‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف الدموكي صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف الدموكي صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما. إظهار كافة الرسائل

السبت، 2 أغسطس 2025

في هذه الحالة ستلقي المقاومة سلاحها!

 في هذه الحالة ستلقي المقاومة سلاحها!

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما

في هذه الحالة ستلقي المقاومة سلاحها!



وطنٌ عربيٌّ نبيلٌ، أنظمةٌ تعمل لشعوبها دون وساطةٍ ولا سمسمرة، ولا خيانةٍ ولا مسخرة، وقواتٌ مقاتلة شريفة تعرف عدوَّها الحقيقيّ، وجيوشٌ تصون أمنها دون اعتمادٍ على غريب، وبلادٌ تحمي نفسها دون قواعد مستورَدة، وعلاقاتٌ مستحيلة مع “إسرائيل” كضربٍ من ضروب الخيال، ورجالٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون، وشعوبٌ تملك الحقَّ في أن تذود عن الحقِّ بأرواحها وأبدانها دون أن تُودَعَ السجون أو تُسوَّى بالأرض أو تمحق ملامحها، ووحدةٌ فعليَّة في الميدان لا على يوتيوب بأغنية “الحلم العربيِّ”، ومعابر لا تحتاج إلى تصاريح عبور، ورمالٌ لا تحتاج إلى تنسيقٍ لتجاوزها نحو الطرف الآخر؛ لماذا مع كل تلك البديهيَّات ستحتاج المقاومة إلى حمل سلاحها؟

الحقيقة أنَّ العدوَّ حينها سيكون في طور التآكل، يقتات على نفسه، يستهلك ما تبقَّى منه، يتقلَّص في طريقه للأفول؛ ثمَّةَ جيوشٌ تقوم بدورها، وأنظمةٌ لا تخون شعوبها معه على أسرة التطبيع والغرام، وسلطاتٌ لا تمارس معه هواية التجويع والدياثة، وبلادٌ لا تفتح له حدودها على مصاريعها، بينما تحاصر إخوتها على مصارينهم، وجسورٌ بريَّة لا تمتد إليه مدد مدد، بلا إحصاء ولا عدد.. 
كلُّ ذلك كان كفيلًا بجعل الطريق إلى الأراضي المحتلَّة مقطوعةً دون واردٍ ولا صادر، كطفيليٍّ منبوذ تتساقط خلاياه حتى يموت ملفوظًا وحيدًا غريبًا، تتقيَّأه الحدود وتدفنه ركلات الجيران.

لماذا كان على غزَّة أن تسن رماحها مع وضعٍ كهذا؟ لماذا سيكون عليها أن تقتحم الباب لتقطع الطريق على مشاريع تطبيع قريبة، وأن تُحرِّر الأسرى عنوةً بأسرى آخرين، ما دامت الأنظمة تقوم حقًا بدورها، والبلاد “حرَّة” بطولها وعرضها، ولا تتاجر بعرضها، لماذا كانت ستغامر لو كانت خطة السُّلطة الفلسطينيَّة ناجحة في الحفاظ على الأرض، ويا ألف أهلًا بأيِّ طريقٍ ستحرِّر الأرض وتحفظ ما تبقَّى منها من دون مئة ألف شهيد ومليوني مُجوَّع، وإن كانت طريقة أوسلو تستطيع أن تبقي على فلسطين دون أن تُضيِّع 77٪ منها، وإن كانت ستُحرِّر عشرة آلاف أسيرٍ فلسطينيٍّ، ستسألني وهل حافظت المقاومة على الـ1.5٪ من أرض فلسطين بما فعلت؟ 
سيكون من حقِّي الردُّ على سؤالك بسؤال آخر: 
وهل ضمن الخونةُ الأرض بما وقَّعوا عليه وتنازلوا عنه طيلة هذه العقود؟ 
وهل على الحرِّ أن يُحاسَب على خيانة الذين باعوه في أوَّل الطوشة؟ 
لا أعرف رجلًا من حولي في الحقيقة سيفكِّر كثيرًا قبل أن يثأر لعرض أمه، ثكلت الخونةَ أمهاتُهم.

لماذا ستبقي المقاومة على سلاحها، ما دام هناك جيشٌ فلسطينيٌّ حقيقيٌّ، وليكن تعداده حتى، ستين ألف مقاتل لا أكثر، تمامًا كعدد جنود السلطة الحاليِّين، يحملون السلاح بعزٍّ، ويدافعون تحت ظلِّه في شرف، يناطحون المحتلَّ العداء بعداء، يتعاملون مع المستعمر بندِّيَّة صاحب الأرض، يُقسِمون على محق دويلته المزعومة، وتبديد وهمه المتعاظم، ويتوعَّدونه بتغيير الوضع بالكامل، بدلًا من ركوعهم يُغيِّرون له البناشر، ويكادون يُغيِّرون له ملابسه الداخليَّة، كلَّما شعر بحكةٍ في ظهره، أو حُرقةٍ أسفله، وما أسفلهم، وما أسفله؟!

لماذا ستصرُّ المقاومة على حمل سلاحها لو كانت بلاد الثراء والغنى والنفوذ تستطيع أن تضغط على المستعمر الوكيل وأبيه الدخيل بقطع أدبارهم، بدلًا من سكب “الخيرات” على أدمغتهم صبًّا، وحملهم فوق الرؤوس كأنَّ الله لم يخلق قبلهم ولا بعدهم أحدًا، ولو كانت تلك المباني الشاهقة في عواصم العاج والزجاج لا يسكنها سفير إسرائيليّ، ووزراء نازيُّون، ويتناوب عليها المستوطنون، كأنَّما تحوَّلت وظيفة ذلك العربيّ ذي الجلباب الأبيض إلى هامان، يبني لإلهه الإسرائيليِّ صرحًا لعلَّه يبلغ الأسباب، من فوق ناطحات السحاب؟!
لماذا كانت ستحمل المقاومة سلاحها، إن لم تكن “حائط الصدِّ الوحيد” عن أمَّةٍ كاملة؟ 
لو كانت تضمن أنَّ التالي لن تكون دمشق وعَمّان والقاهرة، لو كانت المسألة معركةً واحدة وتنتهي، ومطمعًا واحدًا وينقضي، ونزوةً عابرة وتذهب، لو كانت تعلم يقينًا أنَّ هذا العدوَّ عينه قاصرة ويده قصيرة، يريد أن يتربَّع فوق أطلال قرى وأشلاء أجداد ثُمَّ يُقبِّل ظهر كفه وباطنه، ثم ينام كأغنى رجل في العالم؟!
السؤال ليس لماذا كانت ستحمل المقاومة سلاحها، وإنَّما لماذا كان سيبدو حمل المقاومة سلاحها أمرًا مستغربًا وفعلًا لافتًا للنظر، لو حمل كل مواطن سلاحه، وكان الجميع مقاومين، لماذا سيكون “حمل السلاح” موضوعًا قابلًا للنقاش، وورقة مساومة ومفاوضة، وبيانًا جماعيًّا يتحدث بلسانٍ عبريٍّ مشين؟!

الحقيقة أنَّ الحالة (الخياليَّة) الوحيدة التي قد تلقي فيها المقاومة سلاحها (فرضًا جدلًا)، هو حين تأمن أنَّ عدوَّها يقاتلها وحده، لا أنَّها هي من تقاتل وحدها، بينما العدوُّ هم أولئك كلُّهم مجتمعين!

الأربعاء، 22 مايو 2024

الطائفية والفتنة ومعاداة السامية... ما وجه التشابه؟

 

الطائفية والفتنة ومعاداة السامية... ما وجه التشابه؟

يوسف الدموكي
@yousefaldomouky
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما 
في كلية الإعلام بجامعة مرمرة


أنتَ لا تحبُّ إسرائيل، أو تهاجمها، أو تقول إنّها مجرمة حرب، وكيان دخيل، وسرطان يجثم على صدرِ وطننا الكبير المحتل، واحتلال قائم بقوّة الدبابة والإف 35، لا أكثر، وتستدلُ على ذلك بصورةٍ لطفلٍ مُقطَّعِ الأوصال، ولجثةٍ مُبعثرةِ الأشلاء، ولمدينةٍ مُسوّاة كاملةً بالأرض، فيفاجئك "الرجل الأبيض"، والغربيون الفوقيون، أصحاب المعايير ومفصّلو المفاهيم، وصناع البروباغندا للمجرمِ المدلّل؛ المتستِّرون على القاتلِ المتسلسل الأشهر في التاريخ، بإشهارِ السلاح الذي يملكه ليرفعه عندما تنعدم الحجج وتُدحض البراهين "هذه معاداةٌ للسامية"! 

