السبت، 2 نوفمبر 2024

سؤال كبير في التاريخ (1-2)

 سؤال كبير في التاريخ (1-2)

محمد صالح البدراني 

مدنيات وأفول:

لماذا لم تستمر مدنية كبيرة كالصين أو الحكم الإسلامي في قيادة المدنية؟ سؤال يُطرح وربما لا تجد جوابا واضحا له لأن قراءة التاريخ ليست واضحة، والمعلومة وأول ما يأتي الباحث من انطباعات ومسلمات وغموض وراء ذلك؛ تقود الباحث. نحاول هنا أن ننظر إلى كل مدنية تلمسا للجواب:

1- مدنية الصين: (المادة العلمية من مصادر متعددة أهمها ويكبيديا)

الصين فضاء واسع قبلي حكم بأشكال متعددة ما بين الفضاء الواحد إلى الفضاء الجغرافي، ولم يك العالم بتقسيم دول وإنما تقسيم قبلي, لكن سور الصين العظيم اقتضته الجغرافيا للدفاع عن الفضاء الصيني من الهجمات المفاجئة من القبائل، ولم يشر تاريخ الصين القديم إلى حالة توسعية وإنما كان همه الاستقرار والتجارة والدفاع عن النفس عدا في زمن حكمت فيه عائلة هان (206 ق.م إلى 220م)، والتي حكمت كإمبراطورية وأظهرت المواهب الصينية في التطور المدني. وتمثل عصر النهضة الصينية في كل المجالات وفتح طريق الحرير، وواجه التحديات بتمكن. ونشطت الفلسفة وعلوم الرياضيات وظهرت نظريات عديدة في الرياضيات والكتابة، وهي مدنية شبيهة بنهضة المسلمين في عصر الحداثة الإسلامي.

وفي هذا العهد خرجت جيوش الصين إلى ما يسمى الآن كوريا 1(09 ق.م) وفيتنام (111 ق.م)، واستمر نفوذ سلالة هان فيها إلى 938 ميلادي أي بعد تنحيها في الصين عام 220م مستمرة ما يزيد عن 1000 عام. وهذا ليس احتلالا بمفهوم عصرنا، فليس من اتفاق "Westphalia 1648" يعرف حدود الدول ونفوذها وإنما هو حراك قبلي (منيوي، نانيا، وديان) نقل إلى تلك المناطق وجنوب آسيا مدنية نشطة في السياسة وحركة التجارة.

لم تستمر كمدنية بدأت آلاف السنين قبل الميلاد لكن عادت إلى القيادة المدنية بعد تعديل المسارات حتى حين، ويبقى نقص القيم والعدالة والكرامة الإنسانية وغيرها مما يتعلق بالفكر الحضاري موضوع سؤال وعامل انفصال شعوري استطاع النظام الصيني بته لحد الآن، ولكن هذا يجعل النظام هشا أمام الأزمات المستجدة وتجاوزها قدرة منظومة الحكم في القيادة والسيطرة


ثم تعرضت الصين بعد ذلك إلى انحدار بسبب نفوذ سيطرة القبائل على الأباطرة في الحكم، وهم جهلة ويشبهون سلطة البرابرة ومساهمتهم في إسقاط نظام روما القديمة ودخولها في عصر الظلمات، حيث لم يك البرابرة يقرأون ويكتبون، ووافق هذا الكنيسة التي تقاسمت السلطة ثيوقراطيا مع ملوك الحق الإلهي، فدخلت الكتب إلى سراديب عميقة ليخرجها المسلمون بتبادلها مع الأسرى، ثم ليقضى على جمارة نخلة الحكم عن طريق المغول وهي ذات قبائل الأطراف التي شكلت التحدي للصين.

من يلاحظ سياسة الصين أنها تتبع نظاما يستقرئ واقعها وتطوره في الآليات غير متمسكة بأيديولوجيا ما وإنما آليات يعاد تقييمها، لا تميل لمواجهة حتى فيما تظن أنها حقوق لها مع الخارج، حاسمة قاهرة في الداخل، فهونغ كونج لم يرفع شعار ثوري لاسترجاعها من الإنكليز ولا ماكاو من البرتغاليين. ويذكر أن جمهورية الصين الوطنية أو فرموزا أو تايوان معترف بها من 14 دولة عضوا في الأمم المتحدة ومن الفاتيكان وفيها مصالح وصناعات نادرة وخاصة للغرب، لكن الصين تذكر العالم دوما بأضواء بلا نار أن هذه الجزيرة تتبع البر الصيني.

ما أحدثت الصين:

الصين انفصلت عن تمجيد الرموز التاريخية والحديثة أيضا عندما بدأت تتقدم لتشكل باستقراء الواقع ووضع الحلول، وعلى أرض صلبة من إيجابيات التاريخ لتصنع تاريخا جديدا وتكون قطبا يلعب دورا مهما في توازن القوى العالمي وبصمت، وهي بيدها اقتصاديات العالم رغم أن اقتصادها يحتاج لاستمرار الاستقرار بعد أن كانت ضعيفة أمام كيانات أصغر منها مساحة وموارد مادية وبشرية، هذا الاستقرار إذا كُسرت بنيته سيكون وبالا على العالم عندما تغيب إدارة حياة هذا الكم من البشر. وهي في التطور شبيهة باليابان بعد الحرب الثانية، وإن حاولت اليابان الاحتفاظ بمنظومة القيم التي لديها لكن مع التقدم الحياتي هنالك وإحلال وإبدال في المنظومة ككل.

لم تستمر كمدنية بدأت آلاف السنين قبل الميلاد لكن عادت إلى القيادة المدنية بعد تعديل المسارات حتى حين، ويبقى نقص القيم والعدالة والكرامة الإنسانية وغيرها مما يتعلق بالفكر الحضاري موضوع سؤال وعامل انفصال شعوري استطاع النظام الصيني بته لحد الآن، ولكن هذا يجعل النظام هشا أمام الأزمات المستجدة وتجاوزها قدرة منظومة الحكم في القيادة والسيطرة.

معادلة الصدارة للصين:

الصين منطقة محاطة عبر التاريخ بقبائل، وتقود الصين أُسر، لكن كانت جيوشها ذات عقيدة دفاعية بسبب قبائل المغول التي تشكل جنوب غرب روسيا اليوم، وللوقاية من هذه القبائل كانت فكرة إنشاء سور الصين العظيم.

عدد سكانها وعملهم في أنواع متعددة من الزراعة والوفرة المائية خلقت نوعا من الاكتفاء والتوجه نحو التجارة فكان طريق الحرير، الذي فتحته أسرة هان سنة 130 ق.م واستمر فاعلا حتى سنة 1453م وكان بطريقين: البري المشهور الذي يصل إلى أنطاكيا ثم بحرا إلى إيطاليا ومنها إلى دول أوروبا ليصل إلى إسبانيا، والجزء البحري فينطلق من ميناء كانتون ويلتف في البحار نحو الخليج العربي والبحر الأحمر.

الصين تسيطر على السوق دون حاجة إلى حروب، فقد كانت تستورد الذهب والخيول في حين أنها تصدر كل شيء وحسنت من فقرات إنتاجها الزراعي بجلب أنواع من النباتات لم تك في الصين


هذا الطريق كان ثقافة صينية عادت للعمل في الصين الحديثة لكن باستخدام تقنيات ووسائل غير طريق الحرير الذي هنالك أفكار لإعادته بشكل عصري، رغم أن السكك مستمرة نحو أوروبا في خط يمر من روسيا فتركيا. الصين تسيطر على السوق دون حاجة إلى حروب، فقد كانت تستورد الذهب والخيول في حين أنها تصدر كل شيء وحسنت من فقرات إنتاجها الزراعي بجلب أنواع من النباتات لم تك في الصين.

اليوم نراها تصدر كل شيء وتصنع ما يصنعه الغرب بأسعار أرخص، معظم الصناعات التكاملية عندها وعند تايوان، حتى للأجهزة التي تعد أمريكية أو غربية.

الصين ليس لديها أمور عقدية تبشيرية أو دعوية وإنما إدارة مواردها الطبيعية والبشرية، وهو كل ما تركز عليه لهذا تتجنب مشاكل العالم وتبقى فاعلة بالدرجة التي لا تؤثر على مسارها الاجتماعي أو خلق ثغرة نحو تحريك التنوع سلبيا، لهذا فهي مستمرة في الشيوعية لكن باقتصاد مرن، هذا التكيف مع العصر ومع الواقع المدني وليس التمسك بأيديولوجيا معينة ساعد كثيرا في استعادة مكانتها خصوصا وأنها عضو دائم في مجلس الأمن.

روسيا القيصرية كانت دولة واسعة أكثر من وصفها دولة عظمى فهي أميل للثيوقراطية المستبدة ولم تك تحمل عوامل الاستدامة بل التمرد والتذمر، وربما ترك بطرس الكبير البصمة المؤثرة في وضعها التاريخي، لتصبح دولة وظيفية تحوي السلاح النووي بعد الاتحاد السوفييتي الذي عزلها عن الحالة التقليدية لتتقدم قبل ارتداد بوتين للتقليدية القيصرية، وهي اليوم في طور ترسيمها كدولة وظيفية رسميا.

كيف يحرر الإسلام طاقات المجتمع من داء الغثائية

 كيف يحرر الإسلام طاقات المجتمع من داء الغثائية

صورة مؤمن سحنون

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

كأي أمة تمر بأزمة وركود، في واقع يدعوها في كل لحظة للنهوض، لا بسبب ما جناه عليها وضع الركود الداخلي هذا فحسب، بل بسبب أعدائها من الخارج المتربصين بها والمتعطشين لسفك الدماء فيها، وكأي من أمة هذا حالها لا بد لأمة الإسلام من انبعاث وانفكاك من قيودها، سواء القيود الداخلية أو الخارجية، وإن قدر هذه الأمة هو التحرر، ولا سبيل لهذا الانفكاك والتحرر وذاك الانبعاث إلا أن تستشرف مسارها من عامل التحرر الأول فيها، وهو هذا الدين، الذي يملك من مقومات التحرر ما لا يحدثنا عنه الناطقون باسم أصحاب القيود وكلاء الاحتلال الجاثمين على كواهلنا.

نحاول في هذا المقال تبيان جزء من طبيعة هذا الدين وسبل تحريره للمسلمين من الغثائية وبث الفاعلية في مجتمعاتنا.

المنظومة الاجتماعية بين الدولة القومية والإسلام

من التطبيق المنحرف للإسلام، عدم تصور وجود لمنظومته الاجتماعية، والانطلاق من النموذج الحالي للدولة القومية الحديثة كمنتج نهائي ثم محاولة قراءة الإسلام من داخل هذا النموذج.

لقد جنى ما سبق على فكر ووعي المسلمين بدرجة كبيرة، خاصة عندما قررت بعض النخب تبني النموذج القومي الغربي، وتقديم تجربة عملية عن ممارسة السياسة والحكم داخل محددات هذا النموذج؛ لتكون النتيجة سطوة النموذج الدخيل على تلك النخب، وغياب رؤية تغيير حقيقية تحتاجها الأمة وشعوبها نابعة من عمق وحقيقة هذا الدين.

وقبل أن نطرح تصور مبسط عن المنظومة الاجتماعية للإسلام، نُلَمّح باختصار عن كيفية دخول الأمة تحت النموذج الغربي، وقد وقع الإشارة إلى هذا الموضوع في مقالات سابقة، فقد كانت الأمة تعيش في نموذجها الاجتماعي لمئات السنين قبل مجيء الاحتلال الغربي في القرن التاسع عشر الميلادي، حيث عمل المحتلون طيلة فترة مكوثهم في بلادنا على إعادة تنظيم حياة الناس وفق المنظومة الاجتماعية للنموذج الوافد، نموذج الدولة القومية العلمانية، وتمت العملية ببطئ لدرجة أن أصبحت بلداننا صبيحة تسليم الاحتلال المباشر لمن سيخلفه -بعد خروجه- من المحتلين المحليين من بني جلدتنا، أصبحت هذه البلدان منتظمة داخل أسلوب ونموذج حياة جديد غريب عن أسلوب الحياة التي تأسس على الإسلام، أي أصبحنا شعوبًا من المسلمين داخل نظام حياة لا يتأسس على الإسلام، بل يتأسس على ضدية الإسلام.

فما الفرق (اجتماعيًا) بين المنتج الغربي وأسلوب الحياة في الإسلام؟

أما الدولة القومية الحديثة فتنقسم الحياة فيها إلى قسمين: الدولة والمجتمع، بحيث تهيمن وتحتكر الدولة على المهام الحيوية للمجتمع، ويُربط الفرد بالدولة برابط يُسمى العقد الاجتماعي الذي ينبني على رابطة المواطنة.

أما في الإسلام يتمثل أسلوب الحياة فيه على وجود ثلاثة أقسام: سلطة وجماعات وسيطة ومجتمع، بحيث تعمل الجماعات الوسيطة على تأدية المهام الحيوية للمجتمع، وتمتلك هذه الجماعات استقلال إداري ومالي وقيمي عن السلطة.

في الدولة القومية يضع المشرعون القوانين الوضعية انطلاقًا من قيم مادية؛ ليتحاكم إليها (تحت سلطان الجبر) الشعب، بينما قد يتمتع المشرّعون بحصانة قانونية.

في الإسلام يخضع الحاكم والمحكوم لمنظومة الوحي القيمية التي تنظم العلاقات بين الأفراد في المجتمع وبين الجماعات الوسيطة وبين السلطة في الدولة وبين الفرد والسلطة، وكل المجتمع بأفراده وجماعاته مكلفون بحماية قِيَمهم التي مصدرها الدين من أي انتهاك مهما كان مأتاه.

وبما أن السمة البارزة لنموذج الدولة القومية الحديثة أنها تهيمن على المهام الحيوية للمجتمع، أي تُأمِّمُها وتحتكرها، في دول ما بعد الاحتلال المباشر، أصبح هذا النموذج وسيلة لهيمنة المحتل الأجنبي بطريقة غير مباشرة عن طريق وكيله المحتل المحلي على مجتمعاتنا وحياتنا، وتحولت الدولة القومية في بلداننا إلى صانعة ومُديمة لحالة الغثائية، فما هي خصائص المنظومة الاجتماعية في الإسلام وكيف تُحرر المجتمعات من الغثائية؟

المنظومة القيمية وبث الفاعلية في المجتمع

إن عظمة المنظومة القيمية في الإسلام من عظمة مَصدرها، إن الوحي الذي أنزله خالق هذا الإنسان، والإسلام الذي بعث الله به خير الأنام صلى الله عليه وسلم، لجدير بأن يبعث هذه الأمة من جديد كلما فاءت إليه بعد شرود، فإذا هي تَثِب إلى مقدمة القيادة البشرية من جديد.

