ما بين السياسة والدين والطب (1)
الهيمنة على الجسد مقدمة قبل السيطرة على وعي الفرد.
لا غَرو في ربط النُسُج الحياتية للبشرية وقضاياها المعاصرة بمفاهيم السياسة والدين.. فكل قضايانا سياسية الصنع.. يقف الوعي بها عند مستوى إعمال الدين في واقعنا ويمسها بحسب مساحة الارتباط العقيدي.. كما ان الطب ومفاهيمه ليست ببعيدة عن المساس كونه “أي الطب” مُخّرَج نهائي من مؤسسات.. المتحكم الأوّلي فيها القرار السياسي الساعي لامتلاك الشعوب والهيمنة على الجسد كمقدمة قبل السيطرة على وعي الفرد.. لتحويله لاحقًا من امرؤٍ يناقش ما حوله.. إلى محض جسد مطيع.. وتلك أدوات صنعها المستعّمِر ليسهل عليه قيادة عبيده الجدد.. الذي يؤدي الى كبت وتحجيم السلوك الاندفاعي مما تنهار معه الروح القتالية لدفع المحتل الصائل.. بميكانزم غير آدمي عبر تشويه النهايات العصبية لعلمهم مدى حساسية الجهاز المركزي العصبي.. وبواسطة الجراحة الطبية التي حوّل المُستَعمّر من خلالها مشرط الجراح من أداة تُبّرئ إلى أداة جيوسياسية لإنتاج العقل الخاضع.. تلك المعرفة بهندسة البيولوجيا وفيسيولوجيا الجسد أصبحت أكثر توحشًا وتغولاً بعد ان استعمرت الرأسمالية كل تفاصيل الحياة وبات إحراز “الناتج الرقمي النهائي بالدولار” المقياس الأوحد للتفوق وأفرز ما يُعرف باقتصاد الطب وتسّيسه.. وهذا ما نود استجلائه من غوامض في بعض السياقات تباعًا.
الوفاق الجمعي الذي يرى ان المُنتج البشري خاضع للتفكيك والتمحيص.
بادئ ذي بِدء يجب أن نضع نُصْب أعيُننا الوفاق الجمعي الذي يرى أن أي منتج بشري خاضع للتفكيك والتمحيص.. بحكم محدودية التصور وقصور الادراك لدينا كبشر مها تسلقنا جبال البحث في العلوم.. العلوم التي مبتدأها ومنتهاها من وعند الله الخالق.. “وَمَا أَوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” سورة الإسراء الآية ((85 وهى قاعدة إلاهية تُشير إلى محدودية المعرفة البشرية مهما تعاظمت.. بل كل ما يحيط الانسان من علم.. ما هو إلا نفحة يتفضل بها الخالق على مَنْ يشاء (يتماثل فيهم العباد فاسقهم وبارهم) بقدر ما يشاء..
ذلك ما تبينه لنا آية الكرسي “ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء” (255) من سورة البقرة.. لذا وجب علينا آنفًا فهم التصوير القرآني لخلق الانسان بكل ما تشتمل عليه حتى يكون لدينا المعيار الموضوعي الذي يمكنا “سِيّان متلقين مستقبلين، أو مُلِقنين” من تصفية مخرجات المحافل العلمية على وجهٍ يحفظ لنا سلامة التلقي.. وحتى لا نقع في أودية المحظورات تحت تعليلات مُلفقة تبدو في ظاهرها الحق وفي كُنهِهَا البهتان.. ومن ثَمَّ نُستدرج وفق هذه التعليلات “بنعومة” لنجد أنفسنا تباعًا متفقين مع بعض المعارف التي تتعارض وجوهر رؤى الدين.. ومن هنا نشأت أزمة ممارسة التلقي للعلوم (وفي المقدمة منها الطب) بعيدًا عن تطابقه مع المدلولات المتواترة التي أشار إليها الخالق التي تتعلق بالإنسان.. وسنُعرج على هذه الجزئية بشيء من التفصيل فيما بعد.. فهي مناط مبحثنا وأحد محاوره الجوهرية.
نموذج حشو الذاكرة أم النموذج الباحث بشغف في السببية.
في عالم التحصيل والتلقي يتكشف لنا صنفان من التلقي والاستقبال.. أحدهم مَنْ يتلقى دون إعمال العقل وتفنيد ما يتلقاه من معارف أثناء التحصيل وحال الانتهاء.. ربما يكون متلقي بارع الحفظ.. لكن مثله في ذلك كالطفل الصغير الذي يعتمد في حفظ الأرقام على الذاكرة فقط.. ونَزْر مَنْ يتباحث مادة التحصيل حال الانتهاء منها عندما تتعارض مع الواقع خلال الممارسة العملية معاودًا تدقيقها.. وبمعزل عن سياق الشمول، ثمة نموذج آخر مُهَيَّأ بشكل أمثل لديه القدرة على الضبط والتدبر يرتحل بين نصوص المعرفة والعلوم بهندسةٍ عقليةٍ لا تعتمد الذاكرة فقط بحسب رؤية “جون بياجيه” عالم الرياضيات السويسري.. في الغالب ذلك النموذج الأخير الوحيد القادر على الإضافة والإيجاد والتشخيص في مجاله “طبي كان أو سياسي أو غيره في المجالات الشتى”.. تتوافق فيها المعارف والعلوم النظرية والعملية فجميعها يلزمه مُكنة الربط والاستحضار.. ذلك الأنموذج الأخير لديه الأهلية والمهارة للتفرقة بين المعارف والعلوم.. يستطيع الإضافة.. ليس بالسطحي الغرير فلا يُضَلّل ببساطة ولا يسقط في فخ العلوم.. متلحفًا بشغف ما يُعرف “البحث عن السببية” ومن زاوية الشك باب اليقين التي لا تقدس أي “مُخرَج بشري” تحت أي مُسمى.
الدكتور ضياء الدين العوضي والسببية التي تشكل وثبه عنيفة في مجال الطب الحديث.
كانت هذه المقدمة اسهاب طوعي متعمد قد تسهم في التهيئة لما هو آتٍ في الأجزاء التالية التي سنُعرّج من خلالها على ما يمكن تسميته الرابطة المُخبئة بين السياسة والدين والطب.. ومجال الطب على وجه الدقة سينال القسط الأوفر في التناول.. وسيدفع بنا المقام لعرض نموذج اثار دهشة وحنق الوسط الطبي.. هذا النموذج المثير يُدعى “ضياء الدين العوضي” الذي يمثل طراز رفيع يمكن توصيفه بحسب عالم الرياضيات السويسري “جون بياجيه” لا يكتفي بحشو الذاكرة بل يعمل بعقلية هندسية باحثة في السببية.. يحفز الاقتراب من أراءه “التي تمثل وثبه عنيفة في مجال البحث الطبي” وبالتالي لا تعزلنا عن هدف مبحثنا ما بين السياسة والدين والطب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق