‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات السفير د. عبد الله الأشعل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات السفير د. عبد الله الأشعل. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 8 أغسطس 2024

تأملات عميقة في الموقف العربي الرسمي من إسرائيل!

 

تأملات عميقة في الموقف العربي الرسمي من إسرائيل!

عبد الله الأشعل
سفير سابق ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

هل يعلم العرب وبالذات الحكام العرب الذين يتولون أمور الدول العربية حقيقة المشروع الصهيوني. على كل حال حسمت محكمة العدل الدولية المسألة في رأيها الاستشاري في يوليو 2024 ومن قبل ذلك في رأيها الاستشاري بخصوص الجدار العازل عام 2004 حيث أكدت المحكمة بمفهوم المخالفة أن إسرائيل الصهيونية لا علاقة لها بفلسطين وهذه ضربة كبرى لمزاعم إسرائيل ومشروعها الصهيوني بأن فلسطين ملك لهم.

إذا كان الحكام العرب يعلمون أنه ليس هناك أي حق للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين فلماذا أقدم كبارهم في الماضي على بيع فلسطين مقابل عروشهم ولماذا أقدم المحدثون كأنور السادات على بيع فلسطين مقابل رضا أمريكا عنه وكل الحكام الذين أبرموا معاهدات السلام مع إسرائيل رغم علمهم بأن إسرائيل صهيونية بما في ذلك زيارة السادات للقدس خيانة للأمانة وخيانة للدين. ولذلك تحرص إسرائيل دائمًا على تقديم الاعتراف بها على ما عداها من علاقات وهي تعلم أن مجرد الاعتراف هو إقرار بأن اليهود الصهاينة كانوا في فلسطين فكيف يجرؤ حاكم عربي على مغالطة التاريخ وبيع ضميره مقابل كرسي الحكم الزائل.

وإذا تأملنا الموقف الرسمي العربي من إسرائيل وجدنا أنه بالتدريج يعترف لإسرائيل بالحق في فلسطين. وأولى بالحكام العرب أن يجلبوا الإسرائيليين إلى أرضهم وليس أرض غيرهم فارتكبوا جريمة كبرى في حق فلسطين كما ارتكب الفلسطينيون وأولهم ياسر عرفات نفس الجريمة في حق فلسطين عندما اعترف بإسرائيل وابتلع طُعم إسرائيل بتسمية هذا الاعتراف بالاعتراف المتبادل. وهناك فرق بين إقرار الحق وبين الحصول عليه. فالإسرائيليون لم يكن الواقع يشجعهم على النطق بالمشروع الصهيوني والترويج له. وفي نفس الوقت فإن الواقع الحالي في العالم العربي أعجز بعض العرب عن إقرار الحق وكان أشهرهم وأبلغهم مثالًا أنور السادات عندما برر التقارب مع إسرائيل بأن القوى متفاوتة وليس لدينا قبل بها ببساطة لأننا سوف نحارب أمريكا شخصيًا.

ولابد أن أنور السادات في قبره يتابع تدني حجته أمام جسارة المقاومة الفلسطينية ضد التواطؤ الأمريكي والغربي وتواطؤ العالم كله مع إسرائيل، ومع ذلك سجلت المقاومة أعلى درجات الصدق مع الحقيقة وانكشف اللص في مواجهة صاحب الحق، ولذلك اعتمد اللص على القوة الخارقة في الانتقام من صاحب الحق. وهذا هو التفسير المنطقي لإبادة صاحب الحق، ولا أظن أن الموقف العربي التقليدي الرسمي سوف يكون له معنى بعد هذه المواجهة إلا أن يكون فصلًا من المؤامرة الجديدة العربية على فلسطين.

وإذا حاولنا أن نقرأ الموقف العربي الرسمي في ضوء هذه الحقيقة وجدنا فارقًا كبيرا بين الطرفين، فالعرب اتفقوا على الاعتراف باللص إذا وافق على قبول صاحب البيت إلى جانبه. ومعنى ذلك أن العرب يقبلون بإسرائيل الصهيونية بشروط مهينة ولا تنسجم مع المنطق، بل إن الموقف العربي الرسمي يطالب للفلسطينيين بأقل القليل وهو دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 أي أنهم يعترفون لإسرائيل بربع الأراضي الفلسطينية مكافأة لها على جلد العرب وهم ينحنون إثباتًا لبقاء عروشهم التي تسندها إسرائيل وأمريكا. ثم يتخلون عن القدس وهي مسألة دينية حين يعترفون بأن الدولة الفلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وحدها ويتخلون عن غرب القدس.

ليعلم الحكام العرب أنهم بهذا الموقف يتآمرون على فلسطين وأنهم يعترفون للص بحقه في الأرض. وأزعم أن الموقف العربي هو الذي أغرى إسرائيل بأن تتحدى العالم كله وأن تصرح بوضوح بأن فلسطين كلها ملك للصهاينة الذين يتسترون بالشريعة اليهودية لتبرير فعلتهم الإجرامية. ولذلك أدعو الحكام العرب الذين أبرموا معاهدات السلام الإسرائيلي مع إسرائيل ألا يتحدثوا مثل فلسطين. فالمقاومة وحدها هي صاحبة الحق في تمثيل فلسطين. عليهم أن يعودوا إلى الله وإلى العروبة بدلًا من خدمة الاحتلال الإسرائيلي وخدمة عروشهم الذليلة، وأن يعودوا إلى شعوبهم التي غيبوا وعيها وجعلوها عرضة لتهكم الشعوب الأخرى عليها.

هذه شهادتي وقد عاصرت مراحل الصراع وراقبت الموقف العربي منذ تشكله وأعلم جازمًا أسباب تمسك الحكام العرب بهذا الموقف. كما لستُ واثقًا بأن كل الحكام العرب يدركون هذه الحقائق، وها أنا ذا أفضي إليهم بالحقيقة فإن كانوا حريصين على لقاء ربهم فليرجعوا عن غيّهم وليعترفوا بأن فلسطين كلها للفلسطينيين، وأنه لا عبرة مطلقًا بقرارات الأمم المتحدة وأولها قرار التقسيم. وإذا كانت الجيوش العربية لا تستطيع أن تنفذ هذه الحقائق على الأرض فلتتكون المقاومة في جميع الدول العربية على أن يرأسها فلسطيني مخلص. وليست تجربة الجيوش العربية التي دخلت لتمنع العصابات الصهيونية من الاستيلاء على فلسطين ببعيد، فعمر الأمم لا يقاس بالسنين كعمر الأفراد وإنما يقاس بالقرون.

الأحد، 5 نوفمبر 2017

هل صدفة أن تقوم الثورات في النظم العربية الجمهورية؟

هل صدفة أن تقوم الثورات في النظم العربية الجمهورية؟


د. عبدالله الأشعل  
مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق


في العالم العربي نظم جمهورية ونظم ملكية، وتشمل الملكيات السعودية والمغرب والكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان والأردن، أي 8 دول ملكية، و13 دولة تنتمي إلى النظم الجمهورية وتنص دساتيرها على ذلك؛ بل وتشدد على أن محاولة تغيير هذا النظام تعتبر من الخيانة العظمى.

صحيح أن هذه النظم الجمهورية تحولت في الواقع إلى نظم ملكية من حيث إن الرئيس يظل في منصبه إلى أن يموت أو يقع انقلاب ضده، إلا أن النظم الملكية تشترك مع الجمهورية في خصيصة مشتركة وهي البعد بدرجات متفاوتة عن الحكم الديمقراطي، وإن أشارت دساتيرها إلى أنها جميعاً نظم ديمقراطية.

والنظم الملكية من حيث الغنى والفقر ومستوى المعيشة قسمان؛
دول الخليج غنية بسبب النفط، والأردن والمغرب كلاهما متواضع الموارد والثورات ومستوى المعيشة.
 والنظم الجمهورية لها سجل حافل في انتهاكات حقوق الإنسان وتماثِلها القليل من النظم الملكية.ولكن الملاحظ أن التمرد في العالم العربي ضد الحاكم ثم في نظم جمهورية وشمل ذلك جميع النظم بما فيها السودان والعراق والجزائر وحتى فلسطين.
 أما موريتانيا، فكانت قبل الثورات قد توجهت صوب الديمقراطية بعد الانقلاب على حاكمها الانقلابي أيضاً، وربما لم يفلت من الظاهرة من النظم الجمهورية سوى جيبوتي والصومال الذي يعاني الحرب الأهلية، وجزر القمر التي تعرف تداول السلطة منذ استقلالها عن فرنسا.

ومن الظواهر المفيدة في الإجابة عن السؤال، أن مصر وتونس واليمن بلغ فيها الفساد والاستبداد والقهر والدولة البوليسية حداً أسهم -بلا شك- في الانفجار، وبدرجة أقل فيما يبدو في سوريا والجزائر، ولكن في مصر كانت قوة الثورة هي حاصل ضرب سلمية الثورة ومشمولها وتركيزها على سقوط نظام مبارك وعمق الإذلال الأمني والمعيشي والفساد والتواطؤ ضد الشعب والوطن والسماح بالتدخلات الأجنبية، فعمّ الفقر والمرض والذل وانقطاع الأمل في المستقبل.

فهل يمكن بعد هذه المقدمة أن نخلص إلى قانون يفسر نظرية الثورة في العالم العربى، بصرف النظر عن محاولات حرف الثورة عن مسارها الطبيعي في هذه الدول؟

من المؤكد أن العالم العربي عرف -رغم مضي الزمن- موجة التحرر من النظم المستبدة بعد نصف قرن من التحرر من الاستعمار الغربى؛ ولذلك يمكن أن نرصد عدداً من العوامل المتصلة بالثورة والانعتاق من إسار الواقع المرير.

فقد اجتمعت في مصر مثلاً 10 عوامل جعلت الثورة أمراً لا مفر منه وإن لم تنفجر في لحظة واحدة، وانما تقلصت مكونات الجسد والروح المصرية طوال عقد كامل تجمعت فيه هذه العوامل وهي: نظام جاء بالتزوير؛ وبنى مؤسسات الدولة على التزوير والرشوة والمحسوبية بحيث أصبح الفساد صناعة علنية؛ واستخدام الأمن في التعيينات وفي قمع المخالفين؛ وإمراض المجتمع وإفقاره ونهب الثروات؛ والمجاهرة بأن التزوير والنهب والقهر وقمع الشعب من حسنات النظام وتجليات الإبداع فيه؛ ثم إعلان ضلَّل الشعب؛ واختراق أجنبي للمجتمع؛ وإضعاف لروح الانتماء؛ وانسداد الأمل في التغيير؛ بل والإعداد لتوريث الحكم لعصابة تجاهر بالفواحش السياسية والاجتماعية.

لقد تحولت الدولة المصرية إلى دولتين؛ إحداهما هي للقلة التي تملك كل شيء وتفسد كل شيء وتقمع المخالف وتذلّ الدولة المصرية وسمعتها ومكانتها. والثانية هي عموم المصريين المحرومين المرضى والمعوزين، وتسلطت الدولة الأولى على الثانية بلا رحمة وهي تملك كل أدوات القوة، والأخطر انسداد أفق التغيير وادّعاء الصلاح السياسي والاجتماعي وتغييب الوعي.
نشأ واقع مؤلم شعر به الجميع في دولة الجميع، وصار المراقبون يتوقعون النهاية بعد أن انحطت أخلاق أعضاء الدولة الباطشة؛ بل وكان الجميع يتوقعون انفجار المجتمع ليأكل بعضه بعضاً، ولكن الله -سبحانه- قدّر أن تنفجر دولة الجميع في دولة القلة وتصر على اقتلاعها، فالشعور بالقهر والفجر وانسداد الأمل والفجور في الهيمنة والحرمان خلق ضرورة الثورة.

ولذلك، لا أشاطر رأي الذين يرون أن بعض السياسات الشكلية والتنازلات السطحية كان يمكن أن توقف الثورة؛ لأن التناقضات الجوهرية لم يكن ممكناً احتواؤها، ولم يكن ممكناً أن تتحول الدولة المافياوية إلى دولة صالحة أخلاقياً ووطنياً، بعد أن فسدت جينتها وصار الفساد أداتها الأساسية لضمان ولاء أعضاء العصابة، والأداة الرئيسية لممارسة الاستبداد والقهر ودفع الحياة والمجتمع وقيمه صوب الانحطاط والإبادة الإنسانية.

فهل يمكن القول إن قلّة نسبة الفساد وتوزيع الثروات بشكل يفي باحتياجات الناس حتى لو لم يكن التوزيع عادلاً، وخفّة نسبة القهر الأمني رغم انسداد آفاق الحرية والتغيير- كفيل بمنع الانفجار والثورة؟
وهل الثورة والأمن والإعلام وعدم قابلية بعض الشعوب للثورة عطّل الانفجار في النظم الملكية الغنية بحيث اضطر ملك المغرب إلى تحقيق أهداف الثورة دون حاجة إلى ثورة حقيقية؟ سيظل السؤال مطروحاً مدة طويلة في المستقبل.

وأخيرا، فإنه لا يمكن القول إن الثورات قامت في دول معادية للغرب؛ بل بالعكس كل هذه الدول الأربع -مصر وتونس وليبيا واليمن- كانت تبعيتها للغرب ظاهرة.

أما سوريا التي حاول الغرب أن يحتويها بطريقته، فإن نظامها جمهوري يشترك مع النظم الجمهورية الأخرى في غياب أهم خصائص النظام الجمهوري، وهي عدم انتخاب الرئيس انتخاباً صحيحاً يؤدي إلى استمرار الرئيس حتى وفاته، لا فرق في ذلك بين نظام جمهوري ونظام ملكي.

تكلفة الديكتاتورية في العالم العربي

تكلفة الديكتاتورية في العالم العربي


د. عبدالله الأشعل  
مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق
تطورات العقود الماضية أظهرت أن الديكتاتورية في العالم العربي هي التي تسببت في كل هذه المآسي، وأن الحكام المصريين ورثوا السلطة الاستعمارية بمعرفتها؛ حتى تطمئن إلى أن هذه المنطقة لا تستطيع أن تستقل وتصبح طرفاً فاعلاً في العلاقات الدولية. ونظرة على جميع الدول العربية، وخاصة تلك التي واجهت المشاكل والتفتيت والفتن، سنجد أنها جميعاً دول أخذت بالنظام الجمهوري والتي قامت فيها الثورات، وخاصة تلك التي كانت أكثر قرباً من الغرب والولايات المتحدة.

فمصر -على سبيل المثال- ارتبط تطورها بزرع إسرائيل في المنطقة على حدودها، وأصبح نظامها الحاكم يتأثر تأثراً مباشراً بإسرائيل؛ مرة في إطار الصراع الذي انتهى دون حرب بهزيمة مصر على أرضها عام 1967، ومرة أخرى بالاستسلام لإسرائيل فيما عُرف بمعاهدة السلام، ولا يزال مصير مصر معلَّقاً بإسرائيل، على أساس أن من مصلحة إسرائيل أن تعاني مصر بحيث لا تستطيع أن تقف على قدميها ومن باب أولى لا تستطيع أن تلعب دوراً في المنطقة العربية؛ ولذلك فزعت إسرائيل من ثورة 25 يناير/كانون الثاني وسارعت إلى إطفائها بثورة مضادة أسلمت مصر إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور والانكسار.

ولذلك، فإن الديمقراطية في مصر تعني حرفياً نهاية إسرائيل، وقد دفعت مصر ثمناً غالياً في الدماء والمكانة والمعاناة والموارد والأموال؛ لأن الاستبداد الذي حلَّ بمصر في الحكم العسكري منذ عام 1952 هو نفسه الذي شجعته إسرائيل ما دام على اتفاق معها. أما عبد الناصر، فإنه بدأ على اتفاق مع الولايات المتحدة، ثم يئست إسرائيل من استئناسه فاستدرجته إلى مقتله بعد مغامراته ودعمه الانقلابات العسكرية في الدول المجاورة.

أما في سوريا، وبصرف النظر عن ظروفها الداخلية، فقد عرفت بواكير الانقلابات العسكرية بعد هزيمة العرب في فلسطين عام 1948، واستمرت الانقلابات العسكرية المقترنة بالاستبداد رغم كل الشعارات البراقة بما يناسب المخطط الإسرائيلي، الذي لا يسعده أن تتحول سوريا إلى نظام ديمقراطي، وبالقطع إن إسرائيل لا يسعدها عدم القدرة على احتواء النظام في سوريا فعمدت إلى تحطيمه وإلى تدمير سوريا بالكامل؛ أملاً في إخراجها من معادلة القوة، على الأقل في الصراع مع إسرائيل.

واما الديكتاتورية في العراق، فهي المسؤولة بشكل مباشر عن كل ما حلَّ بالعراق من دمار وتقسيم وتمزيق، ولعل المسألة الكردية هي إحدى الثمار المُرة للديكتاتورية في العراق بصرف النظر عن المشاعر القومية، أو غيرها من التقسيمات العاطفية التي يجب تجاوزها عند التحليل. فصدام حسين وأنصاره كانوا يعتقدون أنهم ينهضون بالعراق لكي يكون طرفاً مقابلاً لإيران وأطماعها، وكذلك سيادة العروبة في العراق، دون اهتمام بالأقليات، وهو ما سهَّل لأعداء العراق استغلاله ثم إنفاذ المؤامرة فيه.

وأما لبنان، فقد كان خارج المعادلة على أساس الطابع الطائفي، الذي منع ظهور الدولة اللبنانية، بينما ما يسمى الدولة الوطنية في الدول العربية الأخرى كانت في الواقع حكاماً مستبدين يمثلون هذه الدولة الوهمية ويخدرون الشعوب بالشعارات، كالوطنية والاستقلال وغيرهما.

وأما اليمن الذي كان تحت حكم الإمام، فقد قطَّعه انقلاب عبد الله السلال، ومع كل احترامنا لمشاعر بعض اليمنيين نحو ما يسمى الثورة اليمنية، فإن الثابت أن اليمن كان ضحية مصر والسعودية، وأن ثورة اليمن عام 2011 كان هدفها إنشاء دولة يمنية حديثة مدنية، ولكن الخليج أحبط هذه الثورة كما أحبط كل ثورات العرب.

وأما ليبيا، فقد انتقلت من الملكية إلى الحكم العسكري، الذي رهن تطوُّرها 4 عقود ولم تنشأ فيها دولة، ولما زال نظام القذافي تكشَّف المشهد الليبي عن قوى متصارعة على الثروة والحكم، وهكذا دفعت ليبيا ثمن الديكتاتورية والشعارات الفارغة.

وحرص الغرب على التوافق مع المستبد العربي ما دام هذا المستبد يحمي الفساد الذي يسند حكمه، ويسكت الغرب عنه مقابل مصالحه بهذه الدول، وكلها مصالح غير مشروعة؛ لأن التوافق في المصالح بين المستبد العربي والغربي وإسرائيل كان دائماً ضد مصالح الشعوب العربية، وسادت الديكتاتورية وتجذرت وتم توارثها في بعض الدول مثل مصر، التي استمر التوارث فيها في السلالة العسكرية، وأصبح النظام متحالفاً مع أصحاب المصالح بالداخل وأصحاب المصالح في الخارج.
ولا شك في أن التكلفة الباهظة في الحكم الديكتاتوري بالعالم العربي قد جعلت المنطقة العربية في أسوأ حال وجعلت مواردها نهباً للسفهاء من المنطقة وخارجها، والسند الرئيس للديكتاتورية العربية هو إسرائيل. وليس معنى ذلك أننا يجب أن ننتظر زوال إسرائيل حتى تزول الديكتاتورية العربية، ولكننا يجب أن نزرع الثقافة الديمقراطية عند الشعوب وأن نحصنها بالحقائق والوعي حتى تكشف المستبدين الذين أصبحوا يجاهرون بالقمع من أجل البقاء، وتلك هي المرحلة الأخيرة في حياة الديكتاتورية العربية، التي أصبحت شعاراتها الفارغة مكرورة بعد كل هذه المعاناة والهزائم.

وإذا كانت إسرائيل هي التي تحمي الديكتاتورية العربية فتستفيد منها، فإن إسرائيل لها الفضل في انكشاف كل المستبدين العرب، من خلال تجربتها الديمقراطية التي تعتبر أهم أوراقها عند الغرب، وأن من حسناتها أنها تكشف ما خفي من أخبار المستبد العربي من ناحية لإحراجه وتأليب الشعوب عليه، ومن ناحية أخرى بأن العالم العربي كله يفتقد حرية الإعلام والشفافية.