لقد جاء الإسلام كبيان حرية لهذه البشرية، يهتف في روعها بمعاني العزة والإباء، فلا خضوع إلا لرب الجود، ولا احتكام إلا لقانون السماء، إذ يوفّر الإسلام المظلة الثورية التي تمهد للتغيير ومواجهة الظلم والطغيان، ويُحرّم الاستكانة لكل عدوان خارجي أو داخلي، أو الرضا بوقوع الظلم عامة.

ويتشكل من مجموع الأحكام الشرعية منظومة قيمية شاملة، وهي من الإعجاز في إحاطتها بكامل مناحي الحياة: ابتداءً بطريقة الأكل لتبلغ طريقة القتال، من تنظيمها للأحوال الشخصية حتى تنظيمها للأحوال والعلاقات الدولية، ومن استيفائها لحق الجسد في نظافته على الفرد إلى حق الفرد والمجتمع في ثروات بلاده وخيراتها، وإذا كانت هذه المنظومة القيمية شاملة للوجود البشري بكل نشاطاته، فإنها تراعي الوجدان البشري بكل تفاعلاته، بما يضمن كرامة الإنسان في مجتمعه وكرامة المجتمع المسلم بين بقية الأمم.

لكنها مع هذا كله تُمثّل عامل يقظة وانبعاث لمجتمع المسلمين، وتَؤُزُّهُم أزًا للمعالي، وعدم التطبيع مع الظلم أو الاستكانة للظالمين.

قال رسول الله ﷺ: ((لَا يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُقْتَلُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ؛ حين لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ، وَلَا يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُضْرَبُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ؛ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ))1.

لقد انبثق عن الإسلام منظومة قيمية أحاطت بكل الاحتياجات النفسية والعاطفية والعقلية والجسدية للإنسان، بحيث لا يقع إهمال أي جانب من جوانب الكيان البشري، وربطت هذا الفرد بروابط ووشائج عميقة بجماعة المسلمين وأمة الإسلام داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية في رحاب دستور أخلاقي بديع، وأَطّرت تعاملاتهم بمنظومة قانونية فريدة معيارها وعُملتها الحق. 

الوظائف الاجتماعية الحيوية والجماعات الوسيطة

بمجرد وجود مجتمع مسلم، تصبح هناك فرضية إقامة وظائف أو مهام اجتماعية، يمكن استشراف تلك الوظائف من شعب الإيمان، ومدارها ما ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ((الإيمان بضع وستون -أو بضع وسبعون- شعبة، أعلاها -أو فأرفعها أو فأفضلها على اختلاف الروايات- قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ، والحياء شعبة من الإيمان))، وقد فصل العلماء في هذه الشعب، ومن ذلك ما ورد في مختصر الإمام البيهقي لشعب الإيمان، وشعب الإيمان تحتوي على عدد كبير لا يمكن تأديته إلا بعمل جماعي منظم بين المسلمين، وهي التي نسميها مهام حيوية أو وظائف اجتماعية، والتي تُكوّن بمجملها شبكة الوظائف والمهام الحيوية.

وبما أن الإسلام يفرض تأدية هذه الوظائف، تتكون الجماعات الوسيطة التي توقف نفسها على هذه المهام، ويتحول المجتمع إلى خلايا نحل من المهام الحيوية الخادمة لهذا المجتمع ولرسالته عن طريق تأدية المهام الحيوية.

من تلك المهام مثلًا مهمة النظافة (إماطة الأذى عن الطريق)، التي تستوجب وجود مجموعة من المسلمين ينتظمون في هذه الوظيفة بحيث يكون هذا عملهم الذي يأخذون عليه مقابل مالي، وفي نفس الوقت رسالة أخروية بتحقيق شعبة من شعب الإيمان.

ومن تلك المهام وظيفة طلب العلم والتعليم، التي تفترض وجود علماء يقفون أنفسهم على تعليم المسلمين لدينهم وللعلوم التي يحتاجونها في عصرهم.

ومن تلك المهام مهمة وفريضة الجهاد، التي تفترض استنهاض الأمة لتتعامل مع الأوضاع التي ستعرَض لها بما يوازيها، فإذا كان العدو قد دخل بلاد المسلمين، فعندها يستنهض الناس للجهاد كفرض عين يتعين على الأقرب فالأقرب حتى يشمل كل الأمة إذا عجز أو تكاسل من نزل بهم العدو عن دفعه، أما إذا كان وقت جهاد الطلب فالجهاد حينها فرض كفاية.

فالمهام التي تقوم عليها جماعة وسيطة تصبح في حقها فرض عين بينما تبقى في حق بقية المجتمع فرض على الكفاية، فإذا عجز أو تكاسل القائمون عليها يقع تغطية المهمة من جهود المجتمع، بحيث لا تتوقف المهام الحيوية. 

كما يضمن النظام الاجتماعي في الإسلام استقلالية التمويل لكل النشاطات الحيوية، بوجود آلية الوقف، والأوقاف مصدر تمويل يضمن استدامة المهام الحيوية وعدم انقطاعها عبر الزمن، مع بقاء استقلالها المالي عن السلطة.

وبهذا تبعث المنظومة الاجتماعية في الإسلام روح العمل والجسارة والإبداع والاجتهاد في نفوس المسلمين عامة، فكل فرد له دور، وكل مجموعة لها دور، ومجموع الوظائف الاجتماعية له رسالة، وبالروح الرسالية يتحرك كل هذا المجتمع، ويخوض تحديات واقعه، ويحقق ذاته عن طريق تحقيق رسالته.

وحركة المجتمع بهذه المنظومة دائمة التطلع للتجديد، فكل ما تحتاجه الأمة ولا تصنعه بأيديها، ولا تملك فيه قدم الصدارة، يتحول تحقيق الكفاية منه إلى فرض كفاية على الأمة، عليها أن تنتدب منها حسب الاختصاص من يرفع حاجتها منه واستغناءها عن تعويلها على غيرها، يشمل هذا كل جديد في الصناعة المدنية أو العسكرية أو الطبية أو التحويلية أو…

إنها بيئة خصبة من تشجيع المواهب ورعاية الإبداع، وإنشاء المحيط الذي يتنافس فيه المجتمع أفرادًا وجماعات على الخير وعلى الابتكار وعلى النفع العام، وعلى البطولة والجهاد والفداء.

وبهذا سارت القصص من بطون التاريخ عن علماء سبقوا عصورهم، وعن مجاهدين كابدوا الأهوال، وعن أمة سادت برسالتها الأمم.

صناعة بأس الفرد في الاسلام

كيف يحرر الإسلام طاقات المجتمع

ينطلق الإسلام في بناء الفرد من أساسيات تحقق فيه رسوخ صفات الإباء والكرامة وتستخرج منه معاني العزة، لدرجة أنه ليس له أن تهتز شخصيته أمام أي مطامع دنيوية في يد الناس مهما كانت مكانتهم، يقول النبي ﷺ ((مَن تواضعَ لغنيٍّ لأجلِ غِناهُ ذهبَ ثُلثا دينِهِ))2، وروى البيهقي في الشعب عن ابن مسعود من قوله: «من خضع لغني ووضع له نفسه إعظامًا وطمعًا فيما قبله ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه»، وهذا من باب النهي عن امتهان المسلم نفسه لقصد تعظيم دنيا الناس وسلطانهم.

بل ويمنع الإسلام كل مؤمن من أن يرضى بسلب حقوقه، حتى وإن آل النزاع فيها إلى الموت، وقد ((جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ إنْ جاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مالِي؟ قالَ: فلا تُعْطِهِ مالَكَ، قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قاتَلَنِي؟ قالَ: قاتِلْهُ، قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قالَ: فأنْتَ شَهِيدٌ، قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قالَ: هو في النَّارِ)) [صحيح مسلم: 140]. فكيف بمن ينهب الثروات من بقايا ما نهبه العدو إذا؟

بل جعل الإسلام من امتلاك الفرد لأسلحته التي يدافع بها عن نفسه وعن دينه أمر ضروري لكل مسلم، وَعدّ ذلك الاعتناء من الحق المنافي للباطل، قال ﷺ: ((كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ ، وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ)) [جامع الترمذي: 1637]، وقال ﷺ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ : صَاحِبَهُ الَّذِي يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ ، وَالَّذِي يُجَهِّزُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِي يَرْمِي بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [مسند أحمد: 17610]

وخاطب الله الفرد المسلم خطابًا صريحًا يبين فيه موقفه الواضح إذا ما وقع الصراع فقال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيل اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} [النساء: 84].

إنها منظومة أخلاقية تقود إنسانًا كريمًا لا يرضى أن يُهان من مستبد داخلي أو من عدو خارجي، تضمن لكل فرد امتلاكه وسائل الدفاع عن نفسه، والتكليف بالدفاع عن دينه وعرضه وماله و..، إنسانًا لا يُهان في مجتمعه ولا بين الأمم، وتعالج الضعف البشري بأن تزجره عن أن يتضعضع لغني لغناه، وتحثه على عدم التخلي عن حقوقه وإن مات دونها شهيدًا، بل يعتبر الإسلام الفرد أمة إذا كان وحده على الحق فيمضي فيه لا يخاف لومة لائم، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق؛ ولو كنت وحدك».
ولا يجب أن يُفهم من هذا أن الإسلام يحض على الفردانية، بل على العكس تمامًا، إن الإسلام دين جماعي بطبعه، إنما يبني كل فرد على الحق حتى ما إذا تخلص من الإمَّعِيّة والجريان مع كل تيار وعمل على تصفية معياره للحق، أصبح جنديًا داخل الذرات المتلاحمة من أمة المسلمين.

أما كل هذا الإعداد الفردي فهو مقدمة؛ لكي يكون هذا الفرد الكريم لبنة في بناء مجتمع الإسلام، ولصناعة بأس المجتمع المسلم.

صناعة بأس المجتمع في الإسلام

يصنع الإسلام مجتمعًا ملتفًا حول قضيته، يتحرك جماعيًا في سبيل تحقيقها، خاصة أن المهام الحيوية تكون بمجملها شبكة من الوظائف الاجتماعية تصب كلها في تحقيق غاية الوجود لأمة الإسلام، فلا تَخَلّف عن قضايا الوقت، عَلّمنا ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وردة فعل المجتمع الذي تربى على أنوار النبوة في قصة الثلاثة الذين خُلّفوا ولم يلتحقوا بجيش المسلمين، وواجب الوقت في غزوة تبوك، وكيف تعامل المجتمع معهم بعدها والموقف الجمعي من التخلف عن قضية المسلمين، فكيف لمجتمع يهجر عدد من أفراده من المتخلفين عن الجهاد أن يفقد قوته وتماسكه وبأسه في مواجهة أعداء الأمة؟!

يصنع الإسلام أمة التي تنتفض لدفع المظالم، أمة لا تركن للطغاة، ولا تصالح المحتلين، أمة لا يسقط واجب الجهاد فيها إذا دخل العدو حتى عن النساء، أمة تقوم بالقسط، وتتسلح ببأسها، وتنصر الله ورسوله، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]

إن هذا الدين يُعِدّ المنتسبين إليه لخوض المعارك والصبر على ما يأتيهم خلالها {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]

وقد كانت صفة الذين بعثهم الله لحرب بني إسرائيل في إفسادهم الأول هي قوة البأس يقول الله سبحانه: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا} [الإسراء: 5]

إن الرحمة التي يشيعها الإسلام بين المسلمين بل ورتّب حقيقة الإيمان على التآخي بينهم فقال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، يقابل هذه الرحمة بأس في وجه المعتدين والظلمة والمحارَبين، فهي أمة نبي الرحمة والملحمة ﷺ، أمة السيف والقلم، ومجتمع يجيد صناعة الشهداء.

ولطالما كانت بطولات المسلمين مادة تربوية تربي الأمهات أبناءها على أناشيد قصص مغامراتهم وتحدياتهم، ولطالما كانت البطولة وقودًا يَؤز المسلمين لتكرار مجد ضائع أو إعادة رقعة محتلة، أو إنقاذ مقدس من مقدساتهم من قبضة أعدائهم.

إن البأس الذي تميّز به مجتمع المسلمين بَقِيَ لقرون عقبة منيعة أمام كل مشروع احتلالي، وبَقِيَ كدافع للتحرر في حال وقع ذلك الاحتلال، كعامل يقظة وانبعاث للأمة من جديد.

تحرير طاقات المجتمع من أسر الدولة القومية الحديثة

يتضح مما سبق أننا نعيش داخل نموذج حياة جاء به الاستعمار كبديل عن نموذجنا الحضاري، وأن من خصائص هذا النموذج الدخيل سلب فاعلية الأفراد والجماعات والمجتمع، وتأميم المهام الحيوية للمجتمع لصالح الدولة، والاستئثار باستعمال العنف وكل وسائل الضبط والمراقبة لصالح الدولة، بالتالي وبوضوح نحن أسرى داخل هذه الإقطاعيات القومية.

فالواجب إذًا أن نمتلك الوعي في البداية بخطورة الحياة داخل هذا النموذج، ثم التحرك خارج محدداته للتخلص من حالة الغثائية التي ترعاها وتشيعها الدولة.

وكلما نَمَى وعي الفرد المنطلق من ثوابته، تخلص من حالة الإمَّعِيّة، فيثقل ميزانه ويصبح كتلة ليس للسيل قدرة على تحريكها في تياره، وإذا امتلك الفرد هذه الدرجة لا بد بعدها أن يلتحم مع بقية الكتل التي تخلصت من خفة حالة الغثاء، ويكونوا معا تيارًا معاكسًا للتيار القائم ثم يصطدموا به لإعادة التيار العام إلى الوجهة الصحيحة.

