوات السجن في علاج لساني وقلمي منها..
عصام سلطان - العقرب - مايو 2018
أقرأ ايضاً

(عصام سلطان) يكتب من محبسه.. هل يفعلها الإخوان في الانتخابات المقبلة؟


الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

(عصام سلطان) يكتب من محبسه.. هل يفعلها الإخوان في الانتخابات المقبلة؟


(عصام سلطان) يكتب من محبسه..
هل يفعلها الإخوان في الانتخابات المقبلة؟


عصام سلطان


هل يجرؤ النظام على إجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة؟
 بدءاً من إتاحة الفرصة للمرشحين وأنصارهم في الدعاية وتمكين المندوبين والوكلاء والاقتراع السري، تجريها حكومة إنقاذ وطني مؤقتة ومستقلة، تحت إشراف قضائي كامل ومراقبة حقوقية، ونهاية بإعلان نتيجتها دون تلاعب؟
سأفترض شرعية كافة الإجراءات التي اتخذها النظام خلال السنوات الأربع الماضية، من قرارات وقوانين وأحكام عاصفة بالحقوق والحريات، وسأفترض صحة ما صدر عن النظام من بياناتٍ وتصريحات ناسفة لكل صور التعذيب والقتل والتصفية الجسدية، حتى للباحث الإيطالي ريجيني.. وسأفترض أن عدد المعتقلين ليس مائة وخمسين ألفاً، وأن القروض لم تبلغ 92 مليار دولار، وأن الدولار ليس بعشرين جنيهاً، وأن رغيف العيش لم يبلغ جنيهاً.. بل إنني سأذهب لأبعد من ذلك بكثير، وهو أن الدستور الحالي لم تضعه لجنة معينة من عدلي منصور، المعين من وزير الدفاع السابق، بمعنى أنه ليس دستوراً لقيطاً.
سأفترض صحة ذلك كله لأعود لأصل السؤال: هل يجرؤ النظام على إجراء انتخابات حرة؟ ويمكن إبداء السؤال بطريقة أخرى: ما الذي يستهدف النظام تحقيقه أولاً حتى يجري انتخابات حرة؟ هل يريد مثلاً الارتفاع بأحكام الإعدام من 1600 حكم إلى خمسة أو عشرة آلاف؟ أو زيادة عدد المعتقلين إلى نصف مليون؟ أو توسيع قائمة الكيانات الإرهابية إلى عشرة ملايين اسم؟ أو مضاعفة القروض لأكثر من ذلك؟ أو الوصول بسعر الدولار إلى مائة جنيه؟ أو رغيف العيش إلى عشرة جنيهات؟ أو التنازل عن أرضسيناء كلها، وليس تيران وصنافير فقط؟ أو إعادة "تظبيط" الدستور اللقيط..؟
تصلني الأخبار باعتزام بعض الشخصيات البارزة الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة.. منهم من سبق له الترشح عام 2012، ومنهم من لم يسبق له الترشح.. منهم العسكريون ومنهم المدنيون.. منهم الجاد ومنهم الكومبارس.. لا أستطيع التكهن بمن سيفوز، لكنني أستطيع الجزم بمن سيحصل على صفر كبير إذا ما أجريت انتخابات حرة.
يخشى النظام من المستقبل بكل احتمالاته.. ففي حالة تزويره الانتخابات، وبالتالي تحقيق طموحه في الاستمرار في الحكم، فليس أمامه إلا الاستمرار والسير في نفس الطريق الذي بدأه منذ أربع سنوات، وهو المؤدي عما قريب إلى انهيار مؤسسات الدولة.. بل انهيار فكرة الدولة في معناها ومبناها.. وفي حالة إجراء انتخابات حرة، وبالتالي سقوطه، فليس أمامه إلا الهروب خارج البلاد قبل إعلان النتيجة، وربما قبل بدء الانتخابات.. كل السيناريوهات مفزعة له.. وهو ما يفسر حركته المتوترة والمتشنجة والمتناقضة.. تفكيره في تعديل الدستور ثم العدول عن الفكرة ثم معاودة التفكير ثانية..
