‏إظهار الرسائل ذات التسميات توماس فريدمان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات توماس فريدمان. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 31 يوليو 2020

ماذا لو كانت الكمّامات تستطيع الكلام؟!

ماذا لو كانت الكمّامات تستطيع الكلام؟!
توماس فريدمان
كاتب وصحافي أميركي
يمكن تذكر صيف 2020 باعتباره واحداً من تلك التواريخ المهمة حقاً في التاريخ الأميركي.
فأينما ذهبت ترى آباء لا يعرفون إن كان أبناؤهم سيذهبون إلى المدرسة هذا الخريف، ومستأجِرين لا يعرفون متى أو إن كانوا سيُطردون، وعاطلين لا يعرفون أي شبكة أمان، إن وُجدت، سيضعها الكونجرس تحتهم، وشركات لا تعرف كيف أو ما إن كانت تستطيع الصمود يوما آخر، كما أنه لا أحد منا يعرف ما إن كنا سنستطيع التصويت في نوفمبر.
هذا كم كبير من القلق الذي يتراكم تحت اقتصادنا ومجتمعنا ومدارسنا وشوارع مدننا، لأننا فشلنا فشلا ذريعا في إدارة أزمة فيروس كورونا. فلدينا 25 في المئة من كل الإصابات المسجلة في العالم، في حين أننا لا نمثّل سوى 4 في المئة من سكان العالم. وفي أقصى مظهر من مظاهر السخرية، فإن فيتنام، التي لديها أقل من ثلث سكاننا بقليل وأعلنت عن 416 حالة إصابة فقط ولا وفيات، تشعر بالأسف لحالنا.
فكيف أصبحنا حمقى لهذه الدرجة؟
لو دُفنت أميركا تحت حمم بركانية على غرار ما حدث لمدينة بومبي الإيطالية في سنة 79 ميلادية، لا قدّر الله، وجاء علماء الآثار لاحقا للحفر والتنقيب عن معالمها، فلا شك لدي في أن القطعة الأثرية الذي سينفضون عنها الغبار ويحملونها أولاً لتجيب عن ذلك السؤال الكبير ستكون شيئاً بسيطا لا تكاد صناعته تكلّف شيئا، ومن السهل جدا ارتداؤه: إنه الكمّامة.
وبالنسبة لشيء يفترض أن يغطّي وجوهنا فإن ذاك الشيء يشي بالكثير بخصوص الجنون الذي أصاب بعضنا. إذ تُخبرنا تلك الكمامة، بشكل خاص، كيف خلق أغلى بلد في العالم وأكثره تقدما علميا مجموعةً من الزعماء والمواطنين الذين حوّلوا ارتداء غطاء على أنوفهم وأفواههم تجنباً لانتشار العدوى إلى موضوع لحرية التعبير، وهو شيء لم يفعله أي بلد آخر في العالم.
والحال أنه ليس هناك شيء أكثر تثبيطا للمعنويات من هذا، ولا شيء يصيب بانتكاسة أقوى وأسرع في المعركة ضد كوفيد- 19. فالمجتمع الذي يستطيع تسييس شيء بسيط مثل الكمامة في زمن الوباء يستطيع تسييس أي شيء، ويستطيع أن يجعل من أي شيء موضوعاً خلافياً مثيراً للانقسام: الفيزياء، الجاذبية، التساقطات المطرية، أي شيء. والمجتمع الذي يسيّس أي شيء لن يدرك أبدا إمكانياته الكاملة في الأوقات الجيدة أو تلافي الأسوأ في الأوقات السيئة.
هذا هو حالنا اليوم.
إنه أمر لا يغتفر.
ومع ذلك، وعلى مدى عدة أشهر، ظل رئيسنا ونائب الرئيس ومعظم الحكام «الجمهوريين» وأتباعهم يساوون بين رفض ارتداء الكمامة ورفض انتهاك الحرية الشخصية، بدلا من أن ينظروا إليه باعتباره الشيء الأرخص والأكثر فعالية الذي يمكن أن نفعله للحد من انتشار الفيروس، والعودة إلى العمل وعودة أطفالنا إلى المدرسة.
والواقع أن رفض الرئيس ترامب للكمّامات لم تكن له أي علاقة بالإيديولوجيا. فقد كان مجرد معارضة من جانبه لأي شيء من شأنه إبراز الأزمة الصحية الحقيقية التي كنا فيها، وبالتالي قد تؤذي حظوظه في إعادة الانتخاب.
غير أن نائب الرئيس مايك بنس، السعيد دائما بتسويغ أفعال ترامب، حاول إلباس مقاومته للكمامات لبوساً دستورياً أنيقاً. فعندما سأله صحفي في تجمع ترامب بمدينة تولسا قبل بضعة أسابيع: لماذا يبدو الرئيس غير قلق بشأن غياب الكمّامات والتباعد الجسدي في الفعالية؟ قال بنس: «أودُّ أن أذكّرك بأن حرية التعبير وحرية التجمع السلمي منصوص عليهما في دستور الولايات المتحدة. والشعب الأميركي لا يتخلى عن حقوقنا الدستورية ولو في حالة أزمة صحية».
يا له من تدليس!
فكما كتب «جون فين»، الأستاذ الفخري للعلوم السياسية بجامعة «ويسليان»، في مقال مؤخراً: «هناك سببان يفسّران لماذا لا يُعد فرض الكمامة انتهاكا للتعديل الأول من الدستور. الأول هو أن الكمامة لا تمنعك من التعبير عن رأيك… وإضافة إلى ذلك، فإن التعديل الأول، وعلى غرار كل الحريات التي يكفلها الدستور، ليس مطلقا. ذلك أن كل الحقوق الدستورية خاضعة لسلطة الحكومة في حماية صحة المجتمع وسلامته ورفاهيته».
وفضلا عن ذلك، وجدت دراسة أنجزتها مؤسسة «بوسطن كونسالتينغ غروب» حول البلدان التي لم تسطّح منحنى فيروس كورونا فقط وإنما «سحقته»، أن السبيل إلى إعادة فتح الاقتصادات بالتوازي مع احتواء انتشار الفيروس يكمن في «التباعد الجسدي، وغسل اليدين مرات متعددة خلال اليوم، والاستخدام الواسع للكمامات»، وحقيقة إن هذه الحكومات طوّرت إرشادات مفصّلة بخصوص الوسائل الثلاث في ما يتعلق ببيئة العمل، والمدارس، والنقل العمومي.
وخلاصة القول: إن ارتداء كمامة في هذا الوباء هو إشارة احترام لمواطنينا وجيراننا، بغض النظر عن عرقهم أو عقيدتهم أو انتمائهم السياسي. فارتداء الكمّامة يقول لنا: «إنني لستُ قلقا على نفسي فحسب، وإنما قلق عليك أيضا. إننا جميعا جزء من المجتمع نفسه، والبلد نفسه، والكفاح نفسه من أجل البقاء أصحاء وسليمين».
ولو كان الأمر يتعلق برئيس آخر فإنه كان سيحث كل أميركي، منذ بداية هذا الوباء، على ارتداء كمامة بالأحمر والأبيض والأزرق (ألوان العلم الأميركي)، وكان سيستخدم مثل هذه الكمامة للقيام بعمل مزدوج: القضاء على كوفيد- 19 وتوحيدنا من أجل المسيرة الطويلة اللازمة للقيام بذلك.

الترجمة: مركز الناطور

الثلاثاء، 9 أكتوبر 2018

الصلاة من أجل جمال خاشقجي

 الصلاة من أجل جمال خاشقجي
Praying for Jamal Khashoggi
توماس فريدمان 
نشر توماس ل. فريدمان، الصحافي في صحيفة «نيويورك تايمز»، مقالًا بعنوان: «صلاة من أجل جمال خاشقجي»، يشرح فيها صلة الصداقة التي جمعته بالصحافي السعودي البارز جمال خاشقجي، وتفاصيل عن لقائهم الأخير في واشنطن قبل عدة أيام من اختفائه في ظروفٍ غامضة داخل مقر السفارة السعودية في إسطنبول، ويعد فريدمان من أكثر الصحفيين المؤيدين لسياسات ابن سلمان داخل المملكة العربية السعودية وإصلاحاته، وفيما يلي عرض لترجمة المقال.

«لقاء الوداع» .. كيف رأى خاشقجي ابن سلمان؟

قال لي صحافي سعودي مخضرم عن ابن سلمان، هذا الرجل أنقذ المملكة العربية السعودية من موتٍ بطئ، لكنه يحتاج إلى توسيع قاعدته، كان جيدًا منه تحرير بيت آل سعود من تأثير رجال الدين، إلا أنه رغمًا عن ذلك لا يسمح بوجود رأيٍ ثانٍ في قراراته السياسية والاقتصادية. *فريدمان
بهذه الجملة أنهى توماس فريدمان، وهو الصحافي المؤيد لسياسة محمد بن سلمان ولي العهد السعودي مقالًا له في صحيفة نيويورك تايمز في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. كان المقال عن محمد بن سلمان ولي العهد السعودي الجديد، وبدأ بها مقاله اليوم قائلًا: «لا أعتقد أن هذا الصحافي السعودي، والذي كان صديقًا لي على المستوى الشخصي أيضًا، سيمانع الآن لو بُحت باسمه، كان اسمه جمال خاشقجي».
يصرح توماس فريدمان أن جمال خاشقجي قد ذهب إلى مكتبه قبل بضعة أيام لإجراء حديث مطول حول أوضاع المملكة العربية السعودية وولي العهد ابن سلمان، مُضيفًا: «قد تكون آرائي عن المملكة السعودية تعبر عن شخصي؛ لكن هذا لا يمنع أن جمال كان له تأثير كبير عليها، وذلك لأنه شخص قد عمل داخل حكومتهم، ويعرف جيدًا أن الكمال ليس متواجدًا على قوائمهم، بل يجب العمل بناء على المعطيات السياسية لأرض الواقع».



(جمال خاشقجي)
«كان جمال يحب بلاده كثيرًا، ويريد أن يرى نجاحها»، هكذا صرح فريدمان، مُشيرًا إلى أن جمال رأى ابن سلمان شخصًا يمكنه تحسين الأمور وعمل الإصلاحات الجذرية اللازمة، إلا أنه على الجانب الآخر رأى ولي العهد يحتاج إلى الكثير من التدريب؛ إذ أن لديه جانبًا مظلمًا يخفيه جيدًا في أقصى منطقة معزولة داخل نفسه.
يقول فريدمان: «بعد مرور عام كامل أدرك جمال أن الجانب المظلم داخل نفس ابن سلمان هو من يتولى قيادة الأمور».

عن خديجة وحقيقة خطوبة خاشقجي

في أغسطس (آب) الماضي، قابلته صدفة في شوارع واشنطن، وأخبرني أنه مقدم على الزواج من امرأةٍ تركية. *فريدمان
صرح فريدمان أن خاشقجي كان مقدمًا حقًا على الزواج من امرأةٍ تركية، وأنه أخبره ذلك في لقاءٍ عابر، محدثًا إياه عن صعوبة عودته إلى المملكة العربية السعودية في الوقت الحالي نظرًا لحملات القمع القاسية والاعتقالات التي شملت تقريبًا كل المعارضين السياسيين أيًا كان توجههم السياسي، من قبل ولي العهد.
يشير فريدمان إلى أنه في مقالٍ له بتاريخ 4 سبتمبر (أيلول) الماضي، وبإصرارٍ مضاعف على وجهة نظره المؤيدة تمامًا لمحمد بن سلمان، وسياسات المملكة السعودية الحالية، كتب: «ليس لدي شك من أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كان الوحيد تقريبًا في عائلته الذي ملك الجرأة للقيام بمثل هذه الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والدينية دفعةً واحدة، إلا أنه كان أيضًا الأول من بين عائلته الذي قاد مبادرات سياسية خارجية متنمرة، ومسرحياتٍ على الصعيد المحلي؛ إضافةً إلى الإفراط في الإنفاق الشخصي، دفعة واحدة أيضًا، إنهم نصفيَّ ابن سلمان كاملين. ومهمتنا تتلخص في الحد من جوانبه السيئة، وتغذية جهوده الطيبة، إلا أن ترامب والذي لا يملك حتى الآن سفيرًا في المملكة السعودية يتهرب من هذا الدور».

بحسب فريدمان؛ فالديمقراطية خارج أجندة ابن سلمان، وهو لا يتوقع من المملكة العربية السعودية بأن تصبح الدانمارك مثلًا بين ليلةٍ وضحاها، إلا أن ما قام به ولي العهد من إصلاحات اجتماعية واقتصادية، وخاصةً الدينية منها، كانت بالنسبة إليه الأهم، إلا أن الإصلاحات الدينية كي تحدث، تحتاج حراكًا على المستويين الآخرين، خاصةً مع الدور الهام الذي لعبته المملكة منذ سبعينات القرن الماضي في نشر الصورة المتشددة للإسلام، والذي تسبب في النهاية بأحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ بحسب فريدمان، كانت فكرة وجود قائد للمملكة اليوم قادر على تحويل شكل الإسلام السني السعودي إلى مسار أكثر انفتاحًا وشمولًا، وهو المسار الذي من شأنه عزل الإسلاميين الراديكاليين، وتعزيز منطق المعتدلين سيعم بالفائدة على الولايات المتحدة بالتأكيد.

التطورات الأخيرة في المملكة يؤذي بها ابن سلمان نفسه

وعن التطورات الأخيرة في المملكة العربية السعودية، يقول فريدمان أن ابن سلمان قد اتخذ في الفترة الأخيرة عدة خطوات غير مدروسة، تؤذيه شخصيًا، وتؤذي المملكة السعودية، والجميع. يضيف فريدمان أنه قد شرح من قبل في مقالاته السابقة عن وجود بعض المستشارين المتشددين في بلاط ابن سلمان، يحثونه على اتباع «النموذج الصيني»، هذا النموذج القائم على التنمر ومعاداة العالم؛ وهو ما حاول ابن سلمان تنفيذه عندما قامت كندا بانتقاد معاملة حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية؛ إذ أخذ ابن سلمان نهج الصين، ساعيًا نحو الاتفاق النووي وقطع العلاقات مع كندا، كان هذا رد فعل مبالغ فيه، بحسب فريدمان؛ لأن السعودية ليست الصين، وتحتاج للدول الصديقة وأن تكون أشبه بمدينة دبي الإماراتية، لا شنغهاي، تحتاج السعودية لأن تصبح قوى ناعمة، غير معادية، مُضيفًا: «في الحقيقة نقطة التشبه بالنموذج الصيني قالها لي بعض الأشخاص المقربين من ولي العهد، والذين أصبحوا أكثر انزعاجًا منه».



(ولي العهد السعودي محمد ابن سلمان)
ابن سلمان الذي ملك الجرأة ليمكن النساء من قيادة السيارات لأول مرة في تاريخ السعودية، هو نفسه الذي قام باعتقال ناشطات سعوديات بتهمة التواصل مع بعض الجماعات المناهضة للسعودية في لندن؛ وفقًا لفريدمان، كما كانت الحرب السعودية – الإماراتية في اليمن كارثة إنسانية، اتهمت فيها السعودية بارتكاب جرائم حرب محتملة؛ إلى جانب إيران والحوثيون الذين ساهموا بشدة في تدمير اليمن.
يرى فريدمان أن الاستقرار المستقبلي للمملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج العربي كلها، يعتمد على عملية الإصلاح السعودية، والتي لا يمكن أن تنجح دون وجود استثمارات قوية سواء من جانب السعوديين؛ أو من خلال الاستثمارات الأجنبية؛ مما يساعد على خلق قطاع خاص أكثر حيوية وتنوعًا، وفرص عمل مناسبة للجميع؛ إلا أن المستثمرين السعوديين والأجانب. يشعرون بالقلق خاصةً بعد الستة أشهر الأخيرة.
يبدو أن مستشاري ابن سلمان المتشددين قد أقنعوه أن القضايا الأمنية تأتي في المقام الأول قبل الاستثمارات، يقول فريدمان، دون أن يملك أحدهم القدرة لإخباره حقيقة أن الأموال تتسرب من داخل المملكة السعودية وليس فيها.
النساء والرجال بالجامعات السعودية؛ وهم قطاع الشباب الذي يشكل الشعبية الكبرى لابن سلمان؛ إن لم يجدوا بعد تخرجهم فرص عمل لائقة؛ سيكون من السهل تجنيدهم لدى المتطرفين الدينيين، طبقًا لرؤية فريدمان.
كلما فكرت في كل إجراء اتخذه ابن سلمان على حدة، قلتُ، ربما يملك مبررات قوية لذلك، ولكن بتجميعها سويًا، بات واضحًا أنه فقد مغزى ما يفعله. *فريدمان
يشير فريدمان إلى أن تصرفات ولي العهد الأخيرة، تخلق حالة من عدم اليقين أكثر من الاحترام، مُضيفًا أن الرئيس ترامب وفريقه لا يدركون دور الولايات المتحدة الأمريكية، والذي لا يتوقف فقط على التدخل من الباطن لصنع قرارات الشرق الأوسط لدى شركائها في إسرائيل والسعودية وروسيا؛ بل عليها أيضًا أن تضع لهم خطوطًا حمراء، حتى يستطيع المتطرفون من قادتهم قول: «عفوًا أنا معك، لكن الولايات المتحدة لن تسمح بالقيام بذلك».

