‏إظهار الرسائل ذات التسميات بنميلود محمد بنميلود. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بنميلود محمد بنميلود. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 18 يوليو 2023

الجاسوسة: من الأرشيف السرّي ليوميات الذكاء الاصطناعي

 الجاسوسة: من الأرشيف السرّي ليوميات الذكاء الاصطناعي

محمد بنميلود

أينما ذهبتُ تتبعني تلك الشجرة لتتجسّس عليّ، تستعمل أوراقها وبتلاتها لتحلّل المعلومات، وإلّا فلماذا تتحرّك تلك الأوراق، يميناً ويساراً، ولأبسط نسمة، إن لم تكن لواقط حسّاسة ورادارات تُوشوش لبعضها بالمعلومات؟ ولماذا تتبعني الشجرة أينما ذهبتُ، إن لم تكن جاسوسة، محترفة، متخفية، في هيئة شجرة جامدة، مثل نبتة في أصيص داخل البيت، أو شجيرة برقوق، أو تين بريئة في الحديقة عند المدخل؟

في الغابة تتركُ الشجرةَ خلفك، تجدها أمامك، تلتفت، يميناً أو يساراً، تجدها أينما التفتّ! لكن في حقيقة الأمر، لا توجد في الغابة أشجار كثيرة، بل شجرة واحدة تتكرّر إلى ما لا نهاية، وفق طابعة عملاقة مبرمجة أوتوماتيكياً، تنتقل بسرعة الضوء من مكان إلى مكان، حتى تبدو لك عمداً ثابتة هنا وهناك، وهنالك، وعلى مدّ البصر، أينما وليت وجهك: في الماضي الضبابيّ البعيد الذي تركتَه خلفك، في الحاضر الذي تقف على ترابه المليء بالمجسّات، وعلى امتداد غيوم المستقبل التي لها هيئة صحون لاقطة، تتموضع في اللحظة نفسها في كلّ الأمكنة، كالساحر الذي يظهر في مدن عديدة في الوقت نفسه، ويختفي، واضعاً على رأسه طاقية الإخفاء غير المرئية، ليبدو غير مرئيّ، في بُعد آخر، وجيل آخر من أجيال شاشات "التاكتيل".

في الغابة أين ستستطيع الهرب من الشجرة؟ إنها تتوزع كجنود بلباسهم الأخضر الشجريّ المموّه بالأغصان، لتحاصرك وتقف حولك في دائرة كابوسية، قبالتك، فوقك، تحتك، على يمينك، وراءك، على يسارك، وكلما تقدّمتَ إلى الأمام تتقدّم معك تلك الدائرة، بحيث تظلّ أنت دائماً، المركز الواضح كلّ الوضوح، كهدف مكشوف للقصف من كلّ نقطة من نقاط الْقُطْر، عالقاً داخلها إلى الأبد. تركض فتركض معك، تقف فتقف هي كذلك، تسرع فتسرع، تتباطأ فتتباطأ هي أيضاً، كي تبدو لك دائماً، جامدة وساهية وغير مبالية بتفاصيل حياتك التافهة.

الناس يثقون في الشجرة ثقة عمياء، فيضطجعون تحت ظلالها، أو فوقها عراة، لتسجّل أحلامهم، حين يتحركون في النوم

لكنها ليست أشجاراً كثيرة، كما تبدو لك لتخدعك، بل شجرة واحدة خارقة للطبيعة ولقوانين الفيزياء وللحسابات الرياضية الدقيقة كالشيطان، وليست جامدة، بل سريعة الحركة كسرعة مروحة تدور إلى حدّ أنّ أجنحة تلك المروحة تختفي بالكامل كي تبدو المروحة من دون أجنحة، وأكثر من ذلك لتبدو متوقفة عن الدوران بأجنحة جامدة. كما أنّ حركة الشجرة، وهي تنتقل بسرعة خارقة من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، داخل عالم كامل من السيليكون، لا يمكن أبداً أن تُرى للعيان.

