‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة دول ابتلعتها إيران. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة دول ابتلعتها إيران. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 15 يونيو 2016

دول ابتلعتها إيران -6- أذربيجان



دول ابتلعتها إيران

هيثم الكسواني – كاتب أردني

خاص بالراصد

سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.


6- أذربيجان

ينبغي التنويه في البداية (وكما سبق أن نبّهنا في الحلقات السابقة عن الأحواز وبلوشستان وكردستان ولورستان ومناطق التركمان) إلى أن احتلال إيران لأذربيجان، وإن كان قد سبق قيام الثورة الخمينية ودولة الملالي سنة 1979م، إلاّ أن دولة الملالي لم تبادر إلى تصحيح الأخطاء أو الخطايا التي اقترفتها الدولة التي سبقتها، والتي ثارت عليها بحجة أنها دولة ظالمة لا تلتزم بشرع الله عز وجل، ولم تبادر إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما زعمت ثورتُها والشعارات التي أطلقتها، بل على العكس من ذلك تماما، رسّخت احتلالها لهذه الأقاليم والبلدان، ونهبت خيراتها، وأمعنت في مسخ هويتها، واضطهاد أهلها وإذلالهم، خاصة إذا كانوا من أهل السنة.

نبذة تاريخية وجغرافية

يُعتبر الأذريون ثاني أكبر مجموعة في إيران بعد الفُرس، إذ تتراوح نسبتهم بين 16 – 24% من مجموع سكان إيران بحسب بعض الدراسات، ويَدين معظمهم حاليا بالمذهب الشيعي. 
والأذريون يتحدثون اللغة الأذربيجانية، التي تعتبر من اللغات التركية، وهم أحد مكونات الشعوب غير الفارسية في إيران، أو ما يُعرف بالشعوب المضطهدة في إيران.

أما بلادهم فقد دخلها الإسلام مبكرا، وتحديدا في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وذلك في سنة 22هـ، التي كان فيها فتوحات كثيرة، منها فتح همذان والري وأذربيجان وخراسان، إلاّ أن انتشار الإسلام في منطقة أذربيجان كان أسرع من غيرها من البلاد المجاورة.

وتعاقبت على أذربيجان الدول والإمارات والممالك الإسلامية السنية حتى بداية القرن العاشر الهجري (16م) عندما استطاع الشاه إسماعيل أن يحتل أذربيجان وغيرها من البلدان، ويؤسس دولته الصفوية الشيعية، ويفرض فيها التشيع بالسيف والإكراه، حيث أعلن من تبريز (عاصمة أذربيجان) سنة 907هـ (1502م)، قيام الدولة الشيعية الإثنى عشرية، وجاء ذلك مقرونًا بقتل 20 ألفا من أهل تبريز السنة، في حين هرب عدد من أهلها إلى أراضي الدولتين العثمانية والمملوكية طلبا للنجاة، وتشيع –بالإكراه- من بقي منهم على قيد الحياة.

وتعتبر أذربيجان اليوم مقسمة إلى قسمين:

الأول: أذربيجان الشمالية، وهي دولة مستقلة، كانت تتبع للاتحاد السوفييتي حتى عام 1991م، عندما حصلت على استقلالها، أو بالأحرى استعادت استقلالها.

الثاني: أذربيجان الجنوبية، التي تحتلها إيران، وتقع في شمال غرب البلاد. ويتواجد الأذريون في إيران بشكل أساسي في محافظات: أذربيجان الشرقية، وعاصمتها تبريز، وأذربيجان الغربية، وعاصمتها أرومية، وأردبيل، وعاصمتها أردبيل، وزنجان، وعاصمتها زنجان، بالإضافة إلى تواجدهم الكبير في العاصمة طهران، وفي محافظتي قزوين وغُلستان.

وتذهب بعض الإحصائيات إلى أن الأذريين وبقية الأتراك كالتركمان والقاشقاي وغيرهم، يشكلون 40% من إجمالي سكان إيران، ما جعل العديدين يصفون العاصمة الإيرانية طهران بأنها أكبر مدينة تركية في العالم، أو ثاني أكبر مدينة تركية في العالم بعد إسطنبول، حيث يشكل الترك 60% من سكان طهران.

وقد جاء في سبب تسميتها بأذربيجان أقوال عديدة منها أن الكلمة تعني "بيت النار" حيث كانت بيوت النار منتشرة في أذربيجان بكثرة.

بعض ممارسات إيران العنصرية والقمعية في أذربيجان

على الرغم من أن المرشد الأعلى الحالي لإيران علي خامنئي ينحدر من أذربيجان، وعددا آخر من المراجع والمسؤولين، وبالرغم من أن معظم الأذريين شيعة، إلاّ أنهم – كسائر المكوّنات غير الفارسية في إيران- يتعرضون لمختلف صنوف الإقصاء والتهميش وطمس الهوية، والتي يمكن تلخيصها في الآتي:

1-  عدم الاعتراف بثقافتهم وهويّتهم المستقلة، أو بِلغتهم الأذربيجانية التركية، أو السماح لهم باستخدامها في التعليم، ما جعل الطلاب الأذريين في بداية العام الدراسي، في 23 سبتمبر/ أيلول من كل عام يقاطعون المدارس احتجاجا منهم على حرمانهم من التعلّم بلغتهم، ولِلفت انتباه المسؤولين إلى انتهاك أحد حقوقهم. وقد اقتنع الأذريون بكذب المسؤولين في هذا الشأن، فقبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وعد الرئيس حسن روحاني الأذريين بتأسيس "مجمع للثقافة واللغة التركية في أذربيجان" كاعتراف منه بخصوصيتهم الثقافية، لكن بعد فوزه بالرئاسة تجاهل مطلبهم هذا، وافتتح بدلا من ذلك "مؤسسة أذربيجان للثقافة والفن والأدب" ما اعتبره الأذريون حركة التفافية وصورة مشوهة لما طالبوا به.

2-  تشويه صورة الأذريين في وسائل الإعلام، واحتقارهم، ففي مايو/ أيار 2006م، قامت صحيفة حكومية بنشر صورة كاريكاتيرية لحشرة الصرصار وهي تتحدث اللغة الأذرية، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات في عدّة مدن إيرانية. وتكرر الأمر في سنة 2015م، وعلى شاشة التلفزيون الإيراني، إذ ظهر في برنامج أسبوعي، رجل من الأتراك الأذريين يقف مع ابنه في فندق بالعاصمة طهران، يشتكيان من رائحة الغرفة التي يقطنان فيها، فيما يكتشف صاحبُ الفندق لاحقاً، أن السبب وراء الرائحة هو فم الطفل الذي كان ينظف أسنانه بفرشاة تنظيف المرحاض.

3-   اتهام الأذريين للحكومة الإيرانية بإهمال بحيرة أرومية، في شمال غرب إقليم أذربيجان، والتي تعد ثاني أكبر بحيرة مالحة في العالم، ما أدى إلى جفافها، الذي أدى بدوره إلى الإضرار بالزراعة والثروة الحيوانية في المنطقة المحيطة بها، نتيجة للرياح المحملة بأملاح المناطق الجافة من البحيرة.

4-  إغلاق صحفهم ومطبوعاتهم الناطقة بلغتهم واعتقال صحفييها وسجنهم، وعلى سبيل المثال فقد أغلقت السلطات الإيرانية مؤخرا صحف ومطبوعات: يربق وديلماج ونداء أذربيجان وراوي وشمس تبريز ويشمك. 
وفي سنة 2007، أُلقي القبض على الصحفي سعيد ماتنبور، وهو ناشط ثقافي من مدينة زنجان، وحوكم محاكمة غير عادلة بدون حضور محامٍ له. 
وفي يونيو/ حزيران 2008م، حُكم عليه بالسجن 8 سنوات بتهمة الدعاية ضد النظام الإسلامي، وإقامة علاقات مع الأجانب. 
ويعمل ماتنبور على نشر انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، ويدعو إلى زيادة الحقوق السياسية والثقافية واللغوية للجماعات الأذرية التركية في إيران.

5-  تغيير أسماء مدن وقرى تركية في إقليم أذربيجان إلى أسماء فارسية.

6-  رزوح العشرات من النشطاء الأتراك الأذريين في سجون إيران بسبب تشكيلهم لأحزاب علنية خاصة بهم أو المطالبة بحقوقهم الثقافية.

7-  محاولة إضعاف روابطهم مع وطنهم الأم، فعمومًا تتّسم علاقات إيران بجمهورية أذربيجان بالفتور والتوتر، بسبب أنشطة إيران الاستخباراتية في الأراضي الأذربيجانية ومحاولاتها التدخل بشؤونها، واتخاذها موقفا مؤيدا لأرمينيا في نزاعها الحدودي مع أذربيجان، وحديث الأذريين بين الحين والآخر عن استعادة الجزء المحتل من بلادهم، ومما قامت به السلطات الإيرانية لإضعاف الروابط بين شطري أذربيجان الحدّ من انتقال الأذريين لديها من وإلى أذربيجان، أو حتى الزواج منهم.


