الأربعاء، 2 مايو 2018

كيف ابتكرت روسيا إستراتيجية ثلاثية الأبعاد لاستعادة نفوذها العالمي؟

كيف ابتكرت روسيا إستراتيجية ثلاثية الأبعاد لاستعادة نفوذها العالمي؟


كيف ابتكرت روسيا إستراتيجية ثلاثية الأبعاد لاستعادة نفوذها العالمي؟
بقلم: ستيفن ميتز (*) 
 (وورلد بوليتكس ريفيو) 
وُرد في تقرير حديث يتناول عودة انبعاث كل من تنظيمي الدولة والقاعدة في ليبيا ذكر عرَضي تقريبا لعمليات القوات الخاصة الروسية التي تنشط على طول حدود ذلك البلد مع مصر والمساعدة في توفير الأسلحة للجنرال حفتر، الذي تسيطر قواته على شرق ليبيا. لكن هذه الحقيقة التي تبدو هامشية ترمز لنوعية الاتجاهات السائدة في السياسة الخارجية الجسورة التي تنتهجها روسيا في الفترة الأخيرة.
عندما كان العقيد معمر القذافي يسيطر على ليبيا من العام 1969 وحتى العام 2011، كان زبوناً ممتازاً للأسلحة والمعدات العسكرية السوفياتية. ولكن، في خضم الفوضى التي أعقبت الإطاحة به ثم وفاته، تعرضت السفارة الروسية في طرابلس للهجوم، وتم سحب كافة الدبلوماسيين الروس وعائلاتهم من البلد. وبدا في ذلك الحين أن موسكو تخلت عن ليبيا وأسقطتها من حساباتها.
لكنها تعاود الآن دخول هذه البيئة السياسية الفوضوية التي تعرضها منطقة شمال أفريقيا، وهي جزء من إستراتجية عالمية ثلاثية الأبعاد، والتي ترمي إلى تقوية روسيا سياسياً، وتعزيزها اقتصادياً، والسماح لها بأن تضرب بأكثر من وزنها في بيئة أمنية عالمية متغيرة باطراد.
البعد الأول في هذه الإستراتيجية هو الإخضاع: فبالتركيز على الدول المجاورة، وخاصة تلك التي كانت ذات مرة جزءاً من مدار الاتحاد السوفياتي أو الإمبراطوريات الروسية، صُمَم هذا البعد لضمان أن تكون حكومات الدول الجارة صديقة وخانعة أو خائفة من موسكو على الأقل. ويعكس ذلك حاجة روسيا إلى تشكيل مناطق أمنية عازلة حول أطرافها، فيما يجيء نتيجة للجغرافيا التي كانت قد سمحت بتعرضها للغزو عدة مرات في الماضي.
تتخذ سياسة الإخضاع التي تنتهجها روسيا عدة أشكال، ومنها الضغط الاقتصادي والهجمات السيبرانية –مثل الهجوم الذي شنته في العام 2007 على إستونيا وهجمات العام 2017 على أوكرانيا- والاعتداءات بالوكالة باستخدام الحلفاء المحليين –الذين عادة ما يكونون من الروس الموزعين عبر مختلف أجزاء الإمبراطورية الروسية- وفي الحالات المتطرفة، التدخل العسكري المباشر مثلما حدث في جورجيا في العام 2008.
وتشكل أوكرانيا، اليوم، هدفا أساسيا لسياسة الإخضاع الروسية، لكن الدول المجاورة التي تتسم بقدر أقل من المقاومة تلقت الرسالة بشكل أو بآخر. وحتى البلدان التي لم تتبع مثال بيلاروسيا وأصبحت مذعنة أمام موسكو، سوف تحاول مع ذلك تجنب إغضابها إلى أكبر قدر ممكن.
البعد الثاني للإستراتيجية الروسية هو إضعاف النظام العالمي الذي هندسه الغرب، وخاصة في المنطقة المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط. وكما هو الحال مع إخضاع جيران روسيا، يعكس هذا البعد الإستراتيجية الروسية التي سادت في خلال حقبة الحرب الباردة. ويعتمد جزء من هذا البعد على استخدام النزعة التعويقية obstructionism، باستخدام حق النقض (الفيتو) الروسي على قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أجل نزع الشرعية عن -أو إعاقة- المساعي الجماعية التي تبذلها أمريكا وأوروبا لمنع أعمال الإبادة الجماعية خلال الحرب الأهلية الليبية أو ممارسة الضغط على بشار الأسد للتخلي عن السلطة، أو التفاوض على وضع نهاية للحرب الأهلية الكارثية في بلده على الأقل.
كما تستخدم روسيا أيضاً مجموعة من الأساليب لإضعاف الولايات المتحدة والدول الأوروبية مباشرة، بالاعتماد بكثافة على حرب المعلومات لزرع الانقسامات السياسية في الغرب وإضعاف الثقة في مؤسساته السياسية. وقد أثر السيبرانيون الروس و"الأخبار الزائفة" التي يقوم البلد بترويجها في نتائج الانتخابات الغربية بدرجة كبيرة، بل وربما حاسمة. وبينما لم تكن روسيا هي السبب التحزب المفرط وإضعاف الإرادة القومية اللذين يشلان الولايات المتحدة والدول الغربية محلياً، فقد استغلتهما بشكل أكثر فعالية بكثير مما فعل الاتحاد السوفياتي قليل الذكاء أيديولوجياً. وقد أصبح ذلك ممكناً مع غياب أي دفاع جمعي حازم ضد الحرب السياسية الروسية من طرف الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، ووجود قادة سياسيين غربيين وحركات ومنظمات غربية راغبة في التسامح مع استغلال موسكو طالماً أن ذلك يحقق لهم الفائدة.
البعد الثالث للإستراتيجية الروسية العالمية هو الأكثر أهمية: إيجاد أسواق لمبيعات الأسلحة الروسية وتأمين حمايتها. وهذا هو السبب الحقيقي في أن موسكو تحاول العودة إلى ليبيا، والأكثر أهمية، دعمها للأسد. وفيما عدا الأسلحة، ثمة القليل من البضائع المصنوعة في روسيا والتي تتمتع بالقدرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي، وهو ما يدفع البلد إلى الاعتماد على صادرات المواد الخام والطاقة. لكن قادة روسيا يعرفون أن قوة عظمى –وهي المكانة التي يريدونها لبلدهم بشكل يائس- يجب أن تفعل أكثر من مجرد بيع السلع.
تستطيع روسيا أن تحقق النجاح فيما يعود في جزء منه إلى تمتع أسلحتها بالقدرة على المنافسة في السوق العالمية، ولأنه ليس لديها وازع من ضمير إزاء ماهية زبائنها. ولدى المشترين الآخرين مثل حفتر والأسد القليل من الخيارات الأخرى. ولكن، بينما تستخدم الأسلحة الروسية في الحرب الأهلية الروسية، كانت روسيا تبحث عن فتح طرق مع الدول التي اعتادت أن تشتري أسلحتها من الولايات المتحدة وأوروبا فقط. وتشمل هذه الدول الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وقطر، والمملكة العربية السعودية وتركيا. وفي الحقيقة، تبيع روسيا الأسلحة الآن لأكثر من 50 بلداً ومنظمة سياسية.
بما أن هذه المكونات الثلاثة للإستراتيجية الروسية تعزز بعضها البعض، فإنها تشكل خطة عالمية فعالة ومتماسكة. فعن طريق إضعاف الغرب سياسياً، إن لم يكن إستراتيجياً، تقوم موسكو بتوسيع سوقها المحتملة لمبيعات الأسلحة العالمية. وتوفر مبيعات الأسلحة الأموال التي يمكن استخدامها لتقوية الجيش الروسي نفسه وإسكات أي معارضة في الوطن للرئيس فلاديمير بوتين عن طريق خلق تدفق نقدي لكسب ولاء النخب الروسية. وبدلاً من أن يهدد روسيا أو يكون شيئاً تريد روسيا أن تساعد في معالجته، فإن الانهيار الجاري للنظام القديم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يخلق أسواقاً جديدة تتسع باستمرار للأسلحة الروسية، وبالتالي تصاعد النفوذ الروسي.
مع ذلك، وعلى المدى القريب، ربما لا تريد روسيا أفولاً نهائياً للنظام العالمي الراهن، لأن من شأن ذلك أن يخلق الفوضى، لكنها تريد أن تضعف هذا النظام في واقع الأمر. والأمر أشبه بالكائن الطفيلي الذي سيموت هو نفسه إذا مات العائل. ويشير ذلك إلى أنه طالما ظلت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون مفتقرين إلى اليقين إزاء دورهم في صيانة النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب، فإن روسيا ستواصل استخدام إستراتيجيتها ثلاثية الأبعاد، والتي ساعدت في تحويل دولة مبتلاة بنقاط ضعف سياسية واقتصادية عميقة إلى لاعب دولي مهم.
(*) ترجمة: صحيفة "الغد"