الذين خططوا ليوم 3 يوليو 2013 من الأطراف الأجنبية وممثليهم، باتريسون وأشتون وبرناردينو، لم يخطر ببالهم ما ستلقاه خطتهم من مصير.. اعتقدوا أن مرسي سيخضع بسرعة وينهار، وأن غبار مسرح 30 يونيو/حزيران بإخراج خالد يوسف سيُغطي ويخفي معالم المشهد كله، وأن صورة شيخ الأزهر وبطريرك الأقباط خلف وزير الدفاع سيشرعن فعلتهم في الأرض وفي السماء، وأن سحق المظاهرات وإبادة الاعتصامات هي بمثابة عملية بسيطة كشكَّة الدبوس، إلا أنه وبمجرد بدء تنفيذ الخطة تبيَّن خطأ حساباتهم تماماً.. فقد انكشفت الحقائق أمام الناس بالصوت والصورة، وتعرَّى كل من شارك فيها ولو بالصمت، وتبرأ منهم من استيقظ ضميره الوطني، وتراجعت الأطراف الأجنبية خطوات إلى الوراء إلاإسرائيل بالطبع، وبقي مرسي كما هو -شوكة في الحلق- لا يمكن الوصول إلى حل سياسي يحترم إرادة الشعب إلا من خلاله وبوجوده كطرف أصيل..
الطريق أمام النظام لتعديل الدستور مسدود.. أم المشكلات أمامه فهي الانتخابات.. هي الحلقة الواهية أو النقطة الأضعف في جسده المتهالك الراقد داخل غرفة الإنعاش.. لن يجد حلاً لعزوف الشعب بالكامل عن المشاركة أو التفاعل مع تلك الانتخابات.. فضيحة اللجان الخالية في الانتخابات الماضية ما زالت أمام عينيه حتى مع زيادة أيام الاقتراع.. لو زادها شهراً لن يذهب أحد..
تنقسم القوى السياسية إلى فريقين: فريق يرفض الانتخابات من حيث المبدأ.. مشاركة وتفاعلاً ونتائجَ، ومعظمه ممن يقف على أرضية رفض النظام كلية.. شكلاً ومضموناً.. جملة وتفصيلاً، وفريق ثانٍ يقف على أرضية 3 يوليو ممن كانوا مع النظام في بداياته ثم اختلفوا بعد ذلك، وهو الفريق الذي يحتمل أنه سيخرج منه المرشحون المنافسون للنظام..
أياً كان الأمر، وبصرف النظر عن صحة وخطأ المواقف السياسية، سابقاً أو لاحقاً، فإنه ليس أمام الفريقين إلا التعاطي مع الحدث لتحقيق أكبر استفادة عامة ممكنة، ربما تصل لإسقاط النظام من خلال الضغط.. والضغط الشديد.. على النقطة الأضعف.. نقطة الانتخابات الحرة.. هذه هي اللغة التي يفهمها العالم..
في صيف 2010 وقبيل إجراء الانتخابات البرلمانية في عهد نظام مبارك، نشرت جريدة المصري اليوم مقالاً لي، أعتب على الإخوان موقفهم وأدعو فيه القوى السياسية إلى مقاطعة الانتخابات، على حسب ما اتفقنا عليه داخل الجمعية الوطنية للتغيير بعد مداولات طويلة انتهت إلى أن أي مشاركة في الانتخابات ستُعتبر من قبيل إسباغ الشرعية على نظام مبارك الفاسد، ومن ثم تمكينه من إتمام عملية التوريث.. كان للإخوان المسلمين رأي آخر مخالف، وهو المشاركة في الانتخابات.. تمسك الإخوان برأيهم وأعلنوه لنا على لسان ممثليهم في الجمعية الوطنية.. عصام العريان ومحمد البلتاجي.. تعاملنا بشكل ديمقراطي يحترم كل منا إرادة الآخر ولا يحمله على رأيه.. دخل الإخوان الانتخابات.. تم تزوير الجولة الأولى بنسبة 100% لصالح النظام.. استدراك الإخوان موقفهم بسرعة وأعلنوا انسحابهم.. وقع النظام في حيص بيص.. استكمل التزوير.. سقط بعد أيام..
إذن تتعدد المواقف وتتباين، بل وتتغير من وقت لآخر بين الفرقاء السياسيين وربما داخل الفريق الواحد، لا توجد ثوابت أو مطلقات في السياسة.. المهم هو تعرية نظام الاستبداد.. كل بطريقته..
زيادة في الضغط والتعرية أمام العالم، وربما الإسقاط الكامل للنظام المستبد الفاسد، اقترح عليَّ صديقي المشاغب والمعتقل معي بالعقرب أن يعلن الإخوان الآتي:
[ما زلنا متمسكين بالشرعية وبموقفنا الرافض للحوار مع الانقلاب">الانقلاب، وبالرغم من غياب أكبر فصيل سياسي داخل المعتقلالت بما يقدح في أي انتخابات تجري في غيبته.. إلا أننا ليس لدينا مانع من الحوار حول كل الموضوعات التي من شأنها انتشال مصر من الضياع والفشل والإفلاس والاقتتال الداخلي مع الفائز في الانتخابات.. بشرط أن تكون حرة..]