مقاومة الأذريين للاحتلال الإيراني

تتنوع الوسائل التي يستخدمها الأتراك الأذريون في مقاومة الاحتلال الإيراني الفارسي لمناطقهم، ومِن ذلك التظاهرات، إلاّ أن اللافت في الآونة الأخيرة هو استغلالهم للملاعب الرياضية والمباريات للتعبير عن آرائهم وانتقاد السياسات الحكومية، وإن كانت المعارضة إجمالا تتّسم بالسلمية، والبعد عن العمل العسكري، كما هو الحال في بلوشستان مثلاً، ويمكن تقسيم المعارضة الأذرية للاحتلال الإيراني إلى قسمين:

الأول: يركّز على الحصول على الحقوق الثقافية، واستعمال اللغة الأذربيجانية في التعليم وفي وسائل الإعلام، والاعتراف بالخصوصية الثقافية. ففي 20/5/2015م، على سبيل المثال، نظم مئات الأذربيجانيين تجمعا احتجاجيا أثناء وبعد زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني لتبريز، وإلقائه كلمة في ملعب المدينة، حيث قامت قوات الشرطة والأمن بقمع التجمع الذي هتف المشاركون خلاله بشعارات تطالب بالحقوق القومية للشعب التركي الأذري في إيران ورفع التمييز والاضطهاد الثقافي عنه، كما رفعت الجماهير البطاقة الحمراء (الكرت الأحمر) بوجه روحاني تنديدا بأكاذيبه وسياسات نظامه وإعرابا عن عدم الترحيب به وبزيارته.
الآخر: يطالب بالاستقلال عن إيران، والانضمام إلى الوطن الأم في جمهورية أذربيجان، لا سيّما وأن هذا المطلب بدأ يلقى قبولا متزايدا على الضفة الأخرى، أي من جمهورية أذربيجان، حيث طالب بعض أعضاء مجلس النواب الأذربيجاني، في فبراير/ شباط 2012، بتغيير اسم الدولة من أذربيجان إلى أذربيجان الشمالية، للتذكير بالجزء الجنوبي المحتل من إيران، كما طالبوا بإجراء مراجعة قانونية لمعاهدات تاريخية منحت روسيا وإيران الحالية سيطرة على مناطق أذربيجانية.

أما في داخل إيران فتجدر الإشارة إلى ما حدث في إحدى
مباريات كرة القدم في طهران من قِبل الجماهير الأذرية التي رفعت لافتة كبيرة كتب عليها بالإنجليزية "أذربيجان الجنوبية ليست جزءًا من إيران". كما دأب مشجعو فريق "تراختور" الأذربيجاني على رفع قبضاتهم بشكل يرمز إلى "الذئب الرمادي"، الذي يرمز بدورِه إلى استقلال أذربيجان أو التحاقها بشقيقتها أذربيجان الشمالية.

  وفي تطور لافت للمعارضة في أذربيجان ضد السياسة الفارسية، وعدم حصرها بالمطلب الثقافي واللغوي، لوحظ في بعض المباريات، ليس في ملعب تبريز فحسب، بل في ملعب "آزادي" بطهران ترديد هتافات من قبيل "الخليج عربي وليس فارسيًا"، وذلك لإثارة أحاسيس الفرس في إيران تجاه اسم الخليج، حيث يؤكد الإعلام الإيراني ليل نهار على فارسيته، أولاً: تضامناً مع الشعب العربي الأحوازي، وثانياً: تحدّياً للقوميين الفرس الذين يتعصبون لاسم الخليج الفارسي، فيما لا يحركون ساكناً، بل يؤيدون تغيير أسماء مدن وقرى تركية في إقليم أذربيجان إلى أسماء فارسية.

ومما لابد من الالتفات إليه إلى أن الأذريين –بحكم نسبتهم الكبيرة في إيران وانتمائهم للمذهب الشيعي- قادرون على إعطاء زخم أكبر لقضية الأقليات والقوميات غير الفارسية، لذلك ثمة من يعتقد أن السلطات الإيرانية تخشى حراك الأذربيجانيين أكثر من حراك الشعوب الأخرى غير الفارسية.

أهم المراجع

1-  دراسة: الأذريون في المجتمع الإيراني.. بين التهميش والدمج، قاسم عبد الوهاب، المنشورة ضمن كتاب "الأمة في مواجهة الصعود الإيراني"، تقرير ارتيادي صادر عن مجلة البيان، 1437هـ/ 2016م.

2-  معجم البلدان، ياقوت الحموي، 1979.

3-  مقابلة مع الأمين العام لمركز مناهضة العنصرية في إيران، يوسف عزيزي، صحيفة إيلاف، 27/5/2015.


4-  مواقع وصحف: العربية نت، ترك برس، مفكرة الإسلام، ويكيبيديا.
أقرأ
سلسلة دول ابتلعتها إيران

دول ابتلعتها إيران -1- الأحواز

دول ابتلعتها إيران - 2- بلوشستان

دول ابتلعتها إيران - 3- كردستان

دول ابتلعتها إيران - 4- لورستان

دول ابتلعتها إيران -5- بلاد التركمان

الخميس، 5 مايو 2016

دول ابتلعتها إيران -5- بلاد التركمان

دول ابتلعتها إيران

هيثم الكسواني – كاتب أردني

خاص بالراصد

سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.


5- بلاد التركمان


إيران لمناطق التركمان، وإن كان قد سبق قيام الثورة الخمينية ودولة الملالي سنة 1979م، إلاّ أن دولة الملالي لم تبادر إلى تصحيح الأخطاء أو الخطايا التي اقترفتها الدولة التي سبقتها، والتي ثارت عليها بحجة أنها دولة ظالمة لا تلتزم بشرع الله عز وجل، ولم تبادر إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما زعمت ثورتُها والشعارات التي أطلقتها، بل على العكس من ذلك تماما، رسّخت احتلالها لهذه الأقاليم والبلدان، ونهبت خيراتها، وأمعنت في مسخ هويتها، واضطهاد أهلها وإذلالهم، خاصة إذا كانوا من أهل السنة.

نبذة تاريخية وجغرافية

يُعتبر التركمان من الشعوب التركية التي سكنت منطقة آسيا الوسطى منذ القرن الخامس الهجري، وكانوا في الأصل يسكنون منغوليا، وقد عُرفوا فيما سبق باسم "الغُزّ"، وتذهب بعض الآراء حول سبب تسميتهم بالتركمان إلى أن الكلمة مكونة من مقطعين هما: ترك وإيمان، أي الترك الذين آمنوا واعتنقوا الإسلام، حيث الأغلبية الساحقة من التركمان الآن هم من المسلمين السنة ومن أتباع المذهب الحنفي.


وكان للتركمان إسهامات عظيمة في التاريخ الإسلامي، منها إسهامات دولة السلاجقة التركمان، وفتوحاتها العظيمة، وانتصارها على الروم في معركة ملاذ كرد الشهيرة سنة 463هـ، ودفاعها عن أهل السنة والخلافة العباسية، والقضاء على الدولة البويهية الشيعية التي تسلطت وسيطرت على الخلافة العباسية بين عامي 334 - 447هـ ونشرت التشيع في العراق وغيره.


ومن إسهامات التركمان كذلك جهاد الدولة الزنكية -التي أسسها عماد الدين زنكي- ضد الصليبيين وجهودها في توحيد البلاد الإسلامية، ونشر العلم.


وكان للتركمان دولٌ في إيران وجوارها قبل احتلالها من قبل الشيعة، ومن هذه الدول: الدولة البايندرية (آق قوينلو)، التي قضى عليها الشاه إسماعيل الصفوي، في بدايات القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وأسس على أنقاضها وأنقاض غيرها من الدول السنّية دولتَه الشيعية المتطرفة، التي شكلت الإلهام والقدوة للدول الشيعية التي جاءت بعدها.




والتركمان الآن يعيشون في عدة دول منها: إيران والعراق وسوريا وأفغانستان وشمال القوقاز وجمهورية تركمانستان. وقد ضم شاه إيران السابق رضا بهلوي بعض مناطق التركمان إلى دولته في سنة 1925م، ففي تلك الفترة انطلقت طموحات الشاه بهلوي من عقالها، وأخذ يحتل الدولة تلو الدولة، والإقليم تلو الإقليم، ويضمها إلى دولته التي تأسست على أنقاض دولة القاجار، وفي تلك الفترة (الثلث الأول من القرن العشرين) استطاع بهلوي أن يحتل الأحواز العربية وبلوشستان وكردستان ولورستان ومناطق التركمان والأذريين وغيرها من الإمارات والأقاليم، مستخدما كل أساليب المكر والخديعة والبطش، ومستفيدا من الضوء الأخضر الذي أعطته إياه بريطانيا، ومردّ ذلك انتصار الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا سنة 1917م، ما دفع بالقوى الغربية إلى تأييد وجود كيان إيراني قوي وموحد يشكل حاجزا أمام الشيوعيين الروس ومحاولاتهم الوصول للمياه الدافئة.


ولا تتوفر إحصائيات رسمية موثوقة عن عدد التركمان ونسبتهم في إيران، إلا أن التقديرات تؤكد أن عددهم يصل إلى ثلاثة ملايين نسمة من مجموع سكان إيران، حيث يتركزون في شمال، وشمال شرق البلاد على الحدود مع أفغانستان وتركمانستان.


وكما فعلت مع غير الفرس من الأحوازيين والبلوش والكرد واللور، بعثرت إيران التركمان في ثلاث محافظات هي غُلستان، وخراسان رضوي، وخراسان الشمالية، وذلك من أجل إضعافهم، وتقليل التواصل فيما بينهم، وتضييع قضيتهم، وبالتالي سهولة السيطرة عليهم.



بعض ممارسات إيران العنصرية والقمعية في مناطق التركمان

1- "التفريس" ومحاربة اللغة التركمانية وثقافة السكان وهويتهم الخاصة، ومن ذلك بدء السلطات بفرض تعليم اللغة الفارسية حتى في المراحل التحضيرية التي تسبق المرحلة الابتدائية. وقد أصدرت "مجموعة مدافعي حقوق الإنسان التركمان في إيران" بيانا في شهر أغسطس/ آب 2014م، أوضحت فيه أن الحكومة الإيرانية، ورغم منعها تعليم اللغة التركمانية في المدارس، فإنها تريد البدء بفرض تعليم اللغة الفارسية حتى في المراحل التحضيرية التي تسبق المدرسة الابتدائية، في محاولة لتدمير اللغات غير الفارسية في إيران. ومن مظاهر التفريس الظاهرة في مناطق التركمان تسمية الشوارع والميادين بالفارسية بدلا من اللغة التركمانية.

2- تغيير التركيبة السكانية في مناطق التركمان الحدودية بهدف تفريسهم، من خلال زيادة عدد غير التركمان.