بين علماء الثورة وعلماء الثورة المضادة


بين علماء الثورة وعلماء الثورة المضادة

أحمد موفق زيدان
حين سأل أحدهم الإمام مالك بن أنس -رحمه الله-: لماذا نرى أصحاب الباطل مجتمعين ومستمسكين بباطلهم، بينما نرى أهل الحق متفرقين ومشتتين زاهدين في حقهم، أجابه: ألم تقرأ قول الله تبارك وتعالى: "وأشربوا في قلوبهم العجل"؟ 

فقد دخل حب العجل في قلوبهم، وهو ما يحصل تماما اليوم، فبينما يبقى علماء الثورة والربيع العربي زاهدين بحقهم وحق الأمة التي استرعتهم عليه، نرى علماء الثورة المضادة مستمسكين بباطلهم وباستبدادهم.

لم يدرك علماء الثورات العربية حتى اليوم الخطر الماثل أمامهم، ولم يقدروا حق اللحظة التاريخية التي يعيشونها، التي سيكون لها ما بعدها لهم وللأجيال القادمة.

نرى كيف أن رموز الثورة المضادة من مشايخ وعلماء يجأرون ويصرخون بباطل أسيادهم صباح مساء، ونرى مؤتمراتهم واجتماعاتهم وخطبهم وكتاباتهم بشكل يومي، فقد أشربوا في قلوبهم حب الاستبداد ودعمه ومساندته، بينما علماء الثورة والربيع العربي وكأنهم يخجلون أو خائفون من الحق الذي يستندون عليه، بالتالي، يترددون أو يحجمون عن الجهر به. 

فضلا عن تناديهم لعقد مؤتمر أو جلسات نقاش يفصّلون فيها باطل القوم، وخطرهم وخطلهم وما يترتب عليه من مصائب وكوارث على الأمة راهنا ومستقبلا، بالإضافة إلى دعم ومساندة شباب الثورة والربيع العربي، يبتكرون الطرق للمساندة كما يفعل من هو في الصف الآخر.

في المقابل، نرى شرعيي الفصائل والأحزاب المطالبة بالتغيير، والحاملة لراية الربيع العربي وثوراته المباركة، طرائق قددا، أكثر ما يشغلهم أنفسهم وبعضهم بعضا، ولذا فقد انشغلوا ببعضهم عن ثورتهم، فضلا عن خطر الباطل الذي يتهددهم. 

فتارة نسمع مقالاتهم ببعضهم مرجئة، وغلاة وبغاة ونحوها، وينسون أو يتناسون وضع خريطة طريق لأنفسهم وللأمة لإخراجها من استبداد ران على قلبها، إلى حرية وعدل وإنصاف ينتظرها بعد أن اشرأبت أنظار الأمة لهذه اللحظات لعقود، قدمت خلاله الغالي والنفيس، وقدمت خلاله فلذات أكبادها من أجل أن تصل إلى لحظة الحرية الحقيقية التي طال انتظارها.

ليس أمام هؤلاء الشرعيين إلا أن يتقوا الله في أنفسهم وفي دنياهم وفي آخرتهم، قبل أن يتقوا الله في غيرهم وفي ثورتهم وفي ربيعهم العربي، فيُحيّدوا خلافاتهم المذهبية والفكرية من أجل الصالح العام ومن أجل خير العباد والبلاد، وإلا سيخسر الجميع كما رأينا في الحالة السورية. 

في الحالة السورية، خسرت كل الفصائل التي اتهمت بعضها بعضاً بالعمالة والتبعية، فكان نصيب الجميع هو الطرد وتفريغها من أتباعها ومناصريها. 

ولعل المثال الأحدث هو الغوطة، ومن قبله حمص والقصير وحلب وغيرها كثير، والحبل على الجرار، فهل من وقفة تأمل للحظة واحدة؟! 

يتم فيها تحييد الخلافات وفك الاشتباك من أجل الصالح العام، وهذا الأمر لا ينطبق على الشام وحدها، وإنما ينطبق على كل بقعة أرض يشتبك فيها الشرعيون، ويخوضون أشرس المعارك ضد بعضهم، ليخدموا بذلك عدونا وعدوهم، فتنعكس خلافاتهم على الأرض والثورة، فيطيلوا بالتالي مآسينا ومآسي الأمة.

اجتمع أهل الباطل على باطلهم، وتفرق أهل الحق عن حقهم، فهل من وقفة؟ وهل من لحظة تأمل من أجل وضع الأولويات والأسبقيات؟ ثم التحرك وفقا لخريطة طريق تحفظ رأس المال، لتبدأ عملية التجارة مع الله وعباده ليتضاعف رأس المال، وحينها ستدعو لكم الأجيال، لتتجنبوا دعاءها عليكم.