بعد أن انتهى صديقي من هذه الكلمات قلت له: ستسومك إدارة السجن سوء العذاب.. وسيعتبرك بعض إخوانك من المفرطين في الثوابت..


سجن العقرب - أكتوبر 2017

الخميس، 17 أغسطس 2017

شاهد على الإخوان

شاهد على الإخوان

عصام سلطان  
نائب رئيس حزب الوسط ومعتقل سياسي مصري

من الزنزانة رقم 14 بجواري مباشرة ينبعث أنين الألم والوجع، ألم العصب من ضرس المهندس إبراهيم أبوعوف، 70 سنة، كان رئيساً للجنة الإسكان بمجلس شعب الثورة، وأميناً لحزب الحرية والعدالة بالمنصورة، يبحث أبو عوف في زنزانته عن حل فلا يجد، فرشاة الأسنان والمعجون محظورة، والعلاج بأنواعه ممنوع، حتى المسكنات ممنوعة، ننادي جميعاً على السجانين بأصوات عالية فلا يجيبون.

قبلها بأيام أخبرنا طبيب السجن وضابط المباحث أن لديهما أوامر بإطفاء المواتير! أي عدم الاستجابة لأي مشكلة أو حلها، يزداد الأنين بزيادة الألم، ينهض أحمد عارف، طبيب وجراح الفم والأسنان، واقفاً أمام "النظارة"، ويدور حوار طويل بينه وبين أبو عوف عن أي شيء موجود في زنزانته، يجد أبو عوف قطعة صغيرة من الصابون الميري (أسوأ أنواع الصابون في الدنيا)، ينصحه عارف بتدليك اللثة بقطعة الصابون، أتعجب وأسكت، فالصابون القلوي يعادل أحماض الفم المتسببة في ألم العصب، هكذا يشرح أحمد عارف، يمتثل أبو عوف للنصيحة، يختفي الألم وينام الرجل بسلام، في الصباح يتسلل المخبرون لاستقصاء الأمر، يعلمون حقيقة ما حدث، يصابون بالإحباط.

هكذا أتابع من خلال سنتيمترات أعلى باب زنزانتي الفولاذي رقم 13 بسجن العقرب، يسمونها النظارة، وأسميها البلكونة، أتابع المباراة أو المعركة المثيرة بين النظام والإخوان.

حتى الآن استخدم النظام كل وسائل التعذيب والبطش، بدءاً من منع الطعام والشراب والعلاج والزيارة والكتب والتريّض، وانتهاء باستخدام السلاح الحيّ والمواد الحارقة والكلاب البوليسية، كل ذلك في إطار برنامج مدروس لإخضاع الإخوان، وحتى الآن لم أرَ أحداً ما خضع أو تراجع.

مصطفى عبد العظيم، 30 سنة، صاحب الفيديو الشهير والبلطجية يقطعونه بالسنج والمطاوي أمام مكتب الإرشاد يوم 30-6-2013، محكوم عليه بالإعدام، صوته لا يتوقف عن الغناء، معظمها بالطبع أغانٍ إسلامية إلا أغنية "شفت الفار السندق اللي أكل البندق".

جهاد الحداد، 35 سنة، نقص من وزنه 34 كيلو، ويعاني من ورم كبير بركبته، وأصيب بعدة إغماءات وممنوع عنه العلاج، ولكنه لا يتوقف عن التفكير والحركة والاجتهاد والإبداع، وكان آخر ما أنتجه مقالته الشهيرة في "نيويورك تايمز" التي عوقب عليها من إدارة السجن.

أحمد عارف، 37 سنة، نقص من وزنه 49 كيلو، ويعاني من مشاكل في العمود الفقري، عالم موسوعي بمعنى الكلمة، ليس في طب الأسنان فقط ولكن أيضاً في علوم تفسير القرآن والفقه وغيرها، وقف أمام المحكمة ليفضح وقائع التعذيب التي تجري هنا بكل قوة وثقة، دون حساب لسجّانيه ومعذِّبيه الذين يهيمنون على زنزانته.