3- قتل علمائهم وإهانتهم وإيذاؤهم والتضييق عليهم، ففي أغسطس/ آب 1997 على سبيل المثال، هاجمت عناصر من المخابرات الإيرانية منزل الشيخ آخوند ولي محمد أرزانش، الذي كان قد هرب من إيران ولجأ إلى تركمانستان (أسوه بمئات من طلبة العلم من السنة الإيرانيين إلى الدول المجاورة)؛ وعندما لم يجدوه في المنزل أوسعوا ابنه ضربا، ثم استولوا على بعض الصور والمستندات والوثائق المتعلقة بالتركمان، وغادروا البيت بعدما هددوا أهله بالموت إن هم أخبروا الشرطة، وهذه الحادثة كانت الثانية من نوعها؛ إذ أنه في شهر أبريل/ نيسان من نفس العام هجم شخص مجهول بسكين على منزل الشيخ ولي محمد ليقتله، ونجا الشيخ بعدما أصيب بجروح خطيرة.

4- التمييز في الوظائف وفرص العمل والخدمات والمناصب العليا، ما جعل الكثير من التركمان يهجرون مدنهم ومناطقهم ويتوجهون للعيش والعمل في العاصمة طهران وبعض المدن الأخرى كأصفهان ومازندران، برغم ما تتمتع به مناطقهم من طبيعة خلابة وإمكانيات سياحية واقتصادية، كما أدى ذلك التمييز والتهميش إلى قيام بعض أفراد الجيل الجديد بأعمال غير مشروعة كالاتجار في المخدرات.

5- التضييق على ممارسة الشعائر وفق مذهب أهل السنة، ومراقبة أئمة المساجد لئلا يخرجوا عن الضوابط التي تضعها السلطات الشيعية الرسمية.

إن سياسة التمييز والاضطهاد من الأسباب التي دفعت جزءا مهما من التركمان للمطالبة بالفيدرالية، كحلٍّ وحيد للمحافظة على الهوية، ومن ذلك قيام أكثر من 3000 تركماني (في شوال 1426هـ) بتنظيم احتفالية لاستذكار يوم مقتل أحد قادتهم التاريخيين تقدموا خلالها بمذكرة إلى الحكومة الإيرانية ضمّنوها عشرة مطالب سياسية منها إعطاء حق التعلم باللغة الأم للتركمان وكذلك لجميع الشعوب والأقليات الإيرانية الأخرى، وتحقيق المطالب القومية المشروعة لهم ومحاربة السياسات الشوفينية التي تم إرساء أسسها منذ عهد الشاه الهالك رضا بهلوي. كما حددت الفقرة الخامسة من المذكرة وبوضوح (أن السبيل الأمثل والوحيد لإدارة الدولة، هو النظام الفدرالي الذي يحقق طموحات جميع الشعوب الإيرانية).

وفي مقابل هذا الفريق الساعي إلى الفيدرالية والحكم الذاتي ضمن الدولة الإيرانية، هناك من يسعى للاستقلال عن إيران، ومردّ ذلك اليأس من نظام الملالي وسياسته القمعية تجاه الشعوب غير الفارسية، ومن ضمنهم التركمان. في حين يرى قسم من التركمان الساعين إلى الانفصال عن إيران الانضمام إلى جمهورية تركمانستان، لا سيّما بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991م.


وبين الساعين إلى الفيدرالية وإلى الاستقلال والانفصال، ثمة من يؤمن بضرورة البقاء في الدولة الإيرانية، لكن بالهجرة نحو المدن الكبيرة كطهران وأصفهان للحصول على فرص عمل جيدة وتحسين وضعه الاقتصادي والمعيشي في ظل سوء الأوضاع في مناطق التركمان.


ولا بأس هنا أن نورد تعليقا لأحد الناشطين التركمان في إيران (أمين داداشي) وهو من سكان مدينة كنبد كاووس، إحدى أهم مدن محافظة غُلستان، حول الوضع في مناطق التركمان في إيران ومعاناتهم ومطالبهم، فيقول: "نحن التركمان نواجه وضعا صعبا في مواجهة الدولة الإيرانية، ولذلك نحن نخطط الآن للانتفاض ضد الظلم الواقع علينا، ونحن الآن في بداية التحضير لثورة ضد السلطات الإيرانية التي تظلمنا، وسوف نقوم بذلك لمعالجة الظلم الواقع علينا، خاصة في التمثيل البرلماني غير العادل، لأن مستوى التمثيل البرلماني الحالي لا يؤدي إلى تحقيق مطالبنا خاصة في مجالات التنمية المجتمعية والسياحية، فكما تعرف نحن في منطقة مهمة جدا، وتمتاز بطبيعتها الخلابة، وبالرغم من ذلك لا نتمتع بالتنمية السياحية التي ستصبّ في مصلحتنا الاقتصادية بسبب سياسات النظام تجاه التنمية في منطقتنا...


ومن بين مظاهر الظلم أننا كمواطنين تركمانيين لا نحصل على حقوقنا في التوظيف والتعيين في مقابل حصول الفرس على الوظائف، على سبيل المثال: مجمع المصانع الواقع في منطقتنا التركمانية يتمتع الفرس فيه بالوظائف في مقابل إقصائنا، وحتى لو حصل المواطن التركماني على فرصة عمل يكون متوسط دخله نحو 200 دولار، وهو مبلغ يكفي بالكاد للقليل من الطعام والشراب طيلة أيام الشهر".



أهم المراجع


1- دراسة: تركمان إيران.. مستقبل ما بعد الاتفاق النووي، محمد محسن أبو النور، المنشورة ضمن كتاب الأمة في مواجهة الصعود الإيراني، تقرير ارتيادي صادر عن مجلة البيان، 1437هـ/2016م.




2- أعلام التركمان والأدب التركي في العراق الحديث، مير بصري، ط1، دار الورّاق، لندن 1997م.




3- مواقع وصحف: العربية نت، إصلاح ويب، المسلم، ويكيبيديا، رابطة أهل السنة في إيران.

الثلاثاء، 5 أبريل 2016

دول ابتلعتها إيران - 4- لورستان

دول ابتلعتها إيران 

هيثم الكسواني – كاتب أردني

خاص بالراصد
سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.

 4- لورستان






ينبغي التنويه في البداية (وكما سبق أن نبّهنا في الحلقات السابقة عن الأحواز و بلوشستان وكردستان) إلى أن احتلال إيران للورستان، وإن كان قد سبق قيام الثورة الخمينية ودولة الملالي سنة 1979م، إلاّ أن دولة الملالي لم تبادر إلى تصحيح الأخطاء أو الخطايا التي اقترفتها الدولة التي سبقتها، والتي ثارت عليها بحجة أنها دولة ظالمة لا تلتزم شرع الله عز وجل، ولم تبادر إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما زعمت ثورتُها والشعارات التي أطلقتها، بل على العكس من ذلك تماما، رسّخت احتلالها لهذه الأقاليم والبلدان، ونهبت خيراتها، وأمعنت في مسخ هويتها، واضطهاد أهلها وإذلالهم، خاصة إذا كانوا من أهل السنة.

نبذة تاريخية وجغرافية

يشكل اللور أحد مكونات الشعوب غير الفارسية في إيران، أو ما يعرف أيضا بالشعوب المضطهدة في إيران، ويتركزون في غرب وجنوب غرب إيران. وتذهب معظم الآراء إلى أنهم أكراد، دخل الإسلام إلى بلادهم في وقت مبكر، وتحديدا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ففي أعقاب معركة القادسية سنة 15هـ، اتجه المسلمون شرقا، وفتحوا المناطق الجبلية الشرقية، وبرغم تبعيتها بعد ذلك لدولتي الخلافة الأموية والعباسية شهدت بلاد اللور أو لورستان شيئا من الاستقلالية والحكم الذاتي، ومن أسباب ذلك طبيعتها الجبلية الوعرة وبعدها عن مركزي الخلافتين.

وتعتبر لورستان من المناطق الغنية من حيث وجود المناجم الطبيعية، والمعالم الأثرية والتاريخية، وقد تعاقب على حكمها عدد كبير من الولاة الأشداء حتى سنة 1929م، وهو العام الذي ضمّتها إيران إليها، بعد القضاء على آخر ولاتها غلام رضا، ففي تلك الفترة انطلقت طموحات شاه إيران رضا بهلوي من عقالها، وأخذ يحتل الدولة تلو الدولة، والإقليم تلو الإقليم، ويضمها إلى دولته التي تأسست على أنقاض دولة القاجار، وفي تلك الفترة (الثلث الأول من القرن العشرين) استطاع بهلوي أن يحتل الأحواز وبلوشستان ولورستان وغيرها من الإمارات المستقلة، مستخدما كل الأساليب الممكنة من المكر والخديعة والبطش، مستفيدا من الضوء الأخضر الذي أعطته إياه بريطانيا، ومردّ ذلك انتصار الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا سنة 1917م، ما دفع بالقوى الغربية وخاصة بريطانيا إلى تأييد وجود كيان إيراني قوي وموحد يشكل حاجزا استراتيجيا أمام الشيوعيين الروس ومحاولاتهم الوصول للمياه الدافئة.

وكما فعلت مع العرب الأحوازيين والبلوش والكرد، بعثرت إيران اللور في عدة محافظات منها لورستان وعيلام، من أجل إضعافهم وتمزيقهم، وتقليل التواصل فيما بينهم، وتضييع قضيتهم، وبالتالي سهولة السيطرة عليهم. وفي المقابل اقتطعت أربعة آلاف وأربعمائة كيلومتر مربع من الجزء الشمالي لإقليم الأحواز العربي وضمته إلى محافظة لورستان.

كما يتواجد اللور في العراق أيضا، لكنهم يُعرفون هناك باسم الكرد الفيلية أو الفيليين.

معاناة اللور مع التشيع وإيران

يذكر الباحثون أن اللور قاطبةً كانوا من أهل السنة على المذهب الشافعي حتى أوائل القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) عندما استطاع الشاه إسماعيل الصفوي أن يؤسس دولته الشيعية الصفوية في إيران وما جاورها ويفرض على أهلها التشيع بالإكراه، ومنها لورستان، وقد لقي اللور من الصفويين الشيء الكثير، ومن ذلك قتل بعض الولاة، فقد قام الشاه عباس الصفوي (توفي: 1629م) بقتل شاه ويردي خان بن محمد، فما كان من أتباعه إلاّ الثورة على عباس ودولته الصفوية، حيث قمعها بشدة، وأرسل ابن ويردي خان إلى قلعة ألموت.