مقتل جمال خاشقجي صدمني

قال فريدمان «لم أكن مُندهشًا، لكنني صُدمت حين التقطتُ الصحيفة وقرأت أن المملكة العربية متهمة باختطاف أو قتل جمال خاشقجي أثناء زيارته للقنصلية السعودية في اسطنبول، لاستخراج بعض أوراق الزواج».
يرى فريدمان أنه ما زلنا بحاجة إلى رؤية أدلة دامغة على صحة هذه المزاعم؛ وآمل حقًا ألا تكون حقيقية؛ على الرغم من ريبة الأمر، والتي تشير إلى إتجاهٍ جديد -في السياسة السعودية- أكثر سوءًا.
«إذا تم حقًا اختطاف وقتل خاشقجي من قبل عملاء الحكومة السعودية، ستكون كارثة لابن سلمان ومأساة للمملكة السعودية، والخليج العربي كله»، هكذا وصف فريدمان هذا الفعل بأنه خرق لكل المعايير الإنسانية لا يمكن التغاضي عنه، مُشيرًا إلى أن القادم أسوأ وليس من خلال الأرقام، ولكن المبادئ التي ستجعل الأمر أسوأ حتى من حرب اليمن؛ فليس هناك من مستثمرٍ أجنبي سيقف إلى جانب ابن سلمان إن ثبتت دماء خاشقجي على يديه؛ وأن الحقيقة لن تموت.
أولئك الذين أرادوا بقوة الوقوف إلى جانب مبادرات ابن سلمان، ومؤازرة إصلاحاته، وتقبل شقيه السيئ منهم والجيد؛ إذا أدركوا أن الجوانب السلبية في عهده قد طغت على المكاسب، وأن نظامه أصبح يشكل تهديدًا لتحول المملكة العربية السعودية للشكل الحضاري المرجو وليس العكس، سينفضوا من حوله.
يختتم فريدمان مقاله قائلًا «لذلك أنا أصلي من أجل جمال؛ فكل بلد بحاجة إلى نقدٍ بناء؛ كدواء لاذع سيمكنك من أن تصبح أكثر صحة، ولهذا يجب أن يصلي ابن سلمان من أجله أيضًا»

الاثنين، 4 ديسمبر 2017

السعودية بعيون أميركية: انهيار سياسي واقتصادي وشيك

السعودية بعيون أميركية: انهيار سياسي واقتصادي وشيك

فريدمان توقع نتائج كارثية جراء سياسة بن سلمان

واشنطن ــ أحمد الأمين

صورة قاتمة عن مستقبل المملكة السعودية، رسمتها مناقشات الصحافي الأميركي، توماس فريدمان، الذي زار الرياض مؤخرا، والتقى ولي العهد محمد بن سلمان، وبروس ريدل مستشار الأمن السابق ومؤلف كتاب "ملوك ورؤوساء: السعودية والولايات المتحدة منذ فرانكلين دوايت روزفلت"، خلال ندوة في معهد بروكينغز في واشنطن، في إطار مؤتمر سابين 2017 الذي يمول تنظيمه رجل الأعمال الإسرائيلي الأميركي هامان سابين، وتتركز مناقشاته على العلاقات الأميركية الإسرائيلية.

ورغم إبداء فريدمان بعض الحماسة للبعد الإصلاحي الديني والاجتماعي في حركة بن سلمان، كحديثه عن الإسلام المعتدل وحملته على الفساد، إلا أنه توقع نتائج كارثية جراء سياسته الخارجية في اليمن وقطر ولبنان.

كما انتقد فريدمان تصعيد القيادة السعودية الجديدة اللهجة ضد إيران، والحديث عن المواجهة العسكرية للحد من نفوذها في المنطقة. وحذر السعوديين من أن معركتهم "ستكون خاسرة دون شك لأن الإيرانيين، أصبحوا ملوك لعبة حروب العصابات والمليشيات في المنطقة، بعد أربعين عاما من مراكمة التجارب الميدانية، بينما كل ما كان يفعله الحكام السعوديون في تلك الفترة كان التوقيع على الشيكات".
وبحسب رأي الصحافي، فإن بن سلمان قد يكون "طاقة شابة تحتاجها السعودية التي كانت متجهة بسرعة نحو الانحدار"، لكن ما ينقص حكمه هو "وجود مدرب أو معلم يساعده في اتخاذ القرارات الحكيمة، من أجل حماية حركته من خصومها الكثر في الداخل والخارج"، مضيفاً "الآن معلمه هو ترامب، وأترك لكم توقع النتائج".

ولدى إشارة أحد الحاضرين إلى ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، على اعتبار أنه العقل المدبر الذي يؤثر على قرار بن سلمان، قال فريدمان "إذا كان الأمر كذلك فأنا أنصحه بمحمد بن راشد حاكم دبي وليس محمد بن زايد حاكم أبوظبي".

وعن العلاقات السعودية الإسرائيلية نصح الصحافي الأميركي "الأصدقاء الإسرائيليين" بعدم كشف علاقاتاتهم السرية مع السعوديين أمام وسائل الإعلام إذا كانوا يريدون لتجربة محمد بن سلمان أن تنجح في محاربة التعصب في المجتمع السعودي، وتدخل إصلاحات اجتماعية واقتصادية".

من جهته، أشار مؤلف كتاب "ملوك ورؤساء"، بروس ريدل، إلى أن "العلاقات السرية السعودية الإسرائيلية تعود إلى عهد الملك فيصل في ستينيات القرن الماضي، عندما تعاون الجانبان لدعم الملكية في اليمن بمواجهة خصومها المدعومين من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر".

لكن مؤرخ العلاقات السعودية الأميركية رأى أن "العلاقات بين البلدين ليست كما تصورها إدارة ترامب". وأشار إلى "قانون جستا الذي أقره الكونغرس العام الماضي، الذي يجيز مقاضاة الحكومة السعودية أمام المحاكم الأميركية من قبل أهالي ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر".

كما كشف ريدل أن عدد القضايا في المحاكم ضد السعودية والإمارات على خلفية هجمات سبتمبر بلغ حتى الآن ستة، متوقعا أن تلزم المحاكم الأميركية الحكومتين السعودية والإماراتية بمئات مليارات الدولارات، لافتاً إلى أن "رفض الرياض إدراج شركة أرامكو في بورصة نيويورك يعود لهذا السبب، أي الخوف من صدور أحكام بدفع تعويضات مالية سعودية لضحايا هجمات سبتمبر".

ووصف حديث ترامب عن صفقات أسلحة بمئات مليارات الدولارات بأنها "أخبار كاذبة"، وأن "الصفقات التي تمت لا تتجاوز قيمتها بضعة مليارات"، وأن "ما يتحدث عنه ترامب هو مجرد وعود من بن سلمان لن يتمكن من الإيفاء بها، لأن خزينة الدولة فارغة، ما ينذر بانهيار اقتصادي في المملكة".




المقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية أجراها الصحفي الشهير توماس فريدمان 

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017

أنت في عجلة من أمرك!

أنت في عجلة من أمرك!

توماس فريدمان مدح بن سلمان قبل سنتين، والآن يصرخ: احذروا منه! 

قد تكون متحمساً لمحمد بن سلمان! لكنك تحتاج لقراءة ما كتبه أشهر معجبيه الأمريكيين


زاره في مملكته في السعودية، وجلس معه لأيام يتجاذبان أطراف الحديث، اختبره، وعجنه، ثم كتب عنه مقالاً أثار الكثير من الجدل حينها بتبشيره بعهد جديد مع محمد بن سلمان. الآن وبعد سنتين تقريباً من مقاله ذاك، يعود الكاتب الأميركي المشهور توماس فريدمان ليحذر الملك السعودي القادم: أنت في عجلة من أمرك! في مقال جديد نشرته نيويورك تايمز.
وتوماس فريدمان، هو صحفي وكاتب أميركي ومُحرِّر الشؤون الخارجية بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، وحاصل على 3 جوائز بوليتزر عام 1983 و1988 و2002.
يقول فريدمان إنه لفهمِ الاضطرابات الأخيرة التي تحدث في السعودية، علينا أن نبدأ بالحقيقة السياسية الأهم عن البلاد: فالقوة السياسية المُهيمِنة في البلاد على مدار العقود الأربعة الماضية لم تكن الإسلاميين، أو الأصوليين، ولا الليبراليين، ولا الرأسماليين، ولا حتى داعش.
فبرأيه القوة المهيمنة كانت قوة الزهايمر.
فالملك الحالي للسعودية يبغ من العمر 81 عاماً. ولقد حلَّ محل ملكٍ مات في عمر التسعين، الذي كان بدوره قد حلَّ محل ملكٍ مات في الرابعة والثمانين.

