الأحد، 3 نوفمبر 2024

مسار سفينة... مصير وطن

 مسار سفينة... مصير وطن 

وائل قنديل



ليست القضية سفينة محمّلة بالمتفجرات ظلت تعربد في البحر، يرفضها هذا ويطردها ذاك، حتى استقرّت في ميناء الإسكندرية لتلقي بما في جوفها إلى سفينة أصغر تنقل أدوات القتل إلى عدو ينهش في لحمنا الحيّ في فلسطين. 

القضية هي هذا التخبّط في مصير وطن يتأرجح حائراً بين الشقيق والعدو، حتى يستقر على حالة وسيطة بين متناقضين، فلا يحتفظ من ملامح الشقيق بشيء، ولا يحافظ على مقتضى وظيفة الوسيط، ثم يصيح بغضبٍ في وجه من يذكّرونه بتاريخه ويضعونه امام حقيقته.

مهينٌ للغاية أن يصل الحال بجيش مصر أن ينفي عن نفسه اتهام التعاون العسكري مع الكيان الصهيوني، ذلك أن أحداً لم يتطرق لهذا الأمر، بل كان السؤال محدّدًا وواضحاً: هل مرت سفينة الموت من هنا أم لا؟ لم يسأل أحد عن التعاون العسكري مع الكيان الغاصب ضد الشعب الفلسطيني حتى تردّ المؤسسة العسكرية بالنفي، إذ لم يكن هذا متوقعاً في أسوأ كوابيسنا، أن ننحدر إلى مرحلة أن نعتبر أنفسنا طيبين وخيرين ووطنيين، لأننا لا نتعاون مع العدو ضد فلسطين.

هذا انحرافٌ مخيفٌ في الخط البياني لمفاهيم مستقرّة، أو هكذا ظننا، عن الشرف الوطني والانتماء القومي والانتساب لهوية حضارية عربية، وكأن الأمة استبدلت جلدها وغيّرت دمها وتركت وجهها لمجموعة من خبراء التجميل الأشرار، فسرقوا وجهها الحقيقي، وزرعوا مكانه وجهاً آخر غريباً ومرعباً. 
قبل خمسين عامًا في الزمن الناصري فقط كان معيار الشرف الوطني وضع تحرير فلسطين والاستعداد لمحاربة العدو من أجل هذه الغاية، وكان المشروع القومي كله في تجلياته التنموية والاقتصادية والثقافية يتمحور حول هذه القضية، فتجد انعكاساتها في مناهج التعليم وفي مضامين الإبداع الفني والأدبي، وفي مرتكزات العمل بالقلاع الصناعية، تلك كانت المعركة المحدّدة لمسير الوطن ومصيره. 
حتى في زمن أنور السادات، لم يكن سلامه الاستسلامي يعني الاستقالة النهائية من دور الشقيقة الكبرى الملتزمة بقضية فلسطين على هذا النحو الفادح الذي بدأ مع زمن حسني مبارك، وبلغ ذروته منذ 12 عاماً مضت، بات فيها الممسك بسلطة الحكم لا يتورّع عن المجاهرة بالتعاون مع إسرائيل، ففي يناير/ كانون ثاني 2019 قال عبد الفتاح السيسي في حوار لقناة CBS الأميركية إن التعاون بين القاهرة واسرائيل في أعلى مستوياته، وذلك حين طرح عليه المذيع هذا الأمر فردّ "هذا صحيح… لدينا تعاون واسع النطاق مع الإسرائيليين”.

قبل ذلك بثلاث سنوات، وفي ديسمبر/ كانون أول 2016، أعلن مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، إن مصر منحت إسرائيل تفويضاً مطلقاً لنشر طائرات بدون طيار فوق شبه جزيرة سيناء لاستهداف مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية الموجودين فيها. 
وأضاف في مقابلة نشرها موقع المعهد تحت عنوان "الحفاظ على العلاقات خلف الأبواب الموصدة" إن السلام بين مصر وإسرائيل وصف ب"البارد" عقوداً طويلة، ولكن هذه الدينامية قد تغيّرت منذ الانقلاب الذي أطاح الرئيس محمد مرسي. ونقل شينكر عن نائب رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، اللواء يائير جولان، إن التعاون الاستخباراتي بين مصر وإسرائيل في عام 2016 "غير مسبوق".

ولاحقاً، في أبريل/ نيسان 2017 عاد شينكر، في مقال في مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، ليكرّر الإعلان إن مصر تعتمد بشكل متزايد في أمنها على القوات الجوية الإسرائيلية، التي لديها الآن تصريحا على بياض لاستهداف الإرهابيين عن طريق الطائرات العادية والطائرات بلا طيارين التي تعمل في المجال الجوي المصري. 
مرّة أخرى، ليست المصيبة في عبور فرقاطة حربية تابعة للعدو نفسه تمرح في قناة السويس، رافعة علم الأعداء معانقًا علم مصر، فالمصيبة الأعظم محاولة تبريد هذا الأمر الشائن في هذا التوقيت الذي تهدّد فيه إسرائيل الأمن القومي لمصر، وتحتل محور صلاح الدين، وأن تنطلق أصوات النعيق الإلكتروني تتهم المعترضين على هذا الخلل بأنهم الخونة والعملاء الحاقدون على مصر، وأن تُستعاد لوثة الهجوم على قطر وتركيا في سياق الدفاع عن الموقف المصري المتخاذل، واعتباره منتهى الحكمة والوطنية، ما دام سيعود على الوطن بمكاسب مالية. 
المروّع حقًا أن يتصوّر هؤلاء أن العالم كله يتحالف في مؤامرة ضد مصر، لتعطيل مشروعها القومي، وهذا هو العمى الحضاري مكتملاً، إذ يقوم المشروع القومي على سواعد المواطنين، وليس فوق عظامهم، ويسعى إلى جعلهم أكثر حريةً وكرامةً، لا أكثر شعوراً بالعار، وبالتالي، لا يمكن إطلاق على ما يجري تمويله والإنفاق عليه من مانحين أقوياء، يدفعون المال لشراء التبعية السياسية والاقتصادية، مشروعاً قوميّاً للنهوض، بل هو الضياع في أوضح صوره.

هكذا تكون الحروب الحرب على العراق والشام نموذجًا

 

هكذا تكون الحروب

الحرب على العراق والشام نموذجًا



عبد المنعم إسماعيل
كاتب وباحث في الشئون الإسلامية



الحروب الصهيوصفوية على الأمة العربية والإسلامية عامة وعلى العراق والشام بصفة خاصة حروب لها طبيعة خاصة في حجم التدمير والإفساد والتغيير الديموغرافي للبلد المستهدف والعراق والشام خلال العقود الأربعة الماضية خير نموذج للحروب الحقيقية التي تم لأجلها:

توظيف النظام العالمي الأسير عند الصهيونية العالمية ليصبح أداة ووعاء لتحرك آليات الفساد والإفساد والتدمير بعد سن القرارات الجاهلية الظالمة لخدمة المشاريع التوسعية للدولة الصهيونية اسرائيل أو الدولة الصفوية الخمينية

التي تقوم بمهمة تفكيك البنية العقدية للأمة العربية والإسلامية تحت مزاعم ولاية الفقيه والحقيقة هي ولاية الطاغوت الهندوسي في أصل جنسه واليهودي في أصل فكره والصليبي في أصل دعمه والخميني في لقبه والشيعي السبئي في منهجه المعادي للفطرة والدين والعقل والواقع والمستقبل ومن ثم كانت قرارات غزو العراق وضرب الشام بمزاعم خدمية عند بني صفوي وبني خميني المجرمين.

توظيف الدول والامارات الوظيفية التي ما كان لها وجود الا لخدمة الصهيونية العالمية والكيان الرافضي المحتل لإيران والأحواز والعراق والشام واليمن ولبنان وغيرها من الدول الأسيرة في فلك حلف شمال الأطلسي

أو الكتلة الشرقية المعادية لقضية التوحيد والالوهية لله رب العالمين المتمثلة في الصين والهند ووثنية الكيان الشيوعي في روسيا الاتحادية ذات الجذور الصليبية والشكل المنقلب على الفطرة والدين الإسلامي بشكل خاص.

البدء في الحروب الجاهلية ذات التدمير الشامل للبنية التحتية للعراق والشام وتدمير الجيوش العربية في العراق

وتوظيف الجيش النصيري في الشام للتعاون مع الخمينية لحرب العراق ثم تدمير المدن السنية في العراق والشام تحت مزاعم الحرب على عراق صدام حسين رحمه الله

وتدمير بغداد والانبار والموصل وكافة القلاع السنية في الشام والعراق بتهجير أهل السنة والجماعة من ديارهم

وتوطين غربان الخمينية المتصهينة مكان الشعب العراقي والسوري خدمة للدولة الصهيونية والخمينية.

استخدام اقوى الأسلحة النارية المدمرة في حرب المدن والقرى والمؤسسات الحكومية والجامعية

لتحقيق الفشل العام للدولة العراقية وتفكيك الدولة السورية

حتى أصبحت حظيرة خلفية للدولة الإيرانية وحارس امين للدولة الصهيونية في تل ابيب المحتلة للأرض المقدسة فلسطين.

قتل العلماء وتدمير الجامعات وإفساد المجامع العلمية بعد تمكين أهل الجهل منها.

الصهيوخمينية والحروب الوظيفية:

الحروب الوظيفية بين الكيان الصهيوني والخميني تظهر في واقعها بخلاف الحروب الحقيقية ذات التدمير الشامل

الذي تم في العرق والشام كانت الحروب الكلامية بين الصهيونية والكلاب الخمينية الضالة الأسيرة في حظيرة النظام العالمي المحتل سياسيا لغالبية الدول القابعة في منظمة الأمم المتحدة

والتي ظاهرها مؤسسة دولية وفي حقيقتها كيان خدمي عند يهود العالم وصهاينة الكنيسة الغربية

سواء الكاثوليكية أو البروتستانتية الإنجيلية المتعصبة لفكرة الحروب الدينية لخدمة المسيح

كما قال بوش الأب حال الحرب على العراق عام 1990و بوش الابن عام 2001و2003.

ظهرت الحروب الوظيفية بين الكيان الإسرائيلي والايراني لإتمام مسرحية الدعم الإيراني لحركة حماس السنية

والتي كانت عبارة عن فخ استدراج حماس لحرب شاملة مع صهاينة تل أبيب

ثم تتركها إيران تواجه المصير بعد نجاح إيران تسويق حماس المجاهدة الفلسطينية

وكأنها منظمة وظيفية عند إيران تعمل متنازعة مع النظام العربي الشامل خاصة في مصر ودول الخليج العربي.

جاءت الحروب بين إيران وتل أبيب بمثابة حروب تنظيمية معلومة مناطق الضرب ومنهجية الرد بين الجانبين

وللأسف الشديد لازالت عقول نخب الحركة الإسلامية ضحية التقارب مع الشيعة نتيجة لحسن ظنهم المخطئ من جانب

ولجهلهم طبيعة العقلية والنفسية والاجتماعية والثقافية السبئية الخمينية من جانب آخر

ومن ثم مدحوا إيران لظاهر موقفها الخبيث في أصله والوظيفي في حقيقته لخدمة يهود تل أبيب وشياطين يهود أصفهان.

خلاصة الخلاصة:
إيران الخمينية كيان خبيث نجح في نصب الفخاخ للجماعات الإسلامية التي احسنت الظن بها ثم تركتهم في مواجهة الأعداء

وهذا منهج الغدر السبئي الذي صنعه الرافضة مع سيدنا الحسين بن على حين زعموا النصرة له والحقيقة كانت سيوفهم عليه والسنتهم معه فهل من معتبر

الدولة المستحيلة والأسئلة المنطقية!

 


بقلم: أ.د. حاكم المطيري


هل الدولة الإسلامية مستحيلة أو ممكنة؟ سؤال مضلل؛ لأنه يقوم على فرضية عدم حدوثها مع أنها قامت ودامت ١٣٠٠ عام!

وقد تقرر عند علماء المنطق بأن حدوث الشيء ولو مرة واحدة دليل على إمكانه وعدم استحالته فيخرج بالحدوث من دائرة المستحيل إلى دائرة الممكن يقينا ..



أطول النظم السياسية عمرا في التاريخ السياسي!

من يقف وراء قيام الأنظمة العربية وسقوطها والاعتراف بشرعيتها؟!
الأسس التي يقوم عليها النظام الإسلامي

أطول النظم السياسية عمرا في التاريخ السياسي!

ثم إن النظم السياسية الوضعية بكل نظرياتها وأنماطها التي عرفها العالم أقامت دولا بعد أن لم تكن كالشيوعية التي لم يسبق لها أن أقامت دولة وكانت فكرة خيالية حين طرحها ماركس حتى غدت واقعا بعد الثورة البلشفية في روسيا ١٩١٧ ثم أقامت أنظمة شيوعية في الصين ونصف العالم بالثورة والقوة!

وقامت النازية في ألمانيا والفاشيستية في إيطاليا وقامت دولة ولاية الفقيه في إيران ولم يسبق لها نظير في تاريخ الإسلام!

بينما الدولة في الإسلام ابتداء من دولة النبوية ثم الخلافة الراشدة ثم الخلافة العامة قامت ودامت ١٣٠٠ عام وهي أطول النظم السياسية عمرا في التاريخ السياسي!

من يقف وراء قيام الأنظمة العربية وسقوطها والاعتراف بشرعيتها؟!

وهنا يأتي السؤال ما الذي أدى لسقوط الخلافة؟ وهل كان سقوطها داخليا برفض الأمة لها وتخليها عنها أم بعوامل خارجية؟ ومن الذي يمنع من عودتها منذ سقوطها؟

ومن يمنع من قيام دولة ديمقراطية مستقلة في العالم العربي فضلا عن دولة وخلافة إسلامية؟

ما الذي يجعل الديمقراطية ممكنة في كل دول العالم إلا في العالم العربي غدت مستحيلة؟

وهنا يخرج النقاش والبحث عن مجاله الفكري النخبوي الواهم والحالم إلى المجال السياسي الواقعي لتحديد من يقيم الدول في عالمنا العربي؟ ومن يقف وراء قيام أنظمتها وسقوطها والاعتراف بشرعيتها؟!

إنه الغرب الاستعماري والحملة الصليبية التي تحتل المنطقة العربية والإسلامية منذ سقوط الخلافة حتى اليوم وما تزال الأمة وشعوبها في معركة تحرر من نفوذ هذه القوى الاستعمارية الغربية وهو ما تجلى في أوضح صوره في الغزو الروسي لسوريا والغزو الأمريكي للعراق وهذه الحملة نفسها هي التي كانت وراء الانقلاب على ثورات شعوب الربيع العربي ٢٠١١ فأزمة الأمة هي أزمة فقدان للسيادة وعجز عن التحرر من الاحتلال الخارجي العسكري وليس فقط أزمة حرية في ظل أنظمة مستبدة!

وهذا هو السبب الحقيقي الواقعي الذي يجعل من قيام دولة ديمقراطية فضلا عن الخلافة الإسلامية أمرا مستحيلا تحت ظل نفوذ الاحتلال الغربي وضربا من الخيال!