والشجرة ليست ساهية كما تبدو للساهي، بل يقظة إلى حدّ أنها لا تتعب كباقي المخلوقات من اليقظة، فلا تنام مضطجعة، بل واقفة، وهي مستيقظة، حذرة كجندي الحراسة، وبشكل لا يمكن تصوّره أو وصفه بالوصف، وهذه هي صفات الجواسيس المدرّبين على التجسّس في كواكب أخرى، متطوّرة، تحكمها كائنات فضائية، تكنولوجية، مُشعّة شديدة التعقيد، رؤوسها ليست من لحم ودم وعظم، بل من زجاج وبلاستيك وسيراميك وألمنيوم وترونزستورات وأرقام، بحيث يستحيل كشفها، وكشف تجسّسها على كوكب بدائي ككوكب الأرض.

أنت تَحْذَرُ من الناس، تنتظر أن يتجسّسوا عليك بآذانهم الحلزونية المضحكة أو بكاميراتهم المكشوفة، لكن الناس لن يصلحوا أبداً جواسيسَ حقيقيين، إنهم مجرّد رهائن في يد الأشجار، تفعل بهم ما تشاء، وما تريد، تدخل في أمعائهم عبر عيون ثمارها، لتتجسّس عليهم من الداخل، يضعون مؤخراتهم فوق كراسيها وعروشها لتتنصّت عليها. تقف في أبوابهم، ونوافذهم، ومستودعاتهم، وجواريرهم السرّيّة، وداخل صناديق مستنداتهم الخطيرة ومجوهراتهم وأموالهم لتعُدّها.

تصعد سحائب الدخان بكلّ أسرارهم إلى الكائنات الفضائية الذكية، التي باتت تتحكم منذ سنوات طويلة، عن بُعد، في كلّ شيء هنا

أينما ذهبت ستجد مكروفوناً متخفياً في هيئة قطعة فلين عائمة، أو خشبٍ صغيرة أو كبيرة، داخل البيوت وخارجها، وفوق المياه، تمتصّ الأصوات، والألوان، والروائح، والوشايات، والوشوشات وتخزّنها إلى الساعة الصفر.

الناس يثقون بالشجرة ثقة عمياء، فيضطجعون تحت ظلالها، أو فوقها عراة، لتسجّل أحلامهم، حين يتحركون في النوم، فتَسْمَعُ صوت السرير، لكن لا أحد يستطيع أن يفهم لغة السرير المشفّرة تلك، أو لغة صرير باب، أو اصطفاق نافذة في الريح، أو تأوّه صندوق عتيق يُغلق.

الناس يظنون أنفسهم في مأمن من تلك الشجرة، يتسلقونها، يأكلون ثمارها، يحطبونها، يصنعون منها كلّ أثاثهم، ومراكبهم، وسقوف بيوتهم، وطاولات اجتماعاتهم السرّيّة الطويلة، وعروشهم، ومهاد أطفالهم، ونعوش آبائهم.. وحين يبقون وحيدين يسجلون مذكراتهم وعواطفهم ونياتهم واعترافاتهم فوق أوراقها.

هؤلاء الناس، الذين كنت تعتقد يوماً بالخطأ، أنهم أذكياء، يجلسون بغباء حول موقد في ليلة شتائية، يقذفون الخشب في النار باستهتار، وهم يتسامرون دون حذر، مقهقهين قهقهاتهم السخيفة، مستسلمين للذّة طُعم الدفء في صنارة البرد. بينما عبر ماسورة المدخنة الموجهة إلى الفضاء كصاروخ تجسّس يوشك على الإقلاع، وعبر مداخن المصانع، والمدن، والثكنات المحصّنة، والقصور المصفحة، وعبر حرائق الغابات، وحرائق السفن، وحرائق خرائب الحروب، وحرائق العالم الكثيفة، تصعد سحائب الدخان بكلّ أسرارهم إلى الكائنات الفضائية الذكية، التي باتت تتحكم منذ سنوات طويلة، من بُعد، في كلّ شيء هنا.

