‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرعية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرعية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 17 يوليو 2026

كيف صاغت الدولة القُطرية الحديثة عقلَ الحركات الإسلامية تجاه الموقف الشرعي من القرار السياسي؟

 كيف صاغت الدولة القُطرية الحديثة عقلَ الحركات الإسلامية تجاه الموقف الشرعي من القرار السياسي؟



محمد خير موسى

"من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟"                            


نشأت جماعاتٌ إسلاميةٌ كثيرةٌ في لحظةٍ مكسورةٍ من تاريخ الأمة؛ لحظة سقوط الخلافة وتمزّق المجال الإسلامي ووقوف المسلمين أمام خرائط جديدة حملت أسماء الدول والحدود والأعلام والجوازات، بعدما كانوا يرون أنفسهم جزءاً من أمةٍ واحدةٍ تمتدّ في العقيدة والقِبلة والشريعة واللغة الكبرى والمصير، فجاءت تلك الجماعات في أصل نشأتها جواباً على جرحٍ حضاريٍّ عميق، وصرخةً في وجه عالمٍ يريد أن يحشر الإسلام في زاوية الشعائر الفردية، وأن يجعل الأمة شعوباً متجاورةً في المناهج الدراسيّة ومتباعدةً في القرار ومتنافسةً في المصالح، ومحكومةً بحدودٍ رسمتها يد المنتصر العسكريّ في غرف السياسة الباردة.

ولكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود التي كان يفترض أن تكون عنده مجالَ ضرورةٍ تنظيميةٍ عابرة فتحولت شيئاً فشيئاً إلى أفقٍ نفسيٍّ وفكريٍّ وحركي، وصار سؤال الأمة في بعض العقول سؤالاً عاطفياً وسؤال القُطر سؤالاً مصيرياً، وأضحى الثغر الأقرب ذريعةً لضمور الأفق الأوسع بعدما كان الثغر الأقرب بوابةً إلى الأمة كلها.

المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود


لقد جاءت الدولة القُطرية الحديثة ومعها فلسفتها الكامنة؛ سيادة محصورة داخل الحدود ومواطنة تعيد ترتيب الانتماءات، وقانون يملك الكلمة الأخيرة ومؤسسات تصوغ الفكر والوعي، وتعليم يربّي الإنسان على أن العالم يبدأ من النشيد الوطني وينتهي عند ختم الجواز، فدخلت هذه الفلسفة إلى عقول بعض الإسلاميين من أبوابٍ كثيرة، بعضها من باب المشاركة السياسية وبعضها من باب الواقعية وبعضها من باب الخوف من الاتهام، وبعضها من باب طول الممارسة داخل مؤسساتٍ قامت على تصوراتٍ مغايرةٍ للتصور الإسلامي.

ومن أخطر مظاهر هذا التسرب أن ينتقل الحديث عن الإسلام من كونه شريعةً ذات سلطانٍ على الحياة إلى كونه منظومةَ قيمٍ عامةٍ تضفي على السياسة أخلاقاً رقيقة وتمنح المسؤول السياسي نصائح جميلة، ثم يُسحب من الإسلام مقامه في بناء القرار السياسي والحكم والعدل والسيادة والتشريع. وقد تسلّل هذا المعنى إلى شريحةٍ من شباب الحركات الإسلامية عبر بوابات العلمنة واللّبرلة التي دخلت عقولهم من المناهج الغربية لا سيما في  كتب العلوم السياسية، ومن خطاب الدولة الحديثة مع ضعفٍ ظاهرٍ في التكوين الشرعي والأصولي والمقاصدي، حتى صار بعضهم يجمع بين حرارة التدين الفردي وبرودة التصور السياسي، فيصلّي في المسجد بخشوعٍ صادق ثم يقول في قاعة النقاش: إن الإسلام جاء بالقيم العامة وأنه لا يحمل نظاماً سياسياً ولا يقدّم تصوراً للحكم، ولا يملك قولاً حاكماً في مصادر القانون وموازين السلطة وتموضعات التحالفات، وكأن الوحي جاء ليزكّي الروح في خلواتها ثم ترك نظام القوة والمال والسلطان والقرار السياسي للغلبة والتجربة والمزاج الدولي والخبرة البشرية المستقلة عن المرجعية العليا.