حسن القباني، 33 سنة، صحفي واعد مجتهد، لا يتوقف عن النشاط والحركة وفتح كل الموضوعات، ولكن أهمها على الإطلاق تأليف الأشعار العاطفية والغزل في زوجته الفاضلة، مما يثير الغيرة والحسد عندي وعند غيري.

إذاً نحن أمام برنامج إخضاع أو تركيع أو تحبيط، على مدى أربع سنوات لم يؤتِ ثماره، ربما العكس، ربما كان الإحباط من نصيب إدارة السجن.

يقضي الإخوان وقتهم في الصلاة والصيام والقيام وبرامج يومية بين المغرب والعشاء تتضمن محاضرات ومسابقات وخواطر، ويحرصون على حفظ ومراجعة القرآن الكريم، والحصول على إجازة من الدكتور صفوت حجازي، الذي منعته إدارة السجن من مواصلة دروسه القيمة في السيرة النبوية، وأمهات المؤمنين، وتاريخ بني إسرائيل.

يحكي لنا خليل العقيد يومياً حلقات مسلسل "قيامة ارطغرل" كأنك تشاهده تماماً.

تدور بيني وبين الإخوان مناقشات في كثير من القضايا العامة والمواقف والقرارات التي صدرت عنهم، معظمهم يتفاعل، والقليل منهم يرى أن الجماعة لا تخطئ، وهي دائماً على حق، والشباب لا يعجبه هذا المسلك المتشنج.

بعد أن أنهيت محاضرتي عن تركيا وتاريخها الحديث، وتطور الحركة الإسلامية عقب إسقاط الخلافة الإسلامية، وصولاً إلى حزب الرفاه، بقيادة أربكان، ثم خروج مجموعة الشباب وانفصالهم عنه (أردوغان وعبد الله جول وداوود أوغلو)، وتأسيسهم حزب العدالة والتنمية، وبدء مشاركتهم السياسية الواعية، ونجاحاتهم التي حققوها في معظم المجالات حتى الآن، صدر تعقيبان صادمان على المحاضرة من شخصيتين؛ أحدهما عضو بارز في مكتب الإرشاد، والثاني قيادي في الفريق الرئاسي للرئيس مرسي، مفادها أن تجربة أردوغان ستسقط، هكذا قال الأول، أما الثاني فقرر أنه لا يعتبر حزب أردوغان حزباً إسلامياً، وإنما الإسلاميون في تركيا هم الإخوان المسلمون.

وحين علم المرشد والدكتور الكتاتني وعدد من القيادات ذلك استنكروا التعقيب، وقرروا أن هذا رأيهما الخاص، وأنهما لا يعبران عن رأي الإخوان.

كثيراً ما أهمّ بمفاتحة المرشد في عدد من القضايا الحساسة والشائكة التي أخطأ فيها الإخوان، خصوصاً في الفترة التي أعقبت ثورة يناير مباشرة، إلا أنني سرعان ما أتراجع أمام رجل يبلغ من العمر 75 سنة، ويعاني من عدد من الأمراض الشديدة، بدءاً من الفم الذي جردوه من طاقم الأسنان، ونهاية بالبواسير التي تمنعه من الجلوس على المقعد داخل سيارة الترحيلات، أو قاعة المحكمة، فالرجل حضر حتى الآن حوالي 700 جلسة محكمة، وصدر بحقه ما يقارب المائتي عام سجناً، وحكم عليه بالإعدام، ومع ذلك فلا يشكو ولا يتأوّه، حالة فريدة في الصمود والصبر الجميل، أستحي أن أطرح عليه أي سؤال، أشكره على ابتسامته التي لا تفارق شفتيه، وحبات القرنفل التي يضعها في يدي كل جلسة.

يعيش الإخوان حالة صفاء وإخلاص وحب لله، ومسؤولية تجاه الوطن تستلزم الصمود، ولكن هل الإخلاص والصمود كافيان لبناء حضارة؟ بدون العلم والدراية بوسائل وآليات وعلاقات الحكم والسياسة التي قذف الإخوان أنفسهم فيها.

سألت الإخوان: ماذا تدرسون من مناهج داخل الأسر الإخوانية؟ أجابوني: ندرس الفقه والعقيدة والتفسير والدعوة و.. فقط.