ثم ما الذي لا يمكن تطبيقه من أصول النظام السياسي الإسلامي الراشدي حتى يقال أنه مستحيل إقامته؟

الأسس التي يقوم عليها النظام الإسلامي

فالنظام الإسلامي يقوم على أساس :

١- حق الأمة وشعوبها في اختيار السلطة بالشورى والرضا سواء بالانتخاب المباشر أو غير المباشر بحيث تعبر السلطة عن الأمة وسيادتها وهويتها وخصوصيتها.

٢- رقابة الأمة على السلطة عبر القضاء ومجالس الشورى كما فعل عمر بن الخطاب الذي كان له مجلس شورى.

٣- مرجعية الإسلام الدستورية والتشريعية للدولة .

٤- حق الأمة في الوحدة التي كانت عليها حتى سقطت تحت الاحتلال الغربي الذي قام بتقاسم أقاليمها وإذا كان الاتحاد الأوربي قد حقق لشعوبه الوحدة والبرلمان الأوربي والدستور الأوربي والمحكمة الأوربية والعملة النقدية فالعالم الإسلامي أقدر على تحقيق ذلك..

٥- حق الأمة في السيادة والدفاع عن وجودها ودينها وهويتها .

الطريق إلى إقامة الخلافة الراشدة

إن الواقع الدولي والقطري الحالي لن يدوم فلم ينته التاريخ بعد! وقد يتغير كل شيء خلال فترة قصيرة فلا يكون هناك أمم متحدة ولا مجلس أمن لمن يعرف حركة التاريخ!

وتصور أن العالم الإسلامي لن يتحرر ولن يتغير ولن يتحد مرة أخرى تصور سطحي واهم!

إن التحدي اليوم أمام الأمة وشعوبها هو كيف تبلور نظامها السياسي العقائدي الذي يعبر عن هويتها وخصوصيتها ويعبر عن الخطاب الإسلامي الراشدي كما في الحديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ؟

فلن تقيم الأمة خلافة راشدة ما لم تقم قبلها أنظمة راشدة تمهد لهذه المهمة التاريخية التي تمضي إليها الأمة كما بشر بذلك النبي ﷺ (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).

كما أقام النبي ﷺ دولته النبوية في المدينة كنموذج للدولة في الإسلام حتى دخلت كل جزيرة العرب تحت سلطانها لتمهد لقيام الخلافة الراشدة التي امتد سلطانها على ثلاث قارات منذ عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان إلى آخر خليفة من آل عثمان!

فالمهمة التاريخية التي تنتظر الفرصة الآن كيف تستطيع الأمة تحرير بلد مركزي من بلدانها تقوم فيه الدولة الراشدة التي تستلهم قيم الخلافة الراشدة وتحولها إلى مشروع سياسي ملهم لشعوب الأمة كلها ..

المصدر

موقع الدكتور حاكم المطيري 

١٤/ ٣/ ١٤٤٥هـ  ٢٩/ ٩/ ٢٠٢٣م

الجنون الإجرامي بين بلادة الحسّ ودور العلماء!

 الجنون الإجرامي بين بلادة الحسّ ودور العلماء!

وليد الهودلي


سيطر الجنون الإجرامي على المشهد في غزّة ولبنان بشكل كامل، هناك فظائع تحدث لم يكن يتخيّلها أحد.. أن تقصف المشافي بهذه الوحشية وأن تعطّل وتخرج عن الخدمة، خيام النازحين تضرب بصواريخ الالفي رطل، مدارس تؤوي نازحين ترتكب فيها المجازر المرّة تلو الأخرى، وعدّد بعد ذلك المساجد، والكنائس، والجامعات، والأسواق، والمخابز، وسيارات الإسعاف، وطواقم الإنقاذ، والصحافيين، وموظفي الإغاثة.. لم تعد هناك حرمة لشيء إلا وضربت بأبشع الطرق وكان الضحايا آلاف الأطفال والنساء والمسنّين..

والسؤال: كيف استدرجت هذه العصابة المجنونة بنفسيّتها العنصرية المتطرفة العقل البشري ليصبح ما تفعله مألوفا ومعقولا وممكنا؟ حتى وزيرة الخارجية الألمانية برّرت قتل المدنيّين، واللسان الأمريكي دائما يدعو للتخفيف وفعل ذلك بجرعات أقلّ دموية لذرّ الرماد في العيون.

كيف استدرجت هذه العصابة المجنونة بنفسيّتها العنصرية المتطرفة العقل البشري ليصبح ما تفعله مألوفا ومعقولا وممكنا؟ حتى وزيرة الخارجية الألمانية برّرت قتل المدنيّين، واللسان الأمريكي دائما يدعو للتخفيف وفعل ذلك بجرعات أقلّ دموية لذرّ الرماد في العيون


كيف استدرجت هذه العصابة الشعوب العربيّة لتصل إلى تلقّي هذه الصور الفظيعة بدم بارد وإدمان ومشاعر فاترة لا تصل لإحداث أيّ سلوك أو فعل يرتقي لمستوى هذا المشهد المريع، إلا بعض الاستثناءات؟

آلاف العائلات شُطبت من السجل المدني، قصص قتل الأطفال ملأت الفضاء ودهمت قلوبنا بكلّ قسوة وألم، كنّا نصدم كلّ عدة سنوات بمجزرة ترتكبها هذه العصابة المجنونة فتفجّر ذاكرتنا على كلّ المجازر السابقة، كيف بنا اليوم عشرات المجازر تصدمنا صورها كلّ يوم؟

لم يتوقّف الجنون على ذاك المجرم، وإنما وصل هذا العالم الداعم للجريمة أو الصامت عليها والمدمن على برود المشاعر وضعف الحيلة وبلادة الحسّ الإنساني الطبيعي، وكأنّ العالم كله قد شرب من نهر الجنون في القصّة المعروفة.

والسؤال كيف يعاَلج المجانين؟ وإذ لا يمكن أن يعالج من يرتكب الجريمة ولا من يدعمه ويصطف معه، فماذا بنا نحن العرب حيث أصبحنا مدمنين على بلادة الحسّ؛ نحن المسلمين الذين تربطهم مع الضحيّة روابط كثيرة وعميقة معروفة؟

لقد لفّنا جنونهم تحت جناحيه، والمطلوب انتفاضة أو هزّة عنيفة تزلزلنا وتخرجنا من هذه البلادة التي أصابتنا بعنف. لم يعد هناك وقت للمجاملة والمهادنة وتزييف الواقع، لا بدّ من تشخيص الحالة بموضوعية ومنطق سديد ثم تحريك إرادة الخروج من هذه البلادة.. أن نستشعر تماما ما بتنا فيه ونفكّر مليّا بإرادة الحريّة والتحرّر من هذه البلادة.

لقد لفّنا جنونهم تحت جناحيه، والمطلوب انتفاضة أو هزّة عنيفة تزلزلنا وتخرجنا من هذه البلادة التي أصابتنا بعنف. لم يعد هناك وقت للمجاملة والمهادنة وتزييف الواقع، لا بدّ من تشخيص الحالة بموضوعية ومنطق سديد ثم تحريك إرادة الخروج من هذه البلادة.. أن نستشعر تماما ما بتنا فيه ونفكّر مليّا بإرادة الحريّة والتحرّر من هذه البلادة


وهنا لنا أن نقف تاريخيّا مع حالة مشابهة يوم توحّش التتار في الأمّة قتلا وذبحا، ووصل بهم المطاف مشارف مصر كنانة الله في أرضه، لقد سجّل التاريخ في حينها موقفا للعالم الربّاني العز بن عبد السلام؛ موقفا أعاد فيه للامّة بوصلتها، انتفض وهدّد بثورة وصدع بالذي يجب أن يُصدع به في وجه المتقاعسين من أمراء ومماليك. بقية القصة تعرفونها، حيث وقف المماليك بقيادة قطز والظاهر بيبرس الوقفة المطلوبة وحقّقوا الانتصار الساحق على تلك الجحافل المتوحّشة.

نحتاج هذه الأيام كإجراء عاجل إلى عز بن عبد السلام جديد في كل قطر وفي كل مدينة وقرية وفي كلّ مسجد. نعرف المتغيرات وأنّ التاريخ لا يعيد نفسه وأنّ مماليك اليوم يختلفون عن مماليك الأمس، وأن العمل على شعوبنا ودولنا كان منهجيّا ومؤسساتيّا وقد سيطروا على الاقتصاد والسياسة والأمن والإعلام.. ومع هذا كلّه هل نبقى صامتين دون حراك، جمهورا لطيفا بليدا لمشاهد المجزرة؟ لا بدّ للعلماء أن يقوموا بدورهم وأن يعملوا ما بوسعهم لنهضة شعوبهم ضمن خطة طويلة الأمد. أمّا ما هو سريع وعاجل فهو قيادة جماهير شعوبهم للتظاهر أمام السفارات المشاركة في العدوان وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا، وليكن الشعار: "من أيديهم ملطّخة بدمائنا فليرحلوا عن بلادنا".

عندما تصرخ الشعوب في وجه الظَلَمة لا بدّ من أن تكون بداية الحريّة والتحرّر ولعب دور هام في القضية المركزية للامة قضية فلسطين، ولا بدّ وأن نُفهِم هذا الجبروت العالمي الطاغي والمتماهي مع المجازر أننا لسنا قطيعا وأن مصالحهم في بلادنا في خطر.

قلق الكمال المعرفي.. الغزالي معترفاً

 قلق الكمال المعرفي.. الغزالي معترفاً 

الدكتور محمد العوضي

داعية ومفكر إسلامي



“الدوار الميتافيزيقي” عبارة صكها المفكر وحاكم البوسنة الأسبق، المناضل علي عزت بيجوفيتش، في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” لبيان تفرد الإنسان عن بقية الأحياء، من حيث إنه الكائن الوحيد الذي شغلته الأسئلة الوجودية الكبرى حول أصل الحياة، والغاية منها، وعلة الوجود، وإلى أين المسير؟ وماذا عن المصير؟ وما هي الذات؟. 
وهذه التساؤلات لم تميز الإنسان عن بقية الأحياء المشاركة له في الجنس والوجود بالدرجة فحسب، وإنما بالماهية أيضا.

وإذا كان عامة الناس يتعاطون مع هذه  التساؤلات بعفوية فطرية، فإن الفلاسفة والمفكرين يُجهِدون عقولهم معها طويلا، لكني أختار أنموذجا للعقل النخبوي الذي تجاوز “الدوار الميتافيزيقي” إلى ما أسميته بـ “قلق الكمال المعرفي” وتلك سمة إضافية على تفرد الإنسان بمعرفة أسئلة البدايات، لكونها من أهم صفات الباحث الجاد والحساس، الذي يحترم القضايا العلمية ويستنفر عقله وأدواته المعرفية لتحريرها والتحقق من نتائجها، ويحترم جمهور المتلقين المستهدفين من موضوعات دراساته، سواء كانوا نخبا أو أقرانا أو مخالفين أو حتى خصوما. وقبل ذلك هو قلق يشير إلى احترام الباحث لذاته وتقديره لها، وربما يتجاوز جانب الاحترام والتقدير للنفس إلى دخوله في تحدٍّ معها.

ولا يمكن لأي مطلع على تراث الإمام أبي حامد الغزالي، إلا ويلحظ أن رحلته العلمية خير مثال على حالة “قلق الكمال المعرفي”، التي لازمت مسيرته الفكرية وتحولاتها، فأنتجت مصنفات فريدة في حقول معرفية متنوعة، ومناهج بحث مبتكرة لم يقتصر أثرها في الحضارة الإسلامية التي ينتمي إليها، وإنما سرى تأثير نظرياته العقلية وتحليلاته النفسية وطرائقه التربوية وتجاربه الشخصية إلى الحضارات الإنسانية، ابتداء من القرن الخامس الهجري الذي نشأ فيه إلى عصرنا هذا.
ولعل كتاب “المنقذ من الضلال”  للإمام الغزالي شهادة مهمة  لبيان هاجس “القلق المعرفي”، المفقود في زماننا الذي تنامت فيه معدلات ثقافة الاستسهال والعجلة لدى جمهور عريض ممن وسموا أنفسهم بالباحثين أو المفكرين، بعدما أتاحت وسائل التواصل الحديثة المجال للجميع لإبداء الرأي مكتوبا ومنطوقا، فازدادت جرأتهم في إصدار الأحكام القطعية، أثناء تطرقهم إلى قضايا فكرية قديمة أو مستجدة شائكة ومعقدة وعميقة، تحتاج جهدا عقليا مضنيا وأزمنة مديدة، ليخلص منها الباحث المختص أو المهتم إلى نتائج يطمئن إليها العقل، بينما القوم يمرون على مصادرها العلمية “خطفاً كحسو الطائر” – حسب تعبير الناقد الكبير محمود شاكر في كتابه “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا”- من دون أن يمتلكوا أدوات البحث الكافية لسبر أغوارها، ولا الوقت اللازم لهضم مفاهيمها وإشكالاتها.
المقصود من دراسة وعرض هذا النوع من القلق عند الإمام الغزالي في هذه المقالة، تقديم نقد ضمني لتلك الكتابات العجلى والأحكام السريعة لموضوعات وازنة، وتوجيه دعوة لرفع مستوى الهمة من أجل حماية الحقائق من العبث وتوقير العلم والمعلوم والعلماء، وتنبيه الباحثين من الإزراء على أنفسهم بهذه المغامرات الثقافية من حيث يريدون الارتقاء بها.
ولعل وصفي للكتابات الهزيلة الفاقدة للشروط المعتبرة بالاستسهال والعجلة يُعد نقدا فيه تلطف بالعبارة، وهو ذات الداء الذي أفرد له الأستاذ المحقق حمد الجاسر، في ثمانينيات القرن الماضي، سلسلة مقالات صريحة في “مجلة العرب” تحت عنوان “الدكاترة والعبث بالتراث” مسلطا الضوء على جوانب من التقصير المخل، في زمن لم يصل فيه الاستهتار بالمعرفة عشر معشار ما وصل إليه اليوم!.

معلوم أن الاعترافات الحرة لأصحاب التجارب الفكرية هي أكثر دقة وأشد وضوحا من استنتاجاتنا الظنية لمحتوى نصوصهم المجردة في مصنفاتهم

لماذا المنقذ من الضلال؟!
وتأتي أهمية اختيار كتاب “المنقذ من الضلال” للتدليل على موضوع البحث، من كونه سيرة علمية ذاتية دوَّنها الغزالي في أواخر أيامه، وسرد فيها ملامح قلقه المعرفي بحثا عن الحقيقة، ممتحنا لأجلها وسائل المعرفة المؤدية إليها من تقليد ومحسوس ومعقول، ثم أخضع أفكار المذاهب ومناهجها والمدارس الكبرى التي كانت سائدة في حقبته التاريخية (علم الكلام، الفلسفة، الباطنية، التصوف) إلى النقد والتمحيص.
ومعلوم أن الاعترافات الحرة لأصحاب التجارب الفكرية هي أكثر دقة وأشد وضوحا من استنتاجاتنا الظنية لمحتوى نصوصهم المجردة في مصنفاتهم، ولعل من قرأ المنقذ للغزالي يشعر بنفثاته المفعمة بحرارة في رواية تجربته، وصدق مكاشفته مع ذاته، وإخلاصه في إفادة الشريحة المستهدفة.
وقد كشف لنا الغزالي جانبا مهما من شخصيته الثقافية، وهو شغفه العلمي بمعرفة حقائق المفاهيم والمذاهب منذ شبابه، “وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي”؛ والشغف المبكر من مؤشرات طلب الكمال المعرفي.

 قال الغزالي: (فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمي في عماية)

خمسة نصوص جلية
يمكن أن نشخص حالة قلق الغزالي في مجاهداته للقبض على الحقيقة المنشودة من خلال التوقف مع خمسة نصوص.
1ـ النص الأول: 
قال الغزالي: “وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته”.
هذا النص بمثابة قاعدة البحث العامة في منهجه، وقد أورده في معرض مناقشته للفلسفة، وأتبعه بإلقاء اللائمة على علماء عصره المشتغلين بالمعقولات متهما إياهم بالتقصير البين في هضمها، كما تبدى في ردودهم الهزيلة التي شنعهم عليها.
2- النص الثاني: 
قال الغزالي: “فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمي في عماية”
هذا النص الجميل أتى متمما، وفي ذات الفصل والسياق، وكأنه نتيجة للنص الأول. لذا نجده قبل أن يفرد للرد عليهم في كتابه الخالد “تهافت الفلاسفة”، طبق القاعدة على نفسه؛ فمهد له بكتاب مستقل عنونه بـ “مقاصد الفلاسفة”، ليوحي للجميع بأهليته لمجادلتهم، وأن “رميه” لم يكن في “عماية” .
3ـ النص الثالث: 
قال الغزالي: “حتى كان إفحام هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء لكثرة خوضي في علومهم وطرقهم، أعني طرق الصوفية والفلاسفة والتعليمية والمتوسمين من العلماء”.
وقد ورد هذا النص في الفصل الأخير من كتاب “المنقذ من الضلال”، لكونه ثمرة لتأكيداته المتكررة في أهمية درس فكر المخالفين والخصوم منذ صفحات الكتاب الأولى، وهي رسالة للمتلقين برسوخه العلمي لتعزيز ثقتهم في أحكامه.
4ـ النص الرابع: 
قال الغزالي: “وحَكىٰ أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم، بأنهم لم يفهموا بعد حجتهم. ثم ذكر تلك الحجة وحكاها عنهم”.
هذا الخبر ذكره الإمام الغزالي في فصل الباطنية أو (التعليمية) كما يسميهم. لكن السؤال: من هذا الذي حكى للغزالي سخرية الباطنيين وضحكهم من سوء فهم خصومهم الناقدين لمذهبهم؟. بيَّن أنه أحد أصدقائه من الباطنيين التائبين والمترددين عليه!.
فأنت تجد أن الإمام لم يكتفِ بقراءته المكثفة لكتب ومصنفات من رد عليهم، وإنما يستعين بالمعلومات الحية والجديدة والتفصيلية عنهم من مصدرٍ عاش الفكرة وتمثَّلها، أي عن دراية لا رواية، ليزداد بهم بصيرة كي يذب عن نفسه نقيصة التقصير المعرفي لدى معجبيه، ومن جهة أخرى كي لا يلصق به خصومه تهمة السذاجة وقلة الفهم، فقال: “فلم أرضَ لنفسي أن يُظن بي الغفلة عن أصل حجتهم، فلذلك أوردتها، ولا أن يُظن بي أني -وإن سمعتها- لم أفهمها، فلذلك قررتها”.
نص واضح يكشف لنا حذر الغزالي وقلقه من ترصد خصومه لتقريراته مع درجة عالية من المسؤولية واحترام الذات. وفعلا، من يقرأ كتابه “فضائح الباطنية” يلاحظ صدق ما قرره الغزالي في “المنقذ”، فقد شرح في مقدمة كتابه الفضائح جوانب القصور في كتابات من سبقه في نقدهم، وكعادته في الابتكار والتجديد ذكر منهجيته المختلفة في  نقضه لمذهبهم.
وقد لفت نظري نباهة كاتب نص المسلسل التاريخي التركي “نهضة السلاجقة”، حيث ظهر فيه الغزالي وهو جالس على بركة ماء في المدرسة النظامية -نسبة للوزير السلجوقي نظام الملك- متصفحا كتب العلماء الذين ردوا على الباطنية، وهو ينظر لها بعدم الرضا ويقطع أوراقها قبل أن يرميها في البركة، لقناعته أنها ضعيفة لا تفي بالمطلوب!.
ويختم الغزالي بذكر هدفه من هذه الجهود المضنية المشوبة بقلق كبير في مراجعاته النقدية لعقائد الباطنيين الزائغين، فيقول: “والمقصود، أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ثم أظهرت فسادها بغاية البرهان”.
5- النص الخامس: قال الغزالي: “والمقصود من الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب، حتى ينتهي إلى طلب ما لا يُطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة، والحاضر إذا طلب فُقِدَ واختفى؛ ومن طلب ما لا يُطلب، فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب”.
ختمت بهذا النص رغم وروده في أول فصول الكتاب، لأنه الاعتراف المباشر للغزالي الذي يلخص ويجمع ما سبق من نصوص في موضوع مقالنا “قلق الكمال المعرفي” فهو يضع القارىء في الصورة لما كابده من النظر العقلي والهم النفسي لدرجة أنه “طلب ما لا يطلب ” كما قال، ومقصوده أنه بعد محاكمته للمحسوسات والعقليات امتحن “الأوليات” التي لا تحتاج إلى بحث، لأنها معلومة بالضرورة ومركوزة في نفوس سائر الخلق بالفطرة، كاستحالة اجتماع النقيضين وأن الثلاثة أقل من العشرة. لذا فإنه دبج عبارة أشبه ما تكون بشهادة براءة ذمة عقلية عن التقصير في البحث فقال: “فمن طلب ما لا يطلب، فلا يُتهم بالتقصير في طلب ما يُطلب”.
ولعل هذا التكوين العقلي النفسي مع الذكاء المتوقد والتصالح مع الذات والهمة العالية ودرجة القلق العالية، ذلك كله جعل من الإمام الغزالي بحق “أعجوبة الزمان”، كما وصفه المؤرخ الذهبي في “سير أعلام النبلاء”.
وقد غلب على ظني أن عباس محمود العقاد، بثقافته الموسوعية وعقله النقدي ومسيرته الفكرية الثرية، وفي زمن سيادة الاتجاهات التنويرية والحداثية عند مفكري جيله، كان سيتأثر بمعاصريه من النقاد والأدباء والمفكرين، وسيجنح إلى اختيار ابن رشد مثالا من حضارته العربية الإسلامية ليفاخر به حضارات العالم، كما تحيز أقرانه لذلك، وإذا بي أراه يقرر في كتابه “التفكير فريضة إسلامية” وفي ذكرياته “أنا” قناعة غاية في الانصاف، يصدم بها -كعادته- التيار الفكري الغالب، حيث قال: “الغزالي الفيلسوف الذي يصارع الفلاسفة، والفقيه الذي يؤدب الفقهاء، والمتصوف الذي يكشف عن عالم الخفاء، كما يكشف عن عالم الشهادة”؛ ومن كانت هذه قناعته فلا يُستغرب منه، وهو المعروف بصراحته في الإعلان عن رأيه الحاسم، قوله: “ليس في المشرق والمغرب من هو أرجح فكرا وأصفى عقلا وأقوى دماغا من هذا الإمام الجليل”.

خاض جمع من الباحثين في تحليل وتشخيص ما أصاب الغزالي، وهو بحث جدير بالاهتمام، حتى ألفيت الكاتب القدير عمر فروخ في كتابه “تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون” قد جزم بنوع المرض الذي أصاب الغزالي

الغزالي من القلق إلى المرض!
بقيت مسألة ضرورية ملازمة ومتممة لحالة قلق الكمال المعرفي عند الغزالي، ألا وهي ما أصابه من مرض جراء إعماله المركَّز للشك النقدي، لاسيما بعدما اشتغل في محاكمة “الأوليات” العقلية التي يستدل بها لا عليها، ما أحدث في نفسه أزمة لم يستنكف من تدوينها وعرضها لقُرَّائه بكل شفافية، فقال: “فأعضل هذا الداء، ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال”.
وقد خاض جمع من الباحثين في تحليل وتشخيص ما أصاب الغزالي، وهو بحث جدير بالاهتمام، حتى ألفيت الكاتب القدير عمر فروخ في كتابه “تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون” قد جزم بنوع المرض الذي أصاب الغزالي، فقال: “نقطع بأن الغزالي كان مصابا بالكنط أو الغنظ، وهو مرض نفسي في الأكثر يظهر على ذوي الاتجاه الديني المتطرف”، ثم وصف هذا الداء بأنه “الهم اللازم، أو هو أن يشرف الإنسان على الموت من الكرب ثم يفلت منه”، وكتب ثلاث صفحات ناقش فيها دلالة المفردة “الغنظ” و “الكنظ” في قواميس اللغة وما قاله بعض أطباء الأعصاب في زمنه، وما ورد في مصنفات الأقدمين ككتاب “عيون الأنباء في طبقات الأطباء”؛ لكني أعتقد أن ما جزم به عمر فروخ يحتاج إلى مراجعات عديدة من مختصين، لاسيما أنه كتب انطباعاته هذه في تشخيص مرض الغزالي في بداية سبعينيات القرن الماضى، حسب تاريخ الطبعات القديمة لكتابه الذي ننقل منه رأيه، أي قبل أكثر من نصف قرن؛ ومن فضول القول التأكيد على أن التطور الهائل في العلوم الإنسانية مقترنا بتفرعها وتداخلها نسخ الكثير مما مضى، وأضاف ما لا يحصى من الجديد؛ وأعتقد أن الباب مازال مواربا للمزيد من دراسة هذا الجانب للحالة التي أصابت الغزالي، على أن يتناولها من يجمع بين الدراية الكافية في علوم النفس وعلم الأعصاب -حتى لو كان العمل مشتركا بين أكثر من باحث- شريطة أن يقفوا في دراستهم مع تجربتيه، تجربته العقلية في نشاطه الشكِّي العنيف تجاه عالم الأفكار الذي أربكه ذهنيا، وتجربته الروحية القاسية في مكابدته لتجريد النية وتخليصها من العلائق والأغيار في طريقه إلى الحق سبحانه، والتي أدخلته في خلوته مع نفسه عشر سنين وأدت إلى تحقيق عزلته الاجتماعية. وأتمنى من استشاري الطب النفسي د. عادل الزايد، صاحب رواية “تشخيصات نفسية عبر آلة الزمن”، التي شخص فيها مرض ابن عربي والحلاج، أن يكرمنا بنشر بحثه عن مرض الإمام الغزالي لنطَّلع على ما انتهى إليه من نتائج.

الواقع يشهد يقينا بصدق نصح النبي ﷺ فحيثما حل الإتقان في العمل حصل الإنجاز اللافت والمتفرد لأنه قيمة مطلقة.

إلى رفاق الدرب
ورغم كل هذا الجهد المضني الذي بذله الإمام الغزالي في التعلم والتعليم، وإثرائه المعرفي النوعي، ومراجعاته الشاملة لمسيرته العلمية على صعيد المحتوى والمقاصد، وهو من هو في سلم طبقات العلماء… رغم ذلك كله، لم يسلم من الاستدراكات العديدة والنقد المتوالي من القدماء والمحدثين!. فخبرني بربك كيف بنا اليوم مع كثير من رفاق الدرب وحملة همّ الدعوة المتصدرين، من أكاديميين وغيرهم، في مواجهة جحافل الشرك المعاصر بكل ما أوتي من قوة وشراسة وتمكين، وهم لا يتحملون مسؤولية عِظَم الرسالة التي يحملونها، غافلين عن توجيه المصطفى عليه الصلاة والسلام: “إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ”.
والواقع يشهد يقينا بصدق نصح النبي ﷺ فحيثما حل الإتقان في العمل حصل الإنجاز اللافت والمتفرد لأنه قيمة مطلقة.
وكم رأينا من علماء بذلوا أعمارهم في سبيل إتقان معارف ثقافية من دون قصد رسالي، كالفيلسوف الوجودي العربي عبد الرحمن بدوي، صاحب اللغات العديدة والإنتاج الغزير، وقد بسط سيرته في مجلدين؛ أو المفكر الاجتماعي عبد الوهاب المسيري فيما دوَّنه في ذكرياته تحت عنوان “الذئاب الثلاثة”، ويقصد بذلك الثروة والشهرة والمعلومات، وكان الذئب الثالث (المعلومات) هو الأخص بالنسبة له؛ أو مصطفى زيور، رئيس عيادة الأمراض النفسية بكلية الطب بجامعة باريس، عضو المجمع الدولي للتحليل النفسي.. والشواهد لأولئك المتقنين لعلوم غير شرعية نذروا أنفسهم لتعلمها والإفادة منها أكثر من أن تُحصى.
فكيف بأهل التقى والصلاح والهمِّ الدعوي، ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا من خاصة الخلق، ثم لا يبذلون جهدهم وأوقاتهم في إتقان المطلوب منهم نصرة للدين وردّا لشبهات المبطلين، وكأن بوصلتهم وأهدافهم خلاف ما أوصى به الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بقوله: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} [سورة فصلت: 33]
إن القضية أعظم من مسألة إبراء ذمة!. فهي في حقيقتها إنجاز مهمة، لا تليق إلا بمن هم على خطى الأنبياء سائرون. 



السبت، 2 نوفمبر 2024

استمرار زيادة التجارة العربية والإسلامية مع إسرائيل

استمرار زيادة التجارة العربية والإسلامية مع إسرائيل


ممدوح الولي



رغم دعوة كل من أيرلندا وإسبانيا وبلجيكا وسلوفينيا وغيرها؛ الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في علاقاته التجارية مع إسرائيل، بسبب استمرار عدوانها على غزة، تشير بيانات التجارة الخارجية الإسرائيلية خلال الشهور التسعة الأولى من العام الحالي، إلى نمو تجارة إسرائيل مع الدول العربية وكذلك مع 14 دولة أخرى أعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي، وذلك بالمقارنة بتجارة تلك الدول مع إسرائيل خلال نفس الشهور من العام الماضي، قبل طوفان الأقصى وقبل عمليات الإبادة الجماعية التي تمارسها تجاه سكان غزة، الأمر الذي يتنافى مع الدعوات الشعبية لمقاطعة منتجات الدول الداعمة لإسرائيل، ومن باب أولى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، حيث بلغت واردات الدول التسع عشرة التي ذكرتها البيانات الإسرائيلية 2.3 مليار دولار.

ورغم دعوة أحزاب رئيسية في أيرلندا لحظر الواردات من المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية المقامة على الأراضي الفلسطينية، فلم نسمع أمرا مشابها من قبل الأحزاب المصرية تجاه توسع التجارة المصرية مع إسرائيل بعد عدوانها على غزة وإمدادها بالخضر والفاكهة، لتعويض تأثر الزراعة لديها بسبب نقص العمالة الزراعية، وإمدادها بالأسمنت لتعويض نقص الأسمنت التركي، بالرغم من أن أيرلندا تمثل إحدى الدول الرئيسية بالتجارة الإسرائيلية منذ سنوات، حيث جاءت في المركز الثامن بتجارة إسرائيل مع العالم في العام الماضي.

رغم دعوة أحزاب رئيسية في أيرلندا لحظر الواردات من المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية المقامة على الأراضي الفلسطينية، فلم نسمع أمرا مشابها من قبل الأحزاب المصرية تجاه توسع التجارة المصرية مع إسرائيل بعد عدوانها على غزة وإمدادها بالخضر والفاكهة، لتعويض تأثر الزراعة لديها بسبب نقص العمالة الزراعية، وإمدادها بالأسمنت لتعويض نقص الأسمنت التركي

التجارة مع البحرين تتضاعف عشر مرات

وتكاد تكون تركيا الدولة الإسلامية الوحيدة التي أعلنت حظر تصدير 54 سلعة إلى إسرائيل في نيسان/ أبريل الماضي، من بينها وقود الطائرات وحديد الإنشاءات والفولاذ المسطح والرخام والسيراميك، رغم الفائض التجاري الذي تحققه مع إسرائيل منذ سنوات، كدولة تعاني من العجز التجاري المزمن.

وأعقبت تركيا ذلك وبعد نتائج الانتخابات البلدية التي تراجعت فيها حصة الحزب الحاكم، بوقف الصادرات والواردات السلعية مع إسرائيل منذ شهر أيار/ مايو الماضي، مما جعل بيانات التجارة الخارجية التركية الخاصة بالأشهر التسعة الأولى من العام الحالي تخلو من أية صادرات أو واردات من إسرائيل خلال الشهور الممتدة من حزيران/ يونيو إلى أيلول/ سبتمبر، لتخفض قيمة الصادرات التركية خلال الأشهر التسعة إلى إسرائيل بنسبة 65 في المائة، كما تراجعت الواردات منها بنسبة 55 في المائة.

وهذا ما أكدته البيانات الإسرائيلية خلال نفس الأشهر التسعة، حيث أشارت إلى تراجع قيمة الصادرات الإسرائيلية لتركيا بنسبة 32 في المائة، وتراجع الواردات منها بنسبة 15 في المائة، ليتراجع ترتيب تركيا في الصادرات الإسرائيلية من المركز العاشر في العام الماضي إلى المركز السابع عشر في الشهور التسعة الماضية، كما تراجع مركز تركيا في الواردات الإسرائيلية من المركز الخامس في العام الماضي إلى المركز الثالث عشر، كما تراجع مركزها في التجارة الإسرائيلية من المركز الخامس في العام الماضي إلى المركز الخامس عشر في العام الحالي، مع تحقيق تركيا فائضا تجاريا في بيانات كلا الجهتين.

وتضمنت البيانات الإسرائيلية للتجارة خمس دول عربية هي: الإمارات ومصر والأردن والمغرب والبحرين، حيث زادت قيمة التجارة الإسرائيلية مع البحرين لعشرة أضعاف، ومع المغرب بنمو 53 في المائة، ومع مصر بنمو 52 في المائة، ومع الإمارات بنمو 4 في المائة، بينما انخفضت مع الأردن بتراجع طفيف بنسبة واحد في المائة بسبب نقص الواردات الأردنية من إسرائيل، رغم زيادة الصادرات الإسرائيلية بنمو 45 في المائة، لترتفع قيمة التجارة الإجمالية الإسرائيلية مع الدول الخمس إلى 3.4 مليار دولار، بنمو 12 في المائة.

انخفاض التجارة مع ماليزيا والسنغال

كما تضمنت البيانات الإسرائيلية تعاملاتها التجارية مع 14 دولة عضو في منظمة التعاون الإسلامي، لترتفع قيمة التجارة مع تلك الدول فيما عدا تركيا بنسبة نمو 11 في المائة، حيث زادت التجارة مع ألبانيا لخمسة أضعاف، ومع أوزبكستان بنمو 65 في المائة، ومع نيجيريا بنمو 45 في المائة، ومع أذربيجان 34 في المائة، ومع إندونيسيا 25 في المائة، بينما انخفضت قيمة التجارة مع كل من ماليزيا والكاميرون والسنغال وكازاخستان وتركمانستان والجابون وكوت ديفوار وأوغندا، مع الأخذ بالاعتبار صغر قيمة التجارة مع تلك الدول.

وهكذا فقد اتجهت تجارة الدول العربية والإسلامية التسعة عشر الأبرز إلى الزيادة، فقد ساهمت في تخفيف أزمة التجارة الخارجية الإسرائيلية التي تراجعت قيمة صادراتها بنسبة 6 في المائة خلال الشهور التسعة الأولى من العام الحالي، بالمقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، كما انخفضت قيمة وارداتها بنسبة 5 في المائة لتنخفض قيمة تجارتها بنسبة 5.5 في المائة.

وإذا كانت قيمة التجارة الإسرائيلية خلال الشهور التسعة مع الدول العربية والإسلامية التسع عشرة قد بلغت نحو سبعة مليارات دولار، تشكل نسبة 10 في المائة من مجمل التجارة الإسرائيلية مع العالم خلال تلك الأشهر، فإن النصيب العربي والإسلامي أكبر من ذلك، حيث لم ترد في البيانات المعلنة قيمة التبادل التجاري مع باقي دول منظمة التعاون الإسلامي البالغ عددها 57 دولة. تضاف إلى ذلك الفروق الكبيرة بين أرقام التجارة حسب البيانات الإسرائيلية الأقل وبيانات دول عربية أكبر، حيث زادت قيمة التجارة المعلنة من الجانب المصرى كثيرا عما تعلنه البيانات الإسرائيلية للتجارة بين الجهتين.

96 في المائة من واردات مصر من إسرائيل غاز

ونظرا لتوقف البيانات المصرية الصادرة لتجارتها الخارجية حتى الآن عند شهر تموز/ يوليو الماضي، فقد بلغت التجارة مع إسرائيل خلال الشهور السبعة الأولى من العام الحالي حسب البيانات المصرية مليارا و883 مليون دولار، موزعة ما بين صادرات مصرية إليها بقيمة 155 مليون دولار، وواردات منها بقيمة 1.728 مليار دولار، الأمر الذي مكّن إسرائيل من احتلال المركز التاسع بين دول العالم على خريطة الواردات المصرية، بينما كان إجمالي التجارة بين البلدين حسب البيانات الإسرائيلية لنفس الشهور السبعة 431 مليون دولار فقط، موزعة ما بين صادرات إسرائيلية لمصر بقيمة 242 مليون دولار، وواردات من مصر بقيمة 189 مليون دولار.

وأظهرت بيانات جهاز الإحصاء المصري الحكومي تفاصيل سلع التجارة بين البلدين خلال تلك الأشهر السبعة، حيث توزعت الصادرات المصرية ما بين: 30 مليون دولار شاشات تلفزيونية، و29 مليون دولار لنوعيات مختلفة من الأسمنت، وأسمدة 16.5 مليون دولار، وخضر وفاكهة 12 مليون دولار، ومساحيق من البولي إيثيلين 6 ملايين، وعصير البرتقال 4 ملايين، وأجزاء من ملابس 3 ملايين دولار، وقضبان خلائط ألومنيوم مليونا دولار، إلى جانب العبوات الورقية والبنطلونات وألواح الزجاج وأغطية الأرضيات والنباتات العطرية وتبغ الشيشة.

أما الواردات المصرية خلال تلك الأشهر السبعة والبالغة 1.728 مليار دولار، فقد استحوذ الغاز الطبيعي على نسبة 96 في المائة منها بقيمة 1.664 مليار دولار، إلى جانب 31 مليونا للسولار و19 مليونا دولار للأقمشة والحشو التي يستوردها منتجو الملابس الجاهزة المصرية لتضمينها ضمن صادراتهم من الملابس الجاهزة للولايات المتحدة الأمريكية، وفق اتفاقية الكويز التي تحتم تضمين الصادرات المصرية مكونات إسرائيلية بنسبة 10.5 في المائة للحصول على الإعفاء الجمركي عند دخولها للولايات المتحدة، ولهذا تم استيراد خيوط من إسرائيل ومواد صباغة ومواد بلاستيكية وعلب ورقية يتم استخدامها في صناعة الملابس الجاهزة.

x.com/mamdouh_alwaly

غزوات الرسول ﷺ وسرايا القدس (2/1)

 

غزوات الرسول ﷺ وسرايا القدس (2/1)

رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبيﷺ ، وعضو مجلس الأمناء بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

عاش رسول الله ﷺ في المدينة بعد الهجرة عشر سنوات، لحق بعدها بالرفيق الأعلى، وهو في الثالثة والستين من عمره المبارك، وهذه السنوات العشر كانت ذروة الكفاح الدامي، لأن الجهاد ذروة سنام الإسلام. وشهدت تلك الفترة كل المعارك الحربية التي خاضها رسول الله ﷺ، أو عقد لواءها لقائد من أصحابه، وهو عين الفرق بين الغزوة والسرية، فالغزوة هي ما خرج فيها النبي ﷺ بنفسه، وقاد فيها المسلمين، حدث فيها قتال أو لم يحدث، ولذا يقال غزوة الحديبية، والسرية هي التي لم يشهدها رسول الله ﷺ وأرسل فيها أصحابه، ولا يُستثنى من ذلك إلا غزوة مؤتة لأن رسول الله ﷺ كان يشهد أحداثها بالوحي، ويخبر أصحابه عن وقائعها وهم في المدينة، وكذلك لعظيم قدرها وكبير أثرها، وللمواقف الكبيرة التي تفردت بها.

واختُلف في عدد غزوات النبي ﷺ، وأصح ما ورد في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي إسحاقَ قال: “كنتُ إلى جنبِ زيدِ بنِ أرقمَ، فقيلَ لهُ: كمْ غزا النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ غزوةٍ؟

قالَ: تِسعَ عشرَةَ

قيلَ: كمْ غزوتَ أنتَ معهُ؟

قالَ: سَبعَ عشرَةَ

قلتُ: فأيُّهُمْ كانتْ أوَّلَ؟

قالَ: العُسَيرَةُ أو العُشَيرُ”. فذكرتُ لِقتادَةَ فقالَ: العُشَيرُ.

قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): “ومراده: الغزوات التي خرج النبي صلى الله عليه وسلم فيها بنفسه، سواء قاتل أم لم يقاتل.

لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر: أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله في صحيح مسلم.

فعلى هذا: فات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلهما الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره.

أما عدد السرايا التي خرجت في حياته صلى الله عليه وسلم، فذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أنها قاربت السبعين.


الجانب الجهادي

والحاصل أن مجموع غزوات النبي ﷺ وسراياه تقارب المئة أو تفوقها، وأما الغزوات التي قاتل فيها بنفسه فهي تسع غزوات، وهذا يأخذنا إلى أمور عدة، منها أن رسول الله ﷺ بعد أن تجاوز الخمسين من عمره، وفي عشر سنوات من حياته، خاض مئة معركة حربية بين قيادة مباشرة أو تجهيزها واستخلاف أحد أصحابه عليها، وفي العام الثامن الهجري فقط خرج إلى فتح مكة، ثم غزوة حنين، وخرج أصحابه إلى غزوة مؤتة، وذات السلاسل بقيادة عمرو بن العاص.

وهذا الجانب الجهادي المتصل الذي يقوده النبي ﷺ بنفسه، وقد تجاوز الستين كما في غزوة تبوك (9 هجرية)، وهي آخر غزواته ﷺ، يحتاج إلى مزيد بحث وتدبر، لاستخلاص الدروس والعبر.

كثير ممن يحبون رسول الله ﷺ، ويقرأون عن شجاعته وغزواته الحربية، يتمنون لو كانوا معه وفي خدمة ركابه، ويأخذ بألبابهم وصف الشاعر له:

كأنَّهُ وهوَ فردٌ مِن مهابتِهِ …. في عسكرٍ حينَ تلقاهُ وفي حشَمِ

فيرجعون، ولسان حالهم يقول:

يا ليتني كنتُ فردًا مِن صحابتِهِ ….أو خادمًا عندَهُ من جُملةِ الخدَمِ

ما خرج رسول الله ﷺ إلا لهداية الناس، وتبليغ دعوة الحق إلى الخلق، وإزالة ما يعترض هذا الطريق بسيف العدل، وأشرع باب الدعوة والجهاد لمن بعده ﷺ

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف: 108)

وكان من فضل الله على أهل هذا الزمان، أن شهدوا طوفان الأقصى، هذه السرية المقدسية المباركة التي انطلقت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بوصفها بداية لمشروع تحرير الأقصى وتحرير الأسرى، وقدّمت للجميع فرصة نادرة للمشاركة في باب عظيم، هو تحرير المقدسات واستنقاذ أنفس الأسرى والمجاهدين من سجون المغتصبين والمحتلين، إذ انبرت كتائب الإيمان في غزة لهذه المهمة نيابة عن الأمة، وقبلت بعد طول حصار وانتظار أن تكون طليعة التحرير وفي الصف الأول لملاقاة جيش الاحتلال، ومَن وراءه من الجيوش الغازية، والدول الاستعمارية الكبرى وأذنابها، التي استخدمت عصابة الصهاينة قفازًا أسود، تدير به عملياتها القذرة، وهو ما سطره مبكرًا الكاتب الموسوعي الدكتور جمال حمدان بقوله:

“إسرائيل في جوهرها ما هي إلا شركة سرية مساهمة بين الاستعمار العالمي والصهيونية العالمية، وكانت بهذا صورة مُقنَّعة من الاستعمار الجماعي، وما هي إلا قاعدة عسكرية كاملة أمامية للمعسكر الغربي، لا تتجزأ عن نظامه الاستراتيجي العدواني الذي أقامه حول العالم”.

وإلى هذه اللحظة، وبعد مرور عام كامل من بطش جيش الاحتلال بأهل غزة، وارتكاب إبادة جماعية علنية، ما زال أهلها على مبادئهم، وما زالت كتائبها تستنزف العدو وتوجه إليه ضرباتها الموجعة، لا سيَّما مع توسيع ساحة المواجهة، ومشاركة بعض أهل الداخل والضفة فيها.


على المال والرجال

إن غزوات النبي ﷺ قامت على المال والرجال، لذا قال ﷺ “ما نفعني مالٌ ما نفعني مالُ أبي بكر” صحيح النسائي. وقال عن عثمان بن عفان بعدما جهَّز جيش العسرة “ما ضرَّ عثمانَ ما فعلَ بعدَ اليوم” صحيح الترمذي. وغزة فيها من بسالة الرجال ما لا يخطر على بال، وما بطولات السنوار إلا سطر من سفرها العظيم، فهل تنجح الأمّة في الاختبار الذي حققت فيه غزة العلامة الكاملة؟

أدرِكوا اللحظة الفارقة، ولا يفوتكم شرف هذا الطوفان، فقد وجدت فيها شبهًا ومثلًا من كل غزوات النبي ﷺ، وهو ما نفصّله في الجزء الثاني بإذن الله تعالى.