الأربعاء، 21 يونيو 2023

سيلفي

 سيلفي

محمد بنميلود


الثورات مناسبة جيدة للسيلفيات. بينما كان الرئيس شبه المخلوع يجهز خطاب الاستسلام محاصرا بالجماهير كانت "ن" تختبر كاميرا هاتفها الجديد راسمة بأصابعها إشارة النصر وفي الخلفية يظهر جيش عرمرم من الجماهير بالأعلام الوطنية والشعارات والأبواق. لم تجد "ن" أي صورة مناسبة. الكاميرا جيدة إلا أن الصور سيئة كما بدا لها. أخرجت أحمر الشفاه من حقيبتها الصغيرة وعكّرت وأعادت التقاط صورة مبتسمة هذه المرة. أخيرا إنها صورة مناسبة. تبدو جميلة ومثيرة. شعرها بدا أكثر سوادا وجمالا مما هو عليه في الواقع. صدرها بارز. ابتسامتها فاتنة. إشارة النصر أيضا تعني الكثير عن شخصيتها.

نشرت الصورة على الإنستغرام معلقة عليها "ب": عاش الشعب. مساء وهي على سريرها في غرفتها الصغيرة وصلتها رسالة من "ج". إنه مهندس شاب يبحث عن زوجة. تعرفه منذ سنتين صديقا افتراضيا. بسبب تلك الصورة انتبه ج إلى "ن". تحدثا قليلا، أرسل إليها أغنية الشيخ إمام: شيد قصورك. ثم أغنية فيروز: بتمرجح بقلبك. نامت "ن" على أنغام الأغنية وهي مبتسمة، أغنية بتمرجح بقلبك طبعا وليس أغنية شيد قصورك. بعد أسبوع كانا معا في الساحة. على خد "ن" رسم صغير للعلم الوطني وفي يد "ج" باقة ورد.

الجماهير تصفر احتجاجاً أمام المبنى الرئاسي. سيطول الاعتصام. سيضطران إلى المبيت في الشارع. سيارات متشابهة وزعت السندويتشات والمياه المعدنية على المتظاهرين. بعضهم التحف بالعلم الوطني ونام على الرصيف. الورود في يد "ج" ترمز إلى السلم. قامت "ن" وقدمت قنينة الماء خاصتها إلى عجوز معتصمة، لم تكن العجوز في حاجة إلى الماء إلا أن "ن" كانت في حاجة إلى تقديم المساعدة إلى أحد ما. عدل "ج" نظارته الهندسية متربعا على الأرض والتقط صورة لـ"ن". تبدو ثورية حقيقية. هي الأخرى التقطت صورة لـ"ج" وهو متربع ومبتسم بلحيته الشيكيفارية الخفيفة وبالكوفية الفلسطينية. يبدو كما لو أنه قيادي محنك للمناوشات المستمرة ضد الشرطة. بعد أسبوع آخر خطب "ج" "ن". أرسلا صورة لهما معا من ساحة الاعتصام حصدت آلاف اللايكات. سيسقط النظام وسنتزوج. كان هذا هو التعليق الذي كتبه "ج" على الصورة التي يُلبِس فيها خاتم الخطوبة لـ"ن".

بدت "ن" في الصورة سعيدة وفخورة بـ"ج". بعد شهر لم يستسلم الرئيس. لقد أخذت المفاوضات مسارا جديدا. الجماهير عادت إلى بيوتها. العسكر يطوقون المدينة من أجل حفظ الأمن وليس من أجل إرعاب الساكنة. هذا ما قالته المذيعة الجميلة. حكومة جديدة ستصعد إلى السلطة وسيكون كل شيء على ما يرام. المهم هو أن يظل الرئيس على كرسيه إلى الأبد. مر شهر آخر، ثم شهران، ثم سنة، ثم سنة ونصف والرئيس ما زال رئيسا. تعبت الجماهير من المظاهرات. بالأحرى أصبحت المظاهرات عملا روتينيا غير جدير بالتحفز. "ن" حامل ومسؤوليات "ج" البيتية تضاعفت. عليهما الانتقال من بيت أهل "ج" إلى بيت جديد خاص بهما. السبت القادم موعد مظاهرة حاشدة يليها اعتصام حاسم. لن يحضرها "ج" و"ن"، إنهما منشغلان الآن بما هو أهم.

سيكتفي "ج" بإعادة نشر صورة خطبته لـ"ن" وسط ساحة التغيير، ستحصد من جديد عدداً هائلاً من اللايكات وإن أقل بقليل مما حصدته وهي طازجة. مساء السبت توسد "ج" بطن "ن" وهما يتصفحان الفيسبوك ويضعان جيم لصور الثوار. الأخبار تقول إن الرئيس سيتنحى. صحف ومجلات العالم وقنواته تناقلت أخبارا مفادها إن الرئيس الجديد سيكون من الشعب. صحف أخرى قالت إن الرئيس هرب. مرت سيارات متشابهة ووزعت أكلا وماء وسجائر على المعتصمين.

تقدمت الدبابات أكثر محاصرة الساحة للحفاظ على الأمن العام موجهة منصة إطلاق صواريخها في اتجاه الطلاب. تبادلت طالبات جميلات الورود مع الجنود. يبدو مشهدا رومانسيا أكثر مما هو ثوري. بعد يومين فرق الجنود الحشد بأنابيب المياه الفائرة.

الجماهير تصفر احتجاجاً أمام المبنى الرئاسي. سيطول الاعتصام. سيضطران إلى المبيت في الشارع. سيارات متشابهة وزعت السندويتشات والمياه المعدنية على المتظاهرين. بعضهم التحف بالعلم الوطني ونام على الرصيف

الأعلام الوطنية والشعارات والورود عامت على الرصيف وداسها الهاربون وهم يناوشون الجنود قاذفين قناني المولوتوف في اتجاه الدبابات ومعيدين قنابل الغاز المسيل للدموع في اتجاه سيارات الشرطة. بعد أسبوع فرغت الساحة، إنها صبيحة الأحد، موعد السوق الأسبوعي. ساحة التغيير والتحرير امتلأت بالخضار والفواكه والحمير والبغال والعربات والتوك توكات. من بعيد يبدو الأمر كما لو أنها مظاهرة. جالت "ن" في الساحة ببطن منتفخة ممسكة بيد "ج" الذي يحمل في يده كيسا مليئا بالخضروات والفواكه. لم يتنح الرئيس بعد. مجلس النواب أعلن عن تشكيلة جديدة للوزراء. مظاهرة أخرى أعلن عنها نشطاء فيسبوكيون غامضون احتجاجا على التشكيلة الجديدة التي ضمت لصوصا. "ن" أصبحت منشغلة أكثر ببطنها وببيتها الجديد. "ج" يبحث عن سيارة مستعملة بثمن مناسب. لا بد للمهندس الشاب من سيارة. بعد شهرين أنجبت "ن" طفلة جميلة سماها "ج": ثورية. بعد عام أخذت الطفلة تحبو وتضحك وتلعب. بعد خمس سنوات التحقت بالمدرسة. بعد عشرين سنة أخذت الماستر. "ج" أصبح مهندسا ناجحا ذا منصب محترم في الدولة. "ن" أنجبت بنتين أيضا. الرئيس ما زال رئيسا، يبدو شابا كما لو أن الزمن لا يمر إلا فوق المباني العشوائية بينما وجه "ج" ضمر أكثر ولحيته زوقها الشيب. "ن" لم تعد صالحة للمظاهرات ولا للسيلفيات. ثورية أصبحت ثورية هي الأخرى كأمها وأبيها. نادى الطلاب إلى مظاهرة جديدة. "ج" لم يعد مهتما كثيرا بالمظاهرات، بل أصبحت تشكل خطرا على وظيفته ومركزه الاجتماعي، لم يعد يدري بالضبط إن كان لا يزال من الشعب أم أصبح جزءا من النظام. "ن" أيضا لم تعد مهتمة بشيء. أما ثورية الصغيرة فوقفت في ساحة التحرير ذلك المساء والتقطت سيلفيات كثيرة. بدت شابة وجميلة ناضحة بالحيوية ومفعمة بالأمل. "ن" في البيت تطبخ لحما بالبرقوق. أخرجت ثورية أحمر شفاه وعكرت والتقطت سيلفي. تضع كاسكيطة على رأسها وترفع في يدها علما صغيرا. نشرت الصورة على الفيسبوك فحصدت آلاف اللايكات. قالت الأخبار إن الرئيس سيتنحى. اتصلت "ن" بثورية لتطمئن عليها. 

لا تقلقي ماما، الجو هنا جميل، أنظري. أدارت ثورية الهاتف كي ترى "ن" الساحة والمتظاهرين وهم يصدحون بالشعارات كما لو أنهم في احتفال. 

لا تتأخري حبيبتي، قالت "ن". 

لن أتأخر ماما لا تقلقي، هل أحضر أبي الهدية؟ 

هدية ماذا؟

هدية عيد ميلادي طبعا، هل نسيت ذلك؟

أووه لا لم أنس.

كلا لقد نسيت.

سنناقش ذلك لاحقا. متى ستعودين؟

لا أدري، هناك اعتصام، قد نبيت هنا.

كلا، لا تبيتي، عودي بعد ساعة.

ارتفعت الشعارات، الجماهير تغني: شيد قصورك على المزارع.. من كدنا وعمل إيدينا.. والخمارات جنب المصانع.. والسجن مطرح الجنينة..

لم يعد بإمكان "ن" سماع ثورية، ولا عاد بإمكان ثورية سماع "ن". ظلت "ن" تصرخ: قلت لك عودي إلى البيت.. عودي الآن وإلا..

بينما تصرخ ثورية: لا أسمعك ماما.. لا تقلقي.. أنظري..

راجت أخبار جديدة، الرئيس لن يتنحى وخبر تنحيه ليس سوى مناورة. قررت الجماهير تمديد الاعتصام. شاب بدا كما لو أنه مهتم بثورية. نحيف وطويل وثوري هو الآخر. اقترب منها وأهداها وردة، نظرت إليه بتحفظ. قال: يمكنك تقديمها إلى الجنود وسألتقط لنا سيلفي وأنت تمدينها. بدت فكرة جيدة لثورية. بعدها ظل الشاب صامتا وظلت ثورية صامتة. تعرفه جيدا إنه زعيم تنسيقية مشهور. الوردة منكسة في يد ثورية بينما زعيم التنسيقية قد سقط دون شك في الحب. قال الشاب: سنبيت هنا الليلة، لا بد من الضغط على النظام. قالت ثورية: نعم، التصعيد ضروري. رنت الأم من جديد. أجابت ثورية: نعم ماما..

أينك؟ مرت أكثر من ساعة.. باباك يطلب منك العودة حالا..

لن أعود ماما.. هناك اعتصام.. سأرسل لك الصور أولا بأول.. لا تقلقي الأجواء سلمية..

أعرف لكن عودي الآن هذا أمر..

لا أسمعك ماما.. الاتصال ضعيف.. أعتقد أن الحكومة ستحجب الإنترنت..

بعد عامين حبلت ثورية من زعيم التنسيقية.. بعد ثلاث سنوات أنجبت طفلا سموه: باسل.. بعد ثماني سنوات التحق باسل بالمدرسة.. 

"ج" و"ن" أصبحا عجوزين.. ثورية أصبحت منشغلة بطفلها وبالبيت أكثر من انشغالها بالثورة.. المتظاهرون ما زالوا يصرخون في ساحة التغيير والتحرير والنصر "ب": شيد قصورك.. قالت الأخبار إن الرئيس مريض.. بعد شهر آخر.. الرئيس أخيرا.. تنحى.. مُنصّبا.. ابنه.. مكانه.. ظهرت نتائج قرعة أميركا.. اسم ثورية مذكور.. بعد شهور قليلة ستهاجر الأسرة بأكملها.. يبدو أن الأوضاع مستقرة في البلاد وأن العهد الجديد أفضل من العهد القديم.. هذا ما أكده المحللون الاستراتيجيون البدناء.. 

صدح المكروفون داخل المطار: الطائرة المتوجهة إلى أوهايو ستقلع بعد ساعة.. ثورية وزوجها صامتان.. ممسك بيدها.. ملامحهما ذاهلة.. يبدو أنها حامل وأن الطفل سيولد بعيدا.. إنها تثلج هناك قالت ثورية.. بعد ربع ساعة علينا التوجه إلى المدخل رقم ستة أجابها.. قلبها خفق.. صعد باسل فوق الحقيبة ورقص وصرخ: شايد قصورك.. شايد أصورك.. نهره والده: انزل.. دقائق مرت في صمت.. تثاءب زعيم التنسيقية.. تمطى.. غير موضع حقيبة كانت عن يمينه إلى يساره.. نداء مكروفون المطار بأرقام الرحلات والطائرات متواصل.. المهاجرون يسحبون حقائبهم بعجلة فوق السيراميك.. أخرج هاتفه لالتقاط سيلفي للأسرة مع الطائرات.. قالت ثورية التقط السيلفي من هذه الزاوية سيكون أفضل.. صورة جميلة.. ويفي المطار من دون قفل يمكننا نشرها قالت.. إنها تثلج في أوهايو أعادت التأكيد..

الأحد، 30 أبريل 2023

ذاكرة الدم.. عن الجنرال أوفقير والحسن الثاني

 ذاكرة الدم.. عن الجنرال أوفقير والحسن الثاني

  محمد بنميلود

من يمقتون الجنرال المغربي الراحل، محمد أوفقير، عليهم أيضاً أن يمقتوا الحسن الثاني. لقد كان أوفقير اليد اليمنى للملك التي يضرب بها، اليد البلاستيكية المستعارة، تفادياً لتلطيخ يده. كان ملكاً حذراً وذكياً يحافظ على نظافة يده ما أمكن، بينما كانت يد أوفقير مخلوقة لذلك، للنبش في الجلد والدم والعظام.

 في الوقت الذي ولد فيه الحسن الثاني في قصر تحيط به الحدائق والرياض والخدم والحشم واللغة الأنيقة والسفراء والوزراء والضيوف من ملوك وسلاطين ورؤساء، ولد أوفقير قرب رشاش. رجل طويل دون مناسبة، عيناه صغيرتان كعيني بوعميرة، أنفه معقوف كمنقار البوم، أذناه مائلتان في اتجاه الصدى كأذني ابن آوى. من حرب إلى حرب، اعتاد الجنرال الدم والجثث والصراخ والعويل. بدم بارد يطلق الرصاصة، وبدم مثلّج كدم الطبيب يُغلق عيني القتيل ويذهب ليرتشف من قهوته. لم يكونا من عائلة واحدة، ولا من طبقة اجتماعية واحدة، سوى أنّ السلطة توحّد الملك بالقاتل المتسلسل والشريف بالنذل والنبيل باللص، حيث شجرة العائلة الحقيقية لكلّ المتسلطين هي المال والموت.

كان الحسن الثاني مستعداً لقتل كلّ معارضيه من أجل البقاء ملكاً، حتى وإن فعل ذلك بأيدي أشخاص آخرين من أصول دنيئة كأوفقير أو كالدليمي أو كالبصري، وكان أوفقير مستعداً لقتل الجميع من أجل الوصول إلى الحكم والسلطة والهيمنة، ليس بأيدي غيره، بل بيديه. 