ولم يتعلَّق الأمرُ بأنه لم يُدخِل أيٌّ منهم إصلاحاتٍ في البلاد، بل لقد ظنَّ هؤلاء الملوك المُتعاقِبون أن إصلاح البلاد بسرعةِ عشرة أميال في الساعة كان كافياً -وأسعار النفط المرتفعة تُغطِّي هذا البطء- في عصرٍ كان العالم يشهد فيه تغييراً سريعاً في التكنولوجيا والتعليم والعولمة.

لكن هذه السرعة لم تعُد فعَّالة. تُقدَّر نسبة السعوديين تحت سن الثلاثين بنحو 70%، بينما حوالي 25% منهم عاطلون عن العمل. وبالإضافة إلى ذلك، هناك أكثر من 200 ألف منهم يدرسون في الخارج، وحوالي 35 ألفاً منهم -رجالاً ونساءً- يعودون إلى وطنهم بشهاداتٍ يأملون بها في عملٍ هادف، ناهيكم عن الطموح لفعلِ شيءٍ ممتع بخلافِ الذهاب إلى المساجد والمولات التجارية. ويحتاج النظام في السعودية على نحوٍ مُلِحٍّ إلى خلقِ فرص عملٍ إضافية خارج قطاع النفط، حيث لم يَعُد الناتج السعودي كما كان عليه في السابق، ولا يمكن للحكومة أن تظل تقايض مدخراتها بالاستقرار.

بن سلمان كما عرفه واختبره توماس فريدمان

هذه هي الخلفية التي جرى عليها هذا الأسبوع استعراض القوة الجريء -لكن المُتهوِّر في الوقت نفسه- من قِبَلِ ابن الملك ذي الـ32 عاماً، ولي العهد محمد بن سلمان.

ويضيف فريدمان: لقد تحاورت مع محمد بن سلمان مرتين. إنه شابٌّ في عجلةٍ من أمره. وجدت شغفه للإصلاح أصيلاً، ودعم شباب بلده له كبيراً، وقضيته لإجراء تغيير جذري في المملكة مُقنِعاً، لكن هناك أمران ينبغي قولهما لفهم ما يحدث في بلاد الحرمين.

يهتم بالأرقام أكثر من حفظ القرآن
الأمر الأول أنه ماكنزي أكثر منه وهابي، فـ"بن سلمان" بحسب 
فريدمان "تشغل الأرقام باله أكثر بكثيرٍ من القرآن".

هز أركان النظام السعودي
والأمر الثاني هو أنه إن لم يكن بن سلمان موجوداً، لكان النظام 
السعودي اضطر لاختلاقه. فبرأي فريدمان "كان على شخصٍ ما
 أن يهز أركان هذا النظام" في السعودية.

لكن المشكلة: أين تتوقف دوافع الإصلاح وتبدأ دوافع الاستيلاء
فالأمر الواقع لا ينتهي عند الأمرين السابقين. يمضي فريدمان بالقول: ما لا أستطيع التأكيد عليه: أين تتوقَّف دوافعه للإصلاح وتبدأ بواعثه للاستيلاء على كل السلطة؟

فبعدما ألقى محمد بن سلمان القبض على عددٍ كبيرٍ من الأمراء السعوديين، ومُلَّاك وسائل الإعلام، ورجال الأعمال المليارديرات، باتهاماتٍ بـ"الفساد"، غرَّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على موقع تويتر، مُصفِّقاً له: "بعضٌ مِمَّن عومِلوا بقسوةٍ كانوا يحلبون بلدهم لسنين".

ويقول فريدمان: لا يسعني إلا الضحك حين أقرأ تلك التغريدة. فسماع أنَّ الأمراء السعوديين أُوقِفوا بسبب "الفساد" هو أمرٌ شبيه بقراءة أنَّ دونالد ترامب قد عَزل 7 من وزرائه بسبب "الكذب".

اليدان غير النظيفتين لا تستطيعان محاربة الفساد


فترامب يعلم أنَّه لا بد من أنَّ هناك سبباً آخر. فقد أغفل عن عمد قصة شراء بن سلمان يختاً حين كان في عُطلةٍ بجنوبي فرنسا من مالكه الروسي بـ550 مليون دولار، علماً أنه لم يكن قد رأى اليخت إلا لحظتها واندفع لشرائه رغم المبلغ الباهظ.

ويمضي فريدمان: هل جاءت تلك الأموال من خزينته؟ أم من مدخراته التي جمعها من بيعه لعصير الليمون في الرياض؟ أم من برنامج (K 401) الذي قدمته الحكومة السعودية؟ (وهو برنامج لمدخرات ما بعد التقاعد في الولايات المتحدة).

إنَّني أُثير تلك النقطة لأنَّكم حين تقومون بمثل هذا العدد من التغييرات الجذرية دفعةً واحدة، وتصنعون مثل هذا العدد من الأعداء دفعةً واحدة، مثلما فعل بن سلمان، يتعين أن تكون أيديكم نظيفة. لا بد أن يُصدِّق الناس أنَّك تعني ما تقول، وأنَّك لا تملك أي أجنداتٍ خفية، لأنَّ التغيير سيكون مؤلماً. انظروا إلى ما كل ما يفعله بن سلمان دفعةً واحدةً.

مملكة بن سلمان العربية
من أجل تسريع عملية اتخاذ القرار، يُعيد بن سلمان تشكيل الدولة السعودية -من تحالفٍ عائلي واسع تُقسَّم فيه السلطة وتتبدَّل بين 7 أسر كبرى وتُتَّخَذ القرارات بالتوافق- إلى دولةٍ يحكمها فرعٌ عائلي واحد. إنَّها لم تعد "المملكة العربية السعودية". إنَّها أصبحت "مملكة سلمان العربية".

في آخر سلسلة من الاعتقالات، قضى بن سلمان بصورةٍ أساسية على "شباب الحرس القديم"، الأبناء الرئيسيين والمنافسين الطبيعيين من الأفرع الرئيسية الأخرى بالعائلة المالِكة. واعتقل أيضاً مالكي شبكات التلفاز الثلاث شبه المستقلة: إم بي سي، وإيه آر تي، وروتانا.

النظام السعودي لم يعد يستمد شرعيته من الدين
وفي الوقت نفسه، يُغيِّر بن سلمان أساس شرعية النظام، مُنهياً "حقبة 1979"، وفي أعقاب سيطرة داعية سعودي أصولي مُتشدِّد ادَّعى أنَّ عائلة آل سعود لم تكن إسلامية بما فيه الكفاية، على أكثر المواقع المقدسة بالإسلام في مكة، قامت العائلة السعودية المالِكة -من أجل تعزيز شرعيتها الدينية- بدور ديني كبير في الداخل، وبدأت تصدير إسلامها السُّنّي الوهابي المتزمِّت إلى الخارج، فبنت مساجد ومدارس من لندن وحتى إندونيسيا.

لقد كان الأمر كارثياً للعالم العربي/الإسلامي، فأدَّى إلى تفرُّعاتٍ كتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وتأخُّر التعليم العربي والنهوض بالمرأة.

لقد تعهَّد بن سلمان بإيجاد إسلامٍ سعودي أكثر اعتدالاً، بدأ بكبح هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسماح للنساء بقيادة السيارات. وهذا أمرٌ مهم كثيراً. فهو يُشجع الناس على إصدار أحكامهم على أداء الحكومة وليس تقواها، على مؤشرات الأداء الرئيسية والنمو الاقتصادي والإسكان والرعاية الصحية، و"ليس على حفظ القرآن" بحسب ما ذهب إليه فريدمان.

بن سلمان تجاوز حدود قدراته ولا أحد يخبره بذلك

ويستبدل بن سلمان الوهابية كمصدرٍ للتماسك بقوميةٍ سعودية أكثر علمانية، قومية تحتوي على توجُّهٍ قوي مناوئ لإيران/الفرس/الشيعة. وذلك يأخذه إلى بعض المناطق الخطرة، فكي يواجه إيرا دفع بن سلمان رئيس وزراء لبنان السُّنِّي، سعد الحريري، للاستقالة من منصبه السبت، 4 نوفمبر/تشرين الثاني، حين كان في زيارةٍ للرياض، وحمَّل إيران وحلفاءها الشيعة مسؤولية جعل لبنان غير قابلٍ للحكم، وكذلك مسؤولية هجومٍ صاروخي أُطلِق من اليمن. والآن، يتزلزل لبنان، الذي شكَّل توازناً مستقراً نسبياً بين سُنّته، وشيعته، ومسيحييه.

وقاد بن سلمان أيضاً جهداً خليجياً لحصار قطر، بدعوى أنها قريبة أكثر من اللازم من إيران، ولتدمير نفوذ إيران في اليمن، وتدمير اليمن في أثناء ذلك.

ويقول فريدمان: الأمر تجاوز إمكانات وقدرات بن سلمان، لكن يبدو أنه لا أحد حوله ليخبره بذلك.

ويضيف فريدمان: قال لي صحفي سعودي مخضرم عن بن سلمان: هذا الرجل أنقذ السعودية من موتٍ بطيء، لكنَّه يحتاج لتوسيع قاعدته. من الجيد أن يُحرِّر بيت آل سعود من تأثير رجال الدين، لكنَّه لا يسمح أيضاً بأي رأيٍ آخر مخالف لقراراته السياسية والاقتصادية.

ويختم فريدمان: أنا قلقٌ من أنَّ أولئك الذين يحثون محمد بن سلمان على أن يصبح أكثر عدوانية في مواجهة إيران (التي يحتاج نفوذها الإقليمي الخبيث بالفعل إلى مواجهة) -مثل الإمارات، وترامب، وجاريد كوشنر، وبيبي نتنياهو- سيدفعون بن سلمان إلى حربٍ في الخارج والداخل في الوقت نفسه، ويمكننا أن نرى السعودية والمنطقة بأكملها تخرج عن السيطرة في الوقت ذاته. كما قلتُ، أنا قلق.

السبت، 18 يوليو 2015

” توماس فريدمان” في حوار مع أوباما: لماذا الاتفاق مع إيران؟

Obama Makes His Case on Iran Nuclear Deal
” توماس فريدمان” في حوار مع أوباما: لماذا الاتفاق مع إيران؟


بعد ساعات فقط من إبرام اتفاق مع إيران لرفع العقوبات المالية في مقابل فرض قيود على قدراتها النووية، أثبت أوباما أنه رجل لا يتردد على الإطلاق بشأن الاتفاق الذي أبرمه.

 ففي مقابلة مدتها 45 دقيقة في قاعة مجلس الوزراء، أكّد الرئيس على حُجة واحدة، وهي: لا تحكموا علىّ بشأن ما إذا كان هذا الاتفاق سيحوّل إيران، أو سيوقف سلوكها العدواني تجاه بعض جيرانها العرب أو سيؤدي إلى وفاق بين الشيعة والسُنة، ولكن احكموا علىّ بشأن شيء واحد فقط، وهو: هل تمنع هذه الصفقة إيران من تطوير وإطلاق أسلحة نووية على مدى السنوات العشر المقبلة، وهل تُعدّ هذه نتيجة أفضل لأمريكا وإسرائيل وحلفائنا العرب من أي بديل آخر مطروح على طاولة المفاوضات؟
أوضح الرئيس أنّه لم يتفق مع تقييمي في مقالي السابق قبل أسبوعين بأننا لم نستخدم كل نفوذنا ولا تحالفاتنا؛ لمنع إيران من أن تصبح دولة عتبة نووية، من خلال الحصول على بنية تحتية مستقلة للتخصيب والقدرة على تقويض نظام حظر الانتشار النووي العالمي. شخصيا، أريد المزيد من الوقت لدراسة الصفقة، والاستماع إلى آراء الخبراء المحايدين، وإلى ما يقوله القادة الإيرانيون لشعبهم، وما هي الاستراتيجيات البديلة ذات المصداقية التي يطرحها النقّاد. لكنّ الرئيس جادل بالتأكيد على رأيه مع قناعة تامة ومنطق داخلي يجب أن يتعامل معه منتقدوه والكونغرس بجدية.

قال الرئيس:
“نحن لا نقيس هذه الصفقة من منظور ما إذا كانت ستغير النظام داخل إيران، أو ما إذا كنا سنحل كل مشكلة تتسبب فيها إيران، أو ما إذا كنا سنقضي على جميع الأنشطة الشائنة في جميع أنحاء العالم؛ نحن نقيس هذه الصفقة -وهذه كانت الفرضية الأصلية في هذه المحادثة، بما في ذلك مع رئيس الوزراء نتنياهو- من منطلق أن إيران لا يمكنها الحصول على سلاح نووي. كان هذا دائمًا هو محور المناقشة.

ما أود قوله، وأعتقد أننا سنكون قادرين على إثباته، هو أنّ هذا هو المسار الحاسم الذي من خلاله لن تحصل إيران على سلاح نووي، وسوف نتمكّن من تحقيق ذلك من خلال التعاون الكامل من جانب المجتمع الدولي ودون الحاجة إلى الدخول في حرب أخرى في الشرق الأوسط“.


لإقناع الكونغرس المشكك في هذه الصفقة، استمر الرئيس أوباما بشكل واضح في التأكيد على حُجته. ولكنني أشك في أن إرثه بشأن هذه المسألة سيتحدد في نهاية المطاف من خلال ما إذا كانت هذه الصفقة سوف تساعد على المدى الطويل في تحويل إيران، ونزع فتيل الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وإيران والحد من انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط ، وليس تعزيز انتشارها، وهذا سيستغرق وقتًا طويلًا لتحديده.

على المدى القريب، سيُحكم على مزايا الاتفاق من منطلق ما إذا كانت إيران ستتراجع عن قدرات التخصيب النووي التي وافقت عليها، وما إذا كان نظام التفتيش الدولي المتدخل بعمق الذي وافقت عليه سيتمكن من الكشف عن -وبالتالي ردع – أي تلاعب وغش من الجانب الإيراني.

وهنا بعض المقتطفات من المقابلة: ردًا على سؤال حول ما إذا كنا قد فشلنا في استخدام كل نفوذنا، بما في ذلك تهديد حقيقي باستخدام القوة، قال الرئيس: “أعتقد أن هذا النقد مضلّل. دعونا نرى بالضبط ما حققناه. لقد قطعنا كل طريق ممكن على إيران لتطوير سلاح نووي. السبب في أننا كنا قادرين على توحيد المجتمع الدولي حول نظام العقوبات الأكثر فعّالية على الإطلاق، وهو نظام العقوبات الذي شلّ الاقتصاد الإيراني وجلبهم في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات، كان اتفاق العالم معنا في أنه سوف يكون خطرًا كبيرًا على المنطقة، وحلفائنا، وعلى العالم بأسره، إذا امتلكت إيران أسلحة نووية. لم يكن لدينا هذا النوع من الإجماع العالمي حول فكرة أن إيران لا يمكن أن تتمتع بأي قوة نووية على الإطلاق. وبوصفها عضوًا في معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، كانت حجتها، “نحن يحق لنا امتلاك برنامج نووي سلمي“.

وأضاف: “ما تمكنا من القيام به هو أن نقول لهم،” نظرًا لسلوككم الماضي، ونظرًا لشكوكنا القوية والأدلة القاطعة بأنكم تحاولون تسليح برنامجكم النووي، وبالنظر إلى الأنشطة المزعزعة للاستقرار التي شاركتم فيها داخل المنطقة ودعمكم للإرهاب، فإنّه ليس كافٍ بالنسبة لنا أن نثق بكم عندما تقولون إنكم تقومون بإنشاء برنامج نووي سلمي فقط. يجب عليكم أن تثبتوا لنا ذلك. ولذلك، كان النظام الذي بنيناه لا يقوم على الثقة؛ بل على آلية التحقق، حيث يتم إغلاق كل الطرق أمامهم“.

جادل الرئيس بأن نهجه نشأ من نفس المنطق الاستراتيجي الذي استخدمه الرئيسان ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان للتقرب من الاتحاد السوفييتي والصين.

وقال أوباما: “أختلف كثير ا مع رونالد ريغان، ولكن أكثر ما كان يعجبني فيه هو اعترافه بأنه إذا كنت قادرا على التحقق من اتفاق [تم التفاوض بشأنه] مع إمبراطورية الشر التي كانت عازمة على تدميرنا وكانت أكبر تهديد وجودي وأكثر خطورة من إيران، إذن فإنه اتفاق يستحق القيام به. كما أختلف مع ريتشارد نيكسون، لكنه أدرك أن هناك احتمالاً بأن تأخذ الصين مسارًا مختلفًا. يمكنك اختبار هذه الأشياء، وطالما أننا نحافظ على قدرتنا الأمنية، وطالما أننا لا نتخلى عن قدرتنا على الرد بقوة، وعسكريًا أيضًا، حيثما كان ذلك ضروريًا لحماية أصدقائنا وحلفائنا، فهذه مغامرة علينا أن نقبلها. إنّه موقف عملي صائب. إنّها ليست سذاجة؛ بل اعتراف بما إذا كنا نستطيع حل بعض من هذه الاختلافات دون اللجوء إلى القوة، فهذا سيكون أفضل بالنسبة لنا، ولشعوب تلك المنطقة“.
وبالنظر إلى عمق المجتمع المدني الإيراني، الذي أطلق في عام 2009 “الثورة الخضراء” التي تحدت ولاية الفقيه، سُئل أوباما عما إذا كان يعتقد بأنّ القوات هناك ستكون مخولة من قِبل هذه الصفقة من أجل مزيد من الاندماج مع العالم، قال الرئيس:

“فيما يخص إيران، إنّها حضارة عظيمة، ولكن لديها أيضًا حُكم ديني سلطوي معادٍ للولايات المتحدة، ولإسرائيل، ومعادٍ للسامية، وراعٍ للإرهاب، وهناك مجموعة كبيرة من الخلافات العميقة الحقيقية بيننا. ولذلك؛ نحن لدينا هدف بسيط هنا وهو التأكد من إيران لا تمتلك أي أسلحة نووية“.