ويعتبر ذو الفقار خان بن نخود سلطان الكلهوري من الشخصيات اللورية أو الفيلية الشهيرة التي برزت أثناء الحكم الصفوي للعراق، فقد استطاع القضاء على الحكم الصفوي في بغداد، بعد قتله إبراهيم خان موصلو حاكم بغداد من قبل الشاه إسماعيل في منطقة (ماهي دشت).

وظل اللور في ثورات ضد الصفويين، وغيرها من الدول الشيعية، للمطالبة باستقلالهم، ومنها الثورة التي قامت في سنة 1929م، بقيادة شامحمد (شامگه‌)، وثورة قدم خير، إثر إلغاء إمارتهم وضمّها إلى إيران. 

ممارسات إيران العنصرية والقمعية في لورستان

تمارس السلطات الإيرانية إزاء القوميات غير الفارسية كل أنواع الحقد والبطش والإهمال، خاصة إذا كانوا من أهل السنة، فقد مرّ بنا في الحلقات السابقة منع السلطات الإيرانية هذه القوميات من استعمال لغتها في التعليم أو القضاء، أو إصدار الصحف الخاصة بها، وقتل علمائها ودعاتها وسياسييها المعارضين، وهدم مساجدها، ومنعهم من استلام المناصب العليا، بل ومِن كثير من الوظائف العادية، ومصادرة أراضيهم وإحلال مستوطنين فرس فيها لخلخلة التركيبة السكانية، وغير ذلك من الممارسات القمعية والإجرامية، وليس اللور ببعيدين عن تلك الممارسات، فمِن ذلك حرمانهم من الوظائف اللائقة، فعلى سبيل المثال أعلنت بلدية خرم أباد، مركز محافظة لورستان، قبل عدة أشهر عن توظيف 23 شخصا من حملة شهادات الماجستير بقسم النظافة وكنس الشوارع، ضمن مشروع توظيف 200 خريج في قسم النظافة، والذين يحمل أغلبهم شهادة البكالوريوس.

وتتفشى البطالة بين اللور، وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية فإن محافظة لورستان احتلت المرتبة الأولى في ارتفاع نسبة البطالة خلال الأعوام الماضية.

ومن ممارسات النظام القمعية اقتحام الجامعات والمؤسسات التعليمية واعتقال الطلاب، ففي أيار/ مايو 2007، قامت قوات النظام بمداهمة طلاب جامعة لورستان وأصابت عدداً منهم بجروح فقام الطلاب بالاحتجاج على هذه الممارسات الهمجية وبدأوا إضراباً، ساندهم فيه أساتذة الجامعة.

كما تتعرض مناطقهم لإهمال متعمد ولضعف الخدمات، ففي أيار/ مايو 2008، نظم 400 من طلاب جامعة لورستان تجمعاً أمام مكتب رئيس الجامعة رددوا فيه شعارات ضد الحكومة إثر وفاة طالبة نتيجة صعقة كهربائية وعدم وجود إمكانيات صحية لمعالجتها. 


ومن الممارسات كذلك: إغلاق الصحف وتقييد الحريات، ففي نيسان/ أبريل 2008، تعرّضت أسبوعية (بايغام بورورد) للتعليق بناء على قرار محكمة الثورة في مدينة بروجرد (ثاني أكبر مدن لورستان) إثر تقدّم وزارة الثقافة والإرشاد بشكوى ضدها متهمةً إياها بنشر مقال وضعه نجل شخصية دينية مرموقة اعتبرته "مهيناً للشعب".


ومنها أيضا: ضرب القوميات غير الفارسية بعضها ببعض، من قبيل إحضار آلاف العائلات من اللور والبختيارية، وتوطينها في الأحواز على حساب أراضي المزارعين العرب، وقد ذكرنا قبل قليل أنه تم اقتطاع 4400 كيلومتر مربع من أراضي الأحواز وضمها إلى محافظة لورستان.

أهم المراجع

مواقع وصحف ومجلات ومنتديات: الراصد، صوت العراق، ويكيبيديا، الاتحاد الكردستانية، جلجامش، التآخي، الرياض، مراسلون بلا حدود، الأحواز، المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الوطن الكويتية.

الأربعاء، 9 مارس 2016

دول ابتلعتها إيران - 3- كردستان

دول ابتلعتها إيران

هيثم الكسواني – كاتب أردني

خاص بالراصد

سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.


3- كردستان

ينبغي التنويه في البداية (وكما سبق أن نبّهنا في الحلقتين السابقتين عن الأحواز وبلوشستان) إلى أن احتلال إيران لكردستان، وإن كان قد سبق قيام الثورة الخمينية ودولة الملالي سنة 1979م، إلاّ أن دولة الملالي لم تبادر إلى تصحيح الأخطاء أو الخطايا التي اقترفتها الدولة التي سبقتها، والتي ثارت عليها بحجة أنها دولة ظالمة لا تلتزم شرع الله عز وجل، ولم تبادر إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما زعمت ثورتُها والشعارات التي أطلقتها، بل على العكس من ذلك تماما، رسّخت احتلالها لهذه الأقاليم والبلدان، ونهبت خيراتها، وأمعنت في مسخ هويتها، واضطهاد أهلها وإذلالهم، خاصة إذا كانوا من أهل السنة.

نبذة تاريخية وجغرافية

تتوزع بلاد كردستان (يفضل الأكراد استعمال: كوردستان) بشكل أساسي بين أربع دول هي: تركيا وإيران والعراق وسوريا، إضافة إلى أذربيجان وأرمينيا، وتتجاوز المساحة الإجمالية لكردستان 400 ألف كيلومتر مربع، أي بمساحة العراق كاملاً، أما الجزء الذي تحتله إيران من كردستان فمساحته تبلغ 124950 كم2، فيما يصل عدد سكان هذا الجزء المحتل الواقع في غرب إيران إلى حوالي 10 ملايين نسمة، يدينون –بأغلبيتهم الساحقة- بالإسلام ومذهب أهل السنة.

ودخل الإسلام بلاد الكرد في وقت مبكر، وكان للأكراد إسهامات كثيرة في التاريخ والحضارة الإسلامية، فظهر منهم العلماء والمحدثون والمجاهدون والقادة العسكريون، ويكفي هنا أن نورد اسم القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله- الذي حرّر القدس من الصليبيين ودافع عن بلاد المسلمين، وقضى على الدولة العبيدية الفاطمية، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي، وأعاد مصر وغيرها من البلدان إلى مذهب أهل السنة وحظيرة الدولة العباسية.

معاناة الأكراد مع التشيع وإيران

أما معاناة الأكراد مع الشيعة والتشيع فليست وليدة اليوم، بل تعود إلى زمن الدولة الصفوية التي قامت في سنة 906هـ/ 1501م، وفرضت التشيع في إيران وما جاورها من بلدان، بعد أن كانت إيران دولة سنية طيلة 900 سنة، أي منذ الفتح الإسلامي وحتى سيطرة الصفويين الشيعة عليها.

ومنذ السنوات الأولى لقيام دولتهم، حاول الصفويون إخضاع القبائل والإمارات الكردية تحت نفوذهم، وأدت هذه المحاولات إلى صراعات دموية انتهت بهزيمة الأكراد. وعقابا لهم قام الصفويون أثناء حكم طهماسب الأول (1514 – 1576م) بتدمير معظم القرى الكردية وتهجير ساكنيها إلى منطقة جبال البرز وخراسان.

وتعتبر معركة قلعة دمدم من المعارك التي يخلّدها الأكراد ليومنا هذا، حيث قام الأمير الكردي خان لبزيرين ومعناه بالعربية (الأمير ذو الكف الذهبي) بترميم وتطوير قلعة دمدم الواقعة في شمال غرب كردستان إيران للحفاظ على استقلالية المنطقة وحمايتها من شرور الأعداء.

ورأى الصفويون وملكهم الشاه عباس في هذه المبادرة خطرا على نفوذهم في المنطقة فقاموا بتحشيد جيش ضخم وفرضوا حصارا طويلا على القلعة من شتاء عام 1609 إلى صيف عام 1610م وانتهى الحصار بهزيمة الأكراد، وقام الصفويون بعد ذلك بحملة إبادة وتهجير للأكراد في تلك المنطقة .

وظل الأكراد في نضال دائم للتخلص من الاحتلال الإيراني، ومن الذين برزت أسماؤهم في هذا المجال: الزعيم الكردي إسماعيل آغا الشكاكي، الشهير بـ "سمكو"، فقد قاد عدة ثورات ضد النظام الإيراني بين عامي 1920 – 1930م، واستطاع أن يؤسس دولة عرفت باسم "آزاد ستان" أي جمهورية الحرية، لكنها لم تلبث سوى عدة أشهر، ثم انتهت حياة سمكو نفسه سنة 1930، فقد استطاع الإيرانيون إقناعه بالقدوم إلى مدينة شنو للتفاوض، وهناك تم قتله بأسلوب المكر والخديعة، تماما كما فعلت إيران قبل ذلك بخمس سنوات عندما تم أسر الشيخ خزعل الكعبي، حاكم الأحواز، بالخديعة، ثم نقله إلى طهران، وقتله في السجن بعد ذلك.

ولأكراد إيران تجربة أخرى مع الاستقلال والتخلص من الاحتلال الإيراني لبلادهم، ففي كانون الثاني/ يناير 1946م، أعلن قاضي محمد استقلال كردستان إيران، وعُرفت هذه الدولة بـ "جمهورية مهاباد"، وقد استفاد قاضي محمد من الظروف الدولية آنذاك لإعلان الدولة الكردية، في مقدمتها حالة الفراغ التي كانت تعيشها إيران نتيجة الاحتلالين الإنجليزي والسوفييتي لها خلال الحرب العالمية الثانية.