وأخيراً، إذا أرادت إسرائيل أن تعيش بالمنطقة في مرحلة ما بعد الديكتاتورية العربية، فعليها أن تتخلى عن هذه الديكتاتورية، وأن تشجع الشعوب العربية على الاستقلال والديمقراطية رغم أن هذه معادلة ليست مأمونة؛ لأن السرطان الصهيوني لا يمكن أن يتعايش مع الجسد العربي السليم.

فالسعي إلى فرض الديمقراطية العربية هو أعلى درجات تحصين الجسد العربي؛ حتى يتسلل السرطان الذي ربض فيه إلى خارجه، وتلك معركة كبرى تبدأ بوعي الشعوب وكشفها للحكام الفاسدين؛ لأن مصيرهم ارتبط بمصير إسرائيل؛ ولذلك تخلوا عن الشعارات المكشوفة وانخرطوا -بلا خجل- في مساندة المشروع الصهيوني.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن تكلفة إدخال الديمقراطية هي استثمار مضمون لتفادي مضار استمرار الديكتاتورية والعمالة والفساد.

الثلاثاء، 31 أكتوبر 2017

الحركات الانفصالية وأحكام القانون الدولي المعاصر


الحركات الانفصالية وأحكام القانون الدولي المعاصر

عبد الله الأشعل
شهد عام 2017 مظاهر واتجاهات انفصالية حادة شملت العديد من الحالات، كما كانت هناك حالات أخرى سابقة تلح على دول كثيرة، منها رغبة إقليم كيبيك في كندا الاستقلال عن كندا ذات الثقافة البريطانية، وهو الإقليم بثقافته الفرنسية، كذلك يحاول سكان أسكتلندا في بريطانيا أن يستقلوا عن بريطانيا العظمى.

أما في إسبانيا، فإن إقليم الباسك يحارب منذ مدة لإعلان الانفصال عن إسبانيا، كذلك أعلن إقليم كتالونيا في تشرين الأول/ أكتوبر 2017 نتائج الاستفتاء الذي واجهته الحكومة المركزية في مدريد بتطبيق المادة 155 من الدستور الإسباني، والتي تنهي الحكم الذاتي للإقليم وتباشر حكمه بقرارات من الحكومة المركزية، مع تجميد مؤسسات الحكم الذاتي؛ وفقا للدستور.

حق تقرير المصير هو حق معترف به في القانون
الدولي ولكن مختلف على نطاقه وتفسيره

وفي أوروبا أيضا، أعربت بعض الأقاليم في إيطاليا، خاصة في الشمال، عن رغبتها في الانفصال وتكوين دولة مستقلة عن إيطاليا. وبعد انتخاب الرئيس ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية، ظهر اتجاه قوي في ولاية كاليفورنيا، أكبر الولايات الأمريكية الخمسين، يطالب بالاستقلال عن الاتحاد الأمريكي لأسباب متعددة.

أما في العالم العربي، فقد تم فصل جنوب السودان عن جمهورية السودان ولكن باتفاق بين الحكومة السودانية والمتمردين، حيث تم إجراء استفتاء في جنوب السودان حول الاستقلال أو البقاء جزءا من السودان، وقد اختار الجنوبيون الانفصال.

أما آخر حلقات هذه الظاهرة، فهو إجراء استفتاء في الإقليم الكردي شمال العراق أواخر أيلول/ سبتمبر 2017، حيث اختار الشعب الكردي الاستقلال عن العراق، وقد ردت الحكومة العراقية، مثلما فعلت الحكومة الإسبانية، بتطبيق الدستور؛ لأن الاستفتاء يتناقض مع الدستور ومع حكم المحكمة العليا العراقية، بل إن الجيش العراقي قرر إنهاء مظاهر الاستقلال بالقوة في المناطق الكردية، ودخل في صدام مسلح مع قوات البشمركة الكردية.

كل هذه الحالات رفعت شعار حق تقرير المصير، وهو حق معترف به في القانون الدولي، ولكن مختلف على نطاقه وتفسيره. وقد أشرنا في مقاله سابقة إلى أن الحق استخدم تاريخيا لتفتيت الدول، فقد تم استخدامه ضد الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى، كما استخدم بعد الحرب العالمية الثانية كأداة ضد الاستعمار الغربي ولتحرير الشعوب المستعمرة، كما استخدم ضد النظم العنصرية التي قام الأجانب في تلك الدول باستعباد الأغلبية من شعوبها، وقد حدث ذلك في جنوب إفريقيا وفي روديسيا الجنوبية (زيمبابوى الآن).

حق تقرير المصير استخدم تاريخيا لتفتيت الدول كما استخدمت
ضد النظم العنصرية التي استعبد فيها الأجانب الأغلبية من السكان

وقد استخدم الغرب حق تقرير المصير لتفكيك الاتحاد السوفييتي، وكان حق تقرير المصير للأقليات القومية والدينية والعرقية، مما أدى أيضا إلى تفكيك الاتحاد اليوغسلافي.

وعندما مارس الصرب مختلف أنواع الجرائم ضد إقليم كوسوفو، الذي كان ضمن الاتحاد اليوغسلافي ويتمتع بالحكم الذاتي، فإن الولايات المتحدة تصدت لجمهورية الصرب وفرضت حظرا جويا عليها بالتعاون مع دول الناتو، بل وجلبت رئيسها ميلوسوفيتش إلى المحاكمة أمام محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة في لاهاي، كما أن الصرب قاوموا استقلال الجمهوريات الأخرى المشكّلة للاتحاد اليوغسلافي، ومن بينها البوسنة والهرسك التي قاومت جرائم الصرب، وفشلت القوات الدولية في حماية المسلمين من المذابح قبل تطبيق اتفاق دايتون عام 1996.

وقد أصدرت محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا في 22 تموز/ يوليو 2010 بناء على طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد إعلان الحكومة المؤقتة في كوسوفو الاستقلال، وهي حكومة نشأت بموجب ترتيبات وردت بقرار مجلس الأمن رقم 1244. وكانت المسألة تتعلق بمدى توافق القانون الدولي مع هذا الإعلان، وقد قررت المحكمة أن الإعلان لا يتناقض مع قرار مجلس الأمن، وأنه لذلك لا يخالف هذا الإعلان القانون الدولي.

أثار قرار المحكمة جدلا لأنه انطلق من فكرة أن قرار مجلس الأمن
هو القانون الدولي أو هو جزء من القانون الدولي

وقد أثار هذا الرأي جدلا واسعا في الفقه الدولي؛ لأن هذا الرأى اقتصر فقط على مدى انسجام هذا الإعلان مع قرار مجلس الأمن، وانطلق من فكرة أساسية ليست موضع قبول بين شراح القانون الدولي، وهي أن قرار مجلس الأمن هو القانون الدولي أو هو جزء من القانون الدولي.

ونحيل المتخصصين في هذه النقطة إلى الجدل الذي شهدته محكمة العدل الدولية بين القاضي الهولندي والقاضي الأمريكي؛ في قضية لوكربي التي رفعتها ليبيا ضد الولايات المتحدة. وكان مفصل النزاع هو ما إذا كان مجلس الأمن يصنع القانون الدولي بقراراته، أم أنه ملتزم بالقانون الدولي والميثاق وهو يصدر هذه القرارات. وكانت تلك هي المرة الأولى التي لم يتوقع فيها واضعو الميثاق التي يحدث الصدام فيها بين مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية. وكلا الجهازين منوط بحفظ السلم والأمن الدولي؛ كل حسب اختصاصه.

حق تقرير المصير يجب أن يدرس في ضوء مبدأ
أساسي في القانون الدولي، وهو مبدأ بقاء الدولة

ومن الواضح أن حق تقرير المصير يجب أن يدرس في ضوء مبدأ أساسي وأهم في القانون الدولي، وهو مبدأ بقاء الدولة (survival of the State) الذي يتقدم جميع مبادئ القانون الدولي، فإن كان تطبيق حق تقرير المصير يؤدي إلى فناء الدولة أو الإضرار الجسيم بوجودها، وجب الانحياز إلى مبدأ بقاء الدولة.

وفي الدول المتخلفة يزعم النظام أنه الدولة، وأن بقاءه أهم من انتهاكات حقوق الإنسان التي تكون عادة ثمنا لبقاء النظام. ولذلك، كانت النظم المستبدة سببا في المآسي التي عاناها الأكراد، والزج بالأكراد في الصراعات الإقليمية بين العراق وسوريا وتركيا وإيران في فترات مختلفة.

كانت النظم المستبدة سببا في المآسي التي
عاناها الأكراد، والزج بالأكراد في الصراعات الإقليمية

وفي الأحوال التي ذكرناها، باستثناء حال جنوب السودان، فإن الدستور هو الذي يحتكم إليه في معالجة هذه المشكلة. وفي هذه الحالة، فإن القانون الدولي يدعم سلطة الحكومة المركزية والإطار الدستوري، ويكون لدى الحكومة المركزية سلطة تقديرية واعتبارات المواءمة السياسية؛ لأن التصدي للانفصال قد تكون نتائجة أفدح على بقاء الدولة من الانفصال نفسه. ولذلك، فإن ظروف إقليم كردستان العراق تتماثل تقريبا مع حالة كتالونيا، حيث أعلنت الدول المجاورة رفضها للانفصال، مما يعطى سندا قويا للحكومة المركزية في معالجة الموقف.

صحيح أن وجود الإقليم داخل دولة واحدة قد تم ربما لأسباب تاريخية أو لأسباب قانونية يعكسها الدستور، ولكن لا بأس أن تعيد هذه الأقاليم التفاوض مع الحكومة المركزية حول أوضاعها ومشاكلها، خاصة إذا كان النظام الديمقراطي الذي يستند إلى الأغلبية لا يضع في اعتباره مطالب الأقاليم المضرورة التي ثارت المشاكل بشأنها لمدد طويلة، مثل كاتالونيا والإقليم الكردي.