يا سيدي أنا أصلًا ابن سام، أنا أصلًا من الساميين الأوائل، الأصليين، كيف أعاديهم، وكيف احتكرتَ "السامية" لك فضلًا على أنّها لم تُثبت عليك، ثم متى صار جانبك الذي تميل إليه، ومعسكرك، عبارة عن مفهومٍ مطاطٍ واسعٍ يسع الإنسانية كلّها، هل حين ترتكب جرائم ضدّ الإنسانية، فأقول إنّك مجرم، أكون أنا من "يعادي السامية"، ويناقض الإنسانية؟!

من هذا المنطلق كان السؤال الأكثر تكرارًا منذ السابع من أكتوبر "دو يو كوندِم خماس؟"، في إصرارٍ على أنّ البداية كانت من هنا، وتأكيد على الرواية الغربية التي تفيد بأحقيةِ الرجل الأبيض، سواء كان مستوطنًا في أوروبا، أو محتلًا في المشرق العربي، أو مستعمرًا في القارة السمراء، له الحق كلّ الحق في العربدةِ كيفما شاء، ثم حين تفكر بإيقافه عند حدِّه، سيشهر لك حُماته سلاحهم المقزّز "معاداة السامية".

هل حين تُرتكب جرائم ضدّ الإنسانية، فأقول إنّك مجرم، أكون أنا من "يعادي السامية"، ويناقض الإنسانية؟!

ولأنّ العرف جرى عندنا أن نستنسخ من الغرب أردأَ منتوجاته الفكرية والأخلاقية والثقافية، فإنّ قومنا بالطبع لم يفُتهم استنساخ سلاح من لا حجّة له، المجرم حين يتلبّس ثوب الضحية، بتحوير "معاداة السامية" إلى تهَمٍ من العائلة البيضاء ذاتها، وعلى رأسها "الفتنة"، التي سيشهرها في وجهك كلّ من لا يعجبه رأيك، حين تنتقد نظامًا، أو تهاجم مطبعًا، أو تذكّر خائنًا لله والأرض والأخوة بخيانته!

تقول إنّ هذا النظام متواطئ في الإبادة، غارق في مسرحِ الجريمة حتى أذنيه، بصماته على وجوهِ الجثامين، والدماء نفسها على ثوبه باهظ الثمن، وصراخ الأطفال يعرف الطريق إلى أذنيه لأنّه قاتلهم من حيث لم يتوقّعوا، وتقول: ذاك النظام مجرمٌ شريكٌ في الحصار، يتحمّل وحده أكثر من نصفِ المجزرة، يموتُ الصغارُ جوعًا على بوابته، ويهلك الجرحى نزفًا خلف أسواره، ويُسجن المناصرون للقطاع قمعًا وظلمًا وراء قضبانه، وتقول: إنّ هذا القصر مطبّع ذليل، يدعم قاتل إخوته بالمال والنقاهة، ويستضيف في حمّام بيته سفاحًا عاد للتوّ من مجزرة ارتكبها بحقِّ أطفالٍ ورضّعٍ، فيجهّز له البانيو، والموسيقى، والمناشف، ليغتسل، ويتطهر من آثارِ الدماء وغبار الأرض وتوتّر السكين، وتقول، وتقول... 

تتعدّد الأطراف، والأنظمة، والألسنة، واللهجات، ويتفق مطبّلو البلاط في مختلف القصور على سلاحٍ واحد، من كلمةٍ واحدة، والكلمة سلاحٌ لكنهم يفهمونه بأحقر ما في المجازِ من معنى، ويخرجون كلمتهم من غمدها، يقولون لك "فتنة"! سيخبرونك أنّ تهتم بغزّة، وأن تكتب عن فلسطين، وأن تنشر القضية، لكن لا تأتِ على ذكر قصرهم الحرام، ولا تنتقد حكومتهم، ولا تهاجم سلطتهم، حتى ولو قصموا ظهر غزّة، وشقوا وسطها، وأذلّوا أعزّتها، لأنّ تلك كما تعلم "فتنة".

نُدين لغزّة بفضلٍ آخر لم نكن نعلمه، أنّها جمعت الأسلحة المبتذلة الثلاثة (معاداة السامية، إثارة الفتنة، الطائفية) في سلةِ قمامةٍ واحدة

ثم على السياق نفسه، نحوّر المستورَد ليناسب كلّ امرئٍ يدافع عن "إلَهه" المصنوع من ورق، فتتحوّل "معاداة السامية" شرقًا إلى "فتنة"، ثم تتحوّر "الفتنة" بينيًّا إلى "طائفية"؛ فحين تهاجم نظامًا متورّطًا في قتلِ إخوة لك، وسفكِ دمائهم، والتوغّل المقيت في عواصم عربية عدّة، بتمددٍ، ليس ثقافيًا ولا فكريًا معاذ الله، وإنّما تمددٌ على ظهرِ المسيّرات، وفوق البراميل المتفجرة، دهسًا لجثثِ الضحايا، وسفكًا لدماء الأبرياء، ومحاربةً للعزّل أو أصحاب الأرض وأهالي المدن بدعوى محاربة الشيطان الأكبر -ولا أعلم كيف يتمثّل الشيطان في وجوه الفتيات والأطفال-، يتهمونك، بالسلاح نفسه، أنّ ما يدفعك للمهاجمة، والنقد، والاستياء، ليست غيرتك على الدماء الزكيّة، ولا غضبك لأجل الضحايا، وإنّما فقط هي "الطائفية"!

وهكذا قُسّم العالم بين سحّيجة الأرض، المدافعين طوعًا عن آلهتهم من مصاصي الدماء على مختلفِ مشاربهم، فإنْ هاجمت "مجرمًا" من قومية أخرى غير قوميتك فأنت "معادٍ للسامية"، وإنْ هاجمت "مجرمًا" من مذهبٍ آخر غير مذهبك فأنت "طائفي"، وإنّ هاجمت "مجرمًا" من نفس قومك ومذهبك لكنه ينكّل بالجميع على اختلاف الأديان والأنساب والملل.. فإنك تثير "الفتنة"، وهكذا، من جديد نُدين لغزّة بفضلٍ آخر لم نكن نعلمه، أنّها جمعت الأسلحة المبتذلة الثلاثة في سلةِ قمامةٍ واحدة!

الأربعاء، 8 مايو 2024

بكم تعبر الدبابة من رفح؟

 بكم تعبر الدبابة من رفح؟


يوسف الدموكي
@yousefaldomouky
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما 
في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

طيلة مائتي يومٍ من الحرب، والإنسان الغزّيّ ممنوعٌ من خيارِ المغادرة، أو العلاج، أو العبور خلف الجدار، طيلة نحو ثمانية أشهر، لا عصفور يخرج من غزّة، ولا ورقة تطير، إلا بتنسيقٍ مصريٍّ خالصٍ، مُتذرّعٍ بإذنٍ إسرائيلي، تزداد رسومه يومًا بعد يوم، ويصطفّ زبائنه وموكَّلوه على مكتبِ الشركة في القاهرة، بينما يصطفّ العالقون على الجانبِ الآخر في غزّة، ينتظرون الدور، ويترقبون الفرج المدفوع بالكثيرِ من الأموال، وشقا العمر، وآخر مصاريف الأمل، رغبةً في النجاة، أو سعيًا لشراءِ أيّام أخرى من ملك البوابة، حارس نيران الدنيا، الذي يبتلع في جوفِه الصدئ خمسة آلاف دولار على الأقل، على كلّ "رأس" تعبر!

ثمانية أشهر وبُحَّت الأصوات حتى يئستْ، حديثًا عن الخيانة والعمالة والضعف والهوان، عن العار والذلّ في أن يقبض الأخ من أخيه ما جنى أو ما استدان به لبقيةِ عمره، ليعالَج، لينجو، ليحصل على شربةِ ماءٍ أو لقمةِ طعامٍ أو بضعةِ أنفاسٍ أخيرة لا تلوّثها الغارات بذرّات البارود، ولا صدى يأتي من الجانب الآخر، إلا بعض أحاديث وتصريحات من دوائر دنيا في هيكلِ الدولة، تتغنَّى بالسيادة، والإرادة، والنباهة، وأعلى درجات التنسيق والدعم والمساندة، بينما الواقع أوضح من الشمس، والحاضر أفظع من أيّ وصف، ها هم نساء وأطفال ورجال فلسطينيون، يحملون هويّاتهم، يعبرون من غزّة إلى مصر، بعدما يدفعون عشرات الملايين من الدولارات على مدارِ تلكم الأيام الطوال، بعد أشهر من الأهوال.