“الأمر المثير للاهتمام إذا نظرت إلى ما حدث على مدى الأشهر القليلة الماضية، هو أن المعارضين الإيرانيين لهذه الصفقة هم من المتشددين، وأن أكثر المستفيدين من رعاية إيران للإرهاب ومن زعزعة استقرار الدول المجاورة لإيران هم من المعادين لأمريكا وإسرائيل. وهذا له دلالات واضحة؛ لأنّ هؤلاء المتشددين يستفيدون من عزلة إيران، ومن ثم تمكينهم، ليصبحوا اللاعب الوحيد في هذه اللعبة. إنّهم لا يصدرون القرارات العسكرية فحسب، بل إنّهم قادرون من الناحية الاقتصادية على استغلال الحلول الناتجة عن رفع العقوبات؛ من أجل تعزيز أنفسهم في حالة وجود قاعدة مختلفة من رجال الأعمال والتجارة داخل إيران والتي قد تغير طريقة تفكيرهم بشأن التكاليف والفوائد من هذه الأنشطة المزعزعة للاستقرار“.

وأضاف أوباما: “لكننا لا نعول على ذلك، وهذا هو الشيء الذي أريد أن أؤكده، لأنه حتى خلال الأسابيع القليلة الماضية، واليوم، ونحن نعلن عن الصفقة، ما أذهلني حقًا هو أنّ النقّاد يؤجلون الحديث عن القضية النووية، وينتقلون إلى القول بأنّه: “حتى لو تم التعامل مع القضية النووية، إيران مازالت دولة راعية للإرهاب، وستحصل على تخفيف العقوبات، وبالتالي سيكون لديها المزيد من الأموال للانخراط في هذه الأنشطة السيئة.

وهذا احتمال واقعي، ولذلك سنتوخى الحذر بشكل منهجي وسنعمل مع حلفائنا -دول الخليج وإسرائيل- لوقف الأعمال التي تقوم بها إيران خارج البرنامج النووي. ولكن الافتراض المركزي هنا هو أنه إذا حصلت إيران على سلاح نووي، فهذا أمر مختلف، ونحن حققنا هدفنا من هذه المسألة“.

وردًا على سؤال حول ما إذا كانت روسيا متعاونة أم شكّلت عائقًا أمام إبرام هذه الصفقة، قال أوباما: “لقد كانت روسيا متعاونة في هذه الصفقة. ولكي أكون صادقًا معك، لست متأكدًا من أن هذا التعاون سيستمر نظرًا لخلافاتنا القوية مع روسيا في الوقت الراهن بشأن أوكرانيا. هناك انقسام بين بوتين والحكومة الروسية بشأن هذه المسألة بطريقة فاجأتني، ولم نكن لنحقق هذا الاتفاق لو لم تكن روسيا مستعدة للوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وغيرها من أعضاء مجموعة P5+1 والإصرار على التوصل إلى اتفاق قوي“.
“تشجّعت من حقيقة أن السيد بوتين هاتفني منذ بضعة أسابيع، وبدأ المكالمة بالحديث عن سوريا. أعتقد أنّه يشعر بأنّ نظام الأسد يفقد قبضته على مساحات كبيرة من الأراضي داخل سوريا لصالح الميليشيات الجهادية السُنية وأن احتمالات استيلاء الجماعات الجهادية السُنية على سوريا أو هزيمة النظام السوري ليست وشيكة ولكنها تزداد خطورة يومًا بعد يوم. وهذا يوفر لنا فرصة لإجراء محادثة جادة معهم.“

أكثر ما يقلقني ويقلق العديد من النقّاد الجادين الذين يرغبون فعلًا في نجاح الصفقة هو أنّ إيران ليست خائفة من انتقام الجيش الامريكي إذا لم تلتزم بشروط الاتفاق. سألتُ الرئيس، لماذا يجب على الإيرانيين أن يخافوا منا؟

أجاب أوباما: “لأننا يمكن أن نضرب جيشهم بسرعة ونقضي عليه إذا اخترنا ذلك، وأعتقد أنهم رأوا مدى استعدادي للقيام بعمل عسكري عندما اعتقدت أنه كان مهمًا للمصالح الأمريكية. والآن، أعتقد أنهم يرغبون في العمل على مستويات موازية ليكونوا قادرين على الحصول على مزايا الشرعية الدولية، والتجارة، والحد من العقوبات في حين الاستمرار في العمل من خلال الوكلاء بطرق مدمرة في جميع أنحاء المنطقة. لقد كان هذا أسلوبهم، وأعتقد أنه من المهم جدًا بالنسبة لنا أن نتأكد من كشف ما يفعلونه من خلال وكلائهم ومحاسبتهم. وهذا جزء من المحادثة التي يجب أن نجريها مع دول الخليج.“
مع هذا العدد الكبير من المرشحين الجمهوريين للرئاسة الذين يتنافسون على قاعدة يمينية، يبدو أنّه من غير المحتمل أن يحصل الرئيس على الكثير من الدعم لهذه الصفقة من أعضاء الحزب الجمهوري داخل الكونغرس.

وأضاف الرئيس: “أعتقد أنه من غير المحتمل أن نحصل على دعم الكثير من المسؤولين الجمهوريين المنتخبين لهذه الصفقة، وأعتقد أيض ا أن هناك خطًا حزبيًا معينًا لا يجب تجاوزه في الانتخابات التمهيدية وبين العديد من أعضاء الكونغرس. ولكن هذا ليس داخل المجلس. من المثير للاهتمام معرفة ما الذي سيقوله شخص مثل راند بول بشأن هذا الأمر. ولكن أعتقد أنّه لو أتى بعدي رئيس جمهوري -وسأبذل قصارى جهدي لأمنع حدوث ذلك- سيكون هذا الرئيس الجمهوري في وضع أقوى بكثير مما كنت عليه عندما توليت الرئاسة، من حيث تقييد برنامج إيران النووي“.

وأوضح أوباما: “سيكون الرئيس الجديد في وضع يمكنه معرفة أنّ 98% من مواد إيران النووية تم شحنها إلى الخارج، وسيدرك أن الغالبية العظمى من أجهزة الطرد المركزي قد أزيلت، وسيعرف أنه لا يوجد مفاعل ثقيل هناك، وأن المجتمع الدولي قد وقّع على هذا، وسيعرف كل ما تعلمناه من نظام التفتيش، وسيكون في حوزته ترسانة كاملة من قواتنا المسلحة، وأجهزتنا الدبلوماسية والاستخباراتية، للتعامل مع احتمال تلاعب إيران والتي لن تعترف بهذا الآن، فهذه مجرد افتراضات، لأنني أشعر بالتفاؤل إزاء وجود خليفة ديمقراطي يأتي من بعدي. ولكن أعتقد أن هذا يعتمد على أفكار الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والجهود المبذولة من كلا الحزبين. إننا لم نكن لننجح في فرض عقوبات على إيران دون دعم قوي من الكونغرس على أساس حزبي. إنّهم يستحقون الإشادة على ذلك. وفي ظل تنفيذنا لهذه الصفقة أعتقد أنها ستثبت أنها ليست جيدة بالنسبة لنا فحسب بل جيدة للعالم بأسره“.

وتحدث الرئيس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبر مكالمة هاتفية قبل بدء المقابلة. لم يحاول أوباما تجميل خلافاتهما، لكنه ألمح إلى أن إدارته لديها بعض التطورات الاستراتيجية الكبيرة لكل من إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في الخليج.

“لا أعتقد أنه من المناسب بالنسبة لي أنا أناقش التفاصيل المحددة للاتفاقيات الأمنية أو أي عمل نقوم به. ما يمكنني قوله لك هو أن هذه العملية ما زالت في طور التنفيذ. والآن، فيما يتعلق بإسرائيل، أعتقد أنه من الإنصاف أن نقول إنّه في ظل إدارتي، بذلنا المزيد من الجهود لتسهيل القدرات الإسرائيلية، وسبق أنّ قلتُ أيضًا إنني على استعداد للذهاب إلى أبعد من أي إدارة أخرى فيما يتعلق بتوفير الضمانات الأمنية الإضافية من الولايات المتحدة إلى إسرائيل. ما أريد أن أؤكّد عليه هو أن مخاوف الشعب الإسرائيلي مشروعة هنا. يمتلك حزب الله عشرات الآلاف من الصواريخ الموجهة ناحية إسرائيل. لقد أصبح أكثر تطورًا. لم يكن منع تدفقات تلك الأسلحة ناجحًا بدرجة كافية. وهناك مخاوف مشروعة من جانب دول الخليج بشأن إيران في محاولة لإثارة القلق وإحداث زعزعة الاستقرار داخل بلدانها. وفي ظل هذه الظروف، تتصرف إيران بطريقة إيجابية وخطيرة في الوقت نفسه. ما قلته ببساطة هو أنّه يجب علينا التركيز على المسألة المحورية هنا وهي أن امتلاك إيران للسلاح النووي سوف يؤدي إلى المزيد من الضرر، وسنكون في وضع أسوأ بكثير، لن يسمح لنا بمنع ذلك“.

ويجادل الرئيس بأن منع إيران من امتلاك أي قدرة لتخصيب اليورانيوم هو أمر مستحيل بكل بساطة. ويصرّ على أنّ الحل يكمن في كيفية الحد من نسبة التخصيب والتأكد من ذلك: “الآن، ربما يفضّل نتنياهو، والعديد من النقّاد أيضًا، ألّا تمتلك إيران أي قدرات نووية. ولكن في الحقيقة، تنطوي هذه الرغبة على القضاء على وجود المعرفة داخل إيران. التكنولوجيا النووية ليست معقدة اليوم، وبالتالي فإنّ الفكرة القائلة بأن معيار النجاح الآن هو ما إذا كانت إيران تمتلك القدرة للحصول على أسلحة نووية، لا يمكن أن يكون معيارًا بالأساس. والسؤال هو: هل لدينا نظام تفتيش وضمانات وإجماع دولي يجعل إيران ترى أنّ الأمر لا يستحق امتلاك أسلحة نووية؟ لقد أنجزنا ذلك بالفعل“.

وقال الرئيس إنه يعرف أنّه ستكون هناك معركة بينه وبين نتنياهو وأعضاء الكونغرس الذين يشاركون نفس آراء رئيس الوزراء الإسرائيلي، لكنه بدا واثقًا من أنه سينتصر في النهاية.

قال أوباما: “ربما يعتقد نتنياهو أنه يمكنه التأثير على الجدل الدائر في الكونغرس، وأنا على ثقة أننا سنكون قادرين على دعم هذه الصفقة وتنفيذها دون أن يمنعنا الكونغرس. ولكن بعد أن يتم ذلك، إذا كان هذا ما يراه مناسبًا، سوف أجلس وأطرح بعض الأسئلة العملية مثل: كيف يمكننا منع حزب الله من الحصول على أسلحة أكثر تطورًا؟ كيف نعتمد على نجاح القبة الحديدية، التي عملت الولايات المتحدة مع إسرائيل على تطويرها وأنقذت العديد من الأروح الإسرائيلية؟ وبالطريقة نفسها، سأجري محادثات مع دول الخليج حول كيف يكون لدينا سياسة منع أكثر فعّالية، وكيف نبني هياكل حُكم ومؤسسات عسكرية أكثر فعّالية في المناطق السُنية التي أصبحت فراغًا يملأه تنظيم الدولة الإسلامية أو في بعض الحالات، تستغله الأنشطة الإيرانية؟“.

وأضاف الرئيس: “ ما حاولت أيضا أن أشرحه للناس، بما في ذلك نتنياهو، هو أنه في ظل عدم وجود اتفاق، لن يكون لدينا القدرة للحفاظ على هذه العقوبات في المستقبل. مع الأخذ في الاعتبار أنه ليس فقط إيران هي التي دفعت ثمنا باهظا بسبب فرض العقوبات. الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند -أي مستورد للنفط في جميع أنحاء العالم كان يستورد من إيران في السابق- وجدوا أنفسهم في حالة كان يكلفهم هذا الأمر المليارات من الدولارات للحفاظ على هذه العقوبات.

“في بعض النواحي، دفعت الولايات المتحدة أقل سعر للإبقاء على تلك العقوبات، لأننا لم نمتلك أيّة أعمال تجارية مع إيران بالأساس. لقد قدّمت تلك الدول تضحية كبيرة، والسبب في ذلك هو أنّ حكومتنا، وأجهزتنا الدبلوماسية، وكثيرًا من الأحيان مجهوداتي الشخصية، تمكّنا من إقناعهم بأن السبيل الوحيد لحل هذه المشكلة النووية هي جعل هذه العقوبات مؤثرة. وإذا رأوا أننا نبتعد عما يعتقد الخبراء الفنيون أنّه آلية شرعية لضمان أن إيران لا تملك أسلحة نووية، وإذا رأوا أن جهودنا الدبلوماسية لم تكن صادقة، أو كانت تتجاوز البرنامج النووي لتشمل كل خلاف سياسي مع إيران، إذن وبصراحة، فإن هذه العقوبات ستبدأ في الانخفاض بسرعة كبيرة. وبالتالي، ربما لن تحصل إيران على 150 مليار دولار، ولكنها ستحصل على جزء كبير من تلك القيمة، لأننا لم نكن قادرين على المحافظة على هذا الدعم“.


ما أذهلني حقًا هو أحد الأطراف الذي لم نسمع منه سوى القليل، ولكنه الطرف الأهم في النهاية، وهو الشعب الإيراني، وكيف تفاعل مع انفتاح إيران على العالم نتيجة لهذه الصفقة. ماذا يقول الرئيس أوباما لهم؟

“ما أود قوله لهم هو أن هذه الصفقة تمنحهم فرصة تاريخية. لقد كان اقتصادهم ينهار نتيجة العقوبات. والآن، أصبح لديهم القدرة على اتخاذ بعض الخطوات الحاسمة للتحرك باتجاه علاقة بنّاءة مع المجتمع الدولي.. إن هم بحاجة إلى اغتنام هذه الفرصة، ويحتاج قادتها إلى اغتنام هذه الفرصة أيضًا. وحقيقة الأمر هي أنّ إيران ستكون وينبغي أن تكون قوة إقليمية. إنها بلد كبير ومتطور في المنطقة، ولا تحتاج إلى معاداة أو معارضة جيرانها من خلال سلوكها. ليس بالضرورة بالنسبة لإيران أن تشوّه سمعة إسرائيل أو تهددها أو أن تنخرط في إنكار محرقة الهولوكوست أو في أي نشاط معادٍ للسامية. هذا ما أود قوله للشعب الإيراني. وسيخبرنا الوقت ما إذا كان الشعب الإيراني لديه تأثير يكفي لإحداث تحول جذري في طريقة تفكير قادتهم بشأن هذه القضايا“.

اقترحتُ أنّه ربما قد حان الوقت للولايات المتحدة أن تطلق عملية سلام جديدة بين المملكة العربية السعودية التي تمثل السُنة وبين إيران التي تمثل الشيعة. لكن دون خفض حدة التوتر بينهما، فإنّ أي تمكين لإيران سيؤدي إلى زيادة التوتر بين هذين الغريمين التاريخيين التي تمزق الحرب الضروس بينهما منطقة الشرق الأوسط.

أجاب أوباما: “لقد اعتقدت منذ وقت طويل أن علينا أن نشجع التقليل من الأعمال العدائية التي توجد حاليًا بين الشيعة والفصائل السُنية في المنطقة. والآن، أعتقد أنّه عندما تحدثت إلى حلفائنا في الخليج عندما كنا في قمة كامب ديفيد، كانوا واضحين جدًا وقالوا “نحن نرى أنفسنا دولًا عربية، وليست سُنة وشيعة”، وأعتقد أنهم كانوا صادقين. وكثير منهم يقول إن المواطنين الشيعة هم مواطنون مثل باقي المواطنين ويتم التعامل معهم بإنصاف، ولكن ما أعتقد أنه لا يمكن إنكاره هو أن القوى الطائفية التي انتشرت في المنطقة تزيد من شراسة ودمار ما يحدث في بعض الدول مثل سوريا واليمن، وما يحدث بالتأكيد في العراق، وأن أفضل فرصة لدينا للحد من نطاق تلك الصراعات هي دخول السعودية والدول السُنية الأخرى أو الدول العربية في محادثة عملية مع إيران تنص على أنّ “الصراع الذي نساعد على تأجيجه الآن يمكن أن يحرقنا جميعًا“.

“لا أحد لديه مصلحة في رؤية تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر على مساحات كبيرة من الأراضي بين دمشق وبغداد. هذا ليس في صالح إيران. إنه يجعل من الصعب للغاية بالنسبة لها أن تحافظ على وجود منطقة عازلة، التي لطالما كانت حافزًا كبيرًا بالنسبة لها منذ الحرب العراقية الإيرانية. كما أنّه ليس في صالح السعودية؛ فهذا يتركها عرضة للخطر من جميع النواحي، وحقيقة الأمر والأهم من ذلك هو أن هذا ليس في صالح الشعب هناك. أنت تشاهد التقارير الإخبارية التي سبقت الربيع العربي، ولكن بالتأكيد منذ أن تحول الربيع العربي إلى شتاء عربي، أصبحت تبكي على الأطفال في هذه المنطقة، ليس فقط المشردين في سوريا، وليس فقط الذين يعانون حاليًا من الأوضاع الإنسانية في اليمن، ولكن على الشباب الإيراني العادي أو الشباب السعودي والشباب الكويتي الذين يسألون أنفسهم لماذا لا نمتلك نفس الإمكانات التي يحلم بها بعض الأطفال في فنلندا، وسنغافورة، والصين، وأندونيسيا والولايات المتحدة؟ لماذا لا نرى هذا الاحتمال نفسه، هذا الشعور بالأمل؟ وأعتقد أن هذا هو ما يجب أن يركز عليه القادة في المنطقة“.

وتابع أيضًا: يجب أن تستمع أمريكا إلى حلفائنا العرب السُنة، ولكن أيضًا يجب ألّا تقع في فخ السماح لهم بإلقاء اللوم على إيران بسبب المشاكل التي يعانون منها. لقد كان المواطنون في بعض دول الخليج العربية مشاركين بشكل كبير في الحركات الجهادية السُنية التي أدت إلى زعزعة الاستقرار.
وأضاف: “في بعض الحالات، أعتقد أن هناك مبالغة كبيرة بشأن التدخل الإيراني، مثل الحوثيين في اليمن. عندما نرى أجهزتنا الاستخباراتية، لا نشعر بأن إيران كانت تفكر استراتيجيا في حشد الحوثيين في صنعاء. لقد كان مجرد مؤشر على ضعف الحكومة في اليمن، وتسعى إيران الآن إلى استغلاله. في كثير من الأحيان، تبدو إيران دولة انتهازية. وهذا جزء من السبب في أن حجتي إلى حلفائي في المنطقة دعونا نتوقف عن إعطاء فرص لإيران حتى لا تضرنا جميعا، ادعموا المجتمعات الخاصة، وكونوا شموليين، وتأكدوا من أن السكان الشيعة في بلدانكم لا يشعرون بالإقصاء، وفكروا في النمو الاقتصادي، وتأكدوا من أن لدينا قدرة عسكرية أفضل للقيام بأشياء مثل المنع، وكلما قمنا بهذه الأشياء، كان هذا هو مستوى الردع الضروري لأنه من غير المحتمل أن نرى إيران تشن هجوما مباشرا، من دولة إلى أخرى، ضد أي من حلفائنا في المنطقة؛ فهي تدرك أن هذا من شأنه أن يمنحنا السبب في استخدام القوة الكاملة، وكما قلتُ، نحن يمكننا ضرب قدرتها العسكرية بسرعة كبيرة”.

أشرت إلى السيد أوباما أن واحدة من أهم القضايا التي تثير قلق النقّاد المحايدين بشأن هذه الصفقة هو ما سيحدث إذا شككنا في أن إيران تعمل على برنامج نووي سري في قاعدة عسكرية لا تشملها هذه الصفقة. هناك إجراء يسمح بعمليات التفتيش، ولكن الأمر قد يستغرق أكثر من ثلاثة أسابيع حتى يصل المفتشون الدوليون بعد رفع الشكوى. هل يمكن ألّا تستغل إيران هذا الوقت لإزالة أي علامات تشير إلى احتيالها وتلاعبها؟

“نعم، ولكن هنا يكون وجود شخص مثل إيرني مونيز وزير الطاقة مفيدًا للغاية، لأنه أكّد لنا أنه إذا كان لدينا آليات جيدة لأخذ عينة من الأرض، فإنّ مثل هذه الاشياء ستمتد إلى فترة طويلة. ربما لا تكون الفيزياء التي درستها في المدرسة الثانوية مساوية لما يعرفه إيرني مونيز، ولكني أتذكر أنه ليس من السهل إخفاء المواد المشعة التي كان يتم تطويرها. وينطبق الشيء نفسه، على احتمال أن إيران قد تستورد المواد التي يمكن استخدامها في البرامج النووية والتي قد يكون لها استخدام مزدوج. لقد وضعنا آليات غير مسبوقة لنكون قادرين على النظر في جميع الواردات والقول: “عليك أن تبين لنا كيفية استخدام هذه المواد لضمان عدم تحويلها“.

وأضاف الرئيس: “إذا سمعت ناقدًا يقول، “حسنًا، نظام التفتيش ليس مضمونًا بنسبة 100%،” أعتقد من الناحية النظرية، أنّه ليس هناك أي شيء مضمون بنسبة 100%. ولكن إذا كان المعيار: ما هي الآلية الأفضل، والأكثر فعّالية، والأكثر صرامة بحيث يكون من الصعب على إيران الاحتيال والغش، إذن هذه هي الآلية المناسبة التي تتجاوز أي شيء تم القيام به، على سبيل المثال، في كوريا الشمالية“.
في الختام، أشرتُ إلى السيد أوباما أنه الآن رئيس الولايات المتحدة الذي يمتلك معظم الاتصالات مع القيادة الإيرانية منذ الثورة الإسلامية هناك عام 1979 وبداية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وإيران. ماذا تعلّم طيلة هذه السنوات؟

“حسنًا، أنا لم أتعلم حتى الآن أن أثق بالقيادة الإيرانية، بالرغم من أنني أعتقد أن ما تعلمه جون كيري في حواره مع وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف هو أنه عندما تبرم أي اتفاق، فإن إيران تتبع تفاصيل هذا الاتفاق بدقة بالغة، وربما تعتقد أنّه قد يكون هناك ثغرة هنا أو هناك، وهذا هو السبب أنك يجب أن تسد هذه الثغرات بإحكام شديد. ولكن فكرة أنه بمجرد وضع شيء على الورق ستقوم إيران بطريقة أو بأخرى بتجاهله ومحاولة إخفاء ما حصلت عليه، هذا ليس ما شهدناه خلال السنتين الأخيرتين من الاتفاق المؤقت. أعتقد بأنّ هناك بعض القيود التي تشعر بها إيران عندما يكون لديها اتفاق أو وثيقة، وهو شعور بالالتزام. لذا؛ أعتقد أننا تعلمنا ذلك.“

“أعتقد أننا تعلمنا أيضًا أن هناك أصوات وقوى مختلفة داخل إيران، وأنّ هذه القوى قد لا تكون متسقة مع قيمنا. ما يسمى بالشخص المعتدل في إيران لن يكون شخصًا نشعر أنه يعكس القضايا العالمية مثل حقوق الإنسان، ولكن هناك أساليب أفضل أو أسوأ يمكن أن تعتبرها إيران متعلقة بمصالحنا ومصالح حلفائنا، ويجب أن نرى أين يمكننا تشجيع النهج الأفضل“.


ولذا؛ أعتقد أن آخر شيء -وهذا شيء لم أتعلمه ولكن تأكدت منه- هو أنّه حتى مع أعدائك، يجب أن يكون لديك القدرة على وضع نفسك مكانهم في بعض الأحيان، وإذا نظرت إلى التاريخ الإيراني، فستجد أننا تدخلنا في الإطاحة بنظام منتخب ديمقراطيًا في إيران. كما دعمنا صدام حسين ونحن نعرف أنّه استخدم الأسلحة الكيماوية في الحرب بين إيران والعراق، ونتيجة لذلك، فإيران لديها مخاوفها الأمنية وسردياتها الخاصة. قد لا نتفق معها لأن ذلك لا يبرر رعاية الإرهاب أو أنشطة زعزعة الاستقرار التي تقوم بها، ولكن أعتقد أنه عندما نكون قادرين على رؤية بلدهم وثقافتهم بعبارات محددة، من الناحية التاريخية، بدلًا من الحديث بشكل عام، سيكون لدينا إمكانية للقيام ببعض التحركات.

“وبالطريقة نفسها التي تفاوض بها رونالد ريغان وغيره بشأن اتفاق الأسلحة مع الاتحاد السوفييتي، كان عليك أن تعترف، بأنّ هذا نظام شرير ومروّع، ولكن داخله شعب لديه أفكار وذكريات تاريخية خاصة، ويجب علينا فهم تلك الأشياء، وربما محاولة إقامة بعض العلاقات. والأمر ينطبق كذلك على نيكسون وكيسنجر عندما ذهبا الى الصين، وهي زيارة اتضح فيما بعد أنها خطوة استراتيجية مهمة جدًا للولايات المتحدة“.


المصدر