سألتهم: هل تدرسون شيئاً عن السياسة أو القانون العام أو الاقتصاد أو تاريخ مصر الحديث أو المجتمع المصري؟ أجابني بالنفي.

أردفت: إذاً كيف كان تصوركم لحكم وإدارة واقع لا تدركون أبعاده وعمقه وتحدياته؟ تعددت الإجابات، والحيرة واحدة!

في اليوم التالي ابتدرني قيادي شاب بحماس: نحن ندرس الإسلام وهو نظام شامل وكامل ينظم كل مناحي الحياة ألا يكفي هذا؟

قلت: نعم الإسلام نظام شامل، ففيه الدعوة والفقه والتفسير، وفيه أيضاً السياسة والاقتصاد والاجتماع؛ لأنه شامل، إلا أنكم تدرسون جزءاً، وهو الدعوة وأخواتها، وتتركون جزءاً وهو السياسة ولوازمها، وهذا يعد إخلالاً بمبدأ الشمول الذي تحتج به!

ردّ قائلاً: طالما أنني ملتزم بالسلوك الدعوي سواء داخل أو خارج الحكم والسياسة فلا تثريب عليَّ، قلت: لا، وشرحت أنّ كثيراً من قواعد ومبادئ الدعوة عكس قواعد ومبادئ السياسة، ففي الدعوة أن الزمن جزء من العلاج وفقاً لمبدأ التدرج الذي يناسب عقل الإنسانية، أما في السياسة فإن مرور الزمن جزء من استفحال المشكلات وتفاقمها، إذ لا بد من اقتحامها وحلها بقرارات جريئة وسريعة، وإلا أطبقت عليك من كل جانب واستغلها خصومك للإيقاع بك، وفي الدعوة أن الأصل في التعامل افتراض حسن النية في الآخرين، (التمس لأخيك سبعين عذراً)، أما في السياسة فلا يمكن استبعاد سوء النية أبداً، فقد يبدو أحدهم أمامك بمظهر الناسك المتبتل في حين أنه يُعدّ العُدّة لخيانتك والانقلاب عليك، وفي الدعوة يمكن التصدّق بعرضك لمن تشاء، أما في السياسة فلا بد من إنفاذ القانون على مَن يعتدي على عرضك أو عرض أحد المواطنين، وإلا استُبيحت الأعراض، وانتُهكت، وفسد المجتمع كله، وفي الدعوة فإن الوسيلة الوحيدة هي الوعظ والإرشاد، ثم تقف عند ذلك فلا عليك إدراك البناء (ليس عليك هُداهم)، أما في السياسة فلا مجال للوعظ والإرشاد، وإنما استخدام القوة المشروعة لتطبيق نصوص الدساتير والقوانين وإحكام وقرارات القضاء؛ لأنك مطالب بتحقيق نتائج وفقاً لبرنامجك السياسي الذي أعلنت عنه، وانتخبك المواطنون لتحقيق حياة أفضل لهم، وعلى العموم إذا طبقت القواعد الدعوية على العمل السياسي تفشل السياسة وتضيع الدعوة، وإذا جمعت بينهما فقد جمعت بين أساليب ووسائل متناقضة، فيبدو أداؤك أمام الناس محلاً للاستغراب والدهشة، ومن الصعب، بل من المستحيل أن ينجح في ممارسة العمل السياسي مَن تكونت ملكاته وقدراته على أساسٍ دعويٍّ صرف، وعاش أغلب عمره داعيةً، فلا بدّ من التخصّص أو الفصل الوظيفيّ، بين وظيفة الداعية ووظيفة السياسيّ، وذلك في إطار المرجعية الإسلامية الشاملة لكليهما، بحدودها القيميّة والأخلاقيّة والحضاريّة التي تستظلّ بظلّها كلّ الوظائف والتخصّصات، والوسائل والأساليب داخل المجتمع.
يتفاعل الشباب بمثل هذه الحوارات الجادّة، البريئة من التحامل وإلقاء التهم، يرى أنه لا بد من اجتهادات وصياغات جديدة تناسب الأحداث المتلاحقة، وتتعاطى مع المستجدّات الإقليميّة والدوليّة، لا بد من صياغة رؤية. بعض القيادات لا يرى ضرورة ذلك.

يقولون في الأمثال: التاريخ يعيد نفسه، ويقولون أيضاً: التاريخ لا يعيد نفسه، وأيّاً كان القول الأصحّ فيهما، فإن التاريخ قد أعاد نفسه بالفعل، ففي خمسينيّات القرن الماضي قرر عبد الناصر إبادة الإخوان، ولكن عبد الناصر هلك وبقي الإخوان، بل عاد الإخوان أقوى مما كانوا، بفضل إخلاصهم لفكرتهم وصمودهم وثباتهم داخل السجون، عادوا ليبدأوا مرحلة جديدة، ولكنّها قديمة، عادوا لممارسة العمل السياسي والقواعد والمفاهيم الدعويّة دون الإلمام والدراسة لواقع السياسة ودهاليزها وتعقيداتها.. وخياناتها.. عادوا ليمارسوا السياسة بحسن النيّة والوعظ والإرشاد، فتكررت وقائع الخمسينيات على مساحة أوسع.. مع خلفاء عبد الناصر.

مضى من وقت المباراة أو المعركة بين النظام والإخوان أربع سنوات، تشير الساعة إلى أن المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة.. هل ستنتهي بالنقاط؟ أم بالضربة القاضية؟ الله أعلم.

الجمهور آخذٌ في التحوّل من مدرّجات النظام إلى مدرّجات الإخوان؛ حيث لم يمدّ لهم النظام "اليد الحانية" التي وعد بها، ولكنه مدّ لهم يداً مسمومة، سرعان ما تمتلئ مدرجات الإخوان.

يبدو أن النظام حتى الآن على الأقلّ لم يرَ هذا التحوّل، على الرغم من كثرة عيونه وبصّاصيه، ربما لغروره بالقوة والسلطة، وربما لعناده وكبره وعجزه عن التخلّص من عاداته القديمة، استخدام القهر لإخضاع أصحاب الفكر، الذين لا يخضعون.

في مطلع عام 2012 أخبرني المسؤول السياسي الأول في الإخوان بأنّهم قد أجروا استطلاعاً للرأي لقياس شعبية الإخوان، فكانت النتيجة في انخفاض شعبيتهم بنسبة كبيرة؛ حيث تراوحت بين 12% و25%، ومع ذلك فبعد أيام قليلة دعا الرئيس مرسي لانتخابات نيابية على الرغم من علمه بنتيجة الاستطلاع، شهادة حق أقولها لمن يهمّه أو لا يهمّه الأمر.

في الجلسة الأخيرة لمحاكمتي فى قضية فضّ اعتصام رابعة، مال عليّ أحد اللواءات وهمس في أذني: هو متى ستنتهي الحكاية دي يا أستاذ عصام؟ إحنا تعبنا أوي والبلد وقعت؟ أجبته بهدوء: لن أقول لك بالمصالحة أو تنازل النظام أو تنازل الإخوان، سأقول لك على حاجة مختلفة: يطبق القانون بحذافيره على هؤلاء الواقفين أمامك، من خلال قضاة مستقلين وعدول وبالضمانات المنصوص عليها، وتُطبق لوائح السجون بحذافيرها أيضاً، وفقط لا غير، في هذه الحالة، فإن الشعور بالعدل سيولد في النفس الرضا، ويكون من أثر ذلك استعداد النفوس الراضية لمناقشة وطرح كل الموضوعات، ومن ثم إبداع عشرات الحلول لأعتى المشكلات، كما حدث وتكرّر في التاريخ لعشرات الأمم والشعوب التي مرّت بأسوأ مما نحن فيه قديماً وحديثاً، أمّا استمرار الظلم والتلفيق والتزوير والمحاكمات الهزليّة العبثيّة والتعذيب في السجون، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الثبات والصمود، واستمرار بل استفحال المشكلات، ردّ عليّ اللواء قائلاً: أنت تقصد أن المحاكمات تكون عادية زي كل المحاكمات؟ ده الإخوان يخرجوا من السجون بكرة الصبح، والشعب هيجيبهم على الحكم تاني! قلت له بكل اقتناع: ولو..

خلاصة ما أراه وأشهد به: أن الحلول الجادة لا تنبت في أجواء مسمومة، وأن الأحرار المخلصين لا يخضعون أمام الضغوط، ولكن تأسرها الكلمة الطيبة.. كلمة حق وعدل، وأن أسلوب العصابات لن يزيد المشاكل إلا تعقيداً.

هذه شهادتي.. عصام سلطان
أغسطس|آب 2017


مقال جهاد الحداد



المقال بالانجليزية في صحيفة: نيويورك تايمز