خيانة كاملة لغزّة ولمصر، للجيرة والمروءة، للجغرافيا والتاريخ، في محاصرةِ الإنسان الغزّي لتأديبه على الانتصار

بينما.. بينما.. لا تُسعفني الكلمات لينضبطَ النصّ، أو لتنعكسَ الصورة، أو ليخرج الكلام معبّرًا عن مقتضى الحال، بينما.. بينما.. أنظر إلى الصورِ، تُداهمني الفيديوهات، أشعرُ بوخزةٍ في قلبي، تجلّط في الشرايين، حرقة في الصدر، ضيق في الرئتين، وغصّة عظيمة مريرة في الحلق، والعلم الإسرائيليّ يخفق في رفح، ليست المدينة، وإنّما المعبر، الخط الحدوديّ، الذي هو بالكامل عبارة عن سيادة مصرية فلسطينية، وخط أحمر عريض للغاية، عرضه يُقدّر بكيلومترات كثيرة، لا تجرؤ "إسرائيل" على قطعه، لكنها صبيحة اليوم، في نكسة السابع من مايو/ أيار، تدهسه دهسًا، تفحّط بالدبابات فوقه، تبعجه، وتكسّره، وتقطمه، وترقص فوقه باختيال، وتتلو صلواتها التلمودية، وتكاد من نشوةِ الخيانة على الجهة الأخرى أن تمسح بعلمِ مصر أحذيتها، وقد حصلت على ما أرادت من تنسيق أفضى إلى العبور من رفح!

أتساءل، وأنا أتمثّل تلك اللحظة التي رُفع فيها علم إسرائيل في وسط الجيزة، بقلبِ مصر المفحوم المثقَل المكتئب، بعد معاهدة كامب ديفيد التي جرّدتنا من انتصارنا الذي دفعنا فيه الدماء والعرق، حين صرخت السيّدات من الشرفات، واستشهد البعض حزنًا من تلك اللحظة البائسة في تاريخنا، واليومَ أراها مجدّدًا، مجرّد استعراض إسرائيلي سرعان ما سينتهي ولا يعني شيئًا فعليًّا أمام انتصار السابع من أكتوبر/تشرين الأول الذي كتبته المقاومة الماجدة، ولا يمثّل إلا رقصة أخيرةً لعجلٍ مذبوح على وشكِ السقوط الأخير، أمّا لنا نحن، فهي تلك الخيانة الكاملة، بكلِّ أركانها، لغزّة ولمصر، للجيرة والمروءة، للجغرافيا والتاريخ، في محاصرةِ الإنسان الغزّي لتأديبه على الانتصار وسحب صورته منه، ومجاملة الدبابة الإسرائيلية لمنحها صورة انتصار زائفة ولو على حساب أثمن الأثمان، بينما أتساءل ولم يجبني أحد بعد: بكم تعبر الدبابة من رفح؟

الثلاثاء، 23 أبريل 2024

200 يوم على صمود غزّة.. نحن من ربحنا الحرب!

 

200 يوم على صمود غزّة.. نحن من ربحنا الحرب!
يوسف الدموكي
@yousefaldomouky
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما 
في كلية الإعلام بجامعة مرمرة



نحو 5000 ساعة متواصلة من الحرب من دون توقّف، ومن العدوان الإسرائيلي على غزّة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل، عدد كبير من الشهداء، جُلّ ما نعلمه عنه نحو 35 ألف شهيدٍ عرفته الأرقام ومراصد الإحصاء، في حين أن آلاف المفقودين، بين الساعات الأطول من الدهر كلّه، تمرّ عليهم تحت الأنقاض، وبين الرّكام الصعب، وهم يلتقطون آخر أنفاسهم، وأقساها، في الحياة، ثم يموتون، من دون أن يعلم بهم أحد، ونحو 80 ألف جريح، يُكتبون هكذا في نصفِ جملةٍ مُختزلةٍ، من دون تفصيل لكم كسرٍ، وكم جرحٍ، وكم إصابةٍ، وكم بترٍ، وكم حرقٍ، وكم عطلٍ، وكم عجزٍ، ومن دون أن تُحصى أعداد الآهات والصرخات، وليالي الأرق وحمّامات الدم، 5000 ساعة من "وين نروح؟" إلى "وين نروح؟"، ومن النزوحِ بعد النزوح، ومن الجوعِ والعطشِ والاصطفاف في طوابير كلِّ شيء، الأعلاف، والدفن، والجنازات، والعلاج، ودورات المياه!

مائتا يوم ودّعت فيها غزّة أبهى صبيتها، وأجمل فتياتها، وأكفأ رجالها، وأطيب شيوخها، وأحنّ أمهاتها، وأشرس مقاتليها، وأعذب ضحكاتها، وأرقّ بسماتها.. مائتا يوم دفنت فيها غزّة نفسها أكثر من ثلاثين ألف مرّة، وبكت جراحها أكثر من مائة ألف مرّة، وزُلزلت بالقصف مئات آلاف المرات، بملايين القنابل والرصاصات وأطنان المتفجرات والبارود؛ مائتا يومٍ من قيامة كبرى، وطامّة ماحقة، وموتات كثيرة غزيرة، وموكب جماعي للشهداء لم يتوقّف أيّ دقيقة في أيِّ ساعةٍ، في أيِّ يوم، وسرادق عزاء ضخم، هائل، مكتظ بالمعزّين الذين يستقبلون العزاء في أحبابهم في حين أنهم يعزّون الآخرين في أحبابهم، ولا يدري أحدُ الواقفين من يواسي مَن.

مائتا يوم من العذاب، من السعير، من الجحيم، بألوانه كلها على الأرض، بحق جنةٍ في الأرض لم تكن تستحق إلا النعيم لا العناء، ولم تكن تستحق إلا الريّان لا الجفاف، ولم تكن تستحق إلا القطوف الدانية لا اللقيمات بعيدة المنال. مائتا يومٍ من أمرِ الله الذي كان واقعًا لا بدّ منه، لأنّ شعبًا جسورًا كريمًا مغوارًا أراد أن يتنفس قليلًا، أن يقول كلمته، أن يُشعر إسرائيل بدنوّ زوالها، ويشعر العالم بخطرِ وجودها، أن يفرض هو الفصل الأوّل من المعادلة، أن يخطّ بيديه المتعرّقتين الصلبتين معجزةً كاملة، تشمل فرسانًا هابطين من السماء، وملائكةً غائصين في البحر، وأسودًا مطلقةً في البر، وشبه دولةٍ كاملةٍ شعرت بنهايتها على يدِ ألفي إنسان يحملون من العتاد أقلّ مما تحمله كتيبة واحدة في جيش إسرائيل!

ليست الدماء رخيصةً أبدًا، ولا نستطيع التقليل منها مقابل النصر، وإنّما بقدر عزتها وبهظ ثمنها، وحرارة سيلانها، فإنّ النصر كذلك غالٍ وثمين

كلُّ ذلك، كلُّ تلك الخسارات الفادحة، كلُّ تلك الأوجاع الغائرة، في ذلك المشهد الحالي، انتقامًا من السابع من أكتوبر ومحاولةً بائسةً لمحو صورة النصر الراسخة التي وضعها للأبد، كلُّ هؤلاء الذين نزفّهم إلى الجنة كلّ ثانية، كلّ هؤلاء الأطفال الراحلين، وكلّ هؤلاء الأطفال الأيتام، وكلّ ذلك المليون الكبير الذي يبكي المليون الآخر، وكلّ ذلك السواد المسيطر على الواقع الحالي، لا يجعل إنسانًا يشاهد من بعيد يخطئ المعادلة، أو يتجاهل النتائج الحتمية الواقعة والقادمة.

ليست الدماء رخيصةً أبدًا، ولا نستطيع التقليل منها مقابل النصر، وإنّما بقدر عزّتها وبَهْظ ثمنها، وحرارة سيلانها، فإنّ النصر كذلك غالٍ وثمين؛ ربحت غزّة من هذه الحرب الكثير، مما لن تراه الآن، أو لن ترى إلّا بعضًا منه، انتصرت غزّة أمام خمسة وسبعين عامًا من الاحتلال المجرم الذي لم يسأله أحد ماذا تفعل ولماذا تفعل، لكن غزّة ساءلته، ووضعته في قفص الجريمة أمام الإنسان والتاريخ، حتى أمام العدالة الجزئية في محكمتي العدل والجنائية الدولية، غزّة ربحت جيلًا كاملًا، قد تبدو الجملة مكررة أو مبتذلة، لكنّها عين الحقيقة؛ كنّا نظنه الجيل الذي من أصلابنا، في أراضينا المحتلة هي الأخرى، لكن الواقع أنّها ربحت جيل العالم كلّه، كلّ هؤلاء الصغار الجدد، يهتفون فلسطين بلغاتِ العالم كلّها، من مشرق الأرض إلى مغربها، ومن شمالها إلى جنوبها، الجميع صار يعرف غزّة، ويحفظها في صدره، بل صارت جملةً (كانت خياليةً وعربيةً وإسلامية تمامًا قبل ذلك)، تهزّ شوارع العواصم الأوروبية والولايات الأميركية، متحدّيةً كلّ شيء، وهي تقول "فلسطين حرة من البحر إلى النهر"!

ربحت غزّة الرواية، ولأوّل مرة نربح معركة الرواية، ولأوّل مرّة تتقهقر الأكذوبة الإسرائيلية والبروباغندا المزيّفة إلى ذلك الحد، ليست خسارةً من التي تُوضع لها النسبة المئوية، وإنّما نتحدث عن ملايين الفوارق والخوارق، نحن أضحينا في مكانٍ، وهم باتوا في مكانٍ آخر تمامًا، بعيدًا جدًّا، عن عقلِ الإنسان ووعيه وإدراكه.

ربحت غزّة جيل العالم كلّه، كلّ هؤلاء الصغار الجدد، يهتفون فلسطين بلغات العالم كلّها

ربحت غزّة هؤلاء الشبان في أميركا، الذين سيتقلدون مناصب مهمة، وهم خريجو أهم جامعات العالم، التي تخرّج منها الساسة والقادة وصنّاع القرار، ليكونوا أصحاب قرار وليس أصحاب كلمة فقط، ويهدّدون أمن إسرائيل المزعوم كلّه، إن بقي في الأفق شيء اسمه إسرائيل!

ربحت غزّة جيشًا قادمًا، من الصغار أصحاب الثأر النفيس في صدورهم المتسعة الذبيحة، ممن سيحملون السلاح بسواعد مشدودة غير مهتزّة، وممن لا يعرفون هدوءًا ولا رأفة، وممن نما في داخلهم انتقام لم يسمعوه في خطب المنابر ولا خطابات الزعماء، وإنّما عرفوه بعيونهم في الجثامين المتفحمة والمتقطّعة والمكبّلة والمدهوسة، لأغلى أهليهم وأصحابهم وأقربهم، هؤلاء الذين لم يغادر صوت القصف والصياح آذانهم طوال تلك المدّة التي قد تُعادل نسبةً غير قليلة من أعمار بعضهم، لن يذهب الطنين إلّا الطنين، ولن تنعم آذانهم بالهدوء حتى يُسمعوها صرخات موازية، من العالم الآخر الذي دهسهم، ورقص فوق جثثهم على تريندات "تيك توك"، هذا الجيل الآخر الذي سيري العالم كلّه ثأرًا يجعله يدفن رأسه في التراب من فظاعته، وخوفًا من أن يطاوله إن تكلّم نصف كلمة تنقده.

ربحت غزّة فلسطينَ والقدسَ مقدمًا، ربحت فضحَ من باعوهما، وربحت شرعيةَ مقاومتها، وربحت كشف سوءات الذين خانوا وتواطؤوا وطعنوا، وربحت كلمتها الأولى والأخيرة، ربحت غزّة التقويم كلّه، في كلّ السنوات القادمة، وإلى أبدِ الدهر، منذ اليوم الذي ربحت فيها يوم السبت المبارك، الموافق السابع من أكتوبر لعام 2023 ميلاديًّا، الثاني والعشرين من ربيع الأول لعام 1445 هجريًّا.

الخميس، 18 أبريل 2024

الجيل القادم... قادمٌ يا غزّة!

 

الجيل القادم... قادمٌ يا غزّة!

يوسف الدموكي
@yousefaldomouky
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما 
في كلية الإعلام بجامعة مرمرة



يجلسُ محدِّقًا بسقفِ الخيمة، أو بسقفِ المستشفى، أو بسقفِ السماء التي تتشكّل من "زنانات" متجاورة، يتذكر صور أهله الذين استُشهد منهم من استُشهد، وبقي هو وحده، يبحث عن الحياة في أوراق الخبيّزة البائسة، وبالقرب من هدفه المرجو، وشبعه الموهوم، حيث يحول الجنود بينهما، كان نصيبه خمس رصاصات في جسمه الصغير، لتتحوّل مأساة الجوع إلى مأساة الموت، التي لم تتوقف عند ذلك الحد، وإنّما اكتملت باعتقالِ جسده الذي على وشك التحوّل إلى جثمان، لولا الله!

ثم بعد مدّة أُفرج عن "نمر"، وحين سأله المصوّر عمّا يريده، قال إنّه يريد أن يكبر ليضرب من ضربه بالشكل نفسه، وليدوس على رأسه كما داس رأسه، ولينتقم من الاحتلال. يتحدّث نمر، وليس في جسمه الصغير موضع سالم من ندبةٍ أو جرحٍ أو موضعِ رصاصةٍ، وليس في قلبه الكبير متسعٌ لحزنٍ أكثر من ذلك، وليس في صدره الصغير مساحة إلا لطفولةٍ من حقه أن يعيشها، لكنه يدع ذلك جانبًا، ويترك الطفولة لأطفالها، أمّا هو فيخزّن في مكانٍ لا يعلمه غيره، ذلك الثأر متقدًا، وذلك الانتقام المطبوخ على مهل، لأعوامٍ قادمة، لن تطول، لكنه حين يخرج من مكمنه، ويغادر النمر عرينه، فستكون ضرضرته مُدوية، وانتقامه تاريخيًّا.

ستُفاجأ إسرائيل في معركتها الأخيرة للزوال، بجيشٍ كامل من الأيتام

الجيل الأول رأى أهله يُسحلون في النكبة، ويُذبحون، ويُغدر بهم على حين غرّة، دون انتباه ولا حساب، فتعلّم إمساكَ الحجارة، ثم الجيل الثاني الذي عاش النكسة وفصولها، ورأى المزيد من فلسطين يضيع، ويُنهب، ويُسرق على مرأى من الجميع، تعلّم أنْ يُمسك السكين، وانتفض بعدها بعشرين عامًا انتفاضته الأولى، وتعلّم كيف يقلب أمن إسرائيل، ثم الجيل الثالث الذي رأى المستوطنات تتفشّى، والحصار يشتد، والاحتلال يتوغّل، والأقصى يُنتهك، والمقدّسات والبشر يُبادون، تعلّم تفجير الباصات، وعرف صنع البارود، وتمرّس في حفرِ الأنفاق، وتجرّأ على اقتحام إسرائيل بدلًا من انتظار اقتحامها. كلّ تلك الأجيال رأت من مجازر الاحتلال ما رأته، وعايشوا المذابح والمسالخ، لكنهم لم يعيشوا إبادةً بهذه الدرجة، ولا بمعشارها، ولا في أيّة حربٍ سابقة، ولا في أيّ عدوان، ولا في أيّ مكان، ذلك الفيضان الدامي منذ ستة أشهر، والإعدام الجماعي، والمقابر المنبوشة، والمجنزرات التي تسحق العظام، والجثث التي يُمثّل بها، والأعراض التي تُنتهك، والملابس الداخلية التي يُمثّل بها الجنود، والشرف الذي يحاولون تدنيسه، حاشا لغزّة وشرفها وشرفائها، كلّ ذلك سينتج عنه جيل، رآه، وعايشه، وسيُفاجئ إسرائيل، بل وأقول إنّه سيُفاجئنا جميعًا بحجم الثأر الذي خزّنه، وبشكلِ الثأر الذي سيأخذه، وبطريقةِ الثأر التي سينتهجها!

ذلك الجيل القادم يا غزّة، يا عالم، لن يمهلنا الكثير حتى يفتك بجميع من أهانوه وطعنوه وخذلوه وذبحوه، لن يترك مساحةً للشكّ، ولن يدع مجالًا للرأفة، ولن يعتمد على المبالغة في أخلاقيات المقاوم، ستكون أخلاقه أن يثأر لعرضه وأرضه وشرفه وأهله الذين رحلوا، ستُفاجأ إسرائيل في معركتها الأخيرة للزوال، بجيشٍ كاملٍ من الأيتام!

الثلاثاء، 9 أبريل 2024

رسالة من ميلاد وليد دقة

 رسالة من ميلاد وليد دقة

يوسف الدموكي  
@yousefaldomouky
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما 
في كلية الإعلام بجامعة مرمرة


بين حاجزين كبيرين، كالأسرِ والحريّة، كالسجنِ والكون، كالزنزانة الضيّقة والعالم الواسع، يهرُب من السجين بعضُه أحياناً، رسالة، أو كتاب، أو صوت، أو رسالة ماجستير، لكن في أحايين نادرة، قد تهرب منه "نطفةٌ" إلى الحياة، متحدّيةً كلّ تلك الحواجز الهائلة والأسوار الضاربة بين عمقِ الأرض وامتدادِ السماء، وهكذا تحديداً كان ميلاد "ميلاد" وليد دقة؛ وذلك ليس توكيداً لفظيّاً ولا حيلةً مجازية، وإنّما توكيد معنويّ في المعجم الفلسطينيّ لحياةٍ غير تلك الحياة، وميلاد من رحمِ الموتِ المؤجّل، وما دام مؤجّلاً، فلنرسل برغم أنفه حياةً مؤجّلة أيضاً.