حين يتفق القتلة يصيرون أصدقاء، وحين يختلفون يقتلون بعضهم. الأسرع إلى الزناد هو من يفوز، هو من يبقى، هو من يسود. الذكر المهيمن داخل القطيع يسحق كلّ الذكور الأخرى، وخصوصاً الذكور القوية.

السلطة توّحد الملك بالقاتل المتسلسل والشريف بالنذل والنبيل باللص، حيث شجرة العائلة الحقيقية لكلّ المتسلطين هي المال والموت

سيرة أوفقير سيرة ملطخة بالدم من بدايتها إلى نهايتها. طموحه كان أكبر من طموح أصحاب الأوسمة والتشريفات. إنه طموح المحارب، وليس طموح "السيفيل". كان يريد الكعكة كاملة بكلّ دمه الرجولي المتأصّل من قطاع الطرق. كان يملك كلّ شيء تقريباً، كان المقرّب الأول للملك وكاتم أسراره والموّسوس في أذنيه والضارب بيده. كان الرجل الحديدي مرعب الشعب باسم الملك. كان الكلّ في الكل، سوى أنه كان ملزماً بالانحناء وتقبيلِ يد الملك. أتخيّل أنه كان يعود إلى بيته بعد اجتماع مع الملك، يفكّ ربطة عنقه كأنها تخنقه، ينهار على الأريكة الفاخرة، يتجرّع الويسكي وحيداً كما لو أنه يتجرّع السم، ويدخن محدقاً في السقف بذلّ...

جينات قطّاع الطرق الدنيئة تشبه تماماً جينات الملوك، لا تقبل الخضوع لأحد ولا الانحناء لأحد. كان أوفقير يملك كلّ شيء تحت جناح الملك، السلطة والمال والوجاهة، سوى أنّ ذلك كله كان مخصياً. أراد أن يملك عزّة نفسه أيضاً، ووقوفه المنتصب، المستقيم الإلهيّ. أراد أن يخرج إلى الضوء، وليس أن يظل قابعاً كالشبح المرعب في العتمة. أراد أن يسطو على شاشة التلفزيون، وأن يخاطب الشعب المغربي: شعبي العزيز، أو: شعبي الحر، أو: أبنائي. فالديكتاتور المتسلّط تريحه هذه العبارات التي تمزج عاطفته السادية في عاطفة الشعب المازوشية وتتماهى فيها. يتحوّل عبرها من القاتل الجبّار الظالم المتسلّط إلى الأب الحاني الذي يضرب ليقوم، وليس ليكسر ويقتل، ليحمي وليحيي، ويظلم ليعدل. على الشاكلة نفسها كان جمال عبد الناصر، ومن بعده السادات، وكذلك كان صدام، وكان القذافي، وكان حافظ الأسد... وكانوا جميعاً في كلّ مكان وزمان، آباء بالسوط في أيديهم، بالرشاش في أيديهم، بالدبابة في أيديهم... يقوّمون أبناءهم بساحات الإعدام، وبالقتل الغامض بالسم أو بحوادث السير، بسيارات غير مرقمة أو بالمعتقلات السرّية الرهيبة. حين كانت أجساد المعتقلين تتحوّل إلى هياكل عظمية بشعور ولحى كثيفة كسكان الكهوف البدائيين، يلحسون الجدران باحثين عن قطرة ماء، كان الآباء الشفوقون يلعبون الغولف ويقرعون أنخاب الشامبانيا ويغيّرون ثيابهم الباهظة كما نغيّر نحن آراءنا وولاءنا بسرعة البرق.

حين يتفق القتلة يصيرون أصدقاء وحين يختلفون يقتلون بعضهم

كان أوفقير من طينة أولئك الآباء المهيئين للأبوة الحديدية القاتلة، ولم يكن قادراً على مواصلة دور الابن المطيع أمام الحسن الثاني. سوى أنّ الحسن الثاني كان أباً أكبر منه، رغم أنه أصغر منه سناً، وأذكى منه، وأقوى منه، ولم يقبل أن يصير الأب المقتول الذي يرث عرشه ابنه القاتل. كان لا بد للبلاد من أب واحد ومن ملايين الأمهات، وكان على الرجال الذين لا يريدون لرؤوسهم أن تُقطع أن يمثّلوا دور الأم، دور الزوجة، ودور البنت العاشقة لأبيها المتيّمة به، المغرمة به.

كان لا بدّ للبلاد من أب واحد، وقد تصارع كلّ من ظنّ في نفسه الأب حول تلك الأبوة، صراعاً طبيعياً بالأسلحة والدسائس والمؤامرات، صراع ديكة حكيمة ورزينة وداهية ودموية. وكلّ ما حدث، هو أنّ الحسن الثاني الأب الأول استطاع القضاء على كلّ الآباء المنافسين، ابتداءً من اعبابو والمذبوح إلى أوفقير والدليمي، وغيرهم كثير. 

لا يمكننا اليوم الحديث عن خائن ووفي، عن بطل وعن نذل، عن رمز وعن عار، لا يمكننا اليوم سوى النظر إلى تاريخ البشر بعيون جاحظة كعيون الموتى والبقاء صامتين، لأنّ الكلام مصيدة، الكلام شراك، الكلام رصاص ينطلق من فم صاحبه عبر بندقية مقلوبة في اتجاهه. لا يمكننا إلا النظر، ومن ثمّة الالتفات بعيداً حيث السماء الملغزة. 

السلطة لا تصنع إلا بالحديد، والملك لا يُبنى إلا على الجماجم، والجاه لا يُشيّد إلا بالظلم والغبن والخديعة. إنهم جميعاً الآلة نفسها، الآلة المعدنية القاتلة ذات القلب الرقيق، الآلة التي تقتل وتنسى، تفتك وتضحك، تدمّر وتغني. 

جينات قطّاع الطرق الدنيئة تشبه تماماً جينات الملوك، لا تقبل الخضوع لأحد ولا الانحناء لأحد

وأنت تسمع الضابط يقرأ لائحة الضباط الذين حكم عليهم بالإعدام في الماضي، والذين سيحكم عليهم بالإعدام في المستقبل، في كلّ الدول والبلدان والحروب وعبر التاريخ، ستعرف أنّ اليد التي تسبق إلى الزناد هي نفسها اليد التي تصنع العدالة، كما لو أنّ العدالة هي القدرة القصوى على القتل عوض أن تكون القدرة القصوى على السلم.

لو أنّ انقلاب أوفقير نجح لصرخ الشعب باسم الجنرال: عاش الجنرال، عاش البطل، عاش محرّر المغاربة من الملوك والسلاطين الفاسدين، عاش الأب الجديد والخزي للأب القديم... لو أنّ الانقلاب نجح لانقلب بسرعة كلّ الأوفياء للملك إلى هجّائين بارعين له، فهم أول من يعرف أسراره وهناته وسقطاته...

مع قليل من التوابل والبخور، كان الشعب سينسى بسرعة كلّ الدم الذي تقاطر من ساعدي أوفقير ويصنع له هالة الشرفاء والأولياء والسلاطين، وبالسرعة نفسها سينسى كلّ مدحه للحسن الثاني وكلّ هالته وهيلمانه، ولن يرى فيه إلا ذلك النذل الصغير، القاتل، ناهب ثروات البلاد والعباد. 

للشعوب دائماً، وعلى مرّ التاريخ، ذاكرة الأسماك. 

بينما للآباء الحمقى الحاكمين أو الساعين للحكم ذاكرة واحدة فقط، ذاكرة مشتركة، لا تَنسى ولا تُنسى هي: ذاكرة الدم