لا بأس أن تعيد الأقاليم التفاوض مع الحكومة المركزية حول أوضاعها
والنموذج الديمقراطي هو الحل لهذه المشكلة في العالم العربي

أما كردستان والسودان والأقاليم العربية، فإن الاستبداد في هذه الدول هو المسؤول، لكنه يفسر ولا يبرر طلب الانفصال. ولذلك، فإن النموذج الديمقراطي هو الحل لهذه المشكلة في العالم العربي. أما في أوروبا، فقد لاحظنا أن الحكومة المركزية في مدريد قد حرصت تحت حكم الجنرال فرانكو على السلامة الإقليمية للدولة، واتخذت موقفا عنيفا ضد الانفصال؛ وصل إلى حد إعدام قائد الانفصال عام 1940 أثناء الحرب العالمية الثانية. ويبدو أن الوعي العرقي لم يتغير في كاتالونيا من الحكم المستبد إلى الحكم الديمقراطي. 

الجمعة، 27 أكتوبر 2017

في الذكرى المئوية لتصريح بلفور ومستقبل فلسطين

في الذكرى المئوية لتصريح بلفور ومستقبل فلسطين

السفير د.عبد الله الأشعل

في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، ألقى اللورد بلفور وزير الخارجبة البريطاني بيان الحكومة البريطانية أمام مجلس النواب؛ أعرب فيه عن تفهم الحكومة البريطانية لحق اليهود في وطن قومي في فلسطين.
وبالطبع، فإن هذا التصريح الذي صدر قرب نهاية الحرب العالمية الأولى، قد أحاطته ظروف تتعلق بمساندة الأثرياء اليهود، وخاصة أسرة روتشلد لبريطانيا وحاجتها إلى المال بعد ثلاث سنوات من الحرب الطاحنة في أوروبا.

ولكن هذا التصريح، كما ظهر فيما بعد، كان حلقة في سلسلة من الخطوات التي شكلت المشروع الصهيوني، منذ أن تبلور خلال المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية في آب/ أغسطس 1897.

نناقش في هذه المقالة موقع التصريح في محطات المشروع الصهيوني، والمضمون القانوني والسياسي له، والآثار التي ترتبت عليه، ومدى مسؤولية بريطانيا عن إقامة إسرائيل باعتبارها التجسيد الأول للمشروع، وهبوطه من عالم التخطيط والخيال إلى عالم الواقع.

وإذا كانت الأدبيات العربية قد اعتبرت التصريح وعدا ممن لا يملك لمن لا يستحق، فإن هذه الإدانة لا تنال من موقع التصريح في المخطط الصهيوني.

فالمحطة الثانية بعد بازل والمؤتمرات التالية وكتاب الدولة اليهودية؛ هو التصور الذي وضعه الدبلوماسي البريطاني سايكس مع الدبلوماسي الفرنسي بيكو في اتفاق سري في 19 أيار/ مايو 1916؛ كشفت النقاب عنه الثورة البلشفية في روسيا في العام التالي.

وفي العام الماضي، حلت مئوية سايكس بيكو في وقت شهد العالم العربي موجة قاسية من التفتيت الديني والعرقي والقومي والوطني وتقويض ممنهج لمفهوم العروبة والإسلام، بمشاركة بعض العرب والمسلمين. لذلك كان الاتفاق الفرنسي البريطاني استباقا لتفكك الامبراطورية العثمانية وتوزيع مبكر لتركتها التي انتهت بهزيمتها ضمن دول الوسط، حيث انتهت الامبراطورية والخلافة وقامت تركيا الحديثة عام 1924 بغير ممتلكات أجنبية.

أما المحطة الثالثة، فكان تصريح بلفور الذي كان يعني في الواقع قيام بريطانيا بالدور الأساسي في تهيئة فلسطين لإقامة إسرائيل، وتشجيع الهجرة اليهودية وحمايتها، وتكشف صفحات التاريخ المعاصر عن أدوار جدلية لبعض الزعماء العرب في صفقة الهجرة اليهودية وقيام إسرائيل.

أما المحطة الرابعة التي تأسست على ما سبق؛ فهي الإقرار في اتفاقية فرساي بنظام الانتداب في عهد عصبة الأمم؛ التي يفترض أنها نشأت لإدارة العلاقات الدولية بعد أول حرب عالمية طالت العالم كله.

 وقد هلل الدارسون للمنظمات الدولية والقانون الدولي لفكرة الانتداب، واعتبروه حلا متحضرا للاستعمار الغربي، وهو في الواقع صورة متطورة للتبعية والتحكم في المنطقة العربية، وأضفى شرعية جوفاء على دور بريطانيا في فلسطين.

وقد أثار الرئيس الفلسطيني عام 2016 مسألة جدلية حول مقاضاة بريطانيا بسبب تصريح بلفور ومسؤولية بريطانيا عن إقامة إسرائيل، وهذه مسألة تحتاج إلى دراسة؛ لأنها تفتح الباب أمام جميع السياسات الاستعمارية البريطانية وغيرها والتعويض عنها أو الاعتذار. وحتى لو كانت هذه المسألة قابلة للتقاضي، فإن السياسة البريطانية قد أسهمت بشكل واضح في إنشاء إسرائيل وتمدد المشروع الصهيوني، وهذا خطأ أخلاقي لا يجوز لرئيسة الوزراء أن تفخر بدور بريطانيا في إنشاء إسرائيل وسوف تظل إسرائيل نبتا غريبا، خاصة أن طبيعة المشروع تقضى بالانفراد بكل فلسطين والهيمنة على المنطقة العربية، والأولى أن يطالب الرئيس الفلسطيني بمؤتمر دولي تحدد فيه إسرائيل ما تريد في فلسطين ومدى إسهامها في دمار المنطقة.

أما الآثار المترتبة على التصريح باعتباره حلقة من حلقات المشروع، فهي ظاهرة في قيام إسرائيل ودعم سياساتها ومشروعها، وإخضاع المنطقة للغرب من خلالها، واعتبارها الوكيل الحصري للأطماع الغربية، ولكن بمساعدة عربية.

وأخيرا، فمن الضروري أن تعرف الأجيال العربية الكثير عن هذا التصريح، وألا نمل من تكرار هذا الموضوع حتى لا يسقط من الذاكرة العربية، خاصة أن بريطانيا تفخر بدورها. فيجب على العالم العربي أن يستعيد نخوته وتماسكه، وأن ينبذ المتصهينين في صفوفه، وأن يتذكر هذه المناسبة لكي تعيد له العزم على رفض مخطط استكمال المشروع فيما يعرف بصفقة القرن.

وكان صديقنا الدكتور جورج جبور، القومي السوري، قد اقترح منذ سنوات تشكيل لجنة في الجامعة العربية لتذكير العرب والعالم بمئوية هذا التصريح، ولم يدرك أن الجامعة العربية في هذه المئوية تلفظ أنفاسها العربية وتعلن عن وفاة العرب. 

الاثنين، 9 أكتوبر 2017

محنة المقاومة ومحنة العالم العربي

محنة المقاومة ومحنة العالم العربي 

د. عبدالله الأشعل  

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

من المهم تحليل تطور وضع المقاومة لإسرائيل في العالم العربي، ومن الطبيعي أن يرتبط هذا الوضع بموقف العالم العربي نفسه من إسرائيل. عندما كان العالم العربي يشاطر مصر في نظرتها إلى إسرائيل على أنها سرطان يلتهم الجسد العربي كله وفق المشروع الصهيوني الذي رأي العرب بداياته ويتابعون مسيرته ويساهمون في هذه المسيرة- كانت مقاومة هذا السرطان أساسها هذا الفهم وكراهية العرب لهذا السرطان؛ ولذلك التف العرب حول المقاومة الفلسطينية على أساس أن موقف العرب من إسرائيل المناهض لهذا السرطان كان يعتمد على مبادرة الفلسطينيين برفض المشروع.

ثم تمسك الفلسطينيون باستقلالهم في مواجهة التدخلات العربية في المقاومة، فانتقل المرض العربي إلى المقاومة وتمزقت إلى شرائح متنافسة تساندها دول عربية تُظهر غير ما تبطن، وكانت تلك فرصة ذهبية لإسرائيل لكي تتعامل مع المقاومة؛ فبدأت إسرائيل باغتيال المقاومين وفي الوقت نفسه ترغم الدولة التي تنطلق منها المقاومة على أثمانٍ عالية، من شأنها أن تثير شرائح عريضة من شعوبها ضد المقاومة وأن تضع إسرائيل شرطاً لوقف اعتدائها على الدولة بطرد المقاومة من أراضيها، وهي الحالة التي سادت في لبنان والأردن. أما سوريا، فقد استضافت المكاتب الإدارية للمقاومة دون أن تسمح بعمليات من أراضيها.

ولكن الموقف العربي العام كان يدعم المقاومة وينظر إليها على أنها طبيعية ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً، وعندما احتلت إسرائيل بيروت بتواطؤ عربي كانت الثورة الإسلامية في إيران قد حسمت أمرها منذ قيامها بالدخول مباشرة في صلب الصراع العربي-الإسرائيلي من منطلق ديني وسياسي، فاختارت معاداة إسرائيل ودعم الفلسطينيين، في اللحظة نفسها التي كان العرب، بقيادة مصر، باتفاقية كامب ديفيد، قد قررت عملياً التخلي عن فلسطين وفتح الطريق نحو إسرائيل فيما عُرف بمبادرات السلام العربية، التي كانت السعودية تقودها (مبادرة فهد 1981 ومبادرة عبد الله 2002).

في هذه المرحلة، كان الموقف العربي قد ابتعد كثيراً عن دعم المقاومة على الأقل الفلسطينية؛ لأن المقاومة اللبنانية تولتها إيران، التي كانت وراء إنشاء حزب الله، فأصبحت مقاومة إسرائيل إسلامية -سنّية وشيعية- واتجه العرب نحو عنوان آخر وهمي وهو المصالحة الفلسطينية، والذي اتسم بأعلى درجات النفاق.

ذلك أن العرب دعموا السلطة المتعاونة مع إسرائيل وابتعدوا عن المقاومة حتى انطلقت الثورات العربية ضد النظم العربية المستبدة، فكان ذلك فأْلاً طيباً للمقاومة لم يلبث أن انطفأ نجمه تحت ستار تدخل إيران في الشأن العربي والصراع مع السعودية، فاختار الخليج عموماً التخلي عن فلسطين إلا قليلاً.

هكذا ارتبط موقف العرب من المقاومة بموقفهم من إسرائيل، وفي صفقة القرن يسهم العرب في القضاء على المقاومة، حماس، وإعلانها منظمة إرهابية، وحزب الله منظمة شيعية إرهابية مرتبطة بإيران. وهذه الصورة التي ابتدعها العرب ارتبطت بحرب استنزاف من جانب الصهاينة العرب ضد حزب الله وإيران في سوريا، وهي امتداد لكل مكونات وتحولات الصراع والتحالف مع إسرائيل.

ومحنة المقاومة تظهر في اتجاه العرب إلى تصفية القضية والتخلص من المقاومة، بالضغط على أهالي غزة بكل صور الحصار، والتعاون مع إسرائيل في ذلك؛ حتى يثور القطاع ضد حماس.

وبعد أن كان دحلان يتم إعداده لرئاسة غزة، فإن دحلان يتم إعداده لخلافة أبو مازن بالتفاهم مع أجنحة المقاومة مقابل إنقاذ أهالي غزة من الفناء، وذلك تحت وهم شعار وقف نفوذ إيران في فلسطين وتصفية القضية حتى تجفَّ منابع الدور الإيراني في الصراع مع إسرائيل من خلال المقاومة.

هذا الوضع يشكل أكبر ضرر للأمن القومي المصري؛ لأن المقاومة هي خط الدفاع الأول عن مصر، وأن التخلص منها بالإضافة إلى بقية صفقة القرن، يضر الوطن المصري ضرراً استراتيجياً لا يمكن تجنبه.


وللتذكير، فإن مصر عندما تصدت لإسرائيل في الصراع بصرف النظر عن النتائج، هي التي ساعدت على إنشاء المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأن تدهور مكانة مصر واختراق إسرائيل لها هو الذي أدى إلى كل المآسي العربية، وآخرها محنة المقاومة ضد إسرائيل؛ ولذلك فإن استعادة مصر وضعها ومكانتها ودورها في الدفاع عن العرب وقيادتهم والتحالف مع إيران وتركيا لتغيير الخرائط الجيوسياسية في المنطقة- هي الحل الذي يجب أن يتمناه كل مصري وعربي حريص على العروبة وعلى قلبها في مصر.

ذلك أن محنة المقاومة هي عرَض لمرض عضال؛ وهو نجاح إسرائيل في كسر الجبل الأشم ضد تمدد المشروع الصهيوني؛ بل وضد بقاء إسرائيل على الخريطة؛ ولذلك اعتبر وزير خارجية إسرائيل اتفاقية كامب ديفيد هي الميلاد الثاني لإسرائيل؛ لأن هذه الاتفاقية أخرجت مصر من المعادلات الإقليمية وحوَّلتها من صخرة ضد المشروع إلى قنطرة لازدهار المشروع. ومصر هي الكاسب الأكبر بالمحافظة على الأمة، وعندما فقدت البوصلة في كامب ديفيد فقدت نفسها وتمزقت الأمة.

إن التمسك بوحدة جسد الأمة وازدهارها لن يتم بالشعارات، وإنما بالحكم الديمقراطي، وهو التحدي الحقيقي لإسرائيل، التي تحرص على تعزيز الديكتاتوريات العربية؛ لبناء مجدها على جثة العرب، وهي التي تحالفت مع الصهاينة العرب لإحباط ثورات الشعوب التي كانت تبشر بحكم فعال للتنمية والاستقلال وتعزيز قضايا الحرية في العالم كله.


الأحد، 1 أكتوبر 2017

المسألة الكردية: حتى لا يكون تقرير المصير أداة لتمزيق الأوطان العربية

المسألة الكردية: حتى لا يكون تقرير المصير أداة لتمزيق الأوطان العربية



عبد الله الأشعل

إسرائيل والاستبداد العربي هما آفة الدولة الوطنية العربية، وكلاهما يعتمد على الآخر بشكل مباشر أو غير مباشر.

فقد ظهر حق تقرير المصير في النقاط الأربع عشرة التي أعلنها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون خلال الحرب العالمية الأولى، وكان يقصد بها تشجيع المكونات والأقليات العرقية والدينية للدولة العثمانية على الانفصال وتفكيك الإمبراطورية، وذلك قبل أن يُهزم معسكر الأتراك مع الألمان في الحرب ويتم إنهاء الإمبراطورية رسميا في اتفاقية لوزان عام 1923.       

وفي عام 1924، قدم كمال أتاتورك طعما آخر للمنطقة بإلغاء الخلافة الإسلامية الوهمية، والتي لا تزال ذيولها تطارد الإسلاميين؛ حتى ظهر داعش بخلافة شوهت وجه الإسلام وأذلت المسلمين، فصار تقرير المصير وإنهاء الخلافة إسفينان لتمزيق المنطقة. ثم جاءت نداءات القومية العربية لتجميع العرب والمحافظة على جسد الأمة العربية ضد السرطان الصهيوني الذي اختار فلسطين أولى ضحاياه ونقطة انطلاقه.


ثم استخدم الاتحاد السوفيتى حق تقرير المصير للشعوب ضد الاستعمار الغربي، فردت واشنطن باستخدام حق تقرير مصير الأقليات الدينية والعرقية المكونة للاتحاد السوفييتى لإنهائه.

ولكن هذه الدعوة تجاوزت الاتحاد السوفييتي إلى إفريقيا، فانفجرت الصراعات العرقية والقبلية لتمزيق الدولة الوطنية الوليدة، ولم يكن ذلك في مصلحة واشنطن، فسارعت إلى الدفع نحو الديمقراطية في إفريقيا إطارا يجمع هذه الأقليات.

وكانت إسرائيل قد تمسكت في قيامها بحق تقرير المصير ضد الانتداب البريطاني، وكان ذلك يعني أن اليهود هم أصحاب الأرض، وأن الغاصب هو الفلسطيني والمحتل هو البريطاني، فقامت العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين والانجليز سعيا إلى السيطرة على فلسطين بدءا بقرار التقسيم الذي كان تكئة لتمدد المشروع الصهيوني إلى كل فلسطين والمنطقة.

وسعت إسرائيل إلى محاربة حركة الوحدة العربية التي تكتل العرب لحماية فلسطين واقتلاع إسرائيل، ولما نجحت بمساعدة الحكام العرب، واستنادا إلى استبدادهم، انتقلت إلى المرحلة الثالثة، وهي تفكيك الأوطان العربية بعد أن ساندت النزعة القُطرية المعادية للوحدة العربية، وسندها في ذلك هو الحكم المستبد الواحد لكل الدول، فيحرم المستبد الوطني من حصته في الاستبداد في شعبه والفساد ونهب الموارد.

فلما هُزمت الجيوش العربية، تحولت الجيوش لدعم المستبد الوطني كل في بلده واقتسام الأسلاب، وتلك بيئة مثالية للمشروع الصهيوني، فصارت الشعوب هي العدو وليس إسرائيل، بل وتحولت إسرائيل إلى حليف تجمعها بهؤلاء المستبدين مصلحة مؤكدة.

بهذه الصفة حاربت إسرائيل الثورات العربية مع الحكام، وسعت معهم نحو تفتيت الداخل العربي.

كانت أولى المحطات هي العراق، حيث المستبد الوطني الذي برر الاستبداد بشدة الحب لوطنه وحرصه عليه ضد أعدائه وترتب على ذلك أن رتبت له واشنطن محاربة إيران نيابة عنها ثم ورطته في غزو الكويت، ثم أجهزت على العراق كله بالغزو عام 2003، ثم تقسيمه بالفعل بعد أن وضعوا المخطط والتمهيد له عام1991.

وكان الأكراد دائما هم الورقة التي استخدمتها إسرائيل وإيران الشاه ضد صدام، فاضطر إلى إبرام صلح الجزائر 1975 ثم نقضه عام 1980. وبينما هو غارق في حربه ضد إيران، ضربت إسرائيل مفاعله النووي عام 1981، وأنشأ الخليج مجلس التعاون لتوقي الخطر العراقي مع السوفييتي والإيراني بعد قيام الثورة الإسلامية.

ورتبت واشنطن لصدام ضرب الأكراد بالأسلحة الكيماوية ووثقت الجريمة التي حاكمه عليها قاض كردي، وتم إعدامه يوم عيد الأضحى عام 2006. فالدكتاتورية المتستره بالعروبة مع المؤامرة هي التي أذكت روح التحدي الكردي ضد العرب، ولو استقامت الأمور بعد صدام لنشأ نظام ديمقراطي يحتوى الجميع، ولكان الانفصال جريمة ضد دولة موحدة، ولكن واشنطن زرعت ضمانات لتمزيق العراق.
الأولى هي الاحتلال المستند على الفتنة الطائفية بزعم تمكين الأغلبية ضد سيطرة الأقلية وتشجيع التطهير العرقي ضد السنة، والثانية صناعة داعش بحاضنة سنية في المحافظات التي قاومت الغزو الأمريكي، فازدهرت الطائفية.

والضمانة الثالثة هي إشعال الصراع السعودي الإيراني الذي يحل إيران محل إسرائيل في العداء والاستهداف، فصار تمزيق العراق وانفصال الأكراد لصالح إسرائيل.

ولذلك لم يكن غريبا أن تلقي إسرائيل بثقلها وراء استفتاء الأكراد، وأن تتظاهر واشنطن بأنها تحارب داعش وهو صنيعة أمريكية إسرائيلية خليجية.

ولهذا، فإن الحكومة المركزية في إطار النظام الفيدرالي الذي صنعته واشنطن في الدستور صارت ضعيفة بعد العداء مع السنة ومحاربة داعش مع إيران، فكان لا بد من تشجيع الأكراد على الانفصال رغم معارضة واشنطن في نفاق ظاهر.

ولكن الانفصال الذي يؤذن بتمزيق الأوطان العربية، وهو أكبر خدمة لإسرائيل يضر إيران وتركيا وسوريا المجاورة، فصار الاستفتاء إعلانا عن رفض الأكراد العيش في عراق واحد، مع عدم القدرة على تنفيذه بالانفصال، فخلق ذلك محنة للأكراد والعراق وكابوسا لتركيا وإيران وسوريا.
وإذا طبقنا حق تقرير المصير للأقليات بسبب فشل الحكومات المركزية في دعم مبدأ المواطنة؛ لاختارت الشعوب العربية جميعا الاستقلال عن حكامها، ولاختار ذلك مسلمو الروهينجيا في بورما، والمسلمون في الصين الانفصال بإقليمها عن الحكومة الباطشة في العاصمة، ولكن الأولى أن يحتفظ الفلسطينيون بأرضهم ضد الغصب الأجنبي الصهيوني.
نفس الموقف حدث في جنوب السودان، ورعت إسرائيل انفصاله، وهي تسعى إلى تمزيق ما تبقى من السودان، وكل ذلك بذريعة حق تقرير المصير. واضطرت الحكومة السودانية إلى أن تغطى على فشلها في تأكيد المواطنة وإنجاح الدولة الوطنية؛ وتتفق مع الجنوب على الانفصال باستفتاء في الجنوب وحده لينزلق إلى حروب أهلية وتوتر مع السودان، وهو بالضبط ما خططت له إسرائيل.
الفارق بين جنوب السودان والأكراد هو موافقة الخرطوم باتفاق ثم فترة انتقالية لاختبار حكومة الخرطوم. ولكن جنوب السودان محاط بدول تشجع تمزيق السودان، بخلاف العراق. 

وما دام الصراع الإيراني/ السعودي/ الصهيوني قائما، سيظل الأكراد في العراق ضحية هذا الصراع، فقد صورت لهم إسرائيل أنهم ينتقلون من هيمنة العرب في عهد صدام إلى هيمنة إيران في حكم الشيعة، ومن حقهم الاستقلال بدولة خاصة بهم ثم دولة الكرد الكبرى.

المشكلة لن تحل بخنق الإقليم، وهو يتمسك بذريعة مقبولة اسمها تقرير المصير، كما أن انفصال الأكراد يؤذن بتمزيق الأوطان العربية جميعا.. هكذا خططت إسرائيل مع المستبد العربي.

الحل في العراق وفي سائر الأوطان العربية عقد يرضي به الجميع وديمقراطية تضمن مبادئ المساواة والمواطنة، أما الاستبداد العربي ومخطط إسرائيل فيفضي إلى تفتيت الأوطان وتفكيكها، مادام المستبد العربي متمسكا بالسلطة وامتيازاتها على حساب وحدة الوطن وسلامة شعبه.

الأربعاء، 23 أغسطس 2017

تكلفة الدكتاتورية في العالم العربي

تكلفة الدكتاتورية في العالم العربي

عبد الله الأشعل

تطورات العقود الماضية أظهرت أن الدكتاتورية في العالم العربي هي التي تسببت في كل هذه المآسي، وأن الحكام المصريين ورثوا السلطة الاستعمارية بمعرفتها؛ حتى تطمئن إلى أن هذه المنطقة لا تستطيع أن تستقل وتصبح طرفا فاعلا في العلاقات الدولية.

وبنظرة على جميع الدول العربية، وخاصة تلك التي واجهت المشاكل والتفتيت والفتن، سنجد أنها جميعا دول أخذت بالنظام الجمهوري، والتي قامت فيها الثورات، وخاصة تلك التي كانت أكثر قربا من الغرب والولايات المتحدة.

فمصر على سبيل المثال ارتبط تطورها بزرع إسرائيل في المنطقة على حدودها، وأصبح نظامها الحاكم يتأثر تأثرا مباشرا بإسرائيل، مرة في إطار الصراع الذي انتهى دون حرب بهزيمة مصر على أرضها عام 1967، ومرة أخرى بالاستسلام لإسرائيل فيما عرف بمعاهدة السلام. 

ولا يزال مصير مصر معلقا بإسرائيل على أساس أن من مصلحة إسرائيل أن تعاني مصر، بحيث لا تستطيع أن تقف على قدميها، ومن باب أولى لا تستطيع أن تلعب دورا في المنطقة العربية. 

ولذلك فزعت إسرائيل من ثورة 25 يناير وسارعت إلى إطفائها بثورة مضادة أسلمت مصر إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور والانكسار. 

ولذلك فإن الديمقراطية في مصر تعني حرفيا نهاية إسرائيل، وقد دفعت مصر ثمنا غاليا في الدماء والمكانة والمعاناه والموارد والأموال، لأن الاستبداد الذي حل بمصر في الحكم العسكري منذ عام 1952 هو نفسه الذي شجعته إسرائيل؛ ما دام على اتفاق معها. أما عبد الناصر فإنه بدا على اتفاق مع الولايات المتحدة، ثم يئست إسرائيل من استئناسه، فاستدرجته إلى مقتله بعد مغامراته ودعمه للانقلابات العسكرية في الدول المجاورة.

أما في سوريا، وبصرف النظر عن ظروفها الداخلية، فقد عرفت بواكير الانقلابات العسكرية بعد هزيمة العرب في فلسطين عام 1948، واستمرت الانقلابات العسكرية المقترنه بالاستبداد رغم كل الشعارات البراقة؛ بما يناسب المخطط الإسرائيلي الذي لا يسعده أن تتحول سوريا إلى نظام ديمقراطي. وبالقطع إسرائيل لا يسعدها عدم القدرة على احتواء النظام في سوريا، فعمدت إلى تحطيمه وإلى تدمير سوريا بالكامل، أملا في إخراجها من معادلة القوة، على الأقل في الصراع مع إسرائيل.

وأما الدكتاتورية في العراق، فهي المسؤولة بشكل مباشر عن كل ما حل بالعراق من دمار وتقسيم وتمزيق. ولعل المسألة الكردية هي إحدى الثمار المرة للدكتاتورية في العراق، بصرف النظر عن المشاعر القومية أو غيرها من التقسيمات العاطفية التي يجب تجاوزها عند التحليل. فصدام حسين وأنصاره كانوا يعتقدون أنهم ينهضون بالعراق لكي يكون طرفا مقابلا لإيران وأطماعها، وكذلك سيادة العروبة في العراق، دون اهتمام بالأقليات، وهو ما سهل لأعداء العراق استغلاله ثم انفاذ المؤامرة فيه.

وأما لبنان فقد كان خارج المعادلة على أساس الطابع الطائفي الذي منع ظهور الدولة اللبنانية، بينما ما يسمى بالدولة الوطنية في الدول العربية الأخرى كانت في الواقع حكاما مستبدين يمثلون هذه الدولة الوهمية ويخدرون الشعوب بالشعارات كالوطنية والاستقلال وغيرها.

وأما اليمن الذي كان تحت حكم الإمام، فقد قطعه انقلاب عبد الله السلال.

ومع كل احترامنا لمشاعر بعض اليمنيين نحو ما يسمى بالثورة اليمنية، فإن الثابت أن اليمن كانت ضحية مصر والسعودية، وأن ثورة اليمن عام 2011 كان هدفها إنشاء دولة يمنية حديثة مدنية، ولكن الخليج أحبط هذه الثورة كما أحبط كل ثورات العرب.
وأما ليبيا فقد انتقلت من الملكية إلى الحكم العسكري الذي رهن تطورها أربعة عقود، ولم تنشأ فيها دولة. ولما زال نظام القذافي تكشف المشهد الليبي عن قوى متصارعة على الثروة والحكم، وهكذا دفعت ليبيا ثمن الدكتاتورية والشعارات الفارغة.

وحرص الغرب على التوافق مع المستبد العربي ما دام هذا المستبد يحمي الفساد الذي يسند حكمه ويسكت الغرب عليه، مقابل مصالحه بهذه الدول وكلها مصالح غير مشروعة؛ لأن التوافق في المصالح بين المستبد العربي والغربي وإسرائيل كان دائما ضد مصالح الشعوب العربية. 

وسادت الدكتاتورية وتجذرت وتم توارثها في بعض الدول مثل مصر التي استمر التوارث فيها في السلالة العسكرية، وأصبح النظام متحالفا مع أصحاب المصالح في الداخل وأصحاب المصالح في الخارج.

ولا شك أن التكلفة الباهظة في الحكم الدكتاتوري في العالم العربي قد جعلت المنطقة العربية في أسوأ حال، وجعلت مواردها نهبا للسفهاء من المنطقة وخارجها، والسند الرئيسي للدكتاتورية العربية هي إسرائيل. وليس معنى ذلك أننا يجب أن ننتظر زوال إسرائيل حتى تزول الدكتاتورية العربية، ولكننا يجب أن نزرع الثقافة الديمقراطية عند الشعوب وأن نحصنها بالحقائق والوعي حتى تكشف المستبدين الذين أصبحوا يجاهرون بالقمع من أجل البقاء، وتلك هي المرحلة الأخيرة في حياة الدكتاتورية العربية التي أصبحت شعاراتها الفارغة مكرورة بعد كل هذه المعاناة والهزائم.
وإذا كانت إسرائيل هي التي تحمي الدكتاتورية العربية فتستفيد منها، فإن إسرائيل لها الفضل في انكشاف كل المستبدين العرب من خلال تجربتها الديمقراطية التي تعتبر أهم أوراقها عند الغرب، وأن من حسناتها أنها تكشف ما خفي من أخبار المستبد العربي من ناحية لإحراجه وتأليب الشعوب عليه، ومن ناحية أخرى بأن العالم العربى كله يفتقد حرية الإعلام والشفافية.

وأخيرا، إذا أرادت إسرائيل أن تعيش في المنطقة في مرحلة ما بعد الدكتاتورية العربية فعليها أن تتخلى عن هذه الدكتاتورية، وأن تشجع الشعوب العربية على الاستقلال والديمقراطية، رغم أن هذه معادلة ليست مأمونة، لأن السرطان الصهيوني لا يمكن أن يتعايش مع الجسد العربي السليم.

فالسعي إلى فرض الديمقراطية العربية هو أعلى درجات تحصين الجسد العربي حتى يتسسل السرطان الذي ربض فيه إلى خارجه، وتلك معركة كبرى تبدأ بوعي الشعوب وكشفها للحكام الفاسدين؛ لأن مصيرهم ارتبط بمصير إسرائيل، ولذلك تخلوا عن الشعارات المكشوفة وانخرطوا بلا خجل في مساندة المشروع الصهيوني.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن تكلفة إدخال الديمقراطية هو استثمار مضمون لتفادي مضار استمرار الدكتاتورية والعمالة والفساد.