عبر نطفةٍ مهرّبة (محرّرة) من الأسير الشهيد وليد دقة من سجونِ الاحتلالِ الإسرائيلية عام 2020، وُلدت ميلاد وليد دقة. وما كلّ هذه الولادة في جملة واحدة؟ أخبرتك منذ البداية أنّه المعجم الفلسطينيّ الفريد، وعليك تحمّله حتى النهاية، ثم في النهاية لن تتحمّل استخدام غيره، ستشعر بكلمات الدنيا كلّها باهتةً في قاموس عقلك الطبيعيّ ومفرداتك اليومية، وأنّ ثمّة حقيقة جديدة تتكشّف للمرء، حقيقة تقول بأنْ لا حروف إلّا في فلسطين، ولا أبجدية إلّا التي يكتبُها الفلسطينيون.

أبٌ في التاسعة والخمسين من عمره حينها، وأمٌّ مضى من عمرها نحو ثلاثين عاماً في انتظار حبيبها الأبدي، المحكوم بالمؤبّد، يُرزقان بعد قرابةِ ربعِ قرنٍ من الزواج بطفلةٍ تصغرهما بكثيرٍ للغاية، أكثر بكثير مما يصغر الأطفال آباءهم عادةً، لتكون إعادة للحياة من جديد، وأجمل تهريب يقوم به وليد في حياته، تهريب للمستقبل، كما أحبَّ الشهيدُ أن يصفه.

أنا ميلاد، التي عمرها أكبر من عمر قاتل والدها، ميلاد المستقبل

وهذه أنا ميلاد، الطفلة التي في الثالثة من عمرها، وأبوها الأسير الذي في الثانية والستين من عمره، كأنّني شعرةٌ واحدة حرّةٌ في صدره وسطَ جسدٍ كامل مكبّل مدمّى، كأنّني نبضة واحدة حرّةٌ في قلبه وسطَ صدرٍ كاملٍ مُتعَب منهك، كأنّني زفرةٌ واحدة حرّة في أنفاسه وسطَ رئةٍ مريضة متآكلة مهترئة بالسرطان، كأنّني وليدةٌ وحيدة حرّة في وليدٍ كاملٍ، حرّ الأفكار والمشاعر والكلمات، لكنّ يديه مكبّلتان بالأصفاد منذ حاول ذات يومٍ أن يقضّ مضاجع إسرائيل، وعلى ما يبدو أوجعها حتى خشيت أن تفلته ولو كان عاجزًا عن النشاط بفعل مرضه وإهماله طبيّاً، وإن بقيت له أشهر قليلة في عمره.

أنا ميلاد، التي عمرها أكبر من عمرِ قاتل والدها، ميلاد المستقبل، ستفنى إسرائيل وأبقى صبيّة عصية على الهرم والكهولة، سيموت ذلك الكيان المترهّل، ويفنى ذكره ووجوده، ويبقى ذكر وليد دقة، مسبوقاً بميلاده التي لم يرها، وكان مستعداً لدفع ما تبقى من عمره الفاني ثمناً لعناقٍ واحدٍ بين يديها الصغيرتين، سيبقى اسمي يذكرهم حتى يغادروا، بأنّ وليد ميلادٌ متجدّد، لا رحيل وانتهى أمره.

المشهد الأخير يا حبيبي كان لك، أنت انتصرت بميلاد، وهم لم يحصدوا إلا جثمانك الطاهر

لا أعرف ماذا سأحكي لصديقاتي، كيف سأروي حكاية أبي الذي غادر في عقده السبعين من عمره، وأنا قد فُطمت من الرضاع قبيل أشهر فقط، كيف سأفهمهم تلك القصة العصيّة على الاستيعاب، كيف سأعيش ذلك الوجع كلّه في جسدي الضئيل، كيف سأمضي عمراً كاملاً أراقب طيفك، وأبكي ذكراك، ويؤلمني ميلادي الذي كان ميلادك ووفاتك معاً، كان عبئاً إضافياً في شوقك الذي لا يفتر، كان اختباراً جديداً على جسمٍ لا يتحمّل المزيد من اختبارات الفقد والفراق والاشتياق والحضن السليب، كيف سأمضي يا أبي سنوات عمري الطويلة الباقية من دونك، رغم أنّك لو بقيتَ فكانت ستبقى من دونك أيضاً.

ولكن، ستعانقك الأرض التي لطالما عانقتها بدموعك، سيحضنك تراب فلسطين ويبكيك ماءً ينبع من جوفه، سيرثيك الثرى إلى الثريّا، وسأرث أنا ثأرك، وأكبر ذات يوم لأوجعهم كما أوجعوك أربعين عاماً بسوارين من نارٍ في معصميك، وبغصّة من بارودٍ مختنق في حلقك، وبيأسٍ حاولوا به إزهاق أملك، وبانعدامِ حياةٍ حاولوا به حصار الحياة، لكن المشهد الأخير يا حبيبي كان لك، أنت انتصرت بميلاد، وهم لم يحصدوا إلّا جثمانك الطاهر، أمّا روحك فها هي تحلّق في سماء المخيّم والحيّ، فوق الأبطال وبين الكتائب، تشدّ على أيدي الألوية المجاهدة، تخبرهم بأنك ستمهّد خبر النصر للرفاق الذين سبقوا، ستذهب إلى هناك لتحكي الرواية، لأنّك لم تعدْ تتحمّل أن تكتفي بالمشاهدة.

رحلتَ يا حبيبي، يا وليد، يا عزّ الرجال، ويا أبا النضال، ويا عميد الكفاح الحرّ، ويا صاحب القلم والقلب، والفكر والفكرة، والكتاب والديوان والرسالة، وبقيتُ أنا، امتداداً حرّاً غير مكبّل في الخارج، في فضاء فلسطين، أحكي لها عنك وأحكي لروحك عنها، وألعنُ "سلسفيل" إسرائيل!

الأربعاء، 3 أبريل 2024

اجتياح رفح.. ما قبل الجريمة الكبرى

 اجتياح رفح.. ما قبل الجريمة الكبرى

يوسف الدموكي 
 @yousefaldomouky
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما 
في كلية الإعلام بجامعة مرمرة


سلاح أميركي جديد، مئات القذائف، وآلاف القنابل متباينة الأوزان، شديدة الانفجار والتدمير، لها قدرة عالية على أكلِ الأخضر واليابس (إن تبقى في غزّة أخضر ويابس)، وطائرات إف 35، وصفقة كبيرة مستعجلة، تزيد العتاد وتجهّز لشيءٍ ما قادم، أكثر من الحاضر البشع الذي نراه كلَّ يومٍ منذ ستة أشهر، مع تكاثر التحذيرات الأميركية الرسمية من البيت الأبيض والبنتاغون، بخصوصِ تلك العملية "غير الجيّدة"، وإطلاق أخبار عن خلافات بين إدارة جو بايدن وتمرّد نتنياهو، في حين أنه لا اتفاق بينهما أكثر من هذه اللحظة التاريخية التي يتجلّى فيها المشروع الصهيونيّ الذي يجمع البيت الأبيض وفتاه المدلّل.

مليارات ضخمة (ولا في الأحلام) تُضخ في بلدٍ مجاور، يستعدُّ رئيسه لحفلِ تنصيبٍ يُشاع عنه أنّه سيكون الأكبر في تاريخ البلاد، بمثابة استعراض لما وصلت إليه جمهوريته الجديدة اليوم من أكبرِ قصرٍ وعلَمٍ ونجفةٍ وبرلمان، لكن قُبيل ذلك بساعات يصل فجأةً إلى الأردن، البلد الآخر الذي يهم تل أبيب في المعادلة، ساعتين، ثم ينصرف، وهو الذي لا يحرّكه في يوم عُرسه ولو خراب القاهرة القديمة نفسها، لكنه يطير بسرعة البرق إلى عَمّان، لأجل شيء واحد في بالنا، نخمّنه، لكن نتمنى ألا يكون هو هو!

تلك الأموال التي ستكون بمثابةِ منقذٍ لبلد على حافةِ الهاوية حرفياً، أو هو عالق فيها بالفعل، تُقدّر بنحو 20 مليار دولار دفعة أولى، ظهرت فجأةً من ثلاثة اتجاهات؛ صندوق النقد الدولي الذي يمثل الهواية الأميركية في لعبتها المفضلة "الجزرة والعصا"، وظهرت إغداقاته فجأةً في حين أنها لم تكن بتلك السهولة من قبل، والاتحاد الأوروبي الذي لم يكن يكفّ عن ثرثرة حقوق الإنسان في مصر، بازدواجيةِ معاييره، لينفق فجأة ثمانية مليارات دولار، في زيارة جماعية إلى "جار غزّة"، الجائر عليه، السيد عبد الفتاح، أمّا الجهة الثالثة فهي 14 مليار دولار مقدّمةً دفعة أولى من الإمارات!

ما زال أبطالنا الثابتون، الأشاوس الكرام الماجدون الشجعان، يقبضون على الجمر في زمنِ اللعنة الكبرى، يصرّون على الثبات في وجه الآلة الإسرائيلية القذرة

رئيس "الشاباك" الإسرائيلي يصل إلى القاهرة ليفطر مع عباس كامل، الشخصية المخابراتية الأهم في مصر، ورئيس مكتب السيسي، حسب موقع والا العبري، بالتزامن مع طلب مصري من الولايات المتحدة لمعلومات ومساعدات تخصّ عملية رفح المرتقبة، وتحصينات إضافية على الحدود المصرية مع قطاع غزّة والأراضي المحتلة، مع تشديدِ الإجراءات الداخلية على الشعب الذي لن يتحرّك بفعل عشر سنوات من السجن والقمع والترهيب والقتل.

وهناك في الأردن، خروج مفاجئ للمظاهرات نحو السفارة الإسرائيلية، في موقف شعبيّ عقّد الحسابات، لأنّهم اطمأنوا أنّ ذلك الحراك هدأ في دول الطوق، فتخرج لجانٌ مدفوعة من بلدان عربية أخرى، لمهاجمة المظاهرات وشيطنتها و"أخوَنتها"، لأنّ شيئاً ما يحدث، لا بدّ أن يحدث في صمت، شيء ما يُعدّ له منذ وقتٍ طويل، أطول مما نتخيّل ربّما، سنحت به الفرصة الآن وسط تلك الظروف المواتية المجتمعة بما لم تكن تتخيّله تل أبيب في أفضل أحلامها وأمانيها، مع تسكيت تاريخي للشعوب، فائقة القدرة على تغيير المعادلة بالكامل.

لذا فإن الذي يُحاك هذه الأيام هو جريمة إسرائيلية كاملة جديدة، ستكون الأبشع في تاريخها، مع خروجها من مستشفى الشفاء بمذبحة تاريخية فظيعة، تختبر بها ردّ الفعل العالمي والعربي، وعلى ما يبدو لم تُغيّر شيئاً، ولم تُحرّك ساكناً، مع خيانةٍ عربية رسمية على أعلى مستوى في البلدان، مع لجانٍ وذبابٍ يمهّد لذلك ويقمع من يعطّل القطار الحربي القادم فوق جثثنا، مع خيانةٍ أخرى رخيصةٍ تُناسب السلطة الفلسطينية وتنسيقها الأمنيّ وخدمتها اللانهائية للاحتلال الذي يغتصب أرضها وشعبها، لمحاولة السيطرة على ما تبقى من غزّة، ومن تبقى فيها، على ظهور دباباتٍ إسرائيلية؛ فستأتي مذبحة رفح كما لم يرِد على خيال ولا تاريخ ولا حضارة من قبل، إلا أن يشاء الله غير ذلك، فيهلكهم جميعاً، بدلاً من إهلاكنا بالصمت والذل.

ومع ذلك كلّه، ما زال أبطالنا الثابتون، الأشاوس الكرام الماجدون الشجعان، يقبضون على الجمر في زمنِ اللعنة الكبرى، يصرّون على الثبات في وجه الآلة الإسرائيلية القذرة، والعالم المتناقض، والجوار الخائن، وابن البلد "الساقط".. وإن غداً لناظره قريب.

الثلاثاء، 26 مارس 2024

دفاعًا عمّا تبقى من الإنسان العربي

دفاعًا عمّا تبقى من الإنسان العربي


يوسف الدموكي  
@yousefaldomouky
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما 
في كلية الإعلام بجامعة مرمرة



أمام السفارة الإسرائيلية في الأردن، وصل المتظاهرون بعد تجاوز قوات الأمن المدجّجة، التي تحمي سفارة العدو وكأنّها تحمي قصرًا وسيادة، وتدافع عن مبناه وكأنّها تذود عن شرفها.. وضع المحتجون كلّ ذلك جانبًا، ألقوا "التنسيقات" في أقرب مكبِّ نفايات، ثم انطلقوا نحو جدران الجاثوم الذي يجلس فوق صدر الأردن، طاعنًا خاصرته، في البلد العربيّ الأقرب من حيث كلّ شيء، طبيعةً وأهلًا ولسانًا وأصلًا، من فلسطين وأهلها..

وفي مصر، بينما يفطر الأهالي في "المطرية" بالإفطار الجماعيّ الذي لم تنقطع عادته منذ سنوات طوال، كانت فلسطين حاضرة، ولو على استحياء في حضور الطعام والشراب، وهتف الصائمون لغزّة، وأشعلوا الشماريخ وهم يذكرون إخوتهم هناك، وابتلّت حناجرهم بذكر الأحباب من الجيران والأهل، وهم يعلمون أنّهم لو أطالوا الهتاف ساعة، أو حوّلوا الإفطار إلى مسيرة، ولو قطعوا غير حارتهم شارعًا إضافيًّا، سيتسحرون السحور التالي في قسم عين شمس، ولاظوغلي، ومقرّات الأمن الوطني القريبة، ما علمنا منها وما لم نعلم، يحاكَمون على تطوّعهم بحكم الفطرة، لمناصرة غزّة، ما لم يناصرها الرئيس شخصيًّا، ويحشد لجانه لاستغلالها ورقةً في أيّ هدف يخصّه، وكثيرة هي الأهداف التي تخصّه ولا يعلمها غيره.

وفي المغرب، حيث نظام التطبيع، تخرج النساء في أفواجٍ كأنّهنّ استدعين أرواح جداتهنّ في الأندلس السليب، يبكين بحرقة تتخلّل الأصوات المبحوحة، ينادين الشباب والرجال أن ينضموا إلى المسيرة، أن يكثّروا سواد المحتجّين، ويقلقوا أعوان المحتلين، دون مسحٍ للجوخ، ولا لعق للأحذية، وأن تبقى فلسطين العنوان، فلا يصح أن تخصّص القدس بابًا للمغاربة، ولا يفتح المغاربة شراعةً ولا نافذة ولا هوةً ولا ثقبًا، نحو القدس والأقصى وغزّة.

لا يصح أن تُخصّص القدس بابًا للمغاربة، ولا يفتح المغاربة شراعةً ولا نافذة ولا هوةً ولا ثقبًا، نحو القدس والأقصى وغزّة

وفي العراق المشتَّت، المشرذم بلا سببٍ ولا هدفٍ، المقطّعة أوصاله والمتكسّرة نبالُه، يخرج شجعانه يهتفون لغزّة، كأنهم اكتشفوا للتوّ تقصيرهم، أو استطاعوا فجأةً التحرّر من شواغلهم، ينادون الأمصار، ويشحذون همم بغداد والموصل وأربيل، يبعثون الروح في كلّ حيّ، وهم أهل العراق الذين لم تتخلَّ عنهم غزّة، وهي تحت احتلالها، حين انتفض أهلها ليلة سقوط بغداد، ولم يناموا ليلتها، حسرةً وبكاءً، سهرًا واشتباكًا.

وهاهي من جديد، تلك الشعوب المتعَبة، المكبّلة، على رأسها القاهرة المقهورة، السليبة، تحاول العودة، ولو بوقفةٍ، ولو بمسيرةٍ لا تتجاوز العشرة أشخاص والعشر دقائق والعشرة أمتار، تحاول أن تنوب عن المائة وعشرة ملايين، تهتف وتنطلق وتتكاتف نحو فلذة الكبد المغتال في الشمال، تلك الغزّة الغصّة، التي يمنعنا حكامنا عن أن نتألم لها، وأن نصرخ، وأن ندخل إليها غرفة العمليات، فننقذها ونطعمها ونسقيها ونحارب معها السرطان الجاثم على صدرها الحر النقيّ.