مؤرخ يهودي: الصهيونية ستغرق والمستقبل لفلسطين


مؤرخ يهودي: الصهيونية ستغرق والمستقبل لفلسطين  
 حوار: علي يونس/ترجمة: سيد أحمد الخضر
قال المؤرخ الإسرائيلي البارز إيلان بابي إن اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل أظهر للفلسطينيين أن واشنطن لا تهتم بمساعدتهم على إقامة دولتهم المستقلة.
وفي حوار على هامش منتدى الجزيرة الـ12 في الدوحة اعتبر بابي أن مواقف ترامب يجب أن تجعل الفلسطينيين يدركون أن الوساطة الأميركية ليست ضرورية لتحقيق السلام.
وأوضح المؤرخ اليهودي المولود في إسرائيل أن دعمه لاستعادة الفلسطينيين أراضيهم ينبع أولا من مبادئه الأخلاقية، وثانيا لاهتمامه بمستقبل اليهود في فلسطين التاريخية.
ولفت المؤرخ اليهودي إلى أنه حتى قبل عهد ترامب فإن الإدارات الأميركية السابقة -بما فيها إدارة أوباما- كانت تسعى من خلال الخطاب المزدوج لخداع الفلسطينيين وجعلهم يعتقدون أنه بإمكانهم الاعتماد على واشنطن كوسيط يساعدهم على إنشاء دولتهم.
وفي الحقيقة، فإن الحكومات الأميركية طورت المشروع الصهيوني في فلسطين وحافظت عليه، بما في ذلك توسيع المستوطنات، على حد قوله.
يشار إلى أن بابي نشر 15 إصدارا عن الشرق الأوسط، بينها كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"، وهو يشغل منصب مدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية بجامعة إكستر في المملكة المتحدة.
حاليا ينعقد المجلس الوطني الفلسطيني لأول مرة خلال السنوات الأخيرة، كيف تقيم وضع الفلسطينيين: انقساماتهم، وتقويض الإدارة الأميركية أسس المفاوضات السابقة؟أعتقد أن عملية السلام بكاملها حتى الآن بنيت على مبادرات لا تراعي مصالح الفلسطينيين، الفلسطينيون لم يمتلكوا أي مبادرة، إنهم بحاجة لطرح مبادرات وأن يتقدموا إلى الأمام بطرح برنامجهم.
لقد فعلوا ذلك عام 1968 ولكنها كانت المرة الأخيرة، إنه وقت مناسب لمبادرة فلسطينية جديدة لا تمثل فقط الضفة وغزة وإنما تشمل كل الفلسطينيين حول العالم، أتمنى أن يدعموا قيام دولة ديمقراطية واحدة على عموم فلسطين.
بخصوص الولايات المتحدة.. ماذا تغير منذ وصول ترامب للسلطة؟إدارة ترامب تبنت شفافية جديدة، قبل ترامب كان هناك خطاب مزدوج لدى الإدارات الأميركية، الأميركيون غالبا ما يقولون شيئا ويتصرفون على النقيض منه، ينطبق ذلك على (بيل) كلينتون و(جورج دبليو) بوش وأوباما.
إن قراره (ترامب) بشأن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس يمثل خرقا واضحا للقانون الدولي.
السؤال هنا هو: كيف نتعاطى مع ذلك ما دام لدينا رئيس أميركي يتصرف بطريقة طفولية ويمتلك في ذات الوقت قوة هائلة.
ما هي القوة التي تدفع إدارة ترامب تجاه تبني كل المواقف ووجهات النظر الإسرائيلية؟تأييد إسرائيل في الولايات المتحدة مصدره المجتمع الصهيوني المسيحي، والدعم الذي يتلقاه ترامب من هؤلاء أكثر من الدعم الذي يحصل عليه من المجتمع اليهودي.
إن الجيل الشباب من اليهود الأميركيين غالبا ما ينأون بأنفسهم عن إسرائيل ويعارضون سياساتها.
معظم المسيحيين الصهاينة يدعمون إسرائيل نظرا لدينهم المسيحي وليس لأنهم يحبونها، إنها نسخة غريبة من المسيحية.
في الأغلب الناس يسيئون فهم دوافع دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإسرائيل، في الحزب الديمقراطي يؤيدون إسرائيل نظرا لقوة اللوبي الإسرائيلي، أما في الحزب الجمهوري فلديهم مصالحهم الكثيرة مع الصهيونية المسيحية.
إذاً، ما هي الآلية التي يجب أن يعتمدها الفلسطينيون وداعموهم في التعاطي مع القرار بشأن القدس وسياسات الإدارة الأميركية؟هذا الموقف يخلص الفلسطينيين على الأقل من الاعتقاد بأن السلام يجب أن يأتي فقط عبر الآلية الأميركية.
إنه يسمح بتطوير التفكير بشأن حل ممكن، حل لا يتطلب بالضرورة تدخلا أميركيا ولا يعتمد على التفسير الأميركي الإسرائيلي لمعنى التسوية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى تسوية مغايرة تصغي لمطالب الفلسطينيين وتطلعاتهم.
يعتقد الحكام العرب منذ أمد بعيد أن حل صراع الشرق الأوسط يجب أن يكون عبر تدخل أميركا التي يعتمدون عليها في حمايتهم وبقائهم، هل لا يزال هذا الافتراض قائما؟أعتقد أنه من الصعب رؤية ذلك مع ترامب، فهو يتحدث عن سياسات انعزالية عندما لا يريد لأميركا أن تتدخل، ولكن عندما يريد التدخل يفعل ذلك بقوة، أرى أنه يجب علينا ألا نكون مهووسين بالمبادرات الأميركية وألا ننتظرها، يجب أن نقدم مبادرات من على الأرض ذاتها.
بالإضافة إلى ذلك، هناك فرق بين الحكومات والمجتمعات، الحكومات تخشى الحديث عن إمكانية التحرك من دون ضوء أخضر أميركي، أما المجتمعات فيجب أن تبعث رسالة لنخبها: نعم، إنكم تستطيعون.
إنك لا تحتاج إلى ضوء أخضر أو أحمر أميركي، ما تحتاجه هو أن تفكر بمبادئ حل توائم القرن الـ21، أي تلك التي تركز على حقوق الإنسان والحقوق المدنية.
ما الذي يجب على الناس التفكير فيه فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما هي المحددات أو المعالم التي يجب رسمها لكل من الجانبين؟هناك حاجة إلى تفكير قديم جديد بشأن فلسطين، يجب أن نسعى لإنشاء دولة ديمقراطية موحدة وإزالة أيديولوجية الاحتلال الصهيونية من فلسطين.
إن هذا لن يحدث غدا، وسيكون تضليلا لو قلنا للناس إنه سيحدث غدا أو أنه طريق سالك، لا، إنه مسار صعب جدا بالنظر إلى الدعم الأميركي لإسرائيل من جهة والشقاق العربي والانقسام في المعسكر الفلسطيني من جهة أخرى.
هذا يعني أن أمامنا فترة طويلة قبل أن نتمكن من إنجاز ذلك، ومهما يكن فإن الذهاب عبر طريق طويل يؤدي لوجهة محددة أفضل بكثير من أن نسلك طريقا قصيرا مثل أوسلو الذي بدا وكأنه يؤدي لحل الدولتين ولكنه انتهى بمزيد من الاحتلال والقمع والظلم والمعاناة للشعب الفلسطيني.
تتحدث عن إزالة الاحتلال مما يعني نهاية للمشروع الصهيوني في فلسطين، ماذا سيحدث حينها لليهود الإسرائيليين، وكثيرون منهم صهاينة متحمسون؟اليهود في فلسطين ستة ملايين، وهم يمثلون الجيل الثالث من المستوطنين، في أجزاء أخرى من العالم يحق للجيل الثالث من المستوطنين -مثل ما هو في جنوب أفريقيا- التمتع بحقوقهم الإثنية والسياسية ما لم يكن ذلك على حساب السكان الأصليين.
إن يهودا كثرا في إسرائيل لا يدركون أنهم يعيشون حياة خطيرة، حتى لو شعر الإسرائيليون بأنهم في أمان فإنهم في الواقع غير ذلك، عادة ما أستخدم هذا المجاز لتشخيص وضعية اليهود في فلسطين: حتى لو كنت في أفضل مقصورة في "تايتانيك" فإنك تظل في "تايتانيك" وستغرق بمجرد غرق السفينة، هم لا يدركون ذلك.
أنا يهودي إسرائيلي ولدت في إسرائيل، أهتم بالناس وعائلتي هناك، أقوم بهذا لأنه واجب أخلاقي في المقام الأول، ولأني أيضا أعتقد أنه الأفضل لمستقبلهم.
اتفاقية أوسلو استشرفت قيام دولة فلسطينية مستقلة خلال خمس سنوات، واليوم هناك ثمانمئة ألف مستوطن في الضفة الغربية، هل لا يزال حل الدولتين قابلا للتطبيق؟حتى الآن لدينا خطاب أميركي مزدوج، ولعله من الوارد التشكيك فيما إذا كانت لدى أميركا أصلا الرغبة في إجبار إسرائيل على اتخاذ موقف مرن.
إن اللحظة التي قدموا فيها دعما مطلقا لنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس المحتلة أظهرت أن الحكومة الأميركية لا تستطيع أن تلعب دورا بناء (في عملية السلام) حتى لو اعتقد البعض في الضفة الغربية أن حل الدولتين سيخلصهم من الاحتلال.
أعتقد أنهم مخطئون، أرى أنهم قد يستيقظون يوما ما ليدركوا أن ما نحتاجه هو حل مغاير وليس حل الدولتين.

عودة المخبر السعودي مع مؤامرات القصر

عودة المخبر السعودي مع مؤامرات القصر
تتأرجح أقوال المجتهد القصيرة على تويتر بين التوقعات والحقائق والشائعات ، مشيراً بذلك إلى تواصل بين الواقع والخيال في سياق السياسة السعودية

مضاوي الرشيد
مجتهد ، مصدر معلومات سعودي على الإنترنت مجهول المصدر لكن مشهور على مؤامرات القصر السعودي ، عاد إلى إثارة الإعلام الاجتماعي بآيات جديدة. وباستخدام حسابه على تويتر ، ناقش التدابير الأمنية الجديدة التي اتخذها محمد بن سلمان ، ولي العهد ومساعديه ، وبعضهم من المستشارين والمستشارين المصريين الأجانب.

"جوليان أسانج" السعودي

أدت الأوساط الملكية السرية والبحث عن مزيد من المعلومات حول المؤامرات الملكية إلى ظهور ظاهرة سعودية وتريدية فريدة من نوعها ، وهي مجتهد بن حارث بن حمام ، الذي أطلق عليه اسم "جوليان أسانج" السعودي ، وهو "مخبر" غامض ، و "عصابة المتمردين". استحوذ على خيال الإعلام الدولي والإقليمي منذ أن بدأ حسابه في عام 2011.
على الرغم من عدم وجود طريقة لفصل الحقيقة عن الرواية في ادعاءاته ، إلا أن العديد من المراقبين مقتنعون بأنه عضو مغرور في العائلة المالكة ويخوضون لعبة تخمينية حول هويته المحتملة. يعتقد آخرون أن المنشق السعودي المقيم في لندن سعد الفقيه هو المجتهد الحقيقي.
أجريت مقابلة مع مجتهد في عام 2015 بمجرد أن بدأ الملك سلمان في  تجهيز  ابنه لخلافته.
مجتهد هو انعكاس للظاهرة العالمية التي أصبحت تطارد الديمقراطيات الراسخة في العقد الماضي عندما تحول إدوارد سنودن ، جوليان أسانج ، وغيرهم من العاملين في الشركات إلى مخبرين
من المهم الابتعاد عن البحث عن الهوية الحقيقية للمجتهد لأن هذا قد يكون عملية غير مجدية. بدلا من ذلك ، فهم ظاهرة ومحتوى بياناته أكثر إثارة للاهتمام.
مجتهد هو انعكاس للظاهرة العالمية التي أصبحت تطارد الديمقراطيات الراسخة في العقد الماضي عندما تحول إدوارد سنودن ، جوليان أسانج ، وغيرهم من العاملين في مجال الأمن القومي والأعمال الخاصة إلى المبلغين عن المخالفات.
هذه الظاهرة ليست انعكاسا للحكم السلطوي بحد ذاته ، بل هي سائدة نتيجة مطالبة المواطنين بشفافية أكبر في عصر كانت فيه الديمقراطيات الراسخة قد أثبتت أنها مؤثرة على المؤامرات السرية.
أشرف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على اعتقال مئات الأشخاص ، بمن فيهم كبار رجال المال والوزراء وأقطاب الأعمال (AFP).
ومع ذلك ، لا يقدم مجتهد في كثير من الأحيان وثائق لدعم الإبلاغ عنه. بدلاً من ذلك ، يزعم أنه يتم إبلاغه من قبل مصادر مجهولة قريبة من الملك وكبار الأمراء.
من المثير للدهشة أنه فجأة أصبح مهمًا جدًا ، تبعه على تويتر الكثير من الناس ، ليس فقط في المملكة العربية السعودية ولكن خارجه ، حتى بدون تقديم أدلة دامغة لدعم تعليقاته وشائعاته.

تنبؤات المجتهد

بينما دخلت المملكة العربية السعودية مرحلة من حكومة غامضة مركزية وقمعية متزايدة ، لا بد أن يبرز عرض رجل واحد لولي العهد المزيد من الشائعات ونظريات المؤامرة.
في نظام ملكي سري مع كل القوى التي تتركز في يد شخص واحد دون اللجوء إلى الانفتاح والشفافية وسيادة القانون ، ليس من المستغرب أن تستمر ظاهرة المجتهد في جذب الاهتمام وإلهام خيال المراقبين. 
بحلول أبريل 2015 ، وضع الملك ابنه في مناصب رئيسية مثل وزارة الدفاع والمجلس الاقتصادي ، بالإضافة إلى تعيينه نائبًا لرئيس الوزراء.
وكان مجتهد أول من أعلن عن الإقالة الوشيكة لمحمد بن نايف من منصبه وليا للعهد وترقية محمد بن سلمان إلى منصبه في يونيو 2016. كما ظل يقطر على تويتر قائداً للحرس الوطني السعودي ، متعب بن عبد الله. ، وكان التالي في السطر ليتم استبعاده بسرعة من منصبه.
في نظام ملكي سري مع كل القوى التي تتركز في يد شخص واحد ، ليس من المستغرب أن تستمر ظاهرة المجتهد في جذب الاهتمام وتلهب خيال المراقبين.
المجتهد كان على حق. بحلول تشرين الثاني 2017 ، لم تتم إزالة شركة Miteb من مكتبها فحسب ، بل تم احتجازها أيضًا مع أمراء آخرين لعدة أسابيع في فندق ريتز كارلتون في الرياض. في الوقت الذي رفضت فيه وسائل الإعلام السعودية توقعات المجتهد ونسبتها إلى أوهامه والتفكير بالتمني لأكثر من مليوني متابع على تويتر.  

عاصفة جديدة

خلق مجتهد عاصفة حديثة عندما نظّم أفكاره في سلسلة من التغريدات تشرح السياسات الداخلية غير المسبوقة لمحمد بن سلمان. وحسب مجتهده ، فإن جميع الملفات الأمنية هي الآن في يد الأمير ، الذي يتم نصحه في الوقت الحالي من قبل مجموعة من خبراء الأمن المصريين ، خاصة حول القضايا المتعلقة بالاعتقالات والشخصيات التي يجب استهدافها.
حتى عبد العزيز الهويريني ، وهو مستشار سعودي واحد في السعودية ، أصبح مستشاراً أمنياً ليس لديه أي مبادرات خاصة به ، بصرف النظر عن تلك التي تأتي من الأمير ومستشاريه الأجانب.   
يشير مجتهد إلى ممارسة جديدة مهمة في عهد ولي العهد. في الماضي ، كانت وزارة الداخلية تنغمس بأقارب المنشقين في المنفى ، وتعاملهم بسخاء وتعجل بحدوث شقاق داخل أفراد عائلة واحدة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقسيم مجموعات الأقارب وتحويل أعضائها ضد بعضهم البعض ، وهي ممارسة تدرب عليها جيداً في أنظمة قمعية مثل النظام السعودي.
ووفقاً لمجاهد ، فإن مهمة حماية النظام تقع الآن على عاتق مجموعة من القوات الأجنبية والمرتزقة المجندين وغيرهم.
في الماضي ، حصل المنشقون والناشطون في المنفى على العصي ، لكن أفراد عائلاتهم حصلوا على الجزر. يطلب من رؤساء الأسر أن يتبرأوا من أبنائهم المعارضين. وفي المقابل ، يكافأهم كبار الأمراء ، وخاصة أولئك المسؤولين عن الأمن في وزارة الداخلية وأجهزة المخابرات.
في بعض الأحيان يستخدم هؤلاء الأقارب كوسيط ، مبعوثين يتواصلون مع النشطاء في الخارج بهدف إعادتهم إلى المملكة العربية السعودية ، أو مجرد إبلاغهم إلى السلطات خلال زياراتهم.
ومع ذلك ، فقد تخلى محمد بن سلمان ، المقيم في مجتهد ، عن استراتيجية الخيار المشترك لصالح العقوبة من أعلى إلى أسفل لأقارب المنشقين الذين لا يزالون في البلاد.
وأبلغ عبد الله الغامدي ، وهو ناشط ومنشق ، أتباعه على تويتر بأن والدته وأقاربه الآخرين قد اعتُقلوا في محاولة للضغط عليه للعودة إلى المملكة العربية السعودية. يبدو أن مجتحد يلمح إلى حقيقة أن هذه الممارسات هي الآن الطريقة القياسية للتعامل مع الأصوات الناقدة التي هربت إلى الخارج.

مجهول لكن مشهور

تخلى ولي العهد عن مظهر من أشكال الأبوة والطيبة تجاه تلك الأسر التي يُنظر إلى أبنائها المعارضين ضالين. إن احتجاز دائرة واسعة من الأقارب هو الآن عقاب معياري.
إن أمن النظام وخصوصاً أمير ولي العهد يستهلك قدراً هائلاً من المال ، مما يعكس الإحساس بانعدام الأمن في القصر والخوف من التمرد الخفي بين الأمراء الساخطين ، الذين تعرض بعضهم للإذلال الشديد.
ووفقا لالمجتهد، مهمة حماية النظام الآن مسؤولية مجموعة من القوات الاجنبية والمرتزقة تجنيد، وغيرها. يبدو أن الأمير لا يثق بالعرب ، في الماضي المغاربة والأردنيين في المقام الأول ، أو الباكستانيين في هذا العمل المهم. وبدلاً من ذلك ، اختار أن يصبح عالمياً وأن يتم توظيفه بين شركات الأمن الخاصة التي ليس لها ولاء لأي شخص بغض النظر عن الشخص الذي يدفع الفواتير.
اقرأ المزيد ►
يشرح مجتهد أن شعبيته تعزى ، أولاً ، إلى هاجس المجتمع السعودي بأسرار ملكية كشفها بالكامل ، وثانياً عن دقة شائعاته التي أكدت الأحداث اللاحقة. وترتكز مصداقيته ، في رأيه ، على نشر المعلومات بلغة محترمة ، وتسترشد بقواعد أخلاقية ودينية صارمة.
بالإضافة إلى مهاراته اللغوية ، يتجنب القصص المثيرة وغير المبررة التي تتعمق في الحياة الخاصة للأمراء. في هذا الصدد ، يميز مجتهد نفسه عن شخصيات المعارضة السابقة التي غالباً ما يتحول خطابها إلى هجمات شخصية على الملوك.

تقويض شرعية النظام

يقول مجتهد إن هدفه الرئيسي هو مساعدة شخصيات معارضة أخرى أكثر صراحة على استخدام المعلومات التي يقدمها بهدف تقويض شرعية النظام. يصر على أنه يريد المساهمة في مشروع التغيير السياسي. تتمثل مساهمته في كشف الأكاذيب والمؤامرات من أجل تقويض غموض الملكية.
في سياق الإعلام والدعاية المسيطرين ، يبدو النظام سليمًا وقويًا ويخشى. ويساهم الخوض في معلومات وراء الكواليس وفضح الشقوق داخل الأسرة المالكة في هذا المشروع ، حسب مجتهد. النظام لديه " حجة مزيفة وملفقة " ، يحاول أن يكشفها .
ويصر مجتهد على أن العديد من الوحدات العسكرية في المملكة سترفض المشاركة في صراع لدعم أمير ضد آخر إذا أصبح التنافس الكامن بين الأمراء عامًا.
اقرأ المزيد ►
تنبع شعبية المجتحد بين الجماهير المحلية والعالمية من قدرته على نشر الشائعات لتوقع بعض التعديلات الملكية وفضح الفساد على جميع المستويات الحكومية. ومع ذلك ، وعلى الرغم من أن مجتهد لا يدعو علانية إلى تطبيق نظام سياسي معين ، إلا أنه ينتقد الليبراليين السعوديين والإسلاميين ، وخاصة أولئك الموالين للحكومة.
كما أنه ينتقد العلماء الرسميين ، على سبيل المثال أولئك الذين يقبلون ويقرون جميع القرارات الحكومية دون أدنى شك. في رأيه ، الإسلام الصحيح "يتطلب من المرء أن يرفض الظلم والقمع والفساد. إنني أقوم بتوزيع المعلومات التي تعرض هؤلاء المنافقين بين مفكري الدولةوالعلماء والإسلاميين أيضًا".
تتأرجح تصريحات مجتهد على تويتر بين التوقعات والحقائق والشائعات ، مشيراً بذلك إلى تواصل بين الواقع والخيال في سياق السياسة السعودية. وسوف يستمر اتباعه طالما أن المملكة العربية السعودية لا تزال تحكمها القبضة الحديدية لرجل واحد ومستشاريه الأجانب ومرتزقته.
- البروفسور مضاوي الرشيد  أستاذ زائر في مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد. وقد كتبت على نطاق واسع عن شبه الجزيرة العربية ، والهجرة العربية ، والعولمة ، والدينية عبر الوطنية ونوع الجنس. على تويتر:MadawiDr
الآراء الواردة في هذه المقالة تنتمي إلى المؤلف ولا تعكس بالضرورة سياسة التحرير في Middle East Eye.

انتخابات مرسي المبكرة: العبث بالتاريخ

انتخابات مرسي المبكرة: العبث بالتاريخ

وائل قنديل
وبما أننا دخلنا مرحلةً متقدمةً من العدمية السياسية، صار معها النظام في مصر يشعر بالضجر من كثرة المهرولين (لن أقول المتسوّلين) بمبادرات تصالح ومماحكات تصفية، فإن محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من التاريخ الحديث جداً، تبقى عملاً مشروعاً ومطلوباً في هذه اللحظة البائسة.

في ذلك، راجت، طوال الأيام والأسابيع الماضية، حكايات وحواديت عن موافقة الرئيس المختطف، محمد مرسي، على مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة، كي ينجو من براثن الانقلاب، وذلك رداً على ما أعلنه الجنرال عبد الفتاحالسيسي أخيرا، ومكرّراً، من أنه لو وافق الرئيس مرسي على الانتخابات المبكرة في لحظة الثلاثين من يونيو/ حزيران 2013 لما كان عزله من منصبه، والاستيلاء على الحكم بالقوة المسلحة.

وليست المسألة، فقط، مجرّد نزوع تلقائي على نفي وتكذيب أي روايةٍ تصدر عن قائد الانقلاب العسكري، بما يعني، على نحو مباشر، الرد بروايةٍ مضادة ومختلفة، بصرف النظر عن الحقيقة الموضوعية، وما جرى فعلاً على أرض الواقع.. وإنما تتجاوز المسألة ذلك إلى محاولة هندسة الوقائع التاريخية، وتحويرها وتدويرها، بما يخدم أهدافاً وقتية، ويحقق مصالح تكتيكية عابرة، منها، مع الأسف، محاولة إيجاد وسيلة لخروج سهل ومريح من قضايا أساسية وجوهرية، حاكمة للصراع السياسي في مصر، وفي مقدمتها شرعية الرئيس الأسير، وكذلك محاولة إسباغ جدارة أخلاقية وسياسية، غير مستحقّة، على لحظة الثلاثين من يونيو، بوصفها ثورةً مضادة تحمل في جوفها جنين انقلاب مكتمل التكوين.

رواية أن الرئيس مرسي أذعن لمطلب الانتخابات المبكرة وردت، غير مرة، على لسان إبراهيم منير، نائب مرشد الإخوان المسلمين، العائش منذ عقود في بريطانيا، وردّدتها من بعده أصوات من داخل "الإخوان"، للتدليل على أن وزير الدفاع انقلب على رئيسه المنتخب، مع سبق الإصرار والترصد، وعلى الرغم من إقدام الأخير على الرضوخ لمطلب الانتخابات المبكرّة.

ومن أسفٍ أن هذه الرواية تنسفها وقائع عديدة، بعضها معروفٌ ومعلن، وبعضها لا يزال طي الكتمان، وفي صدارة ما هو منشور ومعلن، ما نشرته صحيفة الأهرام الرسمية، صبيحة 30 يونيو/ حزيران 2013. على لسان الرئيس مرسي شخصياً، وفيه رفض قاطع لفكرة الانتخابات الرئاسية المبكرة، ونقرأ:
"أكدت صحيفة الجارديان البريطانية تمسك الرئيس مرسي بتحديه لمطالب المعارضة بانتخابات مبكرة، مؤكدا أن لن يقبل أي انحرافٍ عن الشرعية الدستورية، معللا ذلك بأن استقالته المبكرة من منصبه ستقلل من شرعية من سيخلفونه، مما سيخلق حالة من الفوضي اللانهائية.
وأوضح قائلا: إنه إذا غيرنا رئيسا منتخبا وفقا للشرعية الدستورية، فإن هذا سيسمح لمعارضي الرئيس الجديد بالمطالبة بتنحيته هو الآخر في غضون أسبوع أو شهر من توليه الرئاسة. وشدد في الحوار الذي أجراه معه الصحفيان، ديفيد هيرست وباتريك كينجسلي، على أنه لا مجال هناك للحديث عن معارضة الشرعية الدستورية، فيمكن أن تكون هناك مظاهرات أو تعبير للمواطنين عن آرائهم، لكن الالتزام بالدستور نقطة حاسمة. وشدد الرئيس مرسي، في الحديث الذي نشرته الصحيفة البريطانية أمس علي موقعها الإلكتروني، علي ثقته الكاملة في أن الجيش لن يتدخل أبدا للسيطرة علي السلطة في البلاد".

قبل ذلك بثلاثة أسابيع (السابع من يونيو/ حزيران 2013) كان الرئيس مرسي يتحدث، في أول حوار صحافي مع رئيس تحرير الأهرام، عن موضوع الانتخابات الرئاسية المبكّرة، واصفاً إياها بالعبث، على النحو التالي:
الأهرام: هل يخشي الرئيس محمد مرسي من انتخابات رئاسية مبكرة؟ وماذا ترون في مثل هذا المطلب، ومدى مشروعيته؟
الرئيس: نحن دولة فيها دستور وقانون، وأجرينا انتخابات حرة ونزيهة، والحديث عن انتخابات رئاسية مبكرة أمر عبثي وغير مشروع. نحن نتحدث عن وطن كبير. نريد أن ينصرف الناس إلي الحركة العامة في المجتمع، لكي تجري الانتخابات البرلمانية، أما الانتخابات الرئاسية المبكرة فأنا آخذها في إطار حرية الرأي، ولكنها لا تمثل علي الإطلاق أي نوع من أنواع الحقيقة التي يمكن التحدث عنها بشكل شرعي أو قانوني، فهذا مخالف للقانون والدستور والعرف والإرادة الشعبية.
.. والحديث موصول.

الثلاثاء، 1 مايو 2018

هل عداء إيران لأمريكا وإسرائيل فوتوشوب ؟

هل عداء إيران لأمريكا وإسرائيل فوتوشوب ؟

قديما قال الفيلسوف الأسباني جورج سانتيانا أن

(هؤلاء الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليه بإعادته ) لذلك وجب على كل صاحب عقل أن يتصفح التاريخ جيداً حتى لا يكرر نفس الأخطاء التي سقط فيها من سبقوه .

ففي الفترة بين عامي 1980 و 1988 نشبت الحرب بين العراق وإيران وكانت كتلة كبيرة من المجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية تظهر أنها تعادي الثورة الإيرانية وقد أظهرت هذه الدول الإنحياز الكامل لموقف العراق تحت رئاسة الرئيس صدام حسين ضد نظام الخميني قائد الثورة الإيرانية بوصف أنها ثورة إسلامية !


ومرت أعوام الحرب حتى يوم الثاني والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1986 حيث عثر فريق من المحققين في وزارة العدل الأمريكية في مكتب المقدم نورث على مذكرة كان قد حررها وأقترح فيها (( تحويل أموال بيع السلاح الى ايران الى ما يسمى بقوات الكونترا)) .
كانت الفضيحة مدوية وصادمة للرأي العام الأمريكي والدولي بشكل عام .


فأمريكا وتحت رئاسة الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان كانت تصب اللعنات ليلاً ونهاراً على نظام الخميني والثورة الإيرانية بصورة عامة وتعلن الإنحياز الكامل للعراق ونظام الرئيس العراقي صدام حسين ،ولكن الحقيقة كانت عكس ذلك تماماً فقد كانت أمريكا تعقد صفقات بيع السلاح للنظام الإيراني أثناء حربه ضد العراق .


ونتيجة تلك الفضيحة أعلن الرئيس ريجان استقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي بويندكستر وعزل المقدم نورث من منصبه .


أما عن الوسيط في هذه الفضيحة وهو الطرف الذي كان يقوم بإستلام الأسلحة الأمريكية على أرضه – التي يحتلها - ثم يقوم بنقلها إلى إيران فقد كانت إسرائيل هي من يقوم بهذا الدور .


نعم أيها القارئ أثبتت التحقيقات التي اجريت أن إسرائيل قد نقلت إلى إيران الأسلحة الأمريكية وكانت عبارة عن 508 قذيفة مضادة للدبابات وكذلك قطع الغيار الخاصة بالطائرات الحربية فانتوم 4 وغيرها .


كانت الحكومة الإسرائيلية في تلك الفترة تحت رئاسة مناحم بيجن والذي تولت حكومته تمرير الصفقة لصالح ما يسمى بنظام الثورة الإسلامية في إيران !!!


أما عن الطرف المفاوض من الجانب الإيراني فقد كان أحمد كشاني وهو الإبن الأصغر لأية الله أبو الناصر كشاني وهو أحد كبار معاوني الخميني في إيران آنذاك .


تمت هذه الصفقة في وقت كان فيه القانون الأمريكي يمنع تجارة السلاح مع إيران وكان الساسة في إيران يعلنون العداء الصريح والحاد ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ولكن ما كان يتم في الواقع وبعيداً عن وسائل الإعلام كان عكس ذلك تماماً فهو تنسيق تام وزيارات متبادلة وصفقات كبيرة وتوزيع أرباح بين أطراف يبدو للشعوب المغيبة أنهم أعداء .


لفضيحة إيران جيت أو إيران كونترا تفاصيل كثيرة حول أطرافها وأهدافها وأين ذهبت أرباح صفقات السلاح بين إيران وإسرائيل وأمريكا ولكن هذا المقال لن يسعني لسرد كل هذه التفاصيل .
إن ما أردته أن يصل إليك عزيزي القارئ من خلال هذه المعلومات حتى لا تنخدع مرة أخرى في الصورة المرسومة أمامك ،ولا يعيد التاريخ نفسه ،ولا تصدق ما تسمعه أو تشاهده في وسائل الإعلام من أن إيران يدها على الزناد في مواجهة إسرائيل أو انها يمكن أن تثأر للقتلى الإيرانيين على يد الغارات الإسرائيلية في سوريا ولا تصدق من يدعي كرهه لأمريكا ويصفها بأنها الشيطان الأكبر لا تصدق ذلك لأن الأيام ستثبت لنا مرة أخرى أننا أمام فوتوشوب.