إن على الفرد في أمتنا أن يعمل على امتلاك البأس من جديد، وعلى المجتمعات أن تسترجع بأسها الذي سرقته الدولة القومية والتي تعتبر بوضوح احتلال محلي ينوب الاحتلال الأجنبي، وإن بأس المجتمعات هو الذي سيعطيها قيمة في بلدانها وقيمة في العالم، الذي سيحسب لها حينها الحساب الكبير.

إننا لابد أن نسعى لحياة تستحق الحياة، حياة تعود فيها شبكة الوظائف الحيوية التي تُرجعنا أمة مرهوبة الجانب بين الأمم، وإنها معركة أمة بكل ما تملك كلمة أمة من معنى، معركة كل فرد وكل مجموعة، وكل جهد يبذله كل مسلم في سبيل طرد نموذج الاحتلال الذي فرضه الغرب علينا عن طريق المحتلين المحليين، كل جهد هو خطوة نور في طريق عودة المجد وخطوة في اتجاه الخروج من الظلمات.

هوامش

  1. في (مجمع الزوائد للهيثمي): رواه الطبراني، وفيه أسد بن عطاء، قال الأزدي: مجهول، ومِندَل وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. اهـ، وأخرجه العقيلي في (الضعفاء الكبير). وأبو نعيم في (حلية الأولياء). ↩︎
  2. أورده ابن الجوزي في (الموض   وعات)، وحكم الشيخ المحدث علي ملا القاري عليه بقوله: قيل لا أصل له أو بأصله موضوع. ↩︎

كغثاء السيل!

كغثاء السيل!


أدهم شرقاوي

نتغنى ببطولة المعتصم الذي جهز جيشا كاملا لأجل امرأة واحدة استنجدت به.. فما لنا وضعنا أصابعنا في آذاننا فلا تسمع صراخ حرائر غزة؟!


ما لنا نراهن يخرجن من تحت الأنقاض أشلاء فنشيح النظر، وإن نظرنا فلا تتحرك فينا غيرة الرجل على عرضه؟. بئس الخلف الذي لا يحفظ من سلفه إلا حكايات مروءاتهم، ولا يسير سيرتهم!


تعجبنا مكارم أخلاق الجاهليين -وحق لنا أن نعجب بها- ولكننا ندعي بهم وصلا ونحن لا نشبههم، نطرب لمروءة مطعم بن عدي حين جاءه النبي صلى الله عليه وسلم مستجيرا، فصرخ في أولاده قائلا: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدا!


فما لنا ينشدنا أهل غزة اللهَ والرحم صباح مساء، ينادوننا “هل من مجير”.. فلا ننبس ببنت شفة، كأن على رؤوسنا الطير! ونحن نعرف أن هذا الذي يُسفك دم لا ماء، وهذا الذي يُقطّع أشلاء لا أغصان؟! ما لنا قد ألفنا المشهد كأنه فيلم نشاهده منذ عام وشهر؟!


نحدِّث فيما بيننا عن حصار قريش للمسلمين في شعب أبي طالب، ويطربنا قول زهير بن أبي أمية وهو يومذاك على الشرك: يا أهل مكة، أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة!


فما بالنا نحن نأكل ونشرب ونلبس، وأهل غزة هلكى، برزت من الجوع عظام أولادهم، وقوافل المساعدات عند المعبر تنتظر إذن عدوهم لتصل إليهم، استكثرنا عليهم أن يقتلوا وبطونهم ملأى، رضينا أن نجمع عليهم الجوع والقتل، أليس عارا أن لا تكون فينا أخلاق الإسلام، ولا مروءة الجاهلية؟!


نتغنى بقول هشام بن عمرو بن الحارث مستحثا صاحبيه على دفع الظلم عن قومهم: “يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت؟! يا مطعم، أرضيت أن يهلك بطنان من بني عدي بن عبد مناف، وأنت شاهد ذلك موافق فيه؟”.


ثم ها نحن رضينا أن نشيح النظر عن مقتل أهلنا، بترنا عضوا كان يجب أن نتداعى له بالحمى والسهر، نمنا ليلا طويلا، وقلنا له: فلتصبح على موتك!


كيف نضع عيوننا بعيون أطفالنا، وهم يعرفون أنه لو أصابهم غدا ما أصاب أطفال غزة اليوم، فإننا لن ندفع عنهم؟! كيف نضع عيوننا بعيون نسائنا، وقد علمن أننا لسنا ممن يدفع عن عرضه، وأنه لو أصابهن غدا ما أصاب نسوة غزة اليوم فإننا سنسلمهن.. فلا فرق بين عرض وعرض؟!


أشهد أنه رسول الله، وأنه صادق مصدوق، وأنه ما فينا من قلة، ولكننا غثاء كغثاء السيل!

عبد المطّلب.. حديث عن السّيادة والتّحالفات المؤثّرة في السّيرة النبويّة

عبد المطّلب.. حديث عن السّيادة والتّحالفات المؤثّرة في السّيرة

 النبويّة


محمد خير موسى

مختص بقضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب


في طريقه من مكّة المكرّمة إلى الشّام مرّ هاشم بيثرب فأقام فيها عند عمرو بن زيد من بني النّجار، وكان سيّد قومه فأعجبته ابنته سلمى فخطبها فوافق والدها ولكنه اشترط على هاشم أن تقيم ابنته عنده في يثرب، فتزوجها وأقام عندها فترة من الزمن وحملت منه، وانطلق في تجارته إلى الشّام فوصل إلى غزّة من أرض فلسطين ليوافيه الأجل فيها.

وفي سنة 497م وضعت سلمى مولودها وكان في رأسه شيبة ــ شعرة بيضاء ــ فأسمته شيبة لذلك وتفاؤلًا ببلوغه سنّ الحنكة والفهم والرّأي، وقد كانت العرب تسمّي أبناءها بهذه الأسماء مثل “شيبة” و”هرم” و”كبير” تفاؤلًا بطول عمرها وبلوغها الحكمة في الرأي، وتربّى شيبة في حجر أمه وكنف أخواله من بني النجّار في يثرب معزّزًا مكرّمًا.

على الجانب الآخر في مكّة المكّرمة آلت السقاية والرّفادة بعد وفاة هاشم إلى أخيه المُطّلب بن عبد مناف الذي لقّبته قريش “الفيّاض” لسخائه وجوده وكرمه، وكان إلى جانب ذلك سياسيًا محنكًا فهو الذي عقد الحلف بين قريش والنّجاشي ملك الحبشة.

ولمّا بلغ ابن أخيه شيبة سبع سنين شعرَ المطّلب بضرورة أن يأتي بابن أخيه ليعيش في مكّة بين أعمامه، وممّا جعله يتعجّل ولا يتردّد في ذلك أنّ رجلًا من قريش أخبره أنّه كان في يثرب فرأى صبيًا يناضل الصبيان ــ أي يسابقهم في الرّمي ــ وسمعه يقول كلّما خسق ــ أي أصابت رميته ــ أنا ابن هاشم، ابن سيد البطحاء، فقال لعمه المطلب: إنّي مررت بدور بني قَيْلة ــ وقَيلة هي أمّ الأوس والخزرج ــ فرأيت غلامًا يعتزي إلى أخيك، وما ينبغي ترك مثله في الغربة.