صحيح أنّ ذلك الخذلان لم يرِد من قبل في ذاكرتنا العربية والإسلامية، ولم نصل إلى هذا الحدِّ من السخافة والنطاعة والجبن، وبلا مبرّر أبدًا، لكن من باب وضع الأمر في سياقه، فإنّ هذه الشعوب حيّة، وتلك الجموع لها ضمائر لا تنام، وتلك العيون تبكي منذ 170 يومًا بلا توقف، وهذه الحيوات كلّها تهون فداء ساعة داخل القطاع الجريح، كلّ هؤلاء لا يتوانون عن زحف، ولا يُحجمون عن سجال، ولا يفرّون من معركة، وإنّما هم مكبَّلون وأسرى، دفعت إسرائيل كثيرًا، من نجاسةِ عرقها، لتبقيهم هكذا، بتولية هؤلاء الرؤوس الخربة عليهم، ولتحويل بلدان الطوق إلى طوقٍ خانق، يمنع الوصول إلى القلب من كلّ الجهات.

كأنّ الأسلاك الشائكة مربوطة بأحد أقدام الكرسيّ الجالسين عليه، فإن شُد السلكُ، وسقط الجدار، سُحبت القدم، وسقط الكرسي، فسقطوا

لسنا بلا دم يا حبيبتي يا غزّة، لكن هؤلاء الحكام، أصحاب اللقطات والسقطات، والخطَب والإسقاطات، هم من قطعوا الشرايين والأوردة، وجعلوا كلّ طرف في طرفٍ، ولا يسمحون لنا أن يموت نصفنا بينما يصل النصف الآخر، وإنّما عروشهم مربوطة بتلك الحدود، ولديهم استعداد لقتل مائة مليون إنسان مقابل ألا يُخترق حاجز واحد، كأنّ الأسلاك الشائكة مربوطة بأحد أقدام الكرسيّ الجالسين عليه، فإن شُدّ السلكُ، وسقط الجدار، سُحبت القدم، وسقط الكرسي، فسقطوا، ولذا هم يغلقون كلّ الأبواب، دون فوّهة واحدة، تسَعُ مقدّمة بندقية.

ولكن.. تلك الجموع ستأتي يا غزّة، ستنفر وتكرّ، ستهطل كالغيث، وتثور كالبركان، وتفيض كالفيضان، وتجري كالسيل، ولن تُبقي في طريقها أحدًا، ستُحرّر نفسها حين تحرّرك، وستُحررك حين تحرّر نفسها، كأنّها مسألة معقدة يلزمها توحيد التوقيت، أن تفعل الشيئين معًا، فتتحرّرين ويتحرّرون، وتسقط إسرائيل ويسقط الحكّام، وذلك وعد الله الحق، وتلك سنّته في كونه، شاء الجالسون بالكروش على العروش أم أبوا، سيحصل لا محالة.. تلك الشعوب المظلومة ليست ظالمة، تلك الشعوب الجَسورة ليست جبانة، تلك الشعوب القادمة لن ترجع إلى الوراء مجدّدًا، ستأتي ذات يوم، لتمزّق الخيام وتبني البيوت وتلغي الحواجز، ولن تعود إلى مرابضها أبدًا.

الثلاثاء، 19 مارس 2024

كيف أسّس "الإسقاط الجوي" لواقع كارثي جديد في غزة؟

 

كيف أسّس "الإسقاط الجوي" لواقع كارثي جديد في غزة؟

يوسف الدموكي  
@yousefaldomouky
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما 
في كلية الإعلام بجامعة مرمرة



حين نُودي في كلّ وادٍ بالإسقاط الجويّ، كان نداء الجائع الذي بلا حيلة، إلى الأنظمة العربية والإسلامية والعالم، بدافع التحرّر من سياسة الاحتلال، وتهديداته، وإرسال الطعام إلى الجوعى رغم أنفه في كلّ منطقة بالقطاع المحاصرة، من دون تنسيق ولا تطبيع، لأنّ غزّة (يا للعجب) أرض فلسطينية خالصة، وليست أجواءً إسرائيلية مختطفة، وأيّ اعتداء على طيران عربي أو أجنبيّ في أجوائها بمثابة إعلان حرب فعلية من تل أبيب على الدولة المجني عليها، ومن هذا المنطلق وحده كان النداء، بجانب استمرار الضغط لإدخالِ المساعدات من رفح، لعلّ الجرأة والكرامة تجري في دم أحدهم فيرسل ما يحتجزه خلف أسواره، بلا خيانة أو جبن.

لكن ما حدث كان إحلال المساعدات المسقَطة جوًّا، وهي لا تكفي سكان بناية واحدة في قطاع المليونين ونصف المليون نسمة، بديلًا عن المساعدات المارة في قوافل برّية، ومن ثم كان ذلك السيناريو الذي لم يخطر على بال الاحتلال أفضل منه، ولا في أحلامه، لأنّه كذلك يمنحه صورةً أخلاقية، ولو مزيّفة ومؤقتة وصغيرة، ولكنها تفيده في معاركه الإعلامية التي خسر أكثرها؛ كان الإسقاط (الذي قتل من أهل غزّة من قتل)، هديةً من الدول العربية صاحبة الإنزالات وذوي الجلالات، إلى رئيس الوزراء الموهوم المحاصَر بالخسائر في مكتبه بتل أبيب.. ولعل شكرًا التي وصلت من تحت الطاولة، تلبّي آمال الحكام كذلك، في الرصيد الأخلاقي الذي يودّون إضافته إلى سموّهم.

الكثير من البروباغندا، والقليل من الطحين، تلك هي المعادلة المرجوّة التي عملت عليها الأنظمة العربية المجاورة لقطاع غزّة طيلة الفترة الماضية، حتى استطاعت ببراعةٍ تحقيق نتيجتين؛ إطعام أسماك غزّة من المأكولات الملقاة في البحر، وتسليح الاحتلال الإسرائيلي بأداة جديدة مبتكرة، هي حصر المساعدات بتلك القادمة جوًّا من الأعلى، مع غلق أيّة منافذ أو احتمالات أو سيناريوهات لإرسالها برًّا على الأرض، حيث لن يأكل أهل غزّة بالوقوف طوابير على منافذ تديرها حكومة غزّة، ولن يحصلوا على حفنة طحين واحدة إلا من خلالنا نحن، إسرائيل، ورجالها في المنطقة، في حين نرى من فوق، آلافًا يتعاركون كالدجاج على لقمة واحدة. تخيّل أن تجوّع ألف دجاجة ستة أشهر ثم تلقي إليهم بعد ذلك كلّه، لمن عاش منهم، حبّة شعير واحدة، ماذا سيحدث؟ هكذا يرانا المحتل الوقح، ومن يواليه، وحاشا لأهل غزّة أن يكونوا كذلك، وهم أعلى وأعظم وأجلّ.

ليس الذي ارتكب الجريمة وأعدَّ الكمين نظامًا عسكريًّا، ولا احتلالًا حربيًّا فقط، وإنما أنظمة عربية، ابتكرت كيف تُصنع الأشلاء البشرية من شكائر الطحين

ومن هذا المنطلق، عاد الاحتلال فجأةً في فجر شبيه بفجر الخامس عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، ليقتحم مستشفى الشفاء، معتقلًا وقاتلًا وسافكًا الدماء، بحثًا عن مدير الشرطة في غزّة، فائق المبحوح، الذي استطاع بقدرة قادر، بعون الله، وبحيلته ودهائه، وفطنة رجاله وتضحيتهم، أن يُدخل 13 شاحنة طحين إلى شمال القطاع لأوّل مرّة منذ نحو 4 أشهر، ليحصّلوا صورة نصر يدّعونه، وليعاقبوا من يحاول إكرام أهل غزّة، وأن يمنع السيناريو الذي طيّرت إسرائيل لأجله الطائرات العربية في الأجواء الفلسطينية، فاشتبك معهم، وحيدًا، بـ13 رصاصة من مسدسه الشخصيّ، وأوقع فيهم قتيلًا وجرحى، حتى استشهد صائمًا مشتبكًا بعدما أطعم نحو ربع مليون إنسان ذات ليلة عزيزة معتمة، وهو أبو العز، الشهيد.

واليوم، يغتال الاحتلال رائد البنا، مدير المباحث في شمال غزّة، الرجل المسؤول عن هذه العملية أيضًا، التي باتت ومثيلاتها، عملية استشهادية، لتوفير الطحين، وما أشبه اليوم بالبارحة في كمين المطاحن في سورية، حين حاول الشبان المقاتلون تأمين الطحين لأهلهم المحاصرين في حمص، فاستشهد 60 من خيرتهم، بعدما أطبق عليهم الجزار السوريّ قبضته، وكمينه، لكن اليوم، ليس الذي ارتكب الجريمة وأعدَّ الكمين نظامًا عسكريًّا، ولا احتلالًا حربيًّا فقط، وإنّما أنظمة عربية، ابتكرت كيف تُصنع الأشلاء البشرية من شكائر الطحين.