الثلاثاء، 30 مايو 2017

صفقة القرن واستخدام الإرهاب للقضاء على الأمة

صفقة القرن واستخدام الإرهاب للقضاء على الأمة 



عبدالله الأشعل


في تموز/ يوليو القادم، من المقرر أن ينعقد في واشنطن مؤتمر إقليمي وربما دولي؛ للكشف عن الملامح النهائية لصفقة القرن كما سماها ترامب والسيسي، والتي بدأ العمل من أجلها منذ سنوات في تهيئة الأوضاع لإتمامها.

ونحن نعتقد أن الزيارة الوداعية للرئيس بوش إلى إسرائيل في ربيع 2008، قبيل محرقة غزة وإعلانه في الكنيست أن إسرائيل دولة يهودية خالصة، كان تأكيدا لقمة العقبة في عام 2003 التى ضمت شارون وبوش وعباس والملك الأردني، عبد الله، والتي أفصح فيها شارون عن الدولة اليهودية، ثم قمة شرم الشيخ في أواخر كانون الثاني/ يناير 2009 التي تأكد فيها هذا المشروع.

ملامح صفقة القرن يكشف النقاب عنها بعد أن قام داعش بدوره، وقامت أطراف أخرى في الخليج وغيره، بقمع الثورات العربية التي كانت أكبر تهديد للصفقة، وكذلك سارعت إسرائيل وبعض دول الخليج إلى وضع مخطط دقيق لكل من مصر وليبيا واليمن وسوريا والعراق ولبنان، بحيث تعلن صفقة القرن، وقد تم تفريغ الأمة العربية والإسلامية من هويتها وشاع مصطلح الإرهاب الإسلامي، وهو كلمة السر التي اجتمع عليها حكام العرب والمسلمين، لكي يقضوا على هذه الأمة، وهو ما تم تداوله في لقاء الرياض بين ترامب الذي ركز مهمته في إقامة إسرائيل الكبرى، وبين الحكام العرب والمسلمين الذين أعانوه على ذلك تحت ستار وحدة الأمة ضد الإرهاب، رغم أن كل الأطراف التي حضرت هذا اللقاء ساهمت في صناعة الإرهاب واستخدامه أداة في سياساتها الخارجية، ولكنها تدلس على العالم بهذا التحالف العالمي لمكافحة الإرهاب.
والحق، أن صفقة القرن هي العتبة الأخيرة لقيام إسرائيل الكبرى، ولكن هذا المخطط بدأ عام 1997 بتدشين المشروع الصهيوني ثم الاتفاق السري بين بريطانيا وفرنسا في 19 أيار/ مايو 1916؛ المعروف باتفاق سايكس بيكو، وأهم آثاره هو التمهيد بتصريح بلفور في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، حيث تمر مئة عام في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم على هذا التصريح الذي أقر بالتزام بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وهي الذكرى التي أعلنت رئيسة وزراء بريطانيا أنها تعتز بها وبدور بريطانيا في المشروع الصهيوني. ولكن بريطانيا لم تتوقع أبدا أن الحكام الذين نصبتهم في العروش العربية سوف يتولون أخطر مراحل المهمة بل ويترحمون على هرتزل وبلفور، ويكيلون اللعنات لصلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد الذين أصبحوا عند هؤلاء مصدرا للتطرف والإرهاب، بل أتوقع أن يحتفل أطراف لقاء الرياض بالذكرى الأولى له في صحن الكعبة حتى يعاهدوا الله على إفناء الإسلام والمسلمين.
ملامح صفقة القرن التي يتوقع أن يكشف النقاب عنها في مؤتمر واشنطن ستة:

الأول، هو تطبيق المبادرة السعودية للسلام مع إسرائيل بطريقة عكسية، أي الاعتراف بإسرائيل وخداع الشعوب العربية بأن هذا الاعتراف هو ثمن مراعاة إسرائيل لحقوق الفلسطينيين. وبالفعل بدأت إسرائيل وفق هذ المخطط تتحدث صحفها عن قبولها لدولة فلسطينية، لكن خارج فلسطين. وبذلك تتمكن إسرائيل من إحياء مطالبها في المدينة المنورة، وتصبح السعودية مقر الأماكن المقدسة موضع تساؤل من المسلمين، خاصة إذا تضمنت الصفقة بالتأكيد إعلان القدس عاصمة لإسرائيل وهدم المسجد الأقصى الذي كان الملك فيصل يتمنى أن يصلى فيه.

الثاني، تصفية القضية الفلسطينية، وإطلاق الاستيطان في فلسطين، وضم المستوطنات إلى إسرائيل الكبرى، وطرد الجيوب العربية في هذا الكيان إلى مصر والأردن، كما أشارت المصادر الإسرائيلية، وبذلك يكون أبو مازن هو آخر رمز فلسطيني قبل زوال فلسطين تماما، مثلما حدث في الأندلس.

الثالث، القضاء على المقاومة ضد إسرائيل، وهي حماس وحزب الله، وتقليم أظافر إيران في اليمن وسوريا والعراق، وتقسيم ليبيا واليمن وسوريا والعراق ولبنان، وربما في مرحلة لاحقة مصر والسعودية.

الرابع، هو استخدام الحشد العسكري العربي والإسلامي لتقسيم العراق وسوريا وطرد إيران، ولذلك تحدث كيسنجر عن الحرب العالمية الثالثة التي تبدأ بضرب إسرائيل لإيران وقتل أكبر عدد من العرب حتى لا تبقى إلا إسرائيل.

الخامس، إقامة دولة كردية وتنفيذ خريطة إسرائيل بفتح الحدود بين العراق وسوريا، بحيث يختفي اسم العراق وسوريا وتتحول إلى كيانات طائفية، وكذلك تقسيم سوريا أو التأكيد على التقسيم الفعلي الذي أنجزه الإسلاميون الذين أسهموا إسهاما كبيرا في تدمير الهوية العربية والإسلامية تحت شعار دعم الثورة السورية، بعد أن تم خلط الأوراق في سوريا والعراق، وإنشاء المنظمات الإسلامية تحت شعار نصرة الإسلام والمسلمين. وقد يكون لتركيا موقف مختلف في مسألة الأكراد، ولكن المخطط هو إنشاء الدولة الكردية القومية لإضعاف إيران وتركيا وضمان التناحر داخل هذه الوحدات.

السادس، القضاء على قوة مصر بعد نزع هويتها العربية والإسلامية، وتحملها جانبا من أعباء الصفقة ثم إعلان إسرائيل اليهودية الكبرى وسط الخرائب العربية.

تلك أهم الملامح التي استقرأتها من مجمل التصريحات من كل الأطراف، وندعو الله أن يخيب ظننا، وأن يكون الحكام العرب والمسلمون في مقدمة المدافعين عن العروبة والإسلام ضد المشروع الصهيوني.

ولا أظن ذلك بعد إعلان حماس وحزب الله وإيران منظمات إرهابية، رغم أن الإرهاب الصهيوني هو الذي أدى إلى كل الفصول التي نهشت في الجسد العربي.


وأعتقد أن روسيا والصين والهند سوف تدعى إلى وليمة واشنطن التي يتم فيها اقتسام الجسد العربي والإسلامي، وكذلك الغنائم التي تسلمها الحكام العرب المنتصرون على أمتهم. 

وفي تلك اللحظة لا بد أن نهنئ ترامب وكل الراحلين في هذه القبيلة الذين تمكنوا من الجسد العربي بعد أن وثقت شعوب المنطقة في أن حكامها يستحيل أن يبيعوا عروبتهم وإسلامهم.

الخميس، 28 يناير 2016

تداعيات الاتفاق الإيراني الغربي على القضايا العربية


تداعيات الاتفاق الإيراني الغربي على القضايا العربية

عبد الله الأشعل
​سفير مصري سابق وأستاذ القانون الدولي بالجامعة الأميركية وكاتب ومحلل سياسي



سيفرض الاتفاق النووي الإيراني معادلات جديدة في المنطقة, ونظرا لأن العرب لا يجمعهم الآن جامع واحد, فإنهم لن يتحركوا إلا إذا شعروا بأنهم أصبحوا الضحية في لعبة الأدوار الإقليمية والدولية. عندها سوف يفكرون في طريقة للتعامل مع المعادلات الجديدة.