انطلق المُطّلب إلى يثرب فلمّا رأى ابن أخيه شيبة فاضت عيناه وارتجل منشدًا:

عرفت شيبة والنّجّار قد جعلت

أبناءها حوله بالنَّبل تنتضلُ

عرفت أجلاده فينا وشيمته

ففاض مني عليه وإبلٌ هطلُ

وأردفه على راحلته فامتنع حتى تأذن له أمّه، فسألها المطلب أن ترسله معه، فامتنعت ورفضت، فقال لها‏:‏ إنّما يمضى إلى ملك أبيه وإلى حرم الله؛ فأذنت له، فقدم به مكّة وهو يركب خلفه على بعيره، فقال الناس‏:‏ هذا عبد المطلب، فقال‏:‏ ويحكم، إنما هو ابن أخي هاشم، غير أنّ هذا الاسم “عبد المطلب” غلب عليه وصار يعرف وينادى بعه، فأقام عبد المطلب عند عمّه في خير مقام وأعزّ حال حتى ترعرع، ثم إن المطلب مات في إحدى أسفاره إلى اليمن، وآلت الولاية إلى عبد المطلب، وكان بها جديرًا، إذ سار في قومه سيرة آبائه من إكرامهم وخدمتهم، فبلغ في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، ونال محبّة منهم لم تكن لغيره من أسلافه.

غيرَ أنّ عدوانًا مؤلمًا تعرّض له عبد المطلب من عمّه نوفل، وكما يقول طرفة بن العبد:

وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً

عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

هذا العدوان جعل المشهد ينتقل إلى مرحلة جديدة من التحالفات والتعاقدات السياسيّة والاجتماعيّة التي كانت مؤثرة في حركة السيرة النبويّة فيما بعد، فقد وثب نوفل على أركاح ــ ساحات وعقارات ــ لابن أخيه عبد المطلب وغصبها منه؛ فاستنجد عبد المطّلب برجال من قريش يطلب منهم النصرة على عمه، فقالوا‏:‏ لا ندخل بينك وبين عمك، فما كان منه إلّا أن أرسل يستنجد بأخواله من بني النجار فكتب لهم أبياتًا يطلب فيها منهم الغوث والنّصرة، وكانت أبياتًا تفيض رقّةً وحزنًا وانكسارًا، ومنها قوله:

يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي

هل من رسولٍ الى النّجار أخوالي

قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي

ظلمٍ عزيزًا منيعًا ناعمَ البالِ

حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني

عن ذاك مطلب عمي بترحالِ

فغاب مطّلب في قعر مظلمةٍ

وقام نوفل كي يعدو على مالي

فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم

لا تخذلوه وما أنتم بخُذّالِ

قلمّا بلغ نداء الاستغاثة وأبيات الاستنجاد يثرب انطلق خاله أبو سعد بن عدي في ثمانين راكبًا، حتى نزل بالأبطح من مكة، فتلقاه عبد المطلب، فقال‏:‏ المنزلَ يا خال، فقال‏:‏ لا والله حتى ألقى نوفلًا، ثم أقبل فوقف على نوفل، وهو جالس في الحجر مع مشايخ قريش، فلما رآهم نوفل بن عبد مناف، قال لهم: أنعموا صباحا! فقالوا له: لا نعم صباحك أيها الرّجل! فسلّ أبو سعد سيفه وقال‏:‏ ورب البيت، لئن لم تردّ على ابن أختي أركاحه لأمكنّن منك هذا السيف، فقال‏:‏ أفعل بالحب لكم والكرامة، فردّ عليه الأركاح وأنصفه؛ فأشهدوا عليه مشايخ قريش، ثم نزل أبو سعد على ابن أخته عبد المطلب، فأقام عنده ثلاثًا، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة‏.‏

كان شعور عبد المطلب بالاستضعاف من عمّه وعدم أمنه دافعًا له لعقد تحالفات يملك بها القوة والمنعة ممن يفكر في ظلمه مرّة أخرى، لا سيما أنّ نوفل عقد حلفًا مع بني عبد شمس بن عبد مناف على أهله من بني هاشم‏، وهنا استثمرت قبيلة خزاعة الموقف وقالوا لبني النجار‏:‏ والله ما رأينا بهذا الوادي أحسن وجهًا، ولا أتمّ خلقًا، ولا أعظم حلمًا، ولا أبعد من كلّ موبقة ومذنبة تفسد الرجال من عبد المطلب، ولقد نصره أخواله من الخزرج، ولقد ولدناه كما ولدتموه، فنحن أحق بنصره ـ وذلك أن أمّ عبد مناف منهم ـ فاستقبل عبد المطلب هذه المبادرة الخزاعيّة ببالغ التّرحاب ودخل معهم دار الندوة ــ التي تمثل مقر العمل السياسي القرشي يومها ــ وتم توثيق وكتابة عقد التحالف بين خزاعة وبني هاشم الذين يمثّلهم سيّدهم عبد المُطلب.

حدبُ بني النجار على ابن اختهم عبد المطلب وحرقتهم عليه وإنجاده وإكرامه منهم كان سببًا في توثيق العلاقة بعد ذلك بين رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأخواله من بني النجّار، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم هجرته يحبّ أن ينزل عليهم فحقق الله تعالى له رغبة قلبه فأناخت ناقته المأمورة أمام بيت أبي أيوب الأنصاريّ وهو من أخواله بني النجّار.

كما أنّ هذا التحالف بين عبد المطلب وبني خزاعة استمرّ فيما بعد ذلك بين النبيّ صلى الله عليه وسلّم وخزاعة، ويوم صلح الحديبية اختارت خزاعة أن تكون في حلف النبيّ صلى الله عليه وسلّم بناء على هذا الحلف القديم، وهذا الحلف هو الذي كان سببًا في فتح مكّة عندما غدرت بنو بكر ــ حلفاء قريش ــ واعتدت على خزاعة فجاء عمرو بن سالم الخزاعيّ مستنصرًا مذكّرًا بحلف خزاعة مع النبيّ صلى الله عليه وسلّم وحلف آبائه مع عبد المطلب إذ قال مستنجدًا:

يا ربِّ إنِّي نَاشدٌ مُحمَّدًا

حِلْفَ أَبِينا وَأَبِيهِ الْأَتلَدَا

قدْ كنتُمْ وُلْدًا وَكُنَّا وَالدًا

ثُمَّتَ أَسلَمنَا فلَمْ نَنزِعْ يَدَا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرتَ يا عمرو بن سالم. ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: إنّ هذه السّحابة لتستهلّ بنصر بني كعب، وكان الفتح الأعظم.

الجمعة، 1 نوفمبر 2024

المستبدّ وسياسة إهانة العمائم الموالية له

 المستبدّ وسياسة إهانة العمائم الموالية له

محمد خير موسى 

"يحرص المستبدّ على الدّوام على إلباس ظلمه وطغيانه ثوب الشّريعة، وتزيين باطله بمصطلحات الفقه، وإكساء استبداده بآيات الكتاب الكريم وسنّة النبيّ"

الأوطان المحكومة بالحديد والنّار، لا تحتمل أهل العلم بعيدي الأفق، عميقي التَّأثير، الذين يدخلون قلوب النّاس دونما استئذان، القادرين على قول لا دونما خوف أو وجل، الحاملين ثقافة التآخي الحقيقي؛ فهؤلاء لا يروقون للمستبدّ في منهجهم وسلوكهم وتوجّهاتهم ولا حتى في صمتهم، فهو يخشى صمتهم كما يخشى صوتهم.

إنَّ الوجه الحقيقيّ للاستبداد، يعتمد قتلَ وحبسَ ونفيَ وتحييدَ كلّ من يمكن أن يعكّر صفو الطاغية وشعوره بالتفرّد، أو زلزلة عرشه بكلمة الحقّ، وهذا يقتضي إزالة كلّ من يمكن أن يشوّش بشكل مباشر أو غير مباشر على ذلك، "وكلّه بما يُرضي الله طبعا".

لذلك، يحرص المستبدّ على الدّوام على إلباس ظلمه وطغيانه ثوب الشّريعة، وتزيين باطله بمصطلحات الفقه، وإكساء استبداده بآيات الكتاب الكريم وسنّة النبيّ صلى الله عليه وسلّم زورا وبهتانا، وتجميل طغيانه بفتاوى العمائم الرّخيصة، التي باعت دينها بدنيا غيرها.

وإنّ من وسائل تأليه الطّاغية نفسه، وتقديسه لذاته، وإخضاعه للمحيطين به، إخضاع العبيد لخالقهم العمائم الوظيفيّة النّاطقة باسم الدّين، والألسنة الدّينيّة التي تمارسُ الفاحشة الفكريّة، وقد بيّن عبد الرّحمن الكواكبي ذلك وهو يفصّل في طبائع الاستبداد، إذ يقول:

"إنَّه ما من مستبدٍّ سياسيّ إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذي علاقة مع الله، ولا أقلَّ من أنْ يتَّخذ بطانة من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله، وأقلُّ ما يعينون به الاستبداد، تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضا، فتتهاتر قوَّة الأمّة ويذهب ريحها، فيخلو الجوّ للاستبداد ليبيض ويُفرِّخ".


وما فتئ المستبدُّ حريصا في أحواله كلّها على استخدام الدّين لتمرير ظلمه، فتبادر العمائم الموالية له إلى اعتقال الفقه والتّشريع الإسلاميّ، ووضعه في زنزانةٍ وأخذ الأقوال منه كرها تحت التعذيب، بل أكثر من ذلك، فإنها تجعل التشريع خادما للطاغية، وكم لوت هذه العمائم ألسنتها بآيات الله تعالى تحريفا؛ لتخدم المستبدّ وجرائمه في تسويغها وتشريعها!

فالعمامة التي وقفت أمام سيّد قطب تلقّنه الشّهادتين قبيلَ إعدامه وهو يقولُ لها: أنا أموت لأجل لا إله إلّا الله وأنتَ تأكل بها الفتات على موائد الظالمين؛ لا تختلف عن العمائم التي أفتت للمستبد أن "يضرب في المليان"، ويستبيح الدّماء والأعراض باسم الإسلام؛ فكلّها تستحضرُ المصطلحات الشرعيّة والفقهيّة، وتلوي ألسنتها بالكتاب لتقول هذا من عند الله، وما هو من عند الله؛ وإنّما تفعل ذلك لإعانة الظالم وتسويغ أحكامه الجائرة.

ولئن كانت ردودُ الفعل هي آخر ما يهمّ المستبدَّ حينَ يعمدُ إلى إهانة رجاله، غير أنَّ ردود الفعل الباهتة والباردة وغير المكترثة تغري الطاغية بالسّيرِ قُدما في جريمته، وتعطيه قوّة دافعة لمزيدٍ من التّصرفات، التي لا تتوقّع العمائم الرّخيصة أن تصل الوقاحة بالمستبدّ الوصول إلى فعلها.

فالمستبدّ يتعامل مع رعيّته عموما ومع رجاله المقرّبين منه على وجه الخصوص، ومنهم أهل العمائم المباعة في مزاد النفاق، على أنّهم ثلّةٌ من الرّعاع أو قطيعٌ من الأغنامِ أو فريقٌ من الكلابِ، يجب تعزيرهم وإهانتهم وإذلالهم بين الفينة والأخرى بتوجيه الإهانة إليهم، حتّى لا يستطيع أحدٌ منهم رفع رأسه، وحتّى لا يفكّر أحد من أرباب هذه العمائم أن تتشوّف نفسُه إلى أبعد من مسح حذاء الطّاغية؛ وهنا تكونُ الرّعيّة أمام اختبارها المصيريّ كما قال الكواكبي:

"المستبدّ يودُّ أنْ تكون رعيته كالغنم درّا وطاعة، وكالكلاب تذلُّلا وتملُّقا، وعلى الرَّعية أنْ تكون كالخيل إنْ خُدِمَت خَدمتْ، وإنْ ضُرِبت شَرست، وعليها أن تكون كالصّقور لا تُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصّيد كلِّه، خلافا للكلاب التي لا فرق عندها أَطُعِمت أو حُرِمت حتَّى من العظام.

نعم؛ على الرّعية أن تعرف مقامها؛ هل خُلِقت خادمة لحاكمها، تطيعه إنْ عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمها كيف شاء بعدلٍ أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟ والرَّعية العاقلة تقيَّد وحش الاستبداد بزمامٍ تستميتُ دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزَّت به الزّمام، وإنْ صال ربطتْه".

غيرَ أنّ العمائم الموالية للنّظام عندما تقع عليها الإهانة لا تغضب لنفسها، فضلا عن الغضب لدينها الذي انسلخت منه انسلاخ بلعام بن باعوراء وأحفاده في الفكر والسّلوك، الذين قال الله تعالى فيهم: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ".

بل تقابل إهانتها بالمبالغة في تمجيد الطّاغية، وشكره على إهانتها، وتطلب منه المزيد من حكمته السديدة، وكأنّ عبد الرّحمن الكواكبي يصوّر لنا هذه العمائم وهي تشكر الطاغية على مكرماته التي لا تخلو من إهانتهم، إذ يقول:

"العوام هم قوّة المستبد وقوتُه، بهم وعليهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهلّلون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريما، وإذا قتل منهم ولم يمثّل يعدّونه رحيما، ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التّوبيخ".

فماذا يريدُ المستبدّ لتحقيق ساديّته المتعاظمة وسيادته الخُلّبية أكثر من هذه العمائم المهينة؟!

x.com/muhammadkhm

أن تكون "أخا مسلما"

 أن تكون "أخا مسلما"

حلمي الأسمر


لم تتعرض جماعة أو حزب عربي لكمية المحن والاختبارات التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين، ولم تجد جماعة ما وجده الإخوان من اختلافات حولهم، بين مؤيد ومعارض ومحب وكاره ومتهِم، ومحارب وموادع، ومتآمر أيضا، وكم من حزب أو فئة من الناس "يحسدون" الجماعة على صمودها وشعبيتها وجمال سمعتها بين الناس العاديين، رغم كل ما واجهت من عواصف ومحاولات إبادة وسحق، بل ربما تكون هي الجماعة الوحيدة في العصر الحديث التي ظلت تقوم واقفة على قدميها بعد كل محاولة لتغييبها فيزيائيا، ولهذا خشيتها الأنظمة، وحاربتها بكل الطرق المتاحة، عنفا بالقوة الخشنة أو سياسةً بالقوة الناعمة.

أن تكون أخا مسلما يعني أنك ضد الكيان الصهيوني وكل من يخدمه ومن يطبع معه أو يدعمه أو يتواطأ معه، وهذا الموقف بحد ذاته "تهمة" تجعل لمجرد أن تكون أخا مسلما حاملا بشكل دائم لما يمكن أن يسمى "قيدا أمنيا" في حده الأدنى، وفي الحد الأعلى "مدانا" بارتكاب جريمة الانتماء لـ"كيان إرهابي!"، ما يعني أنك مرشح أن تكون معتقلا مدى الحياة أو مشروع "شهيد" أو ما بينهما من عقاب: حرمان من العمل، وحرمان مما يسمى "شهادة حسن سلوك" وحرمان مما يتبع هذا من أي فرصة للعمل في مؤسسات حكومية، أو حتى شبه حكومية!

أن تكون أخا مسلما يعني أنك تؤمن بتحكيم الإسلام في كل مناحي الحياة، وهذا يعني فيما يعنيه أنك مكلف بإبداء رأيك في كل ما تقترفه الحكومات من معاص مقننة ومحمية بالتشريعات، وأي تصرفات أو التزامات أو معاهدات تنتقص من سيادة بلدك، قد يوصلك هذا الرأي للتصنيف بأنك "منشق" عن الصف الوطني، أو مناهض للدولة (التي أنت جزء منها)، وقد يوصلك الأمر إلى ما هو أكثر من ذلك، كأن تلفق لك تهم متنوعة حسب الأوامر التي تصل المراجع القضائية من مراجع أعلى، 

غدت تهمة الانتماء لجماعة الإسلام السياسي، من أشد التهم إزعاجا واستفزازا لطيف واسع من حكومات العرب، وفي سبيل "تجريم" المنتمين لهذا اللون من "عصابات الأشرار" جرت عملية شيطنة ممنهجة لهذا اللون من السلوك، واستُنفرت لهذه العملية جيوش من وعاظ و"علماء" السلاطين

مثل تقويض نظام الحكم، أو الانتماء لجماعة أشرار، أو إطالة لسان على رموز وطنية، أو تهديد الأمن والسلم المجتمعي، إلى ما هناك من تهم ترتكز على نصوص قانونية فضفاضة يمكنها تأويل أي نفس تخرجه من رئتيك وتكيفه قانونيا ليصبح "جريمة"!

أن تكون أخا مسلما فهذا يعني أنك جزء مما يسمونه "الإسلام السياسي"، يعني أنت كائن مؤدلج ومسيس وفاهم لما يحدث حولك، وتلك بحد ذاتها كارثة كبرى في سياق نظام شمولي شعاره "لا أريكم إلا ما أرى"، فأنت كي تكون مواطنا صالحا عليك أن تلتزم بما يراه "ولي أمرك" الأعلى، وأن لا تتحرك إلا في الدائرة التي يرسمها لك، وكونك من رعايا قبيلة "الإسلام السياسي" يخرجك من دائرة "المواطن الصالح" إلى دائرة الإنسان الذي أعطاه الله عقلا ليفكر به، وبوصلة يهتدي بها، وهذا تعد على "حق" ولي الأمر في احتكاره لسلطة التوجيه والقيادة والنصح.

وهكذا غدت تهمة الانتماء لجماعة الإسلام السياسي، من أشد التهم إزعاجا واستفزازا لطيف واسع من حكومات العرب، وفي سبيل "تجريم" المنتمين لهذا اللون من "عصابات الأشرار" جرت عملية شيطنة ممنهجة لهذا اللون من السلوك، واستُنفرت لهذه العملية جيوش من وعاظ و"علماء" السلاطين، الذين تحولوا إلى سوط بيد ولي الأمر يضرب به ظهور الخارجين عن طاعته، أو حتى من يرتكبون "جريمة" التفكير بعيدا عما يرى!

أن تكون أخا مسلما، فهذا يعني أنك تعلم أن دينك قام على الجهاد، جهاد دفع أو طلب، وهنا تحديدا وقعت أيها الأخ المسلم في "شر" أعمالك، وفق ما ترى السلطات العليا التي تفهم مصلحتك أكثر منك ومن أبيك وأمك. فالجهاد في علمهم وعلم من يرعاهم ويحميهم ويمولهم، تحول من "ذروة سنام" الإسلام إلى عمل إرهابي بشع، يجب أن يشطب من المناهج أولا، ويتعين على قارئي القرآن الكريم في الإذاعات الرسمية أن يتحاشوا تلاوة آياته، بل تحركت جيوش من "صناع المحتوى" الرسمي، ومنتجي "الوعي الجمعي" إلى مقاتلين شرسين مهمتهم "خطف" الجهاد، واحتكاره كفعل شعبي له صفة الفرض العين أو الكفاية، وإعادة إنتاجه كجريمة إن تم التفكير بها خارج دائرة "المواطن الصالح" المشار إليها أعلاه، وبمعنى آخر تحول هذا الركن الإسلامي الركين إلى لون من ألوان "الإجرام" المدان، ورمي كل من يفكر فيه أو يحلم به، فضلا عن ممارسته، بأنه منشق عن الصف الوطني، أو مجرم يستهدف إشاعة الفوضى في المجتمع، 

أي غفران يرتجى بعد كل ما فعلته حماس، ابنة الإخوان البارة؟ أي تسامح أو تهاون أو اعتراف يمكن أن يكون مع من شق عصا الطاعة على نظام رسمي خانع مهترئ

وتهديد الأمن الوطني. وفي المحصلة أصبح مجرد ذكر الجهاد مدعاة لإضاءة كل الأضواء الحمراء، وإطلاق كل صفارات الإنذار، فإن كان ذلك كذلك، فكيف يكون حال من يمارس هذه "الجريمة" ويثخن في جسد العدو؟

وهنا تحديدا، نصل إلى من هم أشد "إجراما" من الإخوان المسلمين، وتحديدا تلك "العصابات" أو "المليشيات!" التي تربت في مدرسة الإخوان وامتشقت السلاح وحاربت العدو المخلد للأمة وهو كيان العدو الصهيوني المجرم، ولئن كان الأخ المسلم أصلا مكروها مدانا مرفوضا ملاحقا وهو فاعل في دائرة "التفكير" والدعوة، فكيف به حين يتحول إلى دائرة "الفعل" ويصبح مقاتلا يصنع سلاحه، ويضع الخطط والأهداف لقتال العدو، بل يؤلمه وينال منه؟

أي غفران يرتجى بعد كل ما فعلته حماس، ابنة الإخوان البارة؟ أي تسامح أو تهاون أو اعتراف يمكن أن يكون مع من شق عصا الطاعة على نظام رسمي خانع مهترئ، وتجرأ على التنكيل بعدو الأمة وصديق الأنظمة؟

اليوم.. أن تكون مسلما، وليس أخا مسلما، يعني أنك في دائرة الاستهداف، إلا إذا كنت تسير على خطى مشايخ "القطيع" الذين يسبحون بحمد "ولي الأمر" بوصفه مفوضا للتحكم برقاب العباد بتفويض من رب العباد، فما بالك حين تصبح أخا مسلما، حتى ولو كنت "مسالما"، فكيف حين تكون أخا مسلما مقاتلا؟