ومن صور القولبة الأخطر أن يتسرّب إلى بعض العقول الحركية وهمٌ نشأ في ظلّ الدولة الحديثة، خلاصته أن السياسة ميدانٌ للمصالح والمفاسد المجرّدة، وأن لغة الحلال والحرام فيها لغةٌ وعظيّةٌ ضيقةٌ تعيق الحركة وتربك المناورة، فصرنا نسمع عباراتٍ مثل: هذه مسألة مصالح ومفاسد وليست مسألة حلال وحرام؛ مع أن المصالح والمفاسد في أصلها الشرعي واقعةٌ داخل ميزان الحلال والحرام وفرعٌ عن مقاصد الوحي وأحكامه وليست مملكةً مستقلةً فوق النصوص.

فالمصلحة الشرعية مصلحةٌ لأن الشرع شهد لها والمفسدة مفسدةٌ لأن الشرع دلّ على فسادها، والموازنة بينهما عملٌ فقهيٌّ دقيقٌ داخل سلطان الوحي؛ يقدّر مراتب الواجبات والمحرمات ويوازن بين خيرين أو شرّين بميزان الدليل والمقصد والمآل. وحتى المصلحة المرسلة -على سعة بابها في السياسة الشرعية- إنما تعمل داخل مقاصد الشريعة وكلياتها عندما يفتقر المجتهد إلى نصٍّ جزئيٍّ خاصٍّ، فينزل إلى روح الشرع العامة وحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ومراعاة العدل ورفع الحرج ودفع الضرر، فهي داخلة في ميزان الحلال والحرام من جهة المقصد والضابط والمآل، وليست ممراً حرّاً يخرج به السياسي من سلطان الحكم الشرعي.

وهذا الفصل بين "المصلحة" و"الحكم الشرعي" ضربٌ من التدليس البلاغي حين يصدر عن عارفٍ بمواقع الكلام، أو جهلٌ بحقيقة الشريعة إذا صدر عن عقلٍ ظنّ أن الفقه يقف عند العبادات والمعاملات الصغيرة ثم يترك مصائر الأمة والدولة والدماء والولاءات والمقدسات لمجرد الحساب السياسي العاري.

هنا تتولد آفةٌ أشدّ خطراً، وذلك حين يظن بعض القادة السياسيين في الجماعات والحركات الإسلاميّة أن وظيفة الشريعة أن تأتي بعد الفعل لتمنحه الختم، وأن مهمة العلماء أن يضعوا الغلاف الشرعي على قرارٍ اتُّخذ في غرف السياسة فتتحول الفتوى من نورٍ سابقٍ يهدي الطريق إلى توقيعٍ لاحقٍ يجمّل المسار وزيّنه في أعين الجماهير، ويتحوّل الفقيه إلى موظفِ تزكيةٍ يُطلب منه أن يجد للقرار مخرجاً بعد إعلانه، وأن يحضر محافل المحاججة عنه باسم الشريعة في وجه كلّ منتقدٍ أو معترضٍ.

وهذه صورةٌ مصغرةٌ من فكرة "الدين تحت الدولة" التي تحكم المنظومة التكوينيّة للدولة الحديثة؛ فكما تريد الدولة الحديثة من المؤسسة الدينية أن تبارك خياراتها الكبرى بعد صدورها فإنّ بعض الجماعات والحركات والأحزاب الإسلاميّة تريد من الشريعة أن تسير خلف تقديرات القيادة، وأن تجعل المصلحة اسماً فخماً لما استقرّ عليه القرار، وأن تجعل فقه الموازنات باباً واسعاً لتأجيل الواجبات وتخفيف المحرمات وتسكين الضمير أمام التنازلات عن أحكام الشرع، مع أنّ السياسة التي تطلب أن يكون الفقه شاهدَ تبرئةٍ بعد الفعل تكشف أن مرجعيتها الحقيقية صار القرار البشريّ المنفصل عن مرجعيّته ونوره، وليس الوحي الذي يُتَغزَّلُ به في المحافل بوصفه المرجعيّة العليا للجماعة.

والإنصاف يقتضي هنا أن يُقال: إن الحالةَ المشيخية في عموم الأمة مثقلةٌ بأوجاعها وأمراضه، وفيها من ضعف أدوات النظر السياسي وقصور قراءة الدولة الحديثة واضطراب تقدير موازين القوة ما جعل الطبقة السياسية داخل بعض الجماعات الإسلامية تشعر أن الشيخ يصلح للتزكية العامة والدعاء والتحشيد الوجداني؛ أكثر مما يصلح للدخول في تقدير القرار ومآلاته، غير أن هذا التشخيص مهما بلغ من الصواب في بعض مشاهده يعجز عن أن يمنح السياسي حقَّ مصادرة المرجعية الشرعية أو عزل العلماء عن موقع الشهادة على الفعل العام؛ ففي الأمة شريحةٌ من العلماء الكرام -وإن كانت الاستثناء- تجمع بين الرسوخ في فهم الحكم الشرعي وفقه النصوص والمقاصد، وبين إدراكٍ معتبرٍ لطبيعة الدولة والسلطة والواقع السياسيّ والمصالح والمآلات. وهؤلاء يحتاجهم السياسي في أصل تقديره لأن القرار الذي يتصل بالدماء والحقوق والعهود والولاءات ومصير الدعوة والأمة والمقدسات يحتاج عقلاً شرعياً سابقاً للفعل وحاضراً في صناعة السؤال، ومشاركاً في تفكيك الحيثيات وكاشفاً لما يستتر خلف لغة الضرورة والواقعية والمصلحة.

غير أن كثيراً من سياسيي الجماعات الإسلامية يروق لهم أن يكون العالِم داخل جماعتهم في موقعه من الحاكم داخل الدولة الحديثة؛ داعماً للقرار بعد صدوره وشاهِدَ تزكيةٍ على حكمته وصاحبَ ختمٍ شرعيٍّ يوضع في آخر الورقة، وليس شريكاً في بناء التصور ولا مختبراً لمسالكه ولا رقيباً على انحرافاته. وللأسف أنّ شريحة من العلماء والدعاة قد قبلت على نفسها هذا الموضع تحت عنوان الثقة بالقيادة، فصاروا يبصمون على اختياراتها باسم وحدة الصف وحسن الظن وحفظ المشروع، حتى جعلوا الحكم الشرعي يدور مع ما قاله السياسي وجوداً وعدماً؛ فإن تقدّم السياسي تقدّمت معه الفتوى وإن تراجع تراجعت وإن صمت صمتت، وإن غيّر وجهته وجدت اللغةُ الشرعية طريقاً إلى اللحاق به.

الحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس


وربما فعل كثيرٌ منهم ذلك بحسن نيةٍ وهم يتوّهمون أنهم يخدمون الشريعة بحماية الجماعة، فإذا هم يضعون أنفسهم في الموضع نفسه الذي طالما حذّروا النّاس منه عند ذمّهم علماء السلاطين؛ موضع العالم الذي يجعل الدين خادماً للقرار السياسي بدل أن يبقى الدين مرجعيةً حاكمةً عليه ونوراً يكشف له الطريق قبل أن تندفع العربة في العتمة.

فالحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس: من يحدد معنى الممكن وإطاره وحدوده؟ ومن يرسم حدود القضية وتفاصيل مسائلها؟ ومن يملك تعريف المصلحة والمفسدة؟ ومن يجعل القُطر خادماً للأمة أو يجعل الأمة ملحقاً عاطفياً بالقُطر؟ من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟ فهذا السؤال هو الفاصل بين جماعةٍ تستعمل أدوات الدولة وهي واعيةٌ بخطرها وجماعةٍ تستعملُها حتى تستعمِلَها الأدوات، وبين جماعةٍ تدخل السياسة لتشهد بالحق وجماعةٍ يدخل الحق عندها ليستأذن السياسة.

إن الخروج من هذه القولبة يبدأ باستعادة التصور الإسلامي الكامل؛ تصورٍ يرى الدين مرجعيةً للحياة كلها؛ فيرى السياسة مجالاً أخلاقياً وشرعياً محكوماً بالوحي، والمصلحة مصلحةً منضبطةً بالوحي، والقُطر ثغراً قريباً داخل أمةٍ واحدة، والمؤسسة الفقهيّة أداةَ بيانٍ وبناءٍ وتحرير، والجماعة الإسلامية خادمةً لمعنى الأمة وليست نسخةً متدينةً من الأحزاب الوطنيّة.

وتبقى الدولة الحديثة قادرةً على رسم الحدود في التراب وعاجزةً عن حبس الأفق الذي يفتحه الوحي في القلب؛ فالجغرافيا قد تُجزَّأ، والرايات قد تتكاثر، والجوازات قد تصير أختاماً على حركة الأجساد، غير أن العقيدة حين تستيقظ تردّ الإنسان إلى نسبه الأعلى، وتكشف له أن السياسة بلا شريعة قوةٌ عمياء، وأن المصلحة بلا وحي شهوةٌ مؤسسية، أما الإسلام فيعيد الإنسان عبداً لله تعالى وشاهداً بالقسط وحرّاً يحمل الدين من زاوية الشعائر إلى رحابة الحياة، حيث يظل سلطان الله تعالى فوق كل سلطان.

x.com/muhammadkhm

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

القرآن والتراث ودعاوى التحديث (1 من 4)

 بسم الله الرحمن الرحيم

القرآن والتراث ودعاوى التحديث (1 من 4)

د. عطية عدلان 
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

قَرِينَان لا يفترقان حتى يفترق في القلب النابض شِقَّاه، وفي المخ النابه نِصْفاه، وفي الكبد الرطب فصَّاه، ولا ينفصل الثاني منهما عن الأول إلا إذا انفصلت النخلة الباسقة عن أصلها، والنبتة اليافعة عن جذرها، والأزهار اليانعة عن براعمها، ولا يعامل أحدهما بإدناء أو إقصاء إلا دخل الآخر معه في المعاملة ذاتها بلا فرق، ولا يُقصَدُ أحدهما بإقرار أو إنكار إلا كان القصد شاملاً لهما جميعاً بلا تأخير ولا تقديم، إنَّهما: الكتاب والسنة .. هذه هي الحقيقة الأولى في سياق إبطال دعاوى الحداثيين أدعياء (الهرمنيوطيقا).

   هذه الحقيقة أمر بدهيّ في منطق العقل وفي خطاب الوحي، فليس الرسول - وحاشاه - بوقاً يتلو على الناس كلمات الله ثم يمضي، ويتركهم في مواجهة النصّ الإلهيّ بلا بيان يُستَفاد ولا تطبيق يُحتَذَى، وهذا الذي ينفيه العقل ويحيله ينفيه كذلك الواقع التاريخيّ المنقول بالتواتر ويحيله؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبَيِّنُ ما أُجْمِلَ، ويُفَصِّل ما أُبْهِم، ويطبق ما في الكتاب وينفذه، ويُشَرِّعُ ويأمر، وينهى ويزجر، ويعظ ويذكر، ويربي ويجاهد، ويقود الجيوش، ويسوس المجتمع، ويتحرك في الحياة في جميع اتجاهاتها تحرك القدوة الذي إن تمثل القرآن رجلاً لم يكن إلا شخصه الكريم العظيم، وكان في جميع حركاته وسكناته قدوة يُقْتَدى وأسوة يُحْتَذَى، وقرآناً يمشي على الأرض؛ فهل وقع كل هذا ليخرج علينا وعلى الناس من يقول: أمَّا ما أنزل على هذا الرسول من الكتاب فهو فوق رؤوسنا، وأمَّا ما قاله هو ومافعله فمكانه خلف ظهورنا؟ 

إنَّ هذا لا يستقيم في منطق العقل ولا مجرى الشرع، فالكتاب والسنة صنوان لا يفترقان، ووحيان لا ينفصلان، فمن كان واضحاً صريحاً أخذهما جميعاً أو تركهما جميعا! 

أمَّا من رام المراوغة ودخل في مسارب متعرجة وشعاب ملتوية فلن يجد من الخلق بعد طول الجهد إلا النفور والصدود والضرب بالنعال والجريد.

   هذه الجملة الآنفة متسقة تمام الاتساق، ومنسجمة غاية الانسجام، ومستقيمة في العقل والشرع والواقع والتاريخ، وقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى جانب البلاغ العام لما أوحي إليه - بالتربية والتدريس والتطبيق العمليّ لمقتضى الوحي حقيقةٌ أكدها الكتاب العزيز - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - 

ففي أربعة مواضع منه يأتي النصّ على ثلاث وظائف رئيسية تنبثق منها كل المهام الرسالية، وَلَمْ تُمَثِّلْ تلاوة آيات الكتاب بما تحمله من معاني البلاغ العام سوى وظيفة واحدة من هذه الوظائف الثلاثة؛ 

قال تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة 129) 

وقال سبحانه: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة 151) وقال عزَّ وجل: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران 164) 

وقال جلَّ شأنه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الجمعة 2).

   وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الوظائف الثلاثة وما يتفرع عنها خير قيام، فكان يتلو ويبلغ، ويزكي ويربي ويبني، ويُعَلِّم ويفهم ويدرس، وطبيعيّ ومنطقيٌّ أن يرث الأصحاب عنه تراثاً ضخماً مرتبطاً بالكتاب ارتباط الدوحة الغناء بأصلها وجذعها، هذا الميراث سنة وحكمة؛ سنة لأنَّه منهج وطريق صاحب الرسالة، وحكمة لأنه منبثق من فهم صاحب الرسالة لرسالته، ومُحالٌ أن يكون هذا عملاً بشرياً محضاً منقطعاً عن الكتاب؛ إذ لم تكن العلاقة بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين الكتاب علاقة بين عقل ونص التقيا على غير ميعاد فتفاعلا كما يجري في كثير من التجارب البشرية العابرة، وإنما كانت علاقة بين رسولٍ ورسالةٍ أُرْسِلَ بها، بين رسول أُمر بأن يُبَيِّن للناس ما نُزِّلَ إليهم: (وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل 44)، ورسالةٍ أُريدَ لها أن تقومَ بها الحجةُ على العالمين: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (الناس 165).

   ومن هنا كانت السنة والحكمة هذه وحياً من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ وهذه نتيجة طبيعيّة ومنطقيّة، متساوقة مع طبيعة العلاقة بين الرسول وبين الرسالة من جهة، وبينه وبين من أرسله من جهة أخرى، وهذا ما أكده العلماء كافة والمفسرون قاطبة - بعبارات مختلفة مبنىً مؤتلفة معنى - وهم يفسرون الحكمة في الآيات الأربعة السابقة وفي هاتين الآيتين أيضاً: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء 113) (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) (البقرة 231)؛ فقد فسروا الحكمة بأنها: السنة([1])، فسروها بالسنة فهماً من عند أنفسهم ونقلا عن سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، والقلة النادرة التي لم تنص في كل المواضع على أنّ الحكمة هي السنة لم تبعد عنها كثيراً؛ كقول بعضهم إنها الفقه([2])؛ وما الفقه الذي يُعَلِّمُه الرسول للناس إلا السنة في حقيقة الأمر؛ فالسنة - إذن - وحي من الله تعالى لرسوله، وإن كانت قطعاً ليست من الكتاب وليست من كلام الله؛ لأنَّها وحي بالمعنى دون اللفظ، وكلام الله في كتابه وفي كل كتاب أنزله وحيٌ باللفظ والمعنى؛ لذلك السنة تشترك مع القرآن في كونها مصدراً للأحكام ومتناً يحمل خطاب الله تعالى للمكلفين، ويمتاز عنها القرآن بأنه كلام الله المعجزُ بمعناه ومبناه، المتَعَبَّدُ بتلاوته.

   ولزوم الحكمة للكتاب ليس أمراً خاصاً بهذه الأمة وحسب؛ لذلك قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (النساء 54)، فهؤلاء أيضاً آتاهم الله الكتاب والحكمة، فأما الكتاب فمعلوم، "وأما الحكمة فما أُوحى إليهم مما لم يكن كتابًا مقروءًا"([3]) وليس في ذلك أدنى مشكلة؛ إذ ليس الوحي مقصوراً على إنزال كتاب، فكثير من الأنبياء أُوحي إليهم ولم ينزل عليهم كتب، فالوحي من الله لنبيّ من الأنبياء أوسع من إنزال كتاب يحوي كلماته سبحانه وتعالى، فكل كتاب من الله لرسول من رسله وحيٌ وليس كل وحي كتاباً منزلاً.

   لذلك كله تبدو الأصوات الداعية إلى التفريط في السنة وما ينشأ عنها غاية في النشوز والشذوذ، ويبدو العالم الإسلامي وهو يتأهل للإصغاء إليها والميل نحوها غاية في السذاجة والغفلة، وتبدو الساحة الإسلامية في ظل التنكر للتراث الإسلامي والتهجم عليه  كأنها مسرح كبير يقف عليه خلق كثير يفقأون أعينهم بأظفارهم ويأكلون أكبادهم بشفار أسنانهم، وهم سامدون ضاحكون؟!! 

ما هذا الذي نصنعه وما الحامل عليه وما الداعي إليه؟! أروني أمَّة واحدة في تاريخ البشرية كلها وُهِبت مثل هذه السنة متناً أو سنداً رواية أو دراية؟! 

أروني كتاباً لعالم من العلماء أو نصاً لحكيم من الحكماء حظي بسند من مثل ما حظي به حديث عندنا لم يرق إلى المستوى الذي يفتح له باب الولوج إلى البخاري أو مسلم! 

بل أروني سفراً من توراة أو مزمورا من إنجيل شذ عن القاعدة فجاء يتقدمه سند أويتبعه تخريج!

   ولدينا في كتاب الله تعالى الذي نريد أن نفرده بالحجية دون السنة سيل من الآيات؛ تدفقت بالدعوة إلى طاعة الرسول واتباعه والاقتداء به والاستجابة له، أكثرها يقرنها بطاعة الله تعالى، إن استطاع المنازعون بشق الأنفس أن يتهربوا من دلالة بعضها فلا يمكنهم أن يجدوا من دلالتها مجتمعة مهرباً إلا بدفن رؤوسهم في الرمال: 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) (الأنفال 20) 

(قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النور 54) 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد 33) 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء 59) 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال 24) 

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) 

(آل عمران 31) 

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء 80) 

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (النساء 64) 

(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء 65) 

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب 21) 

(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور 56) 

(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (النساء 13) 

(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء 14) 

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب 36) 

(مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) (الجن 23) 

(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر 7) 

(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور 63).

   ففي هذه الآيات قرن الحق تبارك وتعالى بين طاعة الرسول وبين طاعته، وجعلهما شيئاً واحداً، وجعل طاعة رسوله من طاعته، وأمر بالاستجابة للرسول ونهى عن عصيانه، وحذر من الفتنة التي تحيق بالناس إذا خالفوا أمره، وحتَّم على المؤمنين أن يتحاكموا إليه في كل ما شجر بينهم مع الرضا والتسليم بما يقضي، كل هذا بأساليب متنوعة، تختلف في مبناها وتأتلف في معناها ومؤَدَّاها؛ فهل يُستساغ في بداهة العقل القول بأننا مأمورون في هذه الآيات بطاعة الرسول فيما يتلوه علينا من الكتاب فقط، دون ما يُبَيِّنُهُ من مُبْهَمه وما يُفَصِّلُه من مُجْمَله وما يُطَبقه من أحكامه، وهو الرسول الموحَى إليه بهذا الكتاب ؟ 

إنَّ مثل هذا القول إن اجْتَرَأَ أخرقٌ على الهذيان به؛ فلا يستسيغه ولا يمرره إلا من هجر عقله وطَلَّقه فَبَتَّ طلاقَهُ.

   وإذا كان القرآن قد أصَّل لحجية السنة بإيجاب طاعة رسوله والاستجابة له؛ فليس مقبولاً أن يقال إنَّ السنة بعد انقراض عصر الصحابة قد اندثرت وأَفَلَتْ نجومها، لأنَّ القرآن لا يؤسس لشيء لا وجود له ولا بقاء، ولا استمرار له ولا استقرار؛ فرسالة الإسلام خاتم الرسالات وبقاؤها وعدم قبولها للنسخ أو التبديل أمر من محكمات الإسلام المعلومة من دين الله بالضرورة؛ لذلك قضى الله تعالى أن يتولى حفظ كتابه، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر 9)، وحفظ السنة حفظ للكتاب ولما حواه من المعاني والأحكام، وضمانة لعدم الانحراف في الفهم والتطبيق، وهو كذلك ضرورة لتحقق خاصية البقاء وعدم النسخ، غير أنَّ السنة محفوظة بما هيأ الله لها من جهود العباد، أمَّا القرآن فلا يقتصر حفظه على جهود العباد حتى تكون الضمانة الحقيقية هي أنّه في كنف عناية الله المباشرة.

   أمَّا ما أثاره المستشرقون وأبواقُهم والمتَغَرِّبون وأذنابُهم من زوابع حول كتابة السنة وتدوينها؛ ليخرجوا من تلك الزوابع المفتعلة بزعم مُؤَدَّاهُ أنّ السنة قد ضاعت بسبب تأخر التدوين والكتابة إلى بداية القرن الثاني الهجري، فهذا في سوق البحث العلميّ لا يُباع بِفِلْسٍ أَكَلَهُ الصدأُ وأبْلاهُ الكساد في كل البلاد؛ ما هذا الدجل الْمُتَلَصِّص في أخبية البحث العلمي وأقبية الأكاديميا؟! 

أيقال هذا بكل صفاقة عن السنة النبوية؟! 

وماذا يقال عن كتب تُنسب إلى السماء ويقال عنها إنَّها كلمة الربّ ولم تحظ بما حظيت به الأحاديث الواهية عندنا من وسائل الحفظ إسناداً وتدويناً؟! 

إنَّ عصر الصحابة لم ينصرم وإنَّ جيلهم لم ينقرض حتى تمَّ على عينهم ميلاد الحلقة الأولى من الإسناد الذي ظلت الأمة تتوارثه وتستولد حلقاته بعضها من بعض جيلاً بعد جيل وحلقة إثر حلقة، في يقظة ووعي، وحرص وورع، وتحرّ واحتراز، وتدقيق وتوثيق، وإجلال للسنة وتعظيم لشأنها، وهم المشهود لهم بقوة الحفظ وصفاء الذهن وجلاء البصيرة، وحول هذا الإسناد نشأت علوم تدور برحاها فوقه تمحيصًا وغربلة ونقداً، فلما جاءت اللحظة التي يمكن أن يقال فيها إن الإسناد قد طال وبعدت بطوله الشقة؛ بما قد يمثل عبئاً تنوء بحمله الذاكرة بدأ التدوين المنظم للسنة.

    ومع ذلك لم يكن الاعتماد على الذاكرة وحدها رغم شدة وثوقنا بها، فقد عُرف التدوين وعُرفت الكتابة من لدن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان نهيه عن الكتابة في أول الأمر إلا خشية اختلاط السنة بالقرآن في وقت لم تكن فيه ملكة الأصحاب قد نمت النمو الذي يحرزهم من الخلط؛ لذلك قال لهم: (لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)([4]ثم أذن لهم رسول الله في الكتابة فكتبوا وورَّثوا الكتابة لمن بعدهم، تماماً مثلما ورَّثوهم الرواية الشفهية المنضبطة، والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر، من ذلك ما خرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عام الفتح، (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»)([5])، ومن ذلك ما خرجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ»([6]والأخبار الصحيحة أكثر من أن تحصر؛ تؤكد أنهم كانوا يعتمدون مع الرواية الشفهية والذاكرة القوية على الكتابة والتدوين، وممن رُوِيَ عنهم كتابة السنة - غير عبد الله بن عمرو - أنس بن مالك، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عباس، وعليّ بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، رضي الله عنهم أجمعين؛ فاسألوا عنهم أهل الذكر في ميدان السنة إن كنتم لا تعلمون.

   وقد يتقمص بعضهم دور الراسخين في العلم فيستدل ببعض آيات القرآن على ما ذهب إليه، فانظر إلى السطحية والعجلة عندما تجتمعان في عقل رجل وتتزاحمان على لسانه؛ فهذا أحدهم يستدل بقول الله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: 38]، ولو أنَّه صبر قليلاً حتى يطالع كتاباً من كتب التفسير أو حتى يراجع سياق الآية لعلم أنَّ الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، وأنَّ المسألة كونية وليست شرعية أصلاً، وآخر يستدل بقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل 89)، على أنَّ الكتاب حوى كل شيء؛ ففيم التمسك بالسنة وقد كفانا القرآن كل شيء؟ فليقل لنا أين وجد في كتاب الله أن الظهر أربعاً وأنَّ المغرب ثلاثاً؟ أم إنَّه لا يؤمن بالصلاة من حيث الأصل؟! مع أنَّه لم يقل أحد من علماء الأمة بأنّ هذه الجملة يلزم منها أن يفصل القرآن كل شيء بنصّه، وإنما قالوا إنَّ الكتاب بيّن كل شيء من خلال هذه الآية: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44).

   لا ريب أنَّ الغارة على السنة لا تستهدف السنة وحدها، وإنما تستهدف القرآن قبلها، وتستهدف الإسلام بجملته، والشريعة بكافة أطرافها؛ فلنكن على يقظة فإنَّ الحرب ضروس وإنَّ العدو خبيث، ولعلنا في مقال آخر نتعرض لمحاولات الهدم الجديدة المتخذة من العقل معولاً لتحطيم الثوابت وتهديم المحكمات؛ بدلاً من الغرس والبناء والتعمير والإنماء، والله المستعان.


([1])راجع: تفسير ابن أبي حاتم – محققا (2/ 426) ، (2/ 654) ، (4/ 1064)- تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (23/ 372) ، (9/ 200) - تفسير ابن كثير ط العلمية (1/ 476) ، (2/ 364) - تفسير القرطبي (3/ 157) - تفسير ابن عطية (1/ 310)  

([2]) راجع: زاد المسير في علم التفسير (1/ 205)

([3])تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (8/ 480)

([4])صحيح مسلم (4/ 2298)

([5]) متفق عليه صحيح البخاري برقم (9880) وصحيح مسلم برقم (1355)

([6]) أبو داود برقم (3646)