ولم تدم جمهورية مهاباد سوى 11 شهرا، بسبب تغير الظروف الدولية وانسحاب السوفييت من إيران، وتنكرهم للوعود التي قدّموها للأكراد بدعم حق تقرير المصير للأقليات، وبعد أن رتبت إيران أوضاعها، قامت بالهجوم على "مهاباد" في الشهر الأخير من العام، وتم قتل أكثر من 15 ألفا من الأكراد، واعتقال رئيس الجمهورية قاضي محمد، وإعدامه مع عدد من أقربائه وأتباعه في 30/3/1947، وفي نفس الساحة التي أعلن منها الاستقلال.

وكما فعلت مع العرب الأحوازيين والبلوش، بعثرت إيران الأكراد في 4 محافظات هي: أذربيجان الغربية وكردستان وكرمنشاه وعيلام. والسبب في ذلك يعود إلى الرغبة في إضعافهم وتمزيقهم، وتقليل التواصل فيما بينهم، وبالتالي سهولة السيطرة عليهم.

أسباب احتلالها

يأتي على رأس الأسباب التي دفعت إيران لاحتلال كردستان النهج القومي والعنصري لشاه إيران رضا بهلوي، الذي أخذ يوسع حدود بلاده باتجاه الإمارات والأقاليم المجاورة، ويُخضع الشعوب غير الفارسية لسلطان إيران، مستفيدا من تواطؤ بريطانيا التي كانت تؤيد قيام دولة قوية في إيران تكون حائلا أمام طموح الشيوعيين السوفييت ومحاولات وصولهم إلى المياه الدافئة.

يضاف إلى ذلك ما تتمتع به كردستان من موقع جغرافي وثروات معدنية ووفرة مياه.

ممارسات إيران العنصرية والقمعية في كردستان

1- إعدام واغتيال علماء أهل السنة ودعاتهم بعد تلفيق التهم لهم، ويعتبر الشيخ أحمد مفتي زاده من أبرز الشخصيات الكردية السنية التي قام النظام الإيراني بقتلها، رغم أنه كان في بادئ الأمر من المؤيدين لثورة الخميني سنة 1979، ظنّا منه أنها ستأتي بالحرية والكرامة للشعب الإيراني بمكوناته المختلفة، ورغم أنه لم يحمل السلاح في وجه النظام، بل شارك في وضع دستور إيران بعد الثورة، لكن في سنة 1982، اعتقل نظام الخميني الشيخ زادة وحكم عليه بالسجن لمدة 5 سنوات بحجة أنه يشكل خطرا على أمن البلاد، وظل محبوسا خمسة أعوام أخرى، تعرض خلالها للتعذيب الشديد والحبس الانفرادي، وأصيب بالعمى، وعندما أوشك على الهلاك أخرجوه من السجن ليموت في بيته بعدها بحوالي أسبوعين، وتحديدا في 9/2/1993.

ومن العلماء الذين قتلهم النظام الإيراني كذلك: الشيخ ناصر سبحاني، في سنة 1992، بعد تعذيب شديد.

كما لم تقتصر الاغتيالات على الداخل، إذ قامت إيران باغتيال عدد كبير من المعارضين في الخارج وسط تواطؤ الدول التي تم فيها الاغتيال، مثل اغتيال المعارض عبد الرحمن قاسملو، في العاصمة النمساوية (فيينا) سنة 1989.

2- هدم مساجد أهل السنة ومدارسهم أو إغلاقها، مثل هدم مدرسة ومسجد نور الإسلام في مدينة جوانرود، ومسجد حاج أحمد بيك في مدينة سنندج، مركز محافظة كردستان، ومسجد الإمام الشافعي في محافظة كرمانشاه، ومسجد آقا حبيب الله في سنندج، ومدرسة خليل الله في سنندج أيضا.

3- محاربة اللغة الكردية، ومنع استخدامها في التعليم، خلافا لما ينصّ عليه الدستور الإيراني، وإغلاق الصحف الكردية، ومنع نشر الأدب الكردي.

4- تهميشهم في المناصب والوظائف وحكم مناطقهم، وإعاقة تشكيل الأحزاب الكردية.

5- الإفقار المتعمد لمناطقهم، وإهمال التعليم والخدمات الصحية.

الدور الإسلامي في قضية كردستان

وقعت كردستان ضحية المؤامرات الدولية في مطلع القرن العشرين الميلادي، وتم تقسيمها بين عدة دول، منها إيران، التي عاملت الأكراد بمنتهى القسوة، شأنهم شأن بقية الشعوب غير الفارسية، الذين يُطلق عليهم أيضا (الشعوب المقهورة في إيران)، ما يستوجب على الدول الإسلامية مدّ يد العون لهم، ومساندتهم للتخلص من الاحتلال الإيراني.

إن مما يجب على الدول الإسلامية إثارته فيما يتعلق بكردستان قضايا هدم المساجد والإعدامات والاغتيالات وانتهاك حقوق الإنسان، ومساندة أهلها في تحقيق استقلالهم أو إقامة إقليمهم الخاص أو الحكم الذاتي، أسوة بأكراد العراق الذين ساندهم العالم لتحقيق هذا الحلم، وينبغي للدول الإسلامية فعل ذلك دون خوف من إيران، فإيران لم تترك شبرا من أراضيهم إلاّ وغمرته بالاحتلال والإرهاب والتخريب وزرع الخلايا النائمة والمتحفزة، الأمر الذي يوجب على الدول الإسلامية الانتقال من خانة الدفاع إلى الهجوم.

وممّا يمكن للدول الإسلامية عمله زيادة التواصل مع أبناء كردستان المقيمين في إيران، وربطهم بالعالم الإسلامي وأهل السنة، وتقديم المنح الدراسية لهم، وتسهيل قدومهم لأداء الحج والعمرة.

كما على المسلمين تفعيل دور الإعلام، وإبراز معاناة الأكراد في إيران والتعريف بقضيتهم في مختلف وسائل الإعلام ومواقع التواصل، ولا بأس هنا بإعادة ما ذكره الناشط السياسي الإيراني المعروف الشيخ أبو منتصر البلوشي فيما يتعلق بأهمية الإعلام، إذ أنه يأتي في مقدمة ما يجب على المسلمين والخليجيين أن يقوموا به لدعم أهل السنة في إيران إذ يقول: "الدعم الأهمّ والأول يتمثل في إنشاء محطات إعلامية فضائية باللغة الفارسية، توجّه إلى إيران، فوالله إنها لتفعل فعل السحر في تلك البلاد، التي ستحفظ من جهة إخوتنا من القوميات العربية السنية من الذوبان في القالب الصفوي الفارسي، ومن جهة أخرى سيتسنّن كثيرون من عقلاء الشيعة عندما تتبيّن لهم الحقائق، وتدحض الشبهات والمقولات الباطلة التي يغذيها الإعلام الإيراني ويشوّه بها أهل السنة ومذهبهم، وكذلك الساسة العرب".

المراجع

مواقع وصحف ومجلات ومنتديات: الراصد، ويكيبيديا، الاتحاد الكردستانية، كردستان الجديدة، بوكميديا، باهوز، كوليلك، إيلاف، العربية نت.

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

دول ابتلعتها إيران - 2- بلوشستان

دول ابتلعتها إيران


هيثم الكسواني – كاتب أردني

سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.

خاص بالراصد



2- بلوشستان




احتلت إيرانُ إقليمَ بلوشستان في الثلث الأول من القرن الماضي، لكن ينبغي التنويه هنا (وكما سبق أن نبّهنا في الحلقة السابقة الخاصة بالأحواز) إلى أن هذا الاحتلال، وإن كان قد سبق قيام الثورة الخمينية ودولة الملالي سنة 1979م، إلاّ أن دولة الملالي لم تبادر إلى تصحيح الأخطاء أو الخطايا التي اقترفتها الدولة التي سبقتها، والتي ثارت عليها بحجة أنها دولة ظالمة لا تلتزم شرع الله عز وجل، ولم تبادر إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما زعمت ثورتُها والشعارات التي أطلقتها، بل على العكس من ذلك تماما، إذ رسّخت احتلالها لبلوشستان، ولغيرها من الأقاليم والبلدان، ونهبت خيراتها، وأمعنت في مسخ هويتها، واضطهاد أهلها وإذلالهم.


وسيجد القارئ الكريم الكثير من النقاط المشتركة بين احتلال إيران للأحواز ولبلوشستان، ولا غرابة في ذلك، فالمحتل هو ذاته، وعقلية المحتل هي ذاتها، والظروف الدولية –آنذاك- هي ذاتها.


نبذة تاريخية وجغرافية


يقع إقليم بلوشستان إلى الجنوب والجنوب الشرقي من إيران، على الحدود مع باكستان وأفغانستان شرقا، وعلى حدود الإمارات وعُمان غربا، وهو الآن مقسّم بين إيران وباكستان وأفغانستان. وبلوشستان إقليم شاسع، تصل مساحته إلى 780 ألف كيلومتر مربع، ويمتد شريطه الساحلي مِن مضيق باب السلام (هُرمز) حتى مدينة كراتشي في باكستان بطول 1600 كيلومتر، وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد سكان الإقليم يبلغ 20 مليون نسمة، إضافة إلى نحو 700 ألف بلوشي يعيشون خارجه.


وتذهب بعض الآراء التاريخية إلى أن البلوش ينحدرون من عرب اليمن، وقد هاجر أحد أجدادهم إلى بلوشستان سنة 300 قبل الميلاد، وهم في طبائعهم وأخلاقهم أقرب إلى القبائل العربية منهم إلى الفرس أو الهنود.


أما الفتح الإسلامي لبلوشستان فقد بدأ في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، واستمر في العهد الأموي، والبلوش مسلمون سُنة، وهذا ما يفسر ازدياد تسلط النظام الإيراني عليهم، كما سيأتي بيانه، وهم يتحدثون اللغة البلوشية مع لهجات أخرى.


واحتلت بريطانيا بلوشستان (واسمها القديم: مكران) سنة ١٨٣٩م، واحتلت إيرانُ الجزء الغربي من الإقليم سنة 1928م، فيما بات يعرف بعد ذلك بـ "بلوشستان إيران"، وهذا الجزء تبلغ مساحته 247 ألف كيلومتر مربع، وبعد احتلالها لبلوشستان، بعثرت إيران البلوش في 3 محافظات هي: سيستان وبلوشستان، وهرمزكان، وكرمان، لكي تفرق بينهم وتقضي على قوتهم ووحدتهم، كما فعلت مع الأكراد أيضا عندما بعثرتهم في 4 محافظات، وكذلك العرب في 3 محافظات.


وتعتبر محافظة سيستان وبلوشستان ثالث أكبر محافظة في إيران، وعدد سكانها 3 ملايين نسمة، وعاصمتها زاهدان، فيما تعتبر مدينة "زابُل" ثاني أهم مدن المحافظة.


والبلوش هم أحد مكونات ما يعرف بالشعوب غير الفارسية في إيران، أو الشعوب المقهورة في إيران، إضافة إلى عرب الأحواز والأكراد والتركمان، وغيرهم من المكونات التي تعاني الاضطهاد والتهميش.


أسباب احتلالها


1- يعتبر الموقع الاستراتيجي، والثروة المعدنية والبحرية والزراعية والحيوانية الضخمة التي تحتويها بلوشستان، ومصادر الطاقة والمناجم والسواحل، وثراؤها التاريخي من أهم الأسباب التي دفعت إيران لاحتلالها.


2- الطموحات المتزايدة لرضا خان، ملك إيران ورئيس وزرائها قبل ذلك، وحصوله على الضوء الأخضر من بريطانيا، التي كانت تمثل القوة الاستعمارية الأولى آنذاك، ومن أسباب ذلك انتصار الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا سنة 1917م، ما دفع بالقوى الغربية وخاصة بريطانيا إلى تغيير استراتيجيتها تجاه المنطقة، حيث أخذت تؤيد وجود كيان إيراني قوي وموحد يشكل حاجزا استراتيجيا أمام الشيوعيين الروس ومحاولاتهم الوصول للمياه الدافئة.


كيفية احتلالها


احتلت إيران الجزء الغربي من مملكة بلوشستان في 5/1/1928م في عهد الطاغية رضا شاه بهلوي بحملة عسكرية همجية على بلوشستان بمؤامرة مع بريطانيا، بعد مجازر بحق الشعب الأعزل في مواجهة قوة السلاح والعتاد الفارسي، وإعدامها حكام وشيوخ مناطق ومدن بلوشستان وعلى رأسهم حاكم بلوشستان الغربية الأمير دوست محمد باركزئي، بعد رفضه توقيع تسليم بلوشستان والاستسلام، وبذلك أحكمت سلطات الاحتلال على بلوشستان إلى وقتنا الحاضر.


مقاومة الاحتلال


لم
يقف الشعب البلوشي مكتوف اليدين إزاء الاحتلال الإيراني لبلاده، بل لعلّ جبهة بلوشستان هي أكثر جبهة مشتعلة، وتكبّد القوات الإيرانية الخسائر المادية والبشرية، وفي حين نهج بعض أبناء بلوشستان إيران النهج السلمي في المعارضة، رأى آخرون أن نظام الملالي لا يرتجى منه خير، ومسيرته في القمع والإقصاء والعنف خير شاهد على ذلك.


وأسس الصنف الثاني عدة أحزاب وتنظيمات مسلحة لمقاومة الاحتلال الإيراني وحماية أهل السنة في بلوشستان، وتتنوع توجهات هذه التنظيمات ونظرتها إلى الجمهورية الإيرانية، بين من يطالب بالاستقلال عن الكيان الإيراني، وتحقيق استقلال بلوشستان، وبين من يريد إقامة نظام فيدرالي وحكم ذاتي في إطار الدولة الإيرانية، كي يتمكن البلوش من الاستفادة من خيرات بلادهم التي نهبها النظام الإيراني، وبالتالي تحسين أوضاعهم المعيشية، إضافة إلى حماية كيان أهل السنة وعقيدتهم التي يحاربها هذا النظام.


وتعتبر جماعة "جند الله" أبرز تنظيم سنّي مسلّح في بلوشستان إيران، وقد دأب على تنفيذ عمليات نوعية ضد قادة وأفراد الحرس الثوري الإيراني، ومنتسبي قوات الأمن الإيرانية، إضافة إلى خطف بعضهم لمبادلتهم بالمعتقلين السنة من أهل بلوشستان في سجون النظام، وإزاء ذلك شنّت قوات النظام حملة ضد الجماعة وأفرادها، وتمكّنت من اعتقال زعيمها عبد المالك ريغي، ثم إعدامه في يونيو / حزيران 2010م، لكنّ تلك الخطوة لم تقضِ على الجماعة، إذ ما زالت ناشطة في محاربة الحرس الثوري الإيراني.


ومن التنظيمات المسلحة أيضا: جيش العدل، وجيش النصر، وجبهة تحرير بلوشستان، وجيش تحرير بلوشستان، وفدائيو الإسلام، وجماعة أنصار الفرقان.


ومن أجل تشويه المقاومة، تعمل إيران دائما على ربطها بتنظيم القاعدة أو داعش أو حركة طالبان، أو بتجار المخدرات الذين ينشطون في بلوشستان.


ممارسات إيران العنصرية والقمعية في بلوشستان


1- دفع البلوش إلى التشيع، حتى أن بعض المحكومين بالإعدام يتم تخفيف العقوبة عليهم أو العفو عنهم إذا أعلنوا تشيعهم.


2- مسخ هوية الإقليم، وتغيير أسماء بعض مناطقه، وإبدالها باسماء فارسية.


3- هدم مساجد أهل السنة في بلوشستان ومدارسهم، ومِن ذلك قيام سلطات الاحتلال الإيراني في 28/8/2008م، بهدم مدرسة الإمام أبي حنيفة في مدينة زابل، وهذه المدرسة هي فرع من جامعة دار العلوم الإسلامية في زاهدان، وفيها أكثر من 600 طالب، ففي ذلك اليوم أحاطت بمبنی المدرسة أكثر من 80 سيارة تابعة للشرطة وعناصر قوات "الباسيج" الإيرانية المسلحة، وقامت باعتقال الأساتذة والكثير من الطلبة الموجودين فيها، واستولت على كل ما في غرف النوم وصفوف الدرس من أمتعة وأثاث ونقلتها إلی أماكن مجهولة ثم شرعت بتدمير الغرف والصفوف وتسويتها بالأرض تمامًا باستخدام الجرافات. وما ذكرناه آنفا هو مثال واحد فقط على المدارس والمساجد التي هدمتها إيران في بلوشستان.


4- إعدام واغتيال علماء أهل السنة ودعاتهم بعد تلفيق التهم لهم، من قبيل دعم الإرهاب، ولقد قتلت إيران عددا كبيرا من هؤلاء الدعاة، ونكتفي هنا بذكر الدكتور أحمد ميرين سياد، رحمه الله، فهو أول إيراني حصل على الدكتوراه من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وأحد العلماء المتخصصين في الحديث، وقد استشهد سنة 1996م، وكذلك الشيخ علي دِهواري (أحد خريجي الجامعة الإسلامية) الذي اغتالته عناصر الأمن الإيرانية في شهر تشرين الثاني / نوفمبر سنة 2008، أمام بيته، بعد خروجه من صلاة المغرب، ولم يتم إلقاء القبض على الجناة. ومن العلماء الذين أعدمتهم إيران: الشيخان عبد القدوس ملازهي ومحمد يوسف سهرابي، وكان ذلك في شهر نيسان/ أبريل 2008، بعد أشهر على اعتقالهما.


5- تهجير أبناء بلوشستان من مناطقهم، وجلب مستوطنين فرس وشيعة لخلخلة التركيبة الطائفية.


6- تهميشهم في الوظائف والمناصب، إذ على الرغم من وجود بعض النواب والمسؤولين المحليين إلاّ أنه لا يوجد بينهم وزير ولا سفير ولا مسؤول ولا محافظ ولا قائد عسكري، كما أن المناصب الرئيسة في الوزارات والمؤسسات الكبرى، بل والموظفين، هي من نصيب الشيعة الفرس.


7- تصوير الإعلام الإيراني البلوش بصورة الهمج المتوحشين! بل أكثر من ذلك، إذ تمّ تصميم حذاء في غاية القبح في إيران باسم "البلوش".


8- لم يكتف النظام الإيراني بالتضييق على البلوش في الداخل واستهداف رموزه، بل اتجه أيضاً إلى استهداف قيادات المعارضة البلوشية في الخارج، والتضييق عليها وتهديدها.


9- ضعف الخدمات الصحية والتعليمية وإهمال الإقليم إهمالا تاما برغم غناه بالثروات الطبيعية، فبحسب الأرقام الرسمية فإن 120 ألف طالب وطالبة في المحافظة لم يصل إليهم التعليم، وتعد محافظة بلوشستان الأكثر فقراً من بين محافظات البلاد حيث تتجاوز نسب الفقر 50%، والبطالة كذلك، وحصة المحافظة من الميزانية العامة للدولة تعد الأقل من بين جميع المحافظات الإيرانية على الرغم من أن المحافظة تعد ثالث أكبر محافظة في البلاد.


10- فرض قيود كبيرة على الصحف المحلية في المحافظة فهي معطلة أو شبه معطلة في جميع مدن بلوشستان ويخضع ما ينشر منها لرقابة صارمة ومباشرة من قبل الحرس الثوري الإيراني، كما أنه لم ينشر أي كتاب في دور النشر الموجودة في المحافظة.


11- منع تواصل أهل السنة مع إخوانهم في العالم الإسلامي، كما في منع السلطات الأمنية الإيرانية الشيخ عبد الحميد إسماعيل زهي، رئيس جامعة دار العلوم في زاهدان، من السفر إلى مكة المكرمة للمشاركة في مؤتمر لرابطة العالم الإسلامي، بحضور شخصيات إسلامية عالمية. في بداية عام 2016م، كما تكرر المنع قبل ذلك.


12- حرمان البلوش والشعوب غير الفارسية من التعلم بلغتها، وتعلم ما يتعلق بمذهبها.

الدور الإسلامي في قضية بلوشستان



لا
يتسم الدور الإسلامي في قضية بلوشستان بالضعف فقط، وإنما بالتواطؤ أحيانا، فإذا كانت دولتان إسلاميتان، هما باكستان وأفغانستان، تقتسمان جزءا من أراضي بلوشستان، شأنهما شأن إيران، فإننا لا نتوقع أن تهبّ هاتان الدولتان الجارتان -مثلاً- لنصرة البلوش وقضيتهم ومساعدتهم في التخلص من الاحتلال الإيراني لبلادهم.


وإذا كان احتلال بلوشستان قد جاء في وقت كانت فيه معظم البلدان الإسلامية واقعة تحت الاستعمار، وتعاني من الضعف الشديد، فإنه ليس من المبالغة القول بأن معظم المسلمين، ورغم مرور قرابة 90 عاما على احتلالها من قبل إيران، لم يسمعوا ببلوشستان وقضيتها ومعاناة أهلها.


إن المطلوب أن تتبنى الدول الإسلامية رسميا قضية بلوشستان، وإنْ سبّب ذلك لها الإحراج مع باكستان وأفغانستان، لاسيّما وأن الاحتلال الإيراني فاق في مساوئه كلّ احتلال، ويمكن للمسلمين الاستفادة من المقاومة المتصاعدة للاحتلال الإيراني في بلوشستان، ودعمها بالمال والسلاح، وقبل ذلك دعمها من خلال الإعلام، وتعريف المسلمين والعالم بها، وأنها مقاومة مشروعة، وإن خالطها بعض الأخطاء، وأنها تهدف إلى التخلص من احتلال أجنبي، ومساعدة البلوش في الحصول على استقلالهم وتقرير مصيرهم.


وفيما يتعلق بالإعلام، يذكر الناشط السياسي المعروف الشيخ أبو منتصر البلوشي أنه يأتي في مقدمة ما يجب على الخليجيين أن يقوموا به لدعم أهل السنة في إيران إذ يقول: "الدعم الأهمّ والأول يتمثل في إنشاء محطات إعلامية فضائية باللغة الفارسية، توجّه إلى إيران، فوالله إنها لتفعل فعل السحر في تلك البلاد، التي ستحفظ من جهة إخوتنا من القوميات العربية السنية من الذوبان في القالب الصفوي الفارسي، ومن جهة أخرى سيتسنّن كثيرون من عقلاء الشيعة عندما تتبيّن لهم الحقائق، وتدحض الشبهات والمقولات الباطلة التي يغذيها الإعلام الإيراني ويشوّه بها أهل السنة ومذهبهم، وكذلك الساسة العرب".


ويمكن للدول الإسلامية إثارة قضية بلوشستان من خلال المنظمات الدولية المختصة كمنظمة المؤتمر الإسلامي، ويمكن – وبسهولة شديدة- إثارة انتهاكات إيران الواضحة من قتل الأبرياء وهدم المساجد والمدارس ومصادرة الأراضي وتهجير أهلها أمام الرأي العام ومنظمات حقوق الإنسان، وإن ذلك من شأنه أن يخدم الدول الإسلامية والبلوش على حد سواء، ويعرّي إيران وسياساتها وأطماعها في المنطقة.


وممّا يمكن للدول الإسلامية عمله زيادة التواصل مع أبناء بلوشستان المقيمين في إيران، وربطهم بالعالم الإسلامي وأهل السنة، وتقديم المنح الدراسية لهم، وتسهيل قدومهم لأداء الحج والعمرة، وينبغي للدول الإسلامية أن تقوم بكل ما سبق، وغيره كثير، دون خوف من إيران، وأن يكون المسلمون في موقف الهجوم بدلا من الدفاع وتلقي الضربات، لا سيّما وأن إيران تستبيح الكثير من بلادهم بتدخلاتها وميليشياتها العميلة وخلاياها النائمة والمتيقظة.


أهم المراجع


مواقع وصحف ومجلات ومنتديات: الراصد، الإسلام اليوم، سُنّي أون لاين، شؤون إيرانية، أهل الحديث، مفكرة الإسلام، الوطن السعودية، مدونة أخبار البلوش وبلوشستان، الشرق الأوسط، العربية نت، ويكيبيديا، المجلة، أخبار الخليج البحرينية، مركز بلوشستان للدراسات البلوشية، البرهان.

الأربعاء، 6 يناير 2016

دول ابتلعتها إيران -1- الأحواز

دول ابتلعتها إيران

هيثم الكسواني – كاتب أردني

خاص بالراصد

سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.

1- الأحواز
احتلت إيران بلادَ الأحواز في الربع الأول من القرن الماضي، لكن ينبغي التنويه هنا إلى أن هذا الاحتلال وإن كان قد سبق قيام الثورة الخمينية ودولة الملالي سنة 1979م، إلاّ أن دولة الملالي لم تبادر إلى تصحيح الأخطاء أو الخطايا التي اقترفتها الدولة التي سبقتها والتي ثارت عليها بحجة أنها دولة ظالمة لا تلتزم شرع الله عز وجل، ولم تبادر إلى نصرة المظلومين والمستضعفين كما زعمت ثورتها والشعارات التي أطلقتها، بل على العكس من ذلك، رسّخت احتلالها للأحواز ولغيرها من الأقاليم والبلدان، ونهبت خيراتها، وأمعنت في مسخ هويتها، واضطهاد أهلها وإذلالهم.

نبذة تاريخية وجغرافية

تعتبر كلمة (الأحواز) هي التسمية العربية الأصيلة للمنطقة، وتذهب بعض الآراء إلى أن الأحواز هي جمع كلمة (حوز)، من مصدر الفعل حاز يحوز، أي: تملك يتملك، وقد جاء في لسان العرب: "أرض حوز، أرض أقيم حولها حاجز"، أما الحموي في معجم البلدان، فيبين أن العرب كانوا يستعملون هذا اللفظ دلالة على تملّك الأرض حصرا دون سواها من أنواع التملك الأخرى، ويشيرون به إلى الأرض التي يتخذها أي شخص ويرسم حدودها فيستحقها دون منازع.
ونظرا لعدم استطاعة الفرس لفظ حرف الحاء، فقد حوّلوا لفظها إلى (أهواز)، وقد تسرّب هذا اللفظ إلى الكُتّاب ووسائل الإعلام العربية دون التدقيق فيه، أما الصفويون الذين حكموا إيران بين عامي (1501- 1736م) فقد أطلقوا على الأحواز اسم (عربستان) أي: بلاد العرب أو أرض العرب، الأمر الذي يمثل اعترافاً تاريخياً بعروبتها.
وضمن سياسة "التفريس" أو "الفرسنة" الممنهجة التي اتّبعتها مع الأراضي المحتلة عموما، ومع الأحواز خصوصا، لمحو أي أثر عربي في المنطقة، عمدت إيران إلى تغيير اسم الأحواز بعد احتلالها إلى (خوزستان) وتعني: بلاد القلاع والحصون، أو أرض السكر أو قصب السكر التي اشتهرت بزراعتها.
وشعب الأحواز شعب عربي أصيل، قدِم إلى المنطقة من الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، أما الفتح الإسلامي فتمّ في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وبقيادة الصحابي أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، وبقيت سنية حتى القرن العاشر حيث تشيعت مع قيام دولة المشعشعين والدولة الصفوية تحت الجبر والإكراه.
وقد تعاقبت على الأحواز الدول والإمارات، إلى أن حكمها بنو كعب الذين ينحدر منهم الشيخ خزعل بن جابر الكعبي، آخر حكام الأحواز، قبل احتلالها من قبل شاه إيران، في 20/4/1925م.
وتقع الأحواز إلى الجنوب الشرقي من العراق، وتطل على رأس الخليج وشط العرب، ويحدّها من الغرب محافظتا البصرة وميسان العراقيتان، أما من الشمال والشمال الشرقي فيحدّها جبال البختيارية، التي هي جزء من جبال زاغروس، والتي تعتبر الحاجز الجغرافي الطبيعي الذي يفصل الأحواز عن إيران، ويجعل منهما منطقتين مختلفتين تمامًا.
أما مساحتها الحقيقية فتبلغ 375 ألف كيلومتر مربع، لكن السلطات الإيرانية المتعاقبة عمدت إلى قضم أراضيها لصالح محافظات إيرانية أخرى مجاورة مثل: فارس وأصفهان ولرستان وكرمنشاه، بحيث لم يتبقّ من أراضيها حاليا سوى 66 ألف كيلومتر مربع.


أسباب احتلالها



1- تعتبر الثروة النفطية الضخمة التي تحتويها الأحواز من أهم الأسباب التي دفعت إيران لاحتلالها، فحوالي 90 % من النفط والغاز الإيرانيين تنتجه الأحواز، ففي سنة 1908م، تم اكتشاف النفط في مدينة مسجد سليمان، وفي السنوات اللاحقة تم إنشاء مصفاة للنفط في مدينة عبدان، تعتبر ثاني أكبر مصافي النفط في العالم، وأكبر مصفاة في المنطقة.

2- وفرة المياه، حيث يمر في أراضي الأحواز ستة أنهار كبيرة، هي: الكارون والكرخة وشاوور والدز والجراحي والزهرة، إضافة إلى أنهار فرعية أو موسمية أخرى، وكذلك خصوبة أراضيها وصلاحيتها للزراعة.

3- إعطاء بريطانيا الضوء الأخضر لشاه إيران رضا بهلوي لاحتلال الأحواز، رغم عهودها للشيخ خزعل بحماية بلاده من الأخطار الخارجية، ويقال إن سبب نكوث بريطانيا بوعودها يعود إلى انتصار الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا ما دفع بالقوى الغربية وخاصة بريطانيا إلى تغيير استراتيجيتها تجاه المنطقة، حيث أخذت تتخلى شيئا فشيئا عن دعمها لاستقلال إمارة خزعل لصالح كيان إيراني قوي وموحد يشكل حاجزا استراتيجيا أمام الشيوعيين الروس ومحاولاتهم الوصول للمياه الدافئة.

4- موقع الأحواز الاستراتيجي، حيث تقع على رأس الخليج العربي، ومجاورتها لإيران والعراق والكويت، وقربها من حقول النفط وخطوط الملاحة.

5- خشية البريطانيين والإيرانيين من النفوذ المتزايد للشيخ خزعل لا سيما بعد ترشيح نفسه لعرش العراق بعد خروج العراق من حكم العثمانيين.

6- طموحات رضا خان المتزايدة وعنصريته، فقد أوصى ابنه وولي عهده بقوله: "لقد حررت الشاطئ الشرقي للخليج من العرب، وعليك أن تحرر الشاطئ الغربي".


كيفية احتلالها



في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من سنة 1924م، توجّه رئيس وزراء إيران رضا خان (وملكها فيما بعد) على رأس حملة عسكرية لاحتلال الأحواز، وقد نُقل عنه أنه قال: "إنني ذاهب للقضاء على الشيخ خزعل، فإن وُفّقت وإلاّ فسأواري جسدي في مقابر المحمرة، ولا أرجع إلى طهران بالفشل".

وبعد معركة غير متكافئة تمكن من احتلالها، وتم تشكيل حكومة عسكرية برئاسة الجنرال فضل الله زاهدي، أما خزعل فغادر إلى البصرة لتنظيم صفوف عشائره وأتباعه لمحاربة الإيرانيين الذين لجأوا إلى الغدر والخديعة للقبض عليه، فقد أعلن الجنرال زاهدي أنه تلقى أوامر للانسحاب من المنطقة، وغادر مدينة الأحواز إلى المحمّرة، وطلب إقامة حفلة وداع لخزعل، وكان ذلك ليلة السابع والعشرين من رمضان (20/4/ 1925م).

وبعد تلقيه تطمينات من المعتمد السياسي البريطاني في الأحواز، اطمأن خزعل إلى النوايا الإيرانية، وحضر الحفلة التي أقيمت على يخته الخاص الراسي على شط العرب مقابل قصر الفيلية، ومع ساعات الليل اندفع عدد من الجنود الإيرانيين إلى اليخت وقبضوا على خزعل وأحد أبنائه، وتم نقله إلى طهران على البغال، وهناك ظل مسجونا حتى سنة 1936م، عندما تم قتله في ظروف غامضة، ويعتقد أنه مات بالسم، متجاوزا الرابعة والسبعين من العمر.


 مقاومة الاحتلال

منذ احتلالها، والشعب العربي الأحوازي منخرط في مقاومة الاحتلال الإيراني، رغم كره بعض فئات الشعب الأحوازي وعشائره لخزعل وسياسته الموالية للإنجليز، وبطشه بالمعارضين، وبذخه، إلاّ أنهم رأوا فيه رمزا لسيادة الأحواز وعروبتها.

ولم تتأخر مقاومة الأحوازيين للاحتلال الإيراني، وقاموا بعدة ثورات أولها تلك التي عُرفت بثورة الغلمان، ومن أهمها: انتفاضة الحويزة (1928م)، وانتفاضة حيدر بن طلال (1930م)، وانتفاضة جاسب بن الشيخ خزعل (1943م)، وانتفاضة بني طرف (1945م)، وانتفاضة الشيخ عبد الله بن الشيخ خزعل (1946م) في منطقة الغيلية، وانتفاضة الشيخ يونس العاصي (1949م).

كما تأسست التنظيمات المقاومة مثل: جبهة تحرير عربستان، والمنظمة العربية لتحرير الأحواز، والمنظمة الوطنية لتحرير الأحواز (حزم)، وغير ذلك من التنظيمات التي تجاوزت العشرين من مشارب وتوجهات مختلفة، تكاد تجمع على استقلال الأحواز عن إيران كما كانت قبل نيسان/أبريل 1925م.

ممارسات إيران العنصرية في الأحواز




منذ اليوم الأول لاحتلالها، اعتمدت إيران – ولليوم- سياسة إقصائية قمعية، ولا عجب في ذلك، فنظام الملالي الحاكم حاليا يتسم بالقسوة والبطش بالمخالفين، وكذلك كان النظام البهلوي السابق، ومِن جملة ما مارسته السلطات الإيرانية تجاه الأحواز وأهله ما يلي:

1- تغيير الملامح العربية للإقليم مثل تغيير اسمه من عربستان إلى خوزستان، وتغيير أسماء المدن والأحياء إلى أسماء فارسية، مثل تغيير اسم المحمّرة إلى خرمشهر، والخفاجية إلى سوسنكرد، والفلاحية إلى شادكان، تماما كما تفعل إسرائيل اليوم بحقّ الفلسطينيين، إذ تستميت بتهويد القدس، وإزالة الآثار العربية منها ومصادرة الأراضي وطرد أهلها منها.

2- قضم أراضي الإقليم لصالح المحافظات الإيرانية الأخرى كما تم ذكره سابقًا.

3- تهجير أبناء الأحواز إلى المدن المجاورة، وإحلال سكان من محافظات أخرى محلهم بعد مصادرة أراضي العرب وأملاكهم.

4- منع الحكومة المحاكم "الأحوازية" من الترجمة للغة العربية وإليها، فوضعت بذلك أكبر عائق أمام المواطن الأحوازي لضمان حقوقه بمراجعة المحاكم.

5- مصادرة الكتب العربية الموجودة في الأحواز سواء كانت ملك المكتبات أو الأشخاص.

6- منع تدريس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية على الرغم من وجود المادة 15 من الدستور الإيراني التي تنص على ضرورة تدريس لغة القوميات غير الفارسية في المدارس الابتدائية، ولكن السلطة الإيرانية لم تطبق هذه المادة.

7- إهمال شئون التعليم، وانعدام الرعاية الصحية.

8- التباطؤ في عملية إعادة إعمار ما دمرته الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988م)، والتجاهل المتعمد لمشكلة الألغام التي خلفتها تلك الحرب؛ الأمر الذي يتسبب في مقتل وجرح المئات من أبناء الأحواز، ذلك على الرغم من المساعدات المالية الدولية التي تتلقاها إيران في هذا المجال.

9- حرمان الشعب الأحوازي من مياه الشرب والزراعة من خلال تحريف مسار روافد نهر الكارون باتجاه المناطق الفارسية مثل أصفهان، أو من خلال السعي لتنفيذ مشاريع لتصدير هذه المياه إلى دول الخليج المجاورة.

10- انتزاع الحكومة الأراضي الزراعية من أصحابها العرب وإقامة مستوطنات فارسية تحت غطاء مشاريع صناعية زراعية مثل مشروع قصب السكر.

11- عقد الحكومة الإيرانية لاتفاقيات مع دول أو شركات أجنبية في مجال استثمار ثروات نفط الأحواز، رغم أحقية الشعب الأحوازي في التحكم في هذه الثروات.

12- ممارسة أقصى درجات القمع والاضطهاد بحق المعارضين الأحوازيين، لدرجة أن مشهد الإعدامات باستعمال الرافعات في الأحواز صار مشهدا يوميا مألوفا. وقد اشتد البطش الإيراني مؤخرا بحق الأحوازيين في أعقاب توجه الكثير منهم إلى التسنن واعتناق مذهب أهل السنة، فإذا كان الانتماء للتشيع لم يشفع للأحوازيين لكونهم عربا، فكيف بمن جمع العروبة والسنة؟!

الدور العربي والإسلامي في قضية الأحواز

لا جدال بأن الدور العربي والإسلامي في قضية الأحواز دور ضعيف، وقد جاء احتلال الأحواز في وقت كانت فيه معظم البلدان العربية واقعة تحت الاستعمار، وتعاني من الضعف الشديد، ويذكر المؤرخون أن حكام الدول العربية المجاورة للأحواز آنذاك كالعراق (الملك فيصل الأول) والكويت (الشيخ أحمد الجابر) تخاذلوا عن نصرة خزعل وإمداده بالسلاح الذي طلبه لصد عدوان رضا خان.

وليس من المبالغة القول بأن معظم العرب، ورغم مرور 90 عاما على احتلالها، لم يسمعوا بالأحواز وقضيتها ومعاناة أهلها، كما أن بعض الأنظمة تعاملت بشكل خاطئ مع قضية الأحواز، إذ يُذكر أن العراق (وهو المعني الأكثر بقضية الأحواز) رفض في سنة 1968م توصية من مؤتمر المحامين العرب بتخصيص مقعد للأحواز في الجامعة العربية كما هو شأن فلسطين، بزعم أن الأحواز والكويت قضية عراقية داخلية.

كما اتخذ العراق قضية الأحواز ورقة للمساومة مع إيران في مقابل القضية الكردية، حيث كانت إيران تدعم أكراد العراق، فدعم العراق الأحوازيين، حتى إذا انتهت الحرب العراقية الإيرانية انتهى دور القضية الأحوازية من وجهة نظر النظام العراقي.

إن المطلوب أن تتبنى الدول العربية رسميا قضية الأحواز، واعتبارها دولة عربية واقعة تحت احتلال أجنبي، ومساعدة أهلها في الحصول على استقلالهم وتقرير مصيرهم، دون خوف من إيران، وإن ذلك من شأنه أن يخدم الدول العربية والأحوازيين على حد سواء، ومن ذلك إنهاء ادّعاء إيران بفارسية الخليج العربي، وتحقيق شيء من الأمن العربي المفقود، وتعرية إيران وسياساتها وأطماعها، وأن يكون العرب في موقف الهجوم بدلا من الدفاع وتلقي الضربات، وغير ذلك.

أهم المراجع

1- صباح الموسوي، الأحواز الإقليم العربي المغتصب، منتدى المفكرين المسلمين، الطبعة الأولى، 1433هـ، 2012م.
2-  جابر أحمد، عرب الأهواز، دار الكنوز الأدبية، بيروت، الطبعة الأولى، 2006م.
3-  شبكة الراصد.
4-  موسوعة المعرفة.