فالهدف الأهم لدى كل هذه الأطراف أن نظل أنا وأنت وغيرنا لا نرى إلا ما يفرضوا علينا ان نراه وإلا سينطبق علينا مقولة الفيلسوف الأسباني جورج سانتيانا ان 

(هؤلاء الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليه بإعادته ) .
#وليد_شرابي

السعادة

السعادة 


"" 
فيا أيها القراء

إنكم سعــداء ولكن لا تدرون ، سعداء إن عرفتم قدر النعم التي تستمتعون بها ، سعداء إن عرفتم نفوسكم وانتفعتم بالمخزون من قواها ، سعداء إن سددتم آذانكم عن صوت الديك ، ولم تطلبوا المستحيل ، فتحاولوا سدّ فمه عنكم ، سعداء إن طلبتم السعادة من أنفسكم لا مما حولكم .
.
سعداء إن كانت أفكاركم دائماً مع الله ، فشكرتم كل نعمة ، وصبرتم على كل بَلِيَّة ، فكنتم رابحين في الحالين ، ناجحين في الحياتين
 ""



.
.
.
.
.
.



المــــــــــــــــــــــقالــــــــــــــــــــــ ــة 




كنت أقرأ في ترجمة ( كانت ) الفيلسوف الألماني الأشهر أنه كان لجاره ديك قد وضعه قبالة مكتبه ، فكلما عَمِدَ إلى شغله صاح الديك ، فأزعجه عن عمله ، وقطع عليه فكره.


فلما ضاق به بعث خادمه ليشتريه ، ويذبحه ويطعمه من لحمه 
ودعا إلى ذلك صديقاً له ، وقعدا ينتظران الغداء 
ويحدِّثه عن هذا الديك ، وما كان يلقى منه من إزعاج ، وما وجده بعده من لذة وراحة ؛ ففكر في أمان ، واشتغل في هدوء ، فلم يقلقه صوته ، ولم يزعجه صياحه.
ودخل الخادم بالطعام معتذراً أن الجار أبى أن يبيع ديكه ، فاشترى غيره من السوق ، فانتبه ( كانت) فإذا الديك لايزال يصيح !

فكرت في هذا الفيلسوف العظيم فرأيته قد شَقِي بهذا الديك لأنه كان يصيح ، وسَعِدَ به وهو لايزال يصيح .

ما تبدّل الواقع ! 
ما تبدّل إلا نفسه !

فنفسه هي التي أشقته لا الديك !
ونفسه هي التي أسعدته !

وقلت : ما دامت السعادة في أيدينا فلماذا نطلبها من غيرنا ؟

ومادامت قريبة منا فلماذا نبعدها عنّا ؛ إذ نمشي من غير طريقها ، ونلجها من غير بابها ؟
إننا نريد أن نذبح (الديك) لنستريح من صوته ، ولو ذبحناه لوجدنا في مكانه مائة ديك ؛ لأن الأرض مملوءة بالدِيَكة ، فلماذا لا نرفع الديكة من رؤوسنا إذا لم يمكن رفعها من الأرض ؟ لماذا لا نسدُّ آذاننا عنها إذا لم نقدر أن نسدّ أفواهها عنّا ؟ لماذا لا نجعل أهواءنا وفقَ ما في الوجود إذا لم نستطع أن نجعل كل مافي الوجود وفق أهوائنا؟

أنام في داري فلا توقظني عربات الشارع وهي تزلزل بسيرها الأرض ، ولا أصوات الباعة وهي ترعد في الجو ، ولا أبواق السيارات وهي تُسمع الموتى ، وتوقظني همسة في جو الدارضعيفة ، وخطوة على ثراها خفيفة ، فإذا نمت في الفندق لم يوقظني شيء وراء باب غرفتي ، فإذا كان نومي في القطار لم يزعجني عن منامي حديث جيراني إلى جنبي ، ولا صوت القطار وهو يهتز بي ؛ فكيف احتملت هنا مالم أكن أحتمله هناك ؟ وآلمني هناك مالم يؤلمني هنا ؟.





ذلك لأن الحسّ كالنور ، إن أطلقته أضاء لك ما حولك فرأيت ما تحب وما تكره ، وإن حجبته حجب الأشياء عنك، فأنت لا تسمع أصوات الشارع مع أنها أشد وأقوى ، وتسمع همس الدار وهو أضعف وأخْفَت ؛ لأنك وجَّهت إلى هذا حسَّك ، وأدخلته نفسك ؛ فسمعته على خُفُوته كما ترى في الضياء صغائر الأشياء ، وأغْفَلتَ ذلك وأخرجته من نفسك ، فلم تَسْمَعه على شدته ، وخَفِي عنك كما تختفي في الظلام عظائمُ الموجودات.


فلماذا لا تصرف حسّك عن كل مكروه ؟ إنه ليس كل ألم يدخل قلبك ، ولكن ما أدخلته أنت برضاك ، وقَبِلتَه باختيارك ، كما يُدْخِل الملك العدوّ قلعته بثغرة يتركها في سورها ، فلماذا لا نقوِّي نفوسنا حتى نتخذ منها سوراً دون الآلام ؟

إني أسمعكم تتهامسون، تقولون : "فلسفة وأوهام" ؟نعم ، إنها فلسفة ،ولكن ليست كل فلسفة هذيانا ، وإنها أوهام 

ولكن الحياة كلها أوهام تزيد وتنقص ، ونسعد بها ونشقى ، أو شيء كالأوهام.



* يحمل الرجلان المتكافئان في القوة الحمل الواحد ، فيشكو هذا ويتذمر ؛ فكأنه حمل حملين ، ويضحك هذا ويغني ؛ فكأنه ما حمل شيئًا.



ويمرض الرجلان المتعادلان في الجسم المرض الواحد ، فيتشاءم هذا ، ويخاف ، ويتصور الموت ، فيكون مع المرض على نفسه ؛ فلا ينجو منه ، ويصبر هذا ويتفاءل ويتخيل الصحة ؛ فتسرع إليه ويسرع إليها .
.
ويُحكم على الرجلين بالموت ؛ فيجزع هذا ، ويفزع ؛ فيموت ألف مرة من قبل الممات ، ويملك ذلك أمره ويُحْكِم فكره ، فإذا لم تُنْجه من الموت حيلته لم يقتله قبل الموت وَهْمُهُ.



* وهذا ( بسمارك ) رجل الدم والحديد ، وعبقري الحرب والسِلْم ، لم يكن يصبر عن التدخين دقيقةً واحدة ، وكان لا يفتأ يوقد الدّخينة من الدخينة نهاره كله فإذا افتقدها خلَّ فكرُه ، وساء تدبيره.
.
وكان يوماً في حرب ، فنظر فلم يجد معه إلا دخينة واحدة ، لم يصل إلى غيرها ، فأخَّرها إلى اللحظة التي يشتد عليه فيها الضيق ويعظم الهم ، وبقي أسبوعاً كاملاً من غير دخان ، صابراً عنه أملاً بهذه الدخينة ، فلما رأى ذلك ترك التدخين ، وانصرف عنه ؛ لأنه أبى أن تكون سعادته مرهونة بلفافة تبغ واحدة .





* وهذا العلامة المؤرخ الشيخ الخضري أصيب في أواخر عمره بِتَوَهُّم أن في أمعائه ثعباناً ،فراجع الأطباء ، وسأل الحكماء ؛ فكانوا يدارون الضحك حياءً منه ، ويخبرونه أن الأمعاء قد يسكنها الدود ، ولكن لا تقطنها الثعابين ، فلا يصدّق ، حتى وصل إلى طبيب حاذق بالطب ، بصير بالنفسيات ، قد سَمِع بقصته ، فسقاه مُسَهِّلاً وأدخله المستراح ، وكان وضع له ثعبانًا فلما رآه أشرق وجهه ، ونشط جسمه ، وأحس بالعافية ، ونزل يقفز قفزًا ، وكان قد صعد متحاملاً على نفسه يلهث إعياءًا ، ويئن ويتوجع ، ولم يمرض بعد ذلك أبداً .
.
ما شَفِي الشيخ لأنَّ ثعباناً كان في بطنه ونَزَل ، بل لأن ثعباناً كان في رأسه وطار؛ لأنه أيقظ قوى نفسه التي كانت نائمة ، و إن في النفس الإنسانية لَقُوىً إذا عرفتم كيف تفيدون منها صنعت لكم العجائب .

تنام هذه القوى ، فيوقظها الخوف أو الفرح 

* أَلَمْ يتفق لواحد منكم أن أصبح مريضاً خامل الجسد ، وَاهِيَ العزم لا يستطيع أن ينقلب من جنب إلى جنب ، فرأى حيَّة تُقبل عليه ، ولم يَجِدْ مَنْ يدفعها عنه ، فوثب من الفراش وَثْبًا ، كأنه لم يكن المريض الواهن الجسم ؟ أو رجع إلى داره العصر وهو ساغب لاغب ، قد هَدَّه الجوع والتعب ، لا يبتغي إلا كُرْسِيَّـاً يطرح نفسه عليه ، فوجد برقية من حبيب له أنه قادم الساعة من سفره ، أو كتاباً مستعجلاً من الوزير يدعوه إليه؛ ليرقي درجته ، فأحسَّ الخفة والشبع ، وعدا عَدْواً إلى المحطة ، أو إلى مقر الوزير ؟
.
.
هذه القوى هي منبع السعادة تتفجر منها كما يتفجر الماء من الصخر نقيًّا عذبًا ، فتتركونه وتستقون من الغدران الآسنة ، والسواقي العكرة !
.
.
* يا أيها القراء : إنكم أغنياء ، ولكنكم لا تعرفون مقدار الثروة التي تملكونها ، فترمونها ؛ زهداً فيها ، واحتقاراً لها

يصاب أحدكم بصداع أو مغص ، أو بوجع ضرس ، فيرى الدنيا سوداء مظلمة ؛ فلماذا لم يرها لما كان صحيحاً بيضاء مشرقة ؟ ويُحْمَى عن الطعام ويمنع منه ، فيشتهي لقمة الخبز ومضغة اللحم ، ويحسد من يأكلها ؛ فلماذا لم يعرف لها لذتها قبل المرض ؟


لماذا لا تعرفون النعم إلا عند فقدها ؟

لماذا يبكي الشيخ على شبابه ، ولايضحك الشاب لصباه ؟
لماذا لا نرى السعادة إلا إذا ابتعدت عنَّا ، ولا نُبْصِرها إلا غارقة في ظلام الماضي ، أو مُتَّشِحةً بضباب المستقبل ؟كل يبكي ماضيه ، ويحن إليه ؛ فلماذا لا نفكر في الحاضر قبل أن يصير ماضيًا ؟

* أيها السادة والسيدات :
.
إنا نحسب الغنى بالمال وحده ، وما المال وحده ؟ 




* ألا تعرفون قصة الملك المريض الذي كان يُؤتى بأطايب الطعام ، فلا يستطيع أن يأكل منها شيئًا ، لمَّا نَظَر من شباكه إلى البستاني وهو يأكل الخبز الأسمر بالزيتون الأسود ، يدفع اللقمة في فمه ، ويتناول الثانية بيده ، ويأخذ الثالثة بعينه ، فتمنى أن يجد مثل هذه الشهية ويكون بستانياً؟
.
فلماذا لا تُقَدِّرون ثمن الصحة ؟ أمَا للصحة ثمن ؟من يرضى منكم أن ينزل عن بصره ويأخذ مائة ألف دولار؟ من يبيع قطعة من أنفه بأموال الشربتلي ؟



* أما تعرفون قصة الرجل الذي ضلّ في الصحراء ، وكاد يهلك جوعًا وعطشًا ، لما رأى غدير ماء ، وإلى جنبه كيس من الجلد ، فشرب من الغدير ، وفتح الكيس يأمل أن يجد فيه تمرًا أو خبزًا يابسًا ، فلما رأى ما فيه ، ارتد يأسًا ، وسقط إعياءً .

لقد رآه مملوءً بالذهب !
.

* وذاك الذي لقي مثل ليلة القدر ، فزعموا أنه سأل ربه أن يحوّل كل ما مسّته يده ذهبًا ، ومسّ الحجر فصار ذهبًا ؛ فكاد يجنّ من فرحته ؛ لاستجابة دعوته ، ومشى إلى بيته ما تسعه الدنيا ، وعمد إلى طعامه ؛ ليأكل ، فمس الطعام ، فصار ذهبًا وبقي جائعًا ، وأقبلت ابنته تواسيه ، فعانقها فصارت ذهبًا ، فقعد يبكي يسأل ربه أن يعيد إليه بنته وسُفرته وأن يبعد عنه الذهب !
.
و روتشلد الذي دخل خزانة ماله الهائلة ، فانصفق عليه بابها ، فمات غريقًا في بحر من الذهب .



* يا سادة


لماذا تطلبون الذهب وأنتم تملكون ذهبًا كثيرًا ؟ أليس البصر من ذهب ، والصحة من ذهب ، والوقت من ذهب ؛ فلماذا لا نستفيد من أوقاتنا ؟ لماذا لا نعرف قيمة الحياة ؟

* فيا سادة : إن الصحة والوقت والعقل ، كل ذلك مال ، وكل ذلك من أسباب السعادة لمن شاء أن يسعد .
.
وملاك الأمر كله ورأسه الإيمان ،الإيمان يشبع الجائع ، ويدفئ المقرور ، ويغني الفقير ، ويُسَلِّي المحزون ، ويُقوِّي الضعيف ، ويُسَخِّي الشحيح ، ويجعل للإنسان من وحشته أنسًا ، ومن خيبته نُجْحًا .
.
وأن تنظر إلى من هو دونك، فإنك مهما قَلّ مُرَتّبك ، وساءت حالك أحسن من آلاف البشر ممن لا يقل عنك فهمًا ولا علمًا ، وحسبًا ونسبًا .
.

* وأنت أحسن عيشة من عبد الملك بن مروان ، وهارون الرشيد ، وقد كانا مَلِكَي الأرض.
.
فقد كان لعبد الملك ضرس منخورة تؤلمه حتى ما ينام منها الليل ، فلم يكن يجد طبيباً يحشوها ، ويلبسها الذهب ، وأنت تؤلمك ضرسك حتى يقوم في خدمتك الطبيب .

وكان الرشيد يسهر على الشموع ، ويركب الدواب والمحامل وأنت تسهر على الكهرباء ، وتركب السيارة ، وكانا يرحلان من دمشق إلى مكة في شهر وأنت ترحل في أيام أو ساعات .


.
فيا أيها القراء


إنكم سعــداء ولكن لا تدرون ، سعداء إن عرفتم قدر النعم التي تستمتعون بها ، سعداء إن عرفتم نفوسكم وانتفعتم بالمخزون من قواها ، سعداء إن سددتم آذانكم عن صوت الديك ، ولم تطلبوا المستحيل ، فتحاولوا سدّ فمه عنكم ، سعداء إن طلبتم السعادة من أنفسكم لا مما حولكم .
.
سعداء إن كانت أفكاركم دائماً مع الله ، فشكرتم كل نعمة ، وصبرتم على كل بَلِيَّة ، فكنتم رابحين في الحالين ، ناجحين في الحياتين 




نُشرت المقالة في سنة 1948 م ، وهي في كتاب (صور وخواطر) ص 17-26 للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله