‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاسلام. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 17 يوليو 2026

كيف صاغت الدولة القُطرية الحديثة عقلَ الحركات الإسلامية تجاه الموقف الشرعي من القرار السياسي؟

 كيف صاغت الدولة القُطرية الحديثة عقلَ الحركات الإسلامية تجاه الموقف الشرعي من القرار السياسي؟



محمد خير موسى

"من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟"                            


نشأت جماعاتٌ إسلاميةٌ كثيرةٌ في لحظةٍ مكسورةٍ من تاريخ الأمة؛ لحظة سقوط الخلافة وتمزّق المجال الإسلامي ووقوف المسلمين أمام خرائط جديدة حملت أسماء الدول والحدود والأعلام والجوازات، بعدما كانوا يرون أنفسهم جزءاً من أمةٍ واحدةٍ تمتدّ في العقيدة والقِبلة والشريعة واللغة الكبرى والمصير، فجاءت تلك الجماعات في أصل نشأتها جواباً على جرحٍ حضاريٍّ عميق، وصرخةً في وجه عالمٍ يريد أن يحشر الإسلام في زاوية الشعائر الفردية، وأن يجعل الأمة شعوباً متجاورةً في المناهج الدراسيّة ومتباعدةً في القرار ومتنافسةً في المصالح، ومحكومةً بحدودٍ رسمتها يد المنتصر العسكريّ في غرف السياسة الباردة.

ولكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود التي كان يفترض أن تكون عنده مجالَ ضرورةٍ تنظيميةٍ عابرة فتحولت شيئاً فشيئاً إلى أفقٍ نفسيٍّ وفكريٍّ وحركي، وصار سؤال الأمة في بعض العقول سؤالاً عاطفياً وسؤال القُطر سؤالاً مصيرياً، وأضحى الثغر الأقرب ذريعةً لضمور الأفق الأوسع بعدما كان الثغر الأقرب بوابةً إلى الأمة كلها.

المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود


لقد جاءت الدولة القُطرية الحديثة ومعها فلسفتها الكامنة؛ سيادة محصورة داخل الحدود ومواطنة تعيد ترتيب الانتماءات، وقانون يملك الكلمة الأخيرة ومؤسسات تصوغ الفكر والوعي، وتعليم يربّي الإنسان على أن العالم يبدأ من النشيد الوطني وينتهي عند ختم الجواز، فدخلت هذه الفلسفة إلى عقول بعض الإسلاميين من أبوابٍ كثيرة، بعضها من باب المشاركة السياسية وبعضها من باب الواقعية وبعضها من باب الخوف من الاتهام، وبعضها من باب طول الممارسة داخل مؤسساتٍ قامت على تصوراتٍ مغايرةٍ للتصور الإسلامي.

ومن أخطر مظاهر هذا التسرب أن ينتقل الحديث عن الإسلام من كونه شريعةً ذات سلطانٍ على الحياة إلى كونه منظومةَ قيمٍ عامةٍ تضفي على السياسة أخلاقاً رقيقة وتمنح المسؤول السياسي نصائح جميلة، ثم يُسحب من الإسلام مقامه في بناء القرار السياسي والحكم والعدل والسيادة والتشريع. وقد تسلّل هذا المعنى إلى شريحةٍ من شباب الحركات الإسلامية عبر بوابات العلمنة واللّبرلة التي دخلت عقولهم من المناهج الغربية لا سيما في  كتب العلوم السياسية، ومن خطاب الدولة الحديثة مع ضعفٍ ظاهرٍ في التكوين الشرعي والأصولي والمقاصدي، حتى صار بعضهم يجمع بين حرارة التدين الفردي وبرودة التصور السياسي، فيصلّي في المسجد بخشوعٍ صادق ثم يقول في قاعة النقاش: إن الإسلام جاء بالقيم العامة وأنه لا يحمل نظاماً سياسياً ولا يقدّم تصوراً للحكم، ولا يملك قولاً حاكماً في مصادر القانون وموازين السلطة وتموضعات التحالفات، وكأن الوحي جاء ليزكّي الروح في خلواتها ثم ترك نظام القوة والمال والسلطان والقرار السياسي للغلبة والتجربة والمزاج الدولي والخبرة البشرية المستقلة عن المرجعية العليا.

ومن صور القولبة الأخطر أن يتسرّب إلى بعض العقول الحركية وهمٌ نشأ في ظلّ الدولة الحديثة، خلاصته أن السياسة ميدانٌ للمصالح والمفاسد المجرّدة، وأن لغة الحلال والحرام فيها لغةٌ وعظيّةٌ ضيقةٌ تعيق الحركة وتربك المناورة، فصرنا نسمع عباراتٍ مثل: هذه مسألة مصالح ومفاسد وليست مسألة حلال وحرام؛ مع أن المصالح والمفاسد في أصلها الشرعي واقعةٌ داخل ميزان الحلال والحرام وفرعٌ عن مقاصد الوحي وأحكامه وليست مملكةً مستقلةً فوق النصوص.

فالمصلحة الشرعية مصلحةٌ لأن الشرع شهد لها والمفسدة مفسدةٌ لأن الشرع دلّ على فسادها، والموازنة بينهما عملٌ فقهيٌّ دقيقٌ داخل سلطان الوحي؛ يقدّر مراتب الواجبات والمحرمات ويوازن بين خيرين أو شرّين بميزان الدليل والمقصد والمآل. وحتى المصلحة المرسلة -على سعة بابها في السياسة الشرعية- إنما تعمل داخل مقاصد الشريعة وكلياتها عندما يفتقر المجتهد إلى نصٍّ جزئيٍّ خاصٍّ، فينزل إلى روح الشرع العامة وحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ومراعاة العدل ورفع الحرج ودفع الضرر، فهي داخلة في ميزان الحلال والحرام من جهة المقصد والضابط والمآل، وليست ممراً حرّاً يخرج به السياسي من سلطان الحكم الشرعي.

وهذا الفصل بين "المصلحة" و"الحكم الشرعي" ضربٌ من التدليس البلاغي حين يصدر عن عارفٍ بمواقع الكلام، أو جهلٌ بحقيقة الشريعة إذا صدر عن عقلٍ ظنّ أن الفقه يقف عند العبادات والمعاملات الصغيرة ثم يترك مصائر الأمة والدولة والدماء والولاءات والمقدسات لمجرد الحساب السياسي العاري.

هنا تتولد آفةٌ أشدّ خطراً، وذلك حين يظن بعض القادة السياسيين في الجماعات والحركات الإسلاميّة أن وظيفة الشريعة أن تأتي بعد الفعل لتمنحه الختم، وأن مهمة العلماء أن يضعوا الغلاف الشرعي على قرارٍ اتُّخذ في غرف السياسة فتتحول الفتوى من نورٍ سابقٍ يهدي الطريق إلى توقيعٍ لاحقٍ يجمّل المسار وزيّنه في أعين الجماهير، ويتحوّل الفقيه إلى موظفِ تزكيةٍ يُطلب منه أن يجد للقرار مخرجاً بعد إعلانه، وأن يحضر محافل المحاججة عنه باسم الشريعة في وجه كلّ منتقدٍ أو معترضٍ.

وهذه صورةٌ مصغرةٌ من فكرة "الدين تحت الدولة" التي تحكم المنظومة التكوينيّة للدولة الحديثة؛ فكما تريد الدولة الحديثة من المؤسسة الدينية أن تبارك خياراتها الكبرى بعد صدورها فإنّ بعض الجماعات والحركات والأحزاب الإسلاميّة تريد من الشريعة أن تسير خلف تقديرات القيادة، وأن تجعل المصلحة اسماً فخماً لما استقرّ عليه القرار، وأن تجعل فقه الموازنات باباً واسعاً لتأجيل الواجبات وتخفيف المحرمات وتسكين الضمير أمام التنازلات عن أحكام الشرع، مع أنّ السياسة التي تطلب أن يكون الفقه شاهدَ تبرئةٍ بعد الفعل تكشف أن مرجعيتها الحقيقية صار القرار البشريّ المنفصل عن مرجعيّته ونوره، وليس الوحي الذي يُتَغزَّلُ به في المحافل بوصفه المرجعيّة العليا للجماعة.

والإنصاف يقتضي هنا أن يُقال: إن الحالةَ المشيخية في عموم الأمة مثقلةٌ بأوجاعها وأمراضه، وفيها من ضعف أدوات النظر السياسي وقصور قراءة الدولة الحديثة واضطراب تقدير موازين القوة ما جعل الطبقة السياسية داخل بعض الجماعات الإسلامية تشعر أن الشيخ يصلح للتزكية العامة والدعاء والتحشيد الوجداني؛ أكثر مما يصلح للدخول في تقدير القرار ومآلاته، غير أن هذا التشخيص مهما بلغ من الصواب في بعض مشاهده يعجز عن أن يمنح السياسي حقَّ مصادرة المرجعية الشرعية أو عزل العلماء عن موقع الشهادة على الفعل العام؛ ففي الأمة شريحةٌ من العلماء الكرام -وإن كانت الاستثناء- تجمع بين الرسوخ في فهم الحكم الشرعي وفقه النصوص والمقاصد، وبين إدراكٍ معتبرٍ لطبيعة الدولة والسلطة والواقع السياسيّ والمصالح والمآلات. وهؤلاء يحتاجهم السياسي في أصل تقديره لأن القرار الذي يتصل بالدماء والحقوق والعهود والولاءات ومصير الدعوة والأمة والمقدسات يحتاج عقلاً شرعياً سابقاً للفعل وحاضراً في صناعة السؤال، ومشاركاً في تفكيك الحيثيات وكاشفاً لما يستتر خلف لغة الضرورة والواقعية والمصلحة.

غير أن كثيراً من سياسيي الجماعات الإسلامية يروق لهم أن يكون العالِم داخل جماعتهم في موقعه من الحاكم داخل الدولة الحديثة؛ داعماً للقرار بعد صدوره وشاهِدَ تزكيةٍ على حكمته وصاحبَ ختمٍ شرعيٍّ يوضع في آخر الورقة، وليس شريكاً في بناء التصور ولا مختبراً لمسالكه ولا رقيباً على انحرافاته. وللأسف أنّ شريحة من العلماء والدعاة قد قبلت على نفسها هذا الموضع تحت عنوان الثقة بالقيادة، فصاروا يبصمون على اختياراتها باسم وحدة الصف وحسن الظن وحفظ المشروع، حتى جعلوا الحكم الشرعي يدور مع ما قاله السياسي وجوداً وعدماً؛ فإن تقدّم السياسي تقدّمت معه الفتوى وإن تراجع تراجعت وإن صمت صمتت، وإن غيّر وجهته وجدت اللغةُ الشرعية طريقاً إلى اللحاق به.

الحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس


وربما فعل كثيرٌ منهم ذلك بحسن نيةٍ وهم يتوّهمون أنهم يخدمون الشريعة بحماية الجماعة، فإذا هم يضعون أنفسهم في الموضع نفسه الذي طالما حذّروا النّاس منه عند ذمّهم علماء السلاطين؛ موضع العالم الذي يجعل الدين خادماً للقرار السياسي بدل أن يبقى الدين مرجعيةً حاكمةً عليه ونوراً يكشف له الطريق قبل أن تندفع العربة في العتمة.

فالحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس: من يحدد معنى الممكن وإطاره وحدوده؟ ومن يرسم حدود القضية وتفاصيل مسائلها؟ ومن يملك تعريف المصلحة والمفسدة؟ ومن يجعل القُطر خادماً للأمة أو يجعل الأمة ملحقاً عاطفياً بالقُطر؟ من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟ فهذا السؤال هو الفاصل بين جماعةٍ تستعمل أدوات الدولة وهي واعيةٌ بخطرها وجماعةٍ تستعملُها حتى تستعمِلَها الأدوات، وبين جماعةٍ تدخل السياسة لتشهد بالحق وجماعةٍ يدخل الحق عندها ليستأذن السياسة.

إن الخروج من هذه القولبة يبدأ باستعادة التصور الإسلامي الكامل؛ تصورٍ يرى الدين مرجعيةً للحياة كلها؛ فيرى السياسة مجالاً أخلاقياً وشرعياً محكوماً بالوحي، والمصلحة مصلحةً منضبطةً بالوحي، والقُطر ثغراً قريباً داخل أمةٍ واحدة، والمؤسسة الفقهيّة أداةَ بيانٍ وبناءٍ وتحرير، والجماعة الإسلامية خادمةً لمعنى الأمة وليست نسخةً متدينةً من الأحزاب الوطنيّة.

وتبقى الدولة الحديثة قادرةً على رسم الحدود في التراب وعاجزةً عن حبس الأفق الذي يفتحه الوحي في القلب؛ فالجغرافيا قد تُجزَّأ، والرايات قد تتكاثر، والجوازات قد تصير أختاماً على حركة الأجساد، غير أن العقيدة حين تستيقظ تردّ الإنسان إلى نسبه الأعلى، وتكشف له أن السياسة بلا شريعة قوةٌ عمياء، وأن المصلحة بلا وحي شهوةٌ مؤسسية، أما الإسلام فيعيد الإنسان عبداً لله تعالى وشاهداً بالقسط وحرّاً يحمل الدين من زاوية الشعائر إلى رحابة الحياة، حيث يظل سلطان الله تعالى فوق كل سلطان.

x.com/muhammadkhm

الأربعاء، 3 يونيو 2026

أعمدة الاستشفاء.. الوصفة القرآنية لاستعادة المناعة

أعمدة الاستشفاء.. الوصفة القرآنية لاستعادة المناعة



إن أزمة الأمة الحقيقية لا تتوقف عند حدود الأعراض الخارجية؛ كالفساد، أو الظلم، أو الجوار غير المتواد، أو الرحم المقطوعة، أو تاجر يروج لبضاعة فاسدة، فكل هذه ليست سوى أعراضٍ لمرض أعمق وهو «غلبة الهوى»، هذا المرض يضرب في عمق أبنية الجماعة، بدءاً من الأسرة والحي، وصولاً إلى المؤسسات الخدمية والسيادية، فيعطلها جميعاً عن أداء وظيفتها الاستخلافية.

إن سيطرة هذا الهوى تُدخل الأمة في حالة تشبه «العوز المناعي الحضاري المكتسب»، ومن أبرز مظاهر هذا الهوى غفلة القلب والعقل؛ وكما يُقال «حُبّكَ الشّيءَ يُعْمي ويُصِمّ»، هذا الانقياد للأهواء -سواء كان حباً مفرطاً لشيء أو بغضاً أعمى له- يُنتج عمىً إستراتيجياً يُفقد المجتمع قدرته على إدراك الخلل الحقيقي وتمييز العدو الأصلي.

وهكذا يندفع الإنسان، مدفوعاً بغضبٍ انفعالي، أو رغبةٍ في الانتقام، أو لهاثاً خلف مصلحة فردية، أو حزبية، أو فئوية، أو قبلية، تأتي على حساب الحق والإنصاف، ليُضحي بمصالح عليا غفل عن قيمتها، هكذا تُهدر الأخوة، ويُباع تماسك الصف من أجل مكاسب موهومة أو نزوات عابرة.

وفي مواجهة هذا الانحراف، يضع القرآن الكريم سداً منيعاً أمام كل أشكال الانحياز، ليؤسس للعدل المطلق المتجرد من أي انتماء، حيث يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء: 135)، بل إن القرآن يُنبه إلى نوع خفي ودقيق من الهوى؛ وهو هوى يتغلف بالرحمة، حيث قد يميل الإنسان عن الحق بدافع الشفقة الكاذبة أو الخوف، فيحسم القرآن ذلك بقوله في تتمة الآية: (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا) (النساء: 135)، فلا يجوز محاباة الغني لغناه أو طمعاً فيه، كما لا يجوز خرق ميزان العدل والتجاوز عن الحق تعاطفاً مع الفقير لفقره؛ فالقاعدة الإسلامية الصارمة هي: طَبِّق العدل أولاً، ثم ساعد الفقير والمحتاج من أبواب الزكاة والصدقة والتكافل.

ولأن الهوى مرض متمدد يحتاج إلى مقاومة مستمرة، فقد تعمقت الأزمة وتضاعف خطرها بتغييب النخب الفاعلة وتعطيل فريضة التدافع، فهؤلاء هم بمثابة الكريات البيضاء في جسد الأمة، الذين أُوكل إليهم مهمة تصحيح الوعي، وتنبيه الغافل، وحراسة الميزان من الميل، فإذا تم تغييبهم وتكميم أدوارهم، استفحل الهوى، وطفا الزبد على السطح، وتُركت الساحة للفساد ليعبث بغير رقيب، لينطبق على الباطل حينها قول الشاعر:

خَلا لَكِ الجَوُّ فَبِيضي وَاصْفِري   

                    وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي

ورغم قسوة هذا التشخيص، يظل الأمل في الشفاء قائماً بقوة؛ إذ يكمن المفتاح في الوصفة القرآنية التي تقدم لنا مفاتيح الحل والتمكين الحضاري حين نقرأ القرآن ككتاب هداية ومنهج حياة، لا لمجرد التبرك بتلاوته -على ما فيها من أجر وبركة- إدراكاً بأن بركة العمل به وتطبيقه أنفع وأكمل، لتتحول توجيهاته إلى إجراءات تمكينية فاعلة.

إن استعادة مناعتنا الحضارية ليست حلماً طوباوياً، بل هي عملية منهجية جادة تبدأ من إصلاح الداخل، وصولاً إلى استحقاق الوعد الرباني العظيم: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) (النور: 55)، ليكون هذا الاستخلاف ثمرة طبيعية لمسيرة الاستشفاء والعمل.

الوصفة العلاجية الكبرى.. شروط الاستخلاف

لقد ربط القرآن الكريم الوعد بالتمكين والتحول من الخوف إلى الأمن مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: 55)، بتحقق شروط واضحة، هذا الربط يؤكد أن السيادة الحضارية لا تُمنح اعتباطاً، بل تُكتسب عبر أربعة أعمدة للاستشفاء تضمن استعادة قوة التمييز:

العمود الأول: الإيمان بوعد الاستخلاف (ثقة الانطلاق):

الأساس في هذا العمود هو إعادة بناء بصيرة الفؤاد، والإيمان هنا يتجاوز مجرد المعرفة النظرية بوجود الله ووحدانيته، ليصل إلى اليقين التام بأن التدبير كله بأمره سبحانه.

1- حتمية العواقب: لا بقاء للبعيد عن ربه؛ فقاطع الرحم يُقطع، والظالم يُعاقب وتُهدم أركانه ولو لم يبد لنا ذلك فوراً، والتاجر الفاسد يفقد الثقة حتماً وينبذه المجتمع.

2- الانطلاق بثقة: عندما يلتزم الفرد بأوامر ربه في علاقاته، وتجارته، ومهنته، فإنه ينطلق في الحياة بثقة مطلقة وحسن ظن بالله تعالى، موقناً بأن العاقبة للمتقين وأن الانهزام النفسي لا مكان له.

العمود الثاني: العمل الصالح.. سر التمكين وعمارة الأرض:

الإيمان وحده -دون فاعلية- لا يكفي، بل يجب ترجمته إلى عمل صالح مؤسسي، هذا العمل هو السر الحقيقي وراء التمكين، فسُنن الله تقضي بأن الوراثة لمن صلح عمله.

1- الصلاح في ميادين الحياة: يتجلى العمل الصالح في إتقان تربية الأولاد، والصدق في التجارة، والأمانة والإخلاص في التعامل مع المراجعين وخدمة الناس.

2- مفهوم الاستخلاف: الاستخلاف يعني عمارة الأرض بحسب مراد الله ومنهجه، وهذا التطبيق العملي هو ما يجلب الوفرة في المال، والاستقرار في الأمن، ويضمن استدامة التمكين وقوته.

العمود الثالث: التوحيد الصافي (الأنظمة والحوكمة):

(يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور: 55)؛ هذا العمود هو جوهر المناعة السيادية، الأمة السليمة هي التي تصفي مرجعيتها من كل شرك، ودوام الاستخلاف يتطلب مأسسة هذا التوحيد لحماية المجتمع.

1- الأنظمة التربوية: تبرز هنا الأهمية القصوى لبناء أنظمة تربوية صلبة تحفظ أخلاق الجيل، وتغرس فيهم قيم التوحيد، وتحميهم من التبعية المعرفية.

2- الأنظمة الرقابية (الحوكمة الصحية): لضمان بقاء الاستخلاف، لا بد من إيجاد أنظمة رقابية صارمة تضمن الحوكمة الصحية، وتُحاصر الفساد، وتمنع نمو الجراثيم الانتهازية في جسد الأمة.

العمود الرابع: إقامة الدين وحراسة المكتسبات (الجدار الدفاعي):

(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ) (النور: 55)؛ التمكين الحقيقي يمثل غاية الاستشفاء، ويأتي عبر إرساء الدين كواقع اجتماعي حاكم وموجّه.

1- المساءلة المجتمعية: تفعيل فريضة التدافع والرقابة (وهو ما يُعيد الاعتبار للنخب أو الخلايا التائية القائدة (CD4) التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة، التي يسعى الفيروس لاختراقها وتزوير وعيها عبر آلية النسخ العكس)، بحيث يُرسي المجتمع ميزان العدل، ويدرك الفاسد أن قوة القانون والقيم الصارمة تقف له بالمرصاد كرادعٍ حازم لا يُبقي مجالاً للتجاوز.

2- استئناف الفاعلية (صناعة البدائل): لا يكفي تشخيص الخلل أو التذمر منه، بل يجب الانتقال الدائم من حالة الاستسلام والرضا بدور المتلقي السلبي أو البقاء في خانة ردود الفعل، إلى مربع التدافع الإيجابي المبادِر، ويتجلى ذلك عملياً في ميدانين حاسمين:

الأول: ميدان المعرفة: عبر التحول من مجرد الاستهلاك إلى الإنتاج المعرفي، وتوطين التكنولوجيا، وتحصين العقل الجمعي من الاختراق والغزو الثقافي.

الثاني: ميدان التحالفات السياسية: عبر بناء شراكات إستراتيجية واعية تقوي شوكة الأمة، وتضمن استقلال قرارها، وتمنع فرض إرادة الآخرين أو التدخل في شؤونها السيادية.

إن هذا البناء الذاتي، والتحرر المعرفي والاقتصادي والسياسي، هو الجدار الدفاعي الفعلي الذي يضمن عدم تآكل مكتسبات الأمة من الداخل، ويحفظ لها مكانتها الفاعلة.

والاقتصاد المستقل عبر السعي الجاد لبناء اكتفاء ذاتي، ودعم الإنتاج المحلي، وتحرير الأمة من قيود التبعية الاقتصادية وابتزاز الاحتياجات الأساسية.

إن مفتاح التحول الحضاري يكمن في القانون الإلهي: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، فالأمة السليمة لا تنتظر العلاج من خارجها، بل تبني يقينها، وتُصلح عملها، وتُحكم أنظمتها التربوية والرقابية لتكون أهلاً لوعد الله بالاستخلاف والتمكين.


السبت، 31 يناير 2026

ملحدون

ملحدون

محمد صالح البدراني

"نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى"

توصيف الموضوع

وفقَ اعتقادي، الإنسان في الأرض لاختبار منظومته العقلية ومدى قدرتها على التفكير السليم، وأن ما زل به آدم وزوجه هو أنهما لم يفكرا جيدا رغم أن المعلومات كانت متاحة، وعبر العصور كانت المعلومة تتفاعل مع الإنسان؛ يقبلها أو يرفضها بمدى قناعته بالدليل. والتدين غريزة، من أجل هذا وجدنا يعبدون الأصنام، ووجدنا ملحدين على طريقة عصرهم، أو من يعبد الأصنام ولا يعرف معناها. ويتغير البشر بعد الرسالات تدريجا من الضد إلى الإيمان بالرسالة وفق فهمه ثم ينتظم مع الرسالة وفق حقيقتها ليكون شخصية بعقلية الرسالة ونفسيتها، وهكذا وجدنا عظماء المسلمين كخالد بن الوليد وعمر بن الخطاب. وقد ينحرف التفكير ويصل إلى تخلف الفكرة في فهمه بعد يقظة.

فكلامي هنا ككل مقال ليس من منطلق تدين وإنما من أجل الحقيقة التي تبقى تدور وموضع تدقيق، وهكذا هي منظومة الإنسان الناجحة، أما من استقر وتعصب للدين بلا فهم أو تعصب ضده، وكما نرى أناسا إعلاميين ومثقفين يجاهرون لدرجة السفاهة الواضحة وهم يزرعون الفشل بضياع الهوية وبرجعية الطرح التي لا تدل على أنهم يدركون أو حتى يعلمون شيئا عن عظمة الخلق في جسدهم هم ناهيك عن الكون ككل لدرجة تعجب لثقة الجاهل بما وصفته نظرية دانينغ-كروغر.. هؤلاء في فهمي يمثلون بيئة ومنظومة تنمية التخلف، وهؤلاء الناس يعتبرون هدفا لمشروع هداية.

نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى، لكنه يجد الإسلام هو التحدي في بيئته، وهو يجهل الإسلام كجهله لأشياء كثيرة ويظن أنه يعرفها كما يظن معرفته لكل شيء، بينما الباحث عن الحقيقة، متدينا أو غير متدين، تميزه برصانة السلوك


الملحدون أو من يعجبهم هذا الوصف دوما يُتهمون بانهم ليسوا أصحاب مبادئ أو منحلين خلقيا، لكن لغياب المنظومة القيمية الصارمة تجد أكثرهم معرض للانحراف كما ينحرف المتدين الذي يبرر لنفسه الانحراف، وهم ظالمون لأنفسهم بجهلهم وتصورهم الفهم والمعرفة فلا يرون جهلهم.

المسألة إذن ليست هنا، وإن كثرت فلأن هنالك من يدعي الإلحاد كما هنالك من يدعي التدين ليغلف رغباته وغرائزه، وترى هؤلاء أشد تعصبا. ونحن نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى، لكنه يجد الإسلام هو التحدي في بيئته، وهو يجهل الإسلام كجهله لأشياء كثيرة ويظن أنه يعرفها كما يظن معرفته لكل شيء، بينما الباحث عن الحقيقة، متدينا أو غير متدين، تميزه برصانة السلوك.

رجعيّة الضلال

من هنا ننظر إلى المسألة على أصل الفكرة وهي الملحد عن تفكيره هو وقناعاته؛ لكن من خلال ملاحظتي أن هذه النوعية قليلة وهو أمر يؤسف له؛ لأن هؤلاء إن تَفَعَّلَتْ منظومتهم العقلية وأدركوا الإسلام بعد حربه سيكونون من خاصته العلمية والمعرفية، بيد أن ما أراه في أغلب المواقع سطحية وتخلفا ينقصه الإدراك وعكسا للمنطق باسم المنطق، وإذا بهم يجدون أنفسهم متعصبون لدين اسمه الإلحاد يفقدهم المروءة والموضوعية، فهم عندما يهاجمون الإسلام في بيئتنا لأنه الدين الغالب وهم يريدون أن ينزعوا أنفسهم منه، يهاجمونه وفق أساليب عفا عنها الزمن، متخلفة جدا وبناء على انطباعات غير صحيحة، ويناقشون أخطاء بلاغية فيما تقاس عليه قواعد البلاغة جهلا، أو أحكاما لا يعرفون عنها إلا ظنا، فسمتان في هؤلاء الناس تشابهان المتدين غريزة، وهما جهل في الدين وحقيقته، والأخذ بالسطحية وثقة الجاهل.

العالم يتقدم في اكتشافاته العلمية وبيان الدقة الكونية وسعة الكون الرهيبة فعلا، ليقول لك شخص ما إن الكون أكبر أن نكون نحن فيه لوحدنا، بدل أن يسأل عن نظام الكون واستحالة كونه غير مصمم ومبرمج من لدن عليم عظيم، وهو لم يفهم معنى "رب العالمين" الذي يريد تسفيه كلامه بلا إمكانيات ولا قدرة، يأتي إلى أحكام في العلاقات ويأخذ برأي إنسان ويعكسه على العقيدة، وان أفهمته؛ يقول هذا عالم. وماذا عنك؟! ألَسْتَ العقلاني على حد زعمك؟ ألا تستطيع أن تفكر لتعرف الصواب ما دمت قررت أن رأي "رجل الدين" خطأ بدل أن تسد الطرق أمامك بكسلك؟ على الأقل أن هذا النظام الذي نراه يوما بعد يوم ندرك أنه لا يمكن أن يكون عشوائيا، لكنها المكابرة وحب للظهور. فأبو جهل كان يكنى بأبي الحَكم لبلاغته وحكمته، لكنه مات مكابرا متكبرا، وإبليس ليس غبيا لكنه شطَّ فسمي شيطانا.

الأنا والمكابرة في الباطل تيه وضياع وهروب من نور الحقيقة إلى ظلام التخلف، اليوم فعلا أصبح رجعيا متخلفا من يردد عبارات لا تراها تتجدد ولا يشعر بأنه يجب أن يحقق اتهاماته أو انطباعاته، فهو كلام مرسل وتجنٍ وبهتان وبلا دليل، رغم أن ما ينقصه أُفهم له مرات، لكن إحساسه بأن له قيمة في إعلام فاسد يزيد من تيهه، مع الرد على سطحيته دون إعلامه بأن أفكاره باتت رجعية مع تقدم المعرفة.

الملحدون في عصر الاكتشافات الكونية

بعض متخذي الإلحاد غطاء لا يستطيع أن يهاجمك من خلال عقيدته فيتقمص الإلحاد. تعرفهم بلحن القول وفلتات اللسان وما نلاحظه من جرأة هؤلاء وسفههم، يستغلون مهنهم، وهنالك من تستعبدهم رغبة الشهرة بزعمهم الإلحاد


هل هم متخلفون عن الزمن في عصرنا الحالي، الذي يشهد تقدما علميا مذهلا؟ إن الله وعد أن نرى آياته، وسيكتشف أهمها من هو كافر به بطرق تفوق الخيال، فمنذ إطلاق تلسكوب جيمس ويب وغيره من المهمات الفضائية، أصبحنا نرى نظاما بديعا لا يمكن أن يكون عشوائيا، فالقول بالعشوائية تخلّف عن الزمن وعن العلم قد يسامح في العصور الغابرة وليس بثورة الاكتشافات والعلوم، فهذه عودة لعصور غابرة قبل التفكير بالخليقة والخالق.

العَالِمُ بما في الكون ما لم يكابر سيصل إلى أن للكون خالق، أما الإصرار على الرجعية بتغييب المراجعة فهو إهانة للكرامة الإنسانية وقيمة المنظومة العقلية.

تدفعهم عقائد فاسدة فيتقمصون الإلحاد

بعض متخذي الإلحاد غطاء لا يستطيع أن يهاجمك من خلال عقيدته فيتقمص الإلحاد. تعرفهم بلحن القول وفلتات اللسان وما نلاحظه من جرأة هؤلاء وسفههم، يستغلون مهنهم، وهنالك من تستعبدهم رغبة الشهرة بزعمهم الإلحاد، عبيد الشهرة مشوِّهو الانتماء، هؤلاء يقفلون على أنفسهم عالم عميان يعتبرون معه النور هرطقة، ولا غرابة أن يستخفوا بالقيم، فقوم لوط لم يستنكرون ولو كذبا على لوط سوء سلوك، بل استنكروا "إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ".

المسألة مسألة فهم ولا ينبغي أن نعمم فكل توجه فكري فيه أقلية متطرفة بسلوكها تشوه فكرها، وهنالك من يلحد بسلوك يغيّب اللهَ في نفسه فلا يرتدع عن ظلم لنفسه أو الآخرين.


الخميس، 25 ديسمبر 2025

قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ

 قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ

عبد المنعم إسماعيل

كاتب وباحث في الشئون الإسلامية


من قواعد التفكير الجاهلي عند طغاة الأرض الجاحدين لطبيعة هذا الإسلام العظيم الذي جاء به الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام بصفة عامة وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة فساد تصور الطغاة عن طبيعة قبول الجماهير لمناهج التغيير والتي اعتمدت على: قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ.

قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
إنها الهواجس النفسية المنحرفة عند رموز البغي الجاهلي الواهمون أن نفوس الجماهير يجب أن تقبل وترفض من خلال اليات التوافق مع أهواء المفسدين حسب ظنهم ومن ثم قال فرعون لاتباع موسى: قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ.


إن الدعوات والمناهج التي تخرج بالتوافق مع رموز الجاهلية المعاصرة لن تثمر تغييرا واقعيا في حياة الشعوب مهما سعى سحرة البيان إلى تلميع حيل التوافق بين الإسلام والجاهلية بعد تلميع صفقات التوافق مع فرعون كل زمان لاستجلاب الرضا عند الطغاة والبغاة وكأن منهج الله أو دين الإسلام رؤية توافقية بين أهل الطغيان والجحود فوق كل ارض وتحت كل سماء.

قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
جاء الإسلام ليقيم بناء القلوب والنفوس وفقا لمنهج الله عزوجل ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلم وخير دليل على ذلك ما قاله ربعي بن عامر رضي الله عنه حين قال لكسرى :

 لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

دعاة الإسلام هم بعث الله لهداية الناس:
قال ربعي مظهرا حقيقة المنهج الإسلامي فقال: لقد ابتعثنا اللهُ: وهنا وقفة مهمة لبيان طبيعة المنهج الإصلاحي الذي يفارق كل أدوات الجاهلية وتصورات الطغاة والبغاة مهما حاولوا بناء التصورات البالية عن حقيقة منهجهم فقال ربعي:


لقد ابتعثنا الله فلم نخرج من نتحرك في الأرض بناء على توافق فكري أو عقدي أو اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي مع أهل الفساد والضياع المخالف للإسلام ومنهج محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.


لقد ابتعثنا الله
من خصائص هذا الدين أنه يقيم في النفس البشرية المسلمة الحرية مما سوى الله رب العالمين وهذا لا يمنع حسن التعامل مع المخالفين وفقا لتوجيه رب العالمين سبحانه: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا.


فالاستقلالية الفكرية والثقافية والدعوية فرع عن التميز العقدي الذي هو قاعدة بناء الإسلام والسنة والأمة وكل الأفراد والمناهج التي تسعى نحو بناء آليات للتلاقي بعيدا عن ربانية الإسلام كغاية ووسيلة ومنهج فهم وصراط للولاء والبراء تعتبر رؤى استهلاكية للزمان مهما حاول صعاليك الواقع وصفها بأوصاف صنعوها من تيه أوهامهم وبقايا أفكارهم.


ما أجمل أن يتم تقديم الإسلام والسنة والبناء الجامع الأممي وفقا لمراد الله عزوجل ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ومراد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين باعتبارهم نواة الإسلام والأمة التي مدحها رب العالمين سبحانه وتعالى وجعلها الرسول صلى الله عليه وسلم موضع القدوة للأجيال والقرون على ممر الزمان.

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

رجب.. استعادة معنى الزمن وهندسة البوصلة الأخلاقية للمؤمن

رجب.. استعادة معنى الزمن وهندسة البوصلة الأخلاقية للمؤمن
محمد خير موسى
"شهر رجب مدخل للتهيئة وشعبان مساحة للإعداد ورمضان ذروة للتزكية، ثم تأتي أشهر الحج لربط العبادة بالحركة والإيمان بالعمران في مسار تراكمي طويل النفس"

يدخل شهر رجب على العقل الإسلامي بوصفه لحظة استدعاء للمعنى الكامن في الزمن وليسَ مجرد انتقال عددي بين الشهور؛ فالزمن في التصور الإسلامي كيان مقصود محكوم بمنظومة قيم ومشحون بدلالات أخلاقية، وقد اختار الله تعالى لبعض أجزائه مرتبة الحرمة ليكون فيها الإنسان أكثر وعيا بحركته وأشد محاسبة لنفسه وأدق التزاما بميزان السلوك؛ ومن هنا يغدو رجب علامة تذكير بأن الأيام في الإسلام ليست فراغا تتحرك فيه الأفعال بلا معيار، وإنما سياق تربوي يُعاد فيه ضبط الاتجاه ومراجعة المسار.

وحين أعلن النبي صلى الله عليه وسلّم في حجة الوداع أن "الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض"؛ كان ذلك إعلانا تأسيسيا يعيد للزمان ميزانه الرباني ويضع حدا نهائيا لمحاولات الإنسان العبث بالمقدّس وفق أهوائه، فقد أغلق بهذا البيان الباب أمام ممارسات الجاهلية التي كانت تُخضع الأشهر الحرم لمنطق المصلحة والقوة؛ فتؤخّر وتحلّل وتحرّم بحسب الحاجة والهوى والعصبية وليس بحسب الحق.

قداسة الأيام والمواقيت نابعة من اختيار الله تعالى لها وليس من أعراف الناس ولا من حساباتهم الظرفية، وبهذا التثبيت تتأسس قاعدة مركزية مفادها أن مرجعية الزمن تعود إلى الوحي

وجاء هذا الإعلان النبوي ليقرر أن الزمن في التصور الإسلامي ليس وعاء محايدا تُعاد هندسته بإرادة البشر، ولكنّه بنية مقدّرة مرتبطة بالحكمة الإلهية، وأن قداسة الأيام والمواقيت نابعة من اختيار الله تعالى لها وليس من أعراف الناس ولا من حساباتهم الظرفية، وبهذا التثبيت تتأسس قاعدة مركزية مفادها أن مرجعية الزمن تعود إلى الوحي وأن العبث به صورة من صور اختلال الميزان.

ومفهوم الشهر الحرام في جوهره يتجاوز كونه حكما فقهيا متعلقا بالقتال أو تغليظ الديات ليتحوّل إلى إعلان عن سيادة أخلاقية للزمن، فالخطاب القرآني حين يقول: "فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ" يستدعي وعيا مضاعفا بالمسؤولية ويضع الفعل الأخلاقي تحت مجهر أشد دقة في زمن ارتفعت فيه درجة الحرمة، وهنا تتجلّى قاعدة فكرية بالغة العمق، وهي أنّ القيم ثابتة في أصلها غير أن وزن الأفعال يتضاعف بتضاعف السياق.

وعلى المستوى الحضاري تكشف الأشهر الحرم عن تصور إسلامي بالغ الرشد لإدارة القوة؛ فالتحريم الأصلي للقتال فيها يعكس نزوعا إلى ضبط الصراع ومنع تحوّله إلى حالة استنزاف دائم مع الإبقاء على حق ردّ العدوان حماية للحياة، وهكذا يتشكّل نموذج أخلاقي مبكر يوازن بين حفظ النفس ومنع الاستباحة ويقدّم تصورا متقدما لما يمكن تسميته أخلاقيات القوة المنضبطة.

كما أن اتصال رجب وبقية الأشهر الحرم بمواسم العبادات الكبرى يكشف عن هندسة زمنية متكاملة تهدف إلى بناء الإنسان على مراحل؛ فشهر رجب مدخل للتهيئة وشعبان مساحة للإعداد ورمضان ذروة للتزكية، 
التحدي الأكبر الذي يواجه مفهوم الشهر الحرام في الواقع المعاصر يتمثل في تفريغه من أثره حين يتحول إلى معلومة ذهنية وليس إلى ميزانٍ سلوكيّ
ثم تأتي أشهر الحج لربط العبادة بالحركة والإيمان بالعمران في مسار تراكمي طويل النفس؛ يرفض الصدمات الموسمية ويؤسس للاستقامة المتدرجة.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه مفهوم الشهر الحرام في الواقع المعاصر يتمثل في تفريغه من أثره حين يتحول إلى معلومة ذهنية وليس إلى ميزانٍ سلوكيّ؛ فالنسيء الذي ذمّه القرآن لم يكن مجرد تغيير في ترتيب الشهور، ولكنّه كان انقلابا هادئا على مرجعية الوحي، وكل عبث حديث بالثوابت الأخلاقية تحت ذرائع الواقع والضرورة يعدّ امتدادا لذلك المنطق وإن اختلفت صوره وأدواته.

إن رجب لا يستدعي طقسا محدثا ولا عبادة مخصوصة بقدر ما يستدعي يقظة في الضمير واستعادة لفكرة أن الله تعالى يعظّم ما يشاء وأن تعظيم، المقدّس شرط بقاء المعنى في الحياة، ولذلك جاء قول قتادة جامعا حين قرر أن الله تعالى يعظم من أمره ما يشاء وأن على العباد تعظيم ما عظّمه الله عزّ وجلّ.

وهكذا يقف رجب شاهدا على أن الإسلام يمنح الزمن قيمته بوصفه وعاء للعبودية، وأن الشهر الحرام يحرّر الحرية من العبث ويوجهها نحو المسؤولية؛ فمن أحسن الوقوف عند حدوده فقد تعلّم الوقوف عند حدود الله تعالى في سائر عمره ومن استهان بحرمة الزمان تهاونت لديه حرمة الإنسان.

x.com/muhammadkhm

السبت، 15 أبريل 2023

تاريخ التراويح..

تاريخ التراويح.. 

أعدم الفاطميون مصليها وعطلت إقامتها الأزمات ومن أئمتها ابن تيمية وابن ميمون اليهودي والصبيان في الحرمين



محمد المختار ولد أحمد
يورد الرحالة ابن جُبير الكِناني الأندلسي (ت 614هـ/1217م) -في كتاب رحلته- معلومات مدهشة عن إمامة ‏الصبيان للتراويح في الحرم المكي والاحتفالات المصاحبة لها؛ فقد ذكر أنه في "ليلة إحدى وعشرين [من رمضان] خَتم فيها أحد أبناء أهل مكة…؛ فلما فرغوا منها قام الصبي ‏فيهم خطيبا، ثم استدعاهم أبو الصبي المذكور إلى [وليمة في] منزله..؛ ثم بعد ذلك ليلة ثلاث ‏وعشرين، وكان المختتِمَ فيها أحدَ أبناء المكيين ذوي اليسار غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة ‏سنة…، وحضر الإمامُ الطفلُ فصلى التراويح وختم، وقد انْحشد أهل المسجد الحرام إليه رجالا ‏ونساء، وهو في محرابه"!!

ولم يكن هذا مقتصرا على مكة فحسب؛ بل كان من عادات أهل الحجاز عموما ومصر وعدد من البلدان الاسلامية تشجيع الأطفال على إمامة التراويح، بشرط إتمام أحدهم حفظ القرآن وإكماله اثنتي عشرة سنة ليكون بذلك أهلا لتولي إمامة الصلاة النافلة.


والراصد لإمامة الأطفال سيراها بكل جلاء مؤشرا لطبيعة تعامل المسلمين مع شعيرة صلاة التراويح، حيث لا تُؤتَى باعتبارها صلاة يُتقرَّب بها إلى الله زُلفَى -والحال أنها كذلك حقا- بل ومدخلا للمسرّة وسعادة التلاقي الاجتماعي التي تضفيها الأجواء الرمضانية على كافة العبادات، وأيضا ظرفا مناسبا لتهيئة الأطفال لمهام الكبار. ولذلك اشتهر الكثير من العلماء بأنهم صلَّوْها أئمةً -وهم صغار- بتشجيع من المجتمع وفي صدارته أهلُ العلم، ولعل من أشهرهم في ذلك الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) الذي أمَّ الناس في التراويح بالحرم المكي وعمره اثنتا عشرة سنة 785هـ/1383م‏‏.

بدأ تاريخ تأدية صلاة التراويح جماعةً في المساجد مع الخليفة عمر الفاروق (ت 23هـ/645م) رضي الله عنه؛ إذ ارتأى أن تكون صلاة جماعية مسجدية بدلا من إقامتها في البيوت، وكان هدفه أن يجمع جماعة المسلمين على قارئ واحد، فعمَّمَ العمل بذلك في بلدان الخلافة. وإذا كان عمر هو أول من اسْتنّ التراويح المسجدية فأضحت بذلك سُنّة حسنة مضت عليها أغلبية المسلمين حتى اليوم؛ فإنه كذلك هو أول من باشر ربطها بأجواء البهجة والزينة والإنارة، حين قام بتعليق المصابيح الرمضانية في المساجد، فصارت بذلك التراويح والأنوار في لقاء واقتران حتى يوم الناس هذا.

جمع الفاروق المسلمين على قارئ واحد بغية الاجتماع والأنس والتآلف، ثم جاء زمن كانت فيه التراويح أحد عناوين الفرقة والتعصب المذهبي، وواقعا يكشف عن مدى تغلغل فيروسات التحلل والتفكك في الجسد الإسلامي. فقد شهد الحرمان المكي والمدني والمسجد الأقصى تعددية متزامنة في صلاة التراويح كان فيها خروج عن مبدأ وحدة المصلين وتكملة صفوف الصلاة، وبدلا من أن تكون جماعة واحدة على قارئ واحد بات لكل مذهب فقهي إمام ولكل طائفة جماعة، رغم التقاء الجميع في أكناف الكعبة وهي رمز وحدتهم، وهذا المسلك يناقض السنة العُمَرية ومقصدها الرامي لإكثار عوامل التوحد والتماسك، فتلك كانت الفكرة الأبرز من وراء إقامة التراويح في المساجد.

وطَوال حقب التاريخ الإسلامي؛ ظلت التراويح ميدانا لإظهار المواهب الممتازة في الأداء الصوتي، لما اعتاده الناس في اختيار أئمتها من انتقاء الأندى صوتا والأتقن في حفظ القرآن الكريم والأدق في فنون تجويده وتلاوته. وحتى اللحظة؛ لا تزال صلاة التراويح هي الفرصة المثلى للتعرف على الأصوات المتميزة عذوبةً في النبرة وجودةً في الأداء.


وقد جاء أئمة التراويح من كل الفئات والخلفيات؛ فكان منهم القراء الكبار وعظماء العلماء، ‏ومشاهير الرحالة والتجار، بل والسلاطين و‏الفراشون العاملون في المساجد. ومن أشهر أئمة التراويح الإمام الطبري (ت 310هـ/922م) صاحب التفسير والتاريخ، وشيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ/1328م)، فقد جمع هذان الإمامان بين الصوت الحسن وغزارة العلم والإمامة في الدين، وسَجلتْ مهاراتِهما في كل ذلك كُتُبُ التراجم والتاريخ.

وفي هذه المقالة؛ سنقدم نبذة تاريخية عن هذه الشعيرة المحببة إلى القلوب المؤمنة في شهر ‏القرآن لما يقترن بها من تلاوة وتدبر للقرآن الكريم، واجتماع للمؤمنين -على اختلاف طبقاتهم أعمارا وأقدارا- ‏طوال لياليه المباركة في رحاب ومحاريب المساجد العامرة بذكر الله تعالى، فنروي باختصار كيف ‏بدأت منذ فجر الإسلام، ونرى بعض ما اعتراها -عبر قرونه ‏اللاحقة- من مسحات اجتماعية كادت تخرجها من حيز ‏العبادات (الدين) إلى دائرة العادات ‏‏(التدين)!!

كما سنكشف جانبا من تأثرها بتاريخ المسلمين ومؤثراته المختلفة عقديا وفقهيا ‏وسياسيا ‏واجتماعيا، ونعرض لذكر مشاهير من أعلامِ جمْعها أئمةً ومأمومين. ‏وسنكتشف -أثناء ذلك كله- أن كثيرا من ‏ممارساتنا المقترنة بهذه الشعيرة العظيمة لم تكن وليدة اليوم، بل ورثناها منذ حقب متطاولة!!



مبادرة عُمَرية
يلخِّص لنا العلامة ابن المِـبْرد الحنبلي (ت 909هـ/1503م) -في كتابه ‘محض الصواب‘- أصلَ نشأة صلاة التراويح في الإسلام ‏بقوله: "لا يتوهَّمْ متوهِّمٌ أن التراويح من وضع عمر (بن الخطاب ت 23هـ/645م) -رضي الله عنه- ولا أنه أول من وضعها، بل كانت ‏موضوعة من زمن النبي ﷺ، ولكن عمر.. أول من جمع الناس على قارئ واحد فيها، ‏فإنهم كانوا يصلون لأنفسهم فجمعهم على قارئ واحد…، وسُمِّيت ‘التراويح‘ [بهذا الاسم] لأنهم ‏يستريحون فيها بعد كلّ أربع".

وقبل ابن المِـبْرد بستة قرون؛ حدد لنا الإمام الطبري (ت 310هـ/922م) تاريخ صدور أمْر عمر بجمع ‏الناس لصلاة التراويح فقال -في تاريخه- إنه كان في سنة 14هـ/636م "وكتب بذلك إلى البلدان وأمرهم به".

وقد ‏خصص عمر قارئا للصلاة بالرجال وآخر للنساء؛ لكن يبدو أن أمهات المؤمنين لم يكنّ –نظرا لمكانتهن الخاصة- يشهدن تراويح النساء العامة، كما يُفهم ذلك من الأثر القائل إن "ذَكْوان (أبا عمْرو ت 63هـ/684م) مولى [السيدة أم المؤمنين] عائشة (ت 58هـ/679م) -رضي الله عنها- كان يؤمُّها في… صلاة التراويح [وهو يقرأ] في المصحف"؛ كما في رواية الإمام أبي القاسم الأصبهاني الملقب بقوام السُّنة (ت 535هـ/1140م) في ‘سِيَر السلف الصالحين‘.

وحفظت لنا كتب الفقه والتاريخ والتراجم ‏أسماء القُرّاء الذين كلفهم عمر -في أوقات مختلفة- القيام بهذه المهمة؛ فذكرت من قُرّاء الرجال: ‏أبيّ بن كعب الأنصاري (ت 22هـ/644م) الذي "كان يصلي بهم عشرين ركعة ثم يوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات"؛ وفقا لابن تيمية (ت 728هـ/1328م) في ‘مجموع الفتاوى‘.


ومن قُرّاء الرجال كذلك معاذ بن الحارث ‏الأنصاري (ت 63هـ/684م). وأما قُرَّاء النساء فهم: تميم بن أوس الداري (ت 40هـ/661م) الذي ورد أيضا أنه صلاها بالرجال، وكذلك سليمان ابن ‏أبي حَثْمَة القرشي (ت بعد 43هـ/664م)، وعمرو بن حُرَيث المخزومي (ت 85هـ/705م).



أوليات وآراء
ومن الأوّليات المتعلقة بتاريخ التراويح استحداثُ استدارة الصفوف حول الكعبة؛ فأبو عُبيد البكري الأندلسي (ت 487هـ/1094م) يروي -في ‘المسالك والممالك‘- عن الإمام سفيان بن عيينة (ت 198هـ/814م) أن "أول من أدار الصفوف حول الكعبة عند قيام رمضان [والي مكة الأموي] خالد بن عبد الله القَسْري (ت 120هـ/739م)، وكان الناس يقومون في أعلى (= بداية) المسجد؛ [فـ]ـأمر.. الأئمةَ أن يتقدموا ويصلّوا خلف المقام، وأدار الصفوف حول الكعبة".

وقد استقرّ حكم التراويح الفقهي -عند علماء أهل السُّنة- على أنها "سُنّة" لا "فَرْض"، وساقوها مثالا نموذجيا على "البدعة الحسنة" شرعا عند القائلين بها منهم؛ لكن بعض هؤلاء العلماء ذهب إلى أنه "لا يجوز ‏تركها في المساجد… لكونها [صارت] شعارا [للمسلمين]، فتلحق بفرائض الكفايات أو السُّنن ‏التي صارت شعارا… كصلاة العيد"؛ وفقا لخلاصة فقهية قررها الإمام تاج الدين السبكي (ت 771هـ/1370م) في ‘طبقات الشافعية‘.

كما استحب العلماء -حسب الإمام أبي بكر البيهقي (ت 458هـ/1067م) في ‘شُعَب الإيمان‘- أن "يُزاد في شهر رمضان في أنوار ‏المساجد" بتعليق المصابيح فيها؛ قائلين أيضا إن "أول من فعله عمر بن الخطاب لما جمع الناس في ‏التراويح"؛ طبقا لمؤرخ المدينة المنورة نور الدين السمهودي (ت 911هـ/1505م) في ‘وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى‘.

وفي ذلك روَى الإمام النووي (ت 676هـ/1277م) -في ‘تهذيب الأسماء واللغات‘- أن علي بن أبي طالب (ت 40هـ/661م) رضي الله عنه "مرّ على المساجد في رمضان وفيها القناديل تـُزْهِر، فقال: نوّر الله على عمر قبره كما نور علينا ‏مساجدنا"!!

ومع أن جماهير المسلمين ساروا على نهج الصحابة في إقامة شعيرة التراويح في رمضان؛ فإنه ‏ظهرت آراء أنكرت شرعيتها باعتبارها "بدعة ‏عُمَرية"؛ كما ترى طوائف الشيعة باستثناء بعض أئمة الزيدية. ونسب المقريزي (ت 845هـ/1441م) -في ‘المواعظ والاعتبار‘- إلى ‏الفرقة النَّظـّامية من المعتزلة قولها إنه ‏‏"لا تجوز صلاة التراويح".‏

أئمة مشاهير
تنوعت الطبقات والفئات الاجتماعية التي جاء منها أئمة التراويح عبر حقب التاريخ الإسلامي؛ فكان منهم أساطين العلماء والقراء الكبار، ‏ومشاهير الرحالة والتجار، وحتى السلاطين بل و‏الفراشون العاملون في المساجد. فقد تولى إمامتها "شيخ ‏المفسرين" الإمام الطبري، و"شيخ المقرئين" في ‏عصره أبو بكر ابن مجاهد ‏البغدادي (ت 324هـ/936م)، و"شيخ الواعظين" الإمام ابن الجوزي (ت 597هـ/1201م).

ويحكي الخطيب البغدادي (ت 463هـ/1072م) -في ‘تاريخ بغداد‘- أن ابن مجاهد هذا استمع ليلة إلى صوت معاصره وبلديِّه الطبري -وهو يؤم ‏‏الناس في التراويح بمسجده ببغداد- فقال لأحد طلابه: "ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يُحسن [أن] يقرأ هذه ‏القراءة"!!‏

ويذكر الإمام ابن عساكر (ت 571هـ/1175م) -في ‘تاريخ دمشق‘- أن شيخه المقرئ أبا الفتح الأنصاري المقدسي (ت ‏‏539هـ/1144م) كان "يصلي التراويح في ‏مسجد علي بن الحسن" بدمشق.

وهذا أبو جعفر ابن الفَنَكي ‏الشافعي القرطبي (ت 596هـ/1200م) "كان الناس يتزاحمون على الصلاة ‏خلفه التماسا لبركته ‏واستماعا لحسن صوته، وحين مجاورته بمكة.. كان أحدَ المتناوبين في قراءة التراويح ‏برمضان…، ‏وقراءتُه تُرِقُّ الجماداتِ خشوعًا"؛ حسب ابن جبير الكناني الأندلسي (ت 614هـ/1217م) في كتاب رحلته.‏


ومن أئمة التراويح الذين كان لهم شأن في التاريخ العلمي الإسلامي: شيخُ الإسلام ابن تيمية الحراني؛ فقد قال تلميذه ‏المؤرخ ابن الوردي المعري الكِندي (ت 749هـ/1348م) ‏‎‎أثناء ترجمته له في تاريخه: ‏‏"وصليتُ خلفه التراويح في رمضان فرأيت على قراءته ‏خشوعا، ورأيت على صلاته رقة ‏حاشية تأخذ بمجامع القلوب".‏



تنوُّع لافت
وكان من أئمتها أيضا الفقيه الرحالة الشهير المقدسي البشاري (ت 380هـ/991م)؛ فقد حدثنا -في كتابه ‘أحسن التقاسيم‘- عن زيارته لليمن فقال ‏إن أهل عدن "يختمون في ‏رمضان في الصلاة ثم يدعون ويركعون، وصليتُ بهم التراويح ‏بعدن فدعوت بعد السلام فتعجبوا ‏من ذلك"!!

ويبدو أن بعض أئمة التراويح كانوا من فئة العلماء التجار مثل أبي علي ‏الهلالي الحوراني المقرئ التاجر ‏(ت 546هـ/1151م)، والتاجر المكي الكبير الخواجا جمال الدين ابن الشيخ علي الجيلاني (ت ‏‏824هـ/1421م) ‏الذي "حفظ القرآن الكريم وصلى به التراويح في مقام الحنفية [بالحرم المكي] سنة ست عشرة ‏وثمانمئة"؛ طبقا لمؤرخ مكة المكرمة تقي الدين الفاسي المكي (ت 832هـ/1429م) في ‘العِقد الثمين في تاريخ البلد الأمين‘.

ويخبرنا الفاسي أيضا بأن من أئمة التراويح من كان ينتمي إلى فئة الفرّاشين ‏التي يعهد إليها بخدمة المسجد الحرام، وممن ذكره منهم أحمد بن عبد الله الدُّوري المكي (ت 819هـ/1416م) "الفراش بالحرم الشريف [بمكة]، وكان يصلي بالناس صلاة التراويح في ‏رمضان".‏

ومن الأمراء العلماء الذين احتفظ لنا التاريخ بذكرهم في سجلّ أئمة التراويح: السلطان عالَمْكير أورَنْكْزيب (ت 1118هـ/1706م) الذي حكم الهند 50 سنة، وُصف خلالها بأنه "ليس له في عصره من الملوك نظير في حسن السيرة"؛ وفقا لمعاصره المؤرخ المحبِّي الدمشقي (ت 1111هـ/1699م) في ‘خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر‘. ويضيف المحبي أن أورَنْكْزيب كان "مع سعة سلطانه يأكل في شهر رمضان رغيفا من خبز الشعير من كسب يمينه، ويصلى بالناس التراويح، وله نِعَمٌ بارَّةٌ وخيرات دارَّةٌ جدا"!!

ومن أغرب قصص مشاهير "أئمتها" ما أورده المؤرخ ابن شاكر الكتبي (ت 764هـ/1363م) -في ‘فوات الوفيات‘- من ‏أن الحبر اليهودي الكبير ‏موسى بن ميمون القرطبي (ت 601هـ/1204م) "أسلم بالمغرب [مُكْرَهاً أيامَ دولة الموحدين] وحفظ ‏القرآن واشتغل بالفقه؛ ولما قدم [بحراً إلى فلسطين سنة 560هـ/1165م] من ‏الغرب صلى بمَن في المركب التراويح ‏في شهر رمضان" حين أدركهم أثناء رحلتهم.

ثم سرعان ما انتقل ابن ميمون هذا من فلسطين إلى مصر، وعندما اطمأنّ به المُقام فيها -حيث كان أفقُ التعايش الديني أرحبَ في ظل الدولة الأيوبية- عاد إلى ديانته الأصلية، وصار "رئيساً على اليهود" ‏فيها وقاضيا لقضاتهم سنة 573هـ/1177م الذي يسمونه "الناجد"، وذلك أيام ‏سلطنة صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ/1193م).‏
مهارة وإتقان
ومن نماذج أئمة التراويح المهرة الذين اعتادوا ختم القرآن فيها في ليلة واحدة ونحوها؛ قاضي القضاة بدمشق أبو الحسن عماد الدين الطَّرَسُوسي الحنفي (ت 748هـ/1347م) الذي "كان يحفظ القرآن في أقل مدة، حتى إنه صلى به التراويح في ثلاث ساعات وثلثيْ ساعة بحضور جماعة من الأعيان"؛ وفقا لمحيي الدين القرشي (ت 775هـ/1373م) في ‘الجواهر المُضِيَّة في طبقات الحنفية‘. ومع أن مفهوم "الساعة" عند الأقدمين مختلف -في مقداره الزمني- عن مفهومه اليوم؛ فإن احتمال مبالغة المؤرخين في قِصَر وقت الختمات يظل واردا.

‏ويروي الإمام شمس الدين الجَزَري (ت 833هـ/1430م) -في ‘غاية النهاية في طبقات القراء‘- أن المقرئ كمال الدين أبا الحسن الحميري الإسكندري المالكي (ت 694هـ/1295م) كان "يصلي ‏التراويح في كل ليلة بختمة كامل الشهر كله"، كما كان المقرئ أبو محمد يعقوب بن يوسف الحربي (ت 587هـ/1191م) "يصلي بالناس التراويح في رمضان كل ليلة بنصف ختمة"؛ طبقا ‏‎للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) في ‘لسان الميزان‘. ‎

ونجد بعض أئمتها من يخصص ختمة لكل عشر ليال من رمضان؛ فقد أخبرنا المؤرخ الأندلسي ابن بَشْكُوَالَ (ت 578هـ/1182م) -في كتابه ‘الصِّلَة‘- أن أبا القاسم خَلَف بن يحيى الفهري الطليطلي (ت 405هـ/1015م) "كان سكناه بالنَّشارين (= حيّ النجّارين)، وهو إمام ‘مسجد اليتيم‘ بقرطبة…، [و]كان يقوم في مسجده في رمضان بتسعة أشفاع (= 18 ركعة) على مذهب مالك، ويختم فيه ثلاث ختمات: الأولى ليلة عشر، والثانية ليلة عشرين، والثالثة ليلة تسع وعشرين".

وقد اعتاد كثير من أئمة التراويح صلاتها بالقراءات السبع وأحيانا العشر؛ ومنهم أبو علي الهلالي الحوراني -المتقدم ذكْرُه عند ابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘- الذي ‏‏"كان يصلي بجامع دمشق… صلاة التراويح ويقرأ فيها بعدة روايات يخلطها، ‏ويردد الحرف (= اللفظ) المختلَف فيه" بين القرّاء.


ويقول الإمام الذهبي (ت ‏‏748هـ/1347م) -في ‘تاريخ الإسلام‘- إن أبا العباس البَرَداني البغدادي الضرير (ت 621هـ/1224م) "كان يقرأ ‏في التراويح بالشواذّ رغبة في الشُّهرة"،‏ وكذلك المقرئ ‏محمد بن أحمد المقدسي الشافعي (ت 885هـ/1480م) الذي "صلى للناس التراويح في رمضان بالقرآن بتمامه، كل عُشر منه [بقراءة] إِمام من [القراء] العَشرة"؛ حسب الإمام السخاوي (ت 902هـ/1496م) في ‘الضوء اللامع‘.

ومن مشاهير أئمتها الذين مكثوا عشرات السنين وهم يؤمون الناس فيها أبو علي الحسن بن ‏داود القرشي الأموي الكوفي (ت 352هـ/963م)، فقد كان "صاحب ألحان، صلى بالناس التراويح في ‏جامع الكوفة ثلاثا وأربعين سنة"؛ كما يخبرنا عنه المؤرخ تاج الدين ابن أنجب السَّاعي (ت 674هـ/1275م) في ‘الدر الثمين في أسماء المصنفين‘.

وكذلك أبو عبد الله النيسابوري المُزكِّي (ت 392هـ/1001م) الذي يفيدنا الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأنه "صلى ‏بالناس التراويح ثلاثا وستين سنة بالختمة". ومثله كريم الدين أبو جعفر العباسي الخطيب (ت ‏‏574هـ/1178م) الذي "خطب بجامع القصر [في بغداد] وصلى التراويح نحوا من خمسين سنة"؛ حسب كمال الدين ابن الفُوَطي الشيباني (ت 723هـ/1323م) في ‘مجمع الآداب في معجم الألقاب‘.‏تراويح الخاصة
كان من العادات الاجتماعية المرتبطة برمضان انتقاءُ أئمة مميزين -متانةَ حفظٍ وجودةَ أداءٍ وجمالَ صوتٍ- ‏ليصلّوا التراويح بالسلاطين ‏وذوي المكانة الاجتماعية.

ومن أمثلة ذلك ما أورده الإمام الذهبي -في ‘سِيَر أعلام النبلاء‘- من أن الخليفة العباسي "المستظهر بالله (ت ‏‏512هـ/1118م) طلب مَن يصلي به…؛ فوقع اختياره على القاضي.. ابن الدواس…؛ [و] من كثرة إعجابه به كان أول رمضان قد شرع في التراويح فقرأ في الركعتين الأولييْن آية آية، فلما سلم قال له المستظهر: زدنا من التلاوة!‎‏ فتلا آيتين آيتين، فقال له: زدنا!‎‏ فلم يزل [يستزيده] حتى كان يقوم كل ليلة بجزء" من القرآن.

كما كان المقرئ ‏أبو الخطاب الكاتب الشافعي البغدادي (ت 497هـ/1104م) ‏‏"يصلي بأمير المؤمنين المستظهر باللَّه ‏التراويح"؛ طبقا‏ للذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘. ويخبرنا الحافظ ابن عساكر بأن زين القضاة سلطان بن يحيى القرشي الدمشقي (ت 530هـ/1136م) "صلّى ‏التراويح بـ[المدرسة] النِّظامية [ببغداد]… وخلع عليه ‏الخليفة" العباسي.

وجاء في ‘ذيل طبقات الحنابلة‘ للإمام ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ/1393م) أن المقرئ أبا القاسم هبة الله بن الحسن الأشقر البغدادي (ت 634هـ/1237م) كان "يؤم بالخليفة الظاهر (العباسي ت 623هـ/1226م)، ورتّبه إماما.. ‏في صلاة التراويح، وأذِن للناس في الدخول للصلاة" معهم بمسجد قصر الخليفة في بغداد.‏

وفي الأندلس؛ يترجم ابن عبد الملك المراكشي (ت 703هـ/1303م) -في ‘الذيل والتكملة‘- لابن مُقاتل القَيسي الغرناطي (ت 574هـ/1178م)؛ فيقول إنه كان "حافظا لكتاب الله تعالى، ضابطا لوجوه قراءاته، طيّب النغمة به…، مختارا للإمامة في التراويح بمسجد غرناطة الأعظم".

ويقول المراكشي أيضا أن سلطان دولة الموحِّدين المنصور يعقوب بن يوسف (ت 595هـ/1199م) استمع ذات يوم إلى تلاوة المقرئ أبي الحسن الفهمي القرطبي (ت 617هـ/1220م) "فأخذ بقلبه طِـيبُ نغمته وحُسن إيراده، فقرّبه واستخلصه، وأمره بتعليم أولاده وقراءة حزب من التراويح في رمضان".


وكان أبو بكر الأنصاري القرطبي (ت 614هـ/1217م) "حسن الصوت، يستدعيه الأمير لصلاة التراويح"؛ وفقا للذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘. ووُصف أبو الحسن ابن واجِب القيسي البلنسي (ت 637هـ/1239م) بأنه "من أحسن الناس صوتا ‏بالقرآن، ولذلك كان يُعيَّن لصلاة ‏التراويح بالوُلاة"؛ حسب المراكشي.



أئمة للأئمة
وجاء في ترجمة ابن الوزير البلنسي (ت 624هـ/1227م) أنه "صلى التراويح بالوُلاة..، وكان من أهل التجويد والتحقق بالإقراء أحد الطُّيَّاب المحسنين من القُرّاء"؛ كما في ‘التكملة لكتاب الصلة‘ لابن الأبار القضاعي البلنسي (ت 658هـ/1260م).

وتحدث الوزير الأندلسي لسان الدين ابن الخطيب (ت 776هـ/1374م) -في ‘الإحاطة في أخبار غرناطة‘- عن معاصره المقرئ محمد بن قاسم الأنصاري الجياني (ت بعد 776هـ/1374م) فقال إنه كان "طيّب النغمة [فـ]ـاقتحم لذلك دُسُوتَ (= عروش) الملوك…، وصلّى التراويح بمسجد قصر ‏الحمراء" في غرناطة.

وأورد قاضي القضاة المؤرخ ابن خلكان (ت ‏‏681هـ/1282م) -في ‘وفيات الأعيان‘- أن الوزير الأيوبي صفي الدين بن شكر الدميري (ت ‏‏630هـ/1233م) "أراد قارئا للمدرسة ‏التي أنشأها بالقاهرة المعزية يصلي بها التراويح، فاختير له شخصان اسم أحدهما زيادة والآخر ‏‏مرتضى".‏

وحتى كبار العلماء كانوا يختارون أحيانا غيرهم ليؤمهم في التراويح؛ فقد قال عمر بن سليمان أبو حفص ‏المؤدب (ت بعد 250هـ/864م): "صليتُ مع أحمد بن حنبل ‏‏(ت 241هـ/855م) في شهر رمضان التراويح وكان يصلي به ‏ابن عُمير"؛ حسبما في ‘طبقات الحنابلة‘ لابن أبي يَعْلَى الحنبلي (ت 526هـ/1132م).

وترجم السخاوي -في ‘الضوء اللامع‘- للمقرئ بدر الدين بن تَقِيّ القباني (ت ‏‏844هـ/1440م) فقال إنه "كان يؤم ‏شيخَنا [الحافظَ ابنَ حجر العسقلاني] في التراويح بالمدرسة المَنْكُوتَمُرية [في القاهرة] إلى أن مات".‏

وذكر الخطيب البغدادي أن الإمام القَعْنَبي (ت 221هـ/836م) -وهو أحد كبار رواة ‏‏‘الموطأ‘ عن الإمام مالك بن أنس ‏‏(ت 179هـ/795م)- كان من تلامذته ابن عباد النسائي المعروف ‏بالجلاجلي (ت 287هـ/900م) فـ"قدَّمه [إماما] في صلاة التراويح ‏فأعجبه صوته".‏


وفي المقابل؛ كان بعض أجلاء الأئمة يفضلون صلاتها بأنفسهم وفي بيوتهم، فقد "كان الشافعي (ت 204هـ/819م) لا يصلي مع الناس التراويح [في المسجد]، ولكنه كان يصلي في بيته ويختم في رمضان ستين ختمة"!؛ حسبما ذكره ابن عساكر -في ‘تاريخ دمشق‘.

أصوات مرغوبة
لطالما كان حسن الصوت أحد معايير الترجيح