بدأ في الرابع عشر من يناير/كانون الثاني 2016 تطبيق الاتفاق النووي الذي يقضي بعدد من الإجراءات التي تتخذها إيران في المجال النووي مقابل رفع كل العقوبات الأميركية والأوروبية والأممية المفروضة عليها.
في مجال الكسب والخسارة استفادت إيران من أن تحرر طاقتها الاقتصادية والتجارية والبترولية وإن كانت أسعار النفط تتجه إلى مزيد من الانخفاض، ودخول الإنتاج الإيراني الجديد يفاقم أزمة النفط عند منتجيه مقابل سعادة مستهلكيه، كما استفادت إيران من الاعتراف بالثورة الإسلامية التي ضن الغرب عليها بهذا الاعتراف وعلق آمالا كثيرة على وأدها في مهدها طوال العقود الأربعة الأخيرة.
"اعتراف الغرب بالثورة الإيرانية كما تحقق من خلال الاتفاق النووي، يعني الاعتراف بإيران القوة الإقليمية، مما يفسح المجال أمام المشروع الإيراني وإزالة الإشارات الحمر أمامه"
والاعتراف بالثورة يعني الاعتراف بإيران القوة الإقليمية، مما يفسح المجال أمام المشروع الإيراني وإزالة الإشارات الحمر أمامه وإنْ بقيت الصخور في الخليج تعوق تقدمه.
ولما كان المشروع الإيراني يتمدد في الساحة العربية الخالية فإنه يصطدم بالمشروعات الأخرى التركية والإسرائيلية، ولذلك فإن تطبيق الاتفاق النووي يقدم فرصا ومحاذير للمشروعات الثلاثة المتنافسة، ويقطع بأن الخاسر الأكبر دائما هو الجسد العربي الذي تنتفض بعض أجزائه المعرضة مباشرة للمشروع الإيراني وأهمها السعودية والخليج.
في هذه المقالة إطلالة سريعة على مآل القضايا العربية خاصة القضية الفلسطينية من انطلاق المشروعات الثلاثة المتنافسة.
والحق أن الحساب الختامي المبدئي يشير إلى أن المنطقة العربية تمت تهيئتها لكي تدفع الثمن وحدها بعد مرحلة داعش والموجة الجديدة من الإرهاب الذي اختلط بالإسلام فكان مقصودا أن يسيء إلى المكون الإسلامي في ثورات الربيع العربي جميعا وينتصر لقوى التطبيع مع إسرائيلوالفساد والعلمانية السلبية، وكل ذلك تحت ستار المحافظة على الدولة والوطنية الجديدة وأسبقية القوة العسكرية وتبعاتها في المواجهة، حيث صارت لعبة الإرهاب هي المخلص الأوفى لإحباط آمال الشعوب العربية التي تُعاقب بسبب رفضها الظلم والاستبداد من جانب الحاكم الوطني، وهي محاولة يائسة لإعادة صياغة المجتمع المسلم الذي سيظل دائما هو المكون الأساسي لمجتمعات المنطقة، وأن يكون الإسلام شاملا للمسيحية أيضا كلما كان الإسلام حضارة والعروبة ثقافة كما أكد آباء الفلسفة العربية مثل زكي نجيب محمود وجيله كله.
والقضايا العربية التي يمسها هذا الحدث هي العراق وسوريا وملحقها لبنان واليمن والبحرين، وهذه الدول العربية الخمس هي الساحات الرئيسية للمشاكل العربية والصراع الحالي بين إيران والسعودية التي تحاول وقف تمدد المشروع الإيراني منذ انطلاقه مع الثورة الإسلامية مما يحتاج إلى مراجعة من أجل الفعالية.
ونلخص هذه الآثار في الملاحظات الثماني الآتية:
الملاحظة الأولى: هي أن الاتفاق بالنسبة لإيران يفتح آفاقا واعدة لاقتصادها ولمشروعها ولكنه في الحقيقة بداية الخطة الجديدة للقضاء على القوة الإيرانية أو استئناسها.
فعندما فشل الغرب في مواجهة إيران كما قالت هيلاري كلينتون في مذكراتها "خيارات صعبة"، فإنه عمد إلى تخلل إيران بالصداقة والصلح مع رفض كافة معطيات السياسة الإيرانية، تماما كما حدث مع مصر في كامب ديفد.
ولولا هذا البعد الغائي لما هدأت إسرائيل وتقبلت الاتفاق بجوائزه المتوقعة، ولما أعلن نتنياهو يوم تطبيق الاتفاق أن التفاهم تام مع واشنطنولكن قلق إسرائيل هو الذي يدفعها إلى مراقبة إيران بدقة ولن تسمح لها تحت أي ظرف أن تكون قوة نووية حتى لا تهدر قوة إسرائيل وتلغي تفوقها، وهو سبب وجودها وبغيره تنمحي إسرائيل خاصة أمام خطاب التهديد الوجودي الذي تتبناه النخبة الإيرانية وتطرب له الجماهير بما فيها معظم الجماهير العربية بما يشكل مداعبة لصورة البطل المخلص في ظل الظلم الإسرائيلي.
الملاحظة الثانية: هي أن هذا البعد هو الذي طمأن تركيا إلى أن موقف الغرب المتحالف مع تركيا لن يكون متحالفا يوما مع تركيبة النظام الإيراني، ولكن المشروع التركي أدرك المغزى بعد أن احتك بالإيراني في سوريا وحسمت روسيا الخيار الإيراني لاعتبارات روسية محضة، من بينها الصراع المكتوم بين المشروع الروسي الذي يعتبر المشروع التركي خطرا عليه في بعديه الإسلامي والأطلسي، كما حسمت حادثة أسطول مافي مرمرة انتصار الخيار الإسرائيلي ورأت تركيا رأي العين دعم الأمم المتحدة وواشنطن لإسرائيل.
كما أن اعتماد الأتراك على التيارات الإسلامية وتغير موقف واشنطن وانتهازية موقف إسرائيل لا يعطي أي مؤشر على نجاح المشروع التركي خاصة وأن أردوغان تورط مع الأكراد، وطمح إلى النظام الرئاسي فأحدث شرخا في نظامه الديمقراطي وفي السلم الداخلي مع الأكراد ومع المعارضة والخصوم فصار نجمه إلى أفول ولم يبق سوى عودة الجيش بشكل ما إلى السياسة فيحبط كل ما بناه أربكان وخلفاؤه طول أكثر من عقدين، مما يوقع البلاد في أزمة مجتمعية طاحنة حول هويتها الحقيقية، بما ينتهي بإخراج المشروع التركي من دائرة المنافسة أو الإضافة إلى المشروع الصهيوني حسبما قرأ المراقبون من التقارب التركي الإسرائيلي الأخير.
" المواجهة ستكون بين المشروع الإيراني المدفوع بدافع سياسي من روسيا لمناوأة الغرب، وبين المشروع الصهيوني المهادن للقوة الروسية"
الملاحظةالثالثة: معنى ذلك أن المواجهة ستكون بين المشروع الإيراني المدفوع بدافع سياسي من روسيا لمناوأة الغرب، وبين المشروع الصهيوني المهادن للقوة الروسية. ولكن المشروع الإيراني يتمتع بدرجة عالية من المرونة السياسية، ذلك أن محاولات إدخال إيران بيت الطاعة الغربي تحت ستار أن تكون من أسرة الأمم المتمدينة تعني التخلي تماما عن مناهضة إسرائيل بالمقاومة والانخراط مع الغرب في تسوية في فلسطين لحساب المشروع الصهيوني.
ويمكن لإيران أن تقدم للغرب وليس للعرب بعض التنازلات الطفيفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن لكن هذه التنازلات ستكون دائما لصالح إسرائيل أي خصما من مجمل القوة العربية وعلى حساب الحقوق الفلسطينية.
الملاحظة الرابعة: معنى ذلك أن تتقدم إيران وإسرائيل ربما إلى درجة التوافق أو التحالف وتحقيق الانسجام بين المشروعين الصهيوني والايراني، وليس في ذلك غضاضة ما دام الطرفان يتفقان على قواعد اللعبة المناهضة للمصالح العربية الإستراتيجية.
الملاحظة الخامسة: يترتب على ذلك أن تسحب إيران دعمها للمقاومة مع استمرار خطها السياسي واقتسام النفوذ مع روسيا في سوريا ويكونالجولان بشكل أبدي من نصيب إسرائيل، ومن الممكن أن تضغط روسيا وإيران على سوريا لإبرام اتفاقية السلام في الوضع الجديد دون تقديم تنازلات في التسوية الداخلية، بل إن المؤشرات بدأت تلمح إلى عدم تحمس هذه الأطراف للجولة الجديدة ما دام الصراع يحسم عسكريا على الأرض بين مسلحي المعارضة والدولة واستبعاد كل من حمل سلاحا سواء كان معارضا أو إرهابيا، وهي مساحة غامضة.
الملاحظة السادسة: يترتب على ذلك أيضاً أن إيران سوف تحدد حدود التنازلات مع الولايات المتحدة وإسرائيل بحيث يتحقق لإسرائيل الحد الأدنى وهو استمرار تقسيم العراق وتحييد لبنان وسوريا والتوصل إلى تسوية في اليمن لا تهدد السعودية ولكنها تضمن نفوذا لإيران في اليمن وتخرج اليمن من عداد القوة الشاملة العربية.
الملاحظة السابعة: أما علاقة إيران بالسعودية فسوف تكون أثراً من آثار التسويات في الوضع الجديد ويمكن أن تستفيد إسرائيل من دعم السعودية في مواجهة إيران مقابل اعتراف السعودية بإسرائيل خاصة وأن بعض دول مجلس التعاون الأخرى لم تعد تصر على مواقفها السابقة من إسرائيل، وكل ذلك في إطار تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي.
هذا هو التصور الذي نراه لحالة العالم العربي في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني، فإذا أريد أن تكون هناك معالجة لصالح العرب في هذه الخريطة فإننا نعتقد أن العرب لا يجمعهم الآن جامع واحد، وعندما يشعر العرب جميعا بأنهم أصبحوا الضحية في لعبة الأدوار الإقليمية والدولية فإنهم سوف يفكرون في طريقة للتعامل مع المعادلات الجديدة.
ومعنى ذلك أنه لا بد من الاستعداد العربي الجماعي لما تسفر عنه هذه التصورات وحينئذ يكون لزاما أن يتحد العرب على قواعد إستراتيجية للتعامل مع هذه المتغيرات.
ولا شك في أن تنازلات إيران في القضية الفلسطينية هي استثمار للمواقف الإيرانية والعربية من الصراع طوال العقود الأخيرة، وهذا يحتاج إلى تقدير موقف عربي في أوقات متقاربة.
"من المحتمل أن تشهد القضية الفلسطينية تسوية نهائية يتم بموجبها إحياء مشروع الدولة الفلسطينية في الأردن وربما دخلت سيناء في هذه التسوية"
الملاحظة الثامنة: أما القضية الفلسطينية فإنها في الوضع الجديد يحتمل أن تشمل تسوية نهائية يتم بموجبها إحياء مشروع الدولة الفلسطينية في الأردن وربما دخلت سيناء في هذه التسوية، كما سوف تتمسك إيران بتسوية معقولة للقدس والمسجد الأقصى حتى تحتفظ بدورها الجديد في قيادة العالم الإسلامي مع الغرب وإن كان الطابع الشيعي لإيران يحد من هذا الدور ويقيد من طموحات إيران في هذه المسألة.
وأخيراً، فإننا نعتقد أن هذه الصورة سوف ترضي السعودية بعد صراعها الطويل في الساحات العربية ضد النفوذ الإيراني ولكنه مقاومة فردية إجبارية، وباهظة التكاليف المادية والبشرية والسياسية لمشروع متكامل أظهرته ظروف اختفاء المعادل العراقي الذي لم يقدر الجانب العربي مخاطر ضياعه.
فى هذه الصورة وعلى الحواف الخارجية لها، نتوقع أن تسقط تحفظات تطبيع العلاقات بين مصر وإيران، وأن تتم تسوية مسألة البحرين بنفس الروح، وهذا يفتح الباب لإيران لكي تنطلق في بقية العالم العربي وأفريقيا ما لم تسارع الكوابح الأميركية والإسرائيلية وتعمل عملها في تقويض القوة الإيرانية من الداخل.
المصدر : الجزيرة