ولذا بُحت أصواتنا ونحن نقول توّقفوا عن الإسقاط الجويّ، لأنّ تلك خدعة لا تنطلي علينا، لتلميع صوركم بدموع الجياع، وإنّما لأنكم تحاولون ترجمة النص على خلاف المقصود منه، وتلك مهنة قديمة، وضيعة، ذليلة، حقيرة، امتهنها الخونة، شذّاذ الآفاق، في كلّ ملّة، وعرق، وتاريخ.


السبت، 16 مارس 2024

شكرًا معتز.. تغريدةٌ ستحبها إسرائيل!

 

شكرًا معتز.. تغريدةٌ ستحبها إسرائيل!
يوسف الدموكي  
@yousefaldomouky
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما 
في كلية الإعلام بجامعة مرمرة


بينما يعيش المقاومون -أو يموتون بالأحرى- داخل الأنفاق منذ عشرين عامًا، وبينما يرابطون ولا يشمون الهواء منذ ما يزيد على 160 يومًا، منذ اليوم المشهود الذي كان من أيام الله، وبينما يقاتلون فيَقتلون ويُقتلون، ويفقدون أحبابهم وأهليهم وأزواجهم وذرياتهم وديارهم، ويعضّون على الجوع بأنيابهم، وتقرقر بطونهم، وهم حاملين أسلحتهم، يذودون عن الوطن المسجّى، المخضّب بالدماء، المسجون بالاحتلال، المسيّج بالجدران الفاصلة العازلة، المطموس بآثار الأقدام النجسة للغاصب المدلل، يحاولون رفع نيَر الاستبداد عنه، وقول "لا" في خانيونس وجباليا والشجاعية ودير البلح ورفح، في وجه من قالوا "نعَم" في أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة، يطلّ البعضُ من خلف الأقنعة المستوردة، المشتراة قديمًا، المجدَّدَة حديثًا، المدعومة من أجندات في داخل فلسطين وخارجها، لتحميل "المقاومة" نتائج فعلها المقاوم، كأن تلومَ حرةً نبيلةً لم ترضَ بما رضيت به أخريات، في الكثير من الأسرّة المنصوبة، لا تحت الطاولات فقط!

يطلّ علينا الغابرون، العابرون على جثث الضحايا، الشاهدون المجازر والمذابح والمَقاتل، الناقلون للعالم الكثير من الحقائق، المشكورون على الجهود والتوثيق بحد ذاته، لا مشكورون لذواتهم، يخوّنون الماجدين، الثابتين، الصابرين، الصادقين، القابضين على طين الوطن ولو كان جمرًا، اللافظين حلاوةَ "التعايش" ولو كان تمرًا وخمرًا وعُمرًا وزهرًا، الماسكين بما تبقى لهم من طاقة، ما تبقى لهم من عتاد، يدقّون أقدامهم، يغرسونها، في الأرض كالأوتاد، يقولون بملء الفم الجريح: سنبقى هنا أبدًا.

يخرج البعض من غزة ليعالَج بعدما حضر المشاهد العظام كلها، ويخرج البعض مرغمًا خشيةً عليه بعد أداء أعظم الرسالة وفقدان أقرب الأهل ودفعه أبهظ الثمن، ويخرج البعض لينجو من المصير الحتميّ وقد فقد ماله وعياله، ويخرج البعض لهدفٍ آخر، ربما هو أكبر من تستوعبه مخيلة ملايين المتابعين -ولست مخوِّنًا لكني أقرأ الشواهد-، ليطعن من رآهم ثابتين هناك، يحاولون التمسك بالأرض التي باعها الآخرون، وهؤلاء الآخرون تحديدًا، هم من ينتمي إليهم بكل ما في قلبه من تلوث، ويلتقط الصور مع أبيهم، الذي يحافظ في الضفة المحتلة على أمن إسرائيل!

لم يطعن معتز عزايزة رئيسَ السلطة الفلسطينية محمود عباس، ولم يحمله نتائج الاستيطان والاحتلال والتوغل في الضفة وفي أماكن سيطرة السلطة، ولم يحمله نتائج التنسيق الأمني بمطاردة المقاومين في الأراضي الصامدة، ولم يحمّله نتاج عقود من الهوان تحت سلطة أوسلو، ولم يحاسبه على الحقوق التي أتلفها الهوى في أوسلو، ولم يحسب لنا نسبة الأراضي التي ضيعتها حركته المقدسة، أمام تلك التي أبقتها المقاومة حرةً كريمةً طاهرة من دنس الاحتلال واقتحامات الجيش كل ليلة، لكنه في المقابل يلمح إلى الفصائل المقاوِمة في القطاع، بأنها "ما يفرق معها جوع وموت شعبها"، وهي التي جاعت واستماتت دون منٍّ ولا أذى، دفاعًا عن ذلك الشعب المحاصر الذي كان يموت بالجوع فعليًّا ويُقتل من قبل السابع من أكتوبر، وهي تريد أن تنتقم له، وتصفع من يحاصره صفعتها الكبرى، التي هي مجرد تجربة مبدئية لتحرير كبير شامل، تحرير من الاحتلال ومن ذيوله.

معتز عزايزه
لقاء الناشط الفلسطيني معتز عزايزه مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس

يهاجم البعضُ المقاومة بدعوى أنه من غزة أو عاش ما عاشته، رغم أن غزة وأهلها أنفسهم، بغالبية منقطعة النظير، لا يؤيدون المقاومة وحسب، وإنما هم أهل هؤلاء المقاومين، هم آباؤهم وأمهاتهم، وأولئك الشباب أبناؤهم وفلذات أكبادهم، الذين ودّعوهم ليلحقوا بالجبهة، في أياديهم مصاحفهم وفي قلوبهم العهد الذي قطعوه لله، وللأرض، وللوطن، وللأهل، يدافعون بكل خليةٍ فيهم، عن ذلك الحق المقدس، وهم لا يعنيهم مقدار ما سيدفعونه فداءً لتلك القضية، وإن كان يعنيهم ذلك تضحيات ذلك الشعب المكلوم، يبكونه دمًا، لكن لا حيلة للمحتل إلا أن يقاوم!

أن تلوم المقاوم على مقاومته، أن ترضى بالذل و"التعايش"، أن ترضى بالواقع المفروض وتنصهر معه، أن تكف عن الوقوف ثابتًا، راضيًا بالانحناء على القياس الذي يحدده لك المستعمر، أن تتخيل إسرائيل أكبر منك، وحكمها بإذعانك أكبر من حكم الله عليك برفض الهوان، وأن ترضى بالسلطة التي وضعتها، وترضى عنها تل أبيب، ولا تريد لها زوالًا منذ عشرين عامًا، بينما لا تتحمل أن تحكم حماسُ جزءًا ضئيلًا من الوطن ولو ليوم واحد، وأن تقول "نعم، حاضر، شالوم"، هذا تحديدًا هو ما تريده إسرائيل، لا تريد أكثر منه، حتى لو نقلتَ للعالم مجازرها وجرائمها، لا بأس؛ الخيانة تجب ما قبلها!

والذي يقرأ الواقع، لن يغفل أن بيان "حركة فتح" بعد التزامها السكوت المطبق طيلة 6 أشهر من العدوان والإبادة في غزة، مخونةً غزة نفسها، محملةً إياها ذنب دمائها، كأنها جنَت على نفسها حين لم تسلك طريق السلطة الفلسطينية الذليل، جاء بالتزامن مع الحديث عن تقديم شخصيات مخابراتية محسوبة عليها، بالاتفاق والتنسيق مع العدوّ، لحكم غزة في مرحلة ما بعد الحرب، مع تحركات "عربية" لموافقة الهوى العبريّ، بتدعيم ذلك المقترح، وإحلاله بدلًا من مقاومة غزة، ذلك كله لا يأتي منفصلًا عنه إثارة اللغط هذا، عبر تلك التغريدات وما يماثلها، كبالونة اختبار، لما سيُطرح خلال الأيام القادمة، من رام الله، وربما من عواصم عربية أخرى، ربما، ربما.

نهايةً، لا يلوم المقاومة على المقاومة إلا من رضي بالاحتلال حاكمًا، ولا يدّعي البطولة من فصل بين الإنسان الجريح وفطرته في الثأر ممن جرحه، وغزة ليست صك غفران، ولا مبرر دروشة، ولا دلالة طهارة كاملة، ولا خاتم عصمة، لأي أحد، وإنما هي شرفٌ للشرفاء ولو لم يطؤوها يومًا، وحجة على الخائنين، ولو عايشوا فيها عشرين حربًا، والله المستعان على ما يصفون، لا أدنى من ذلك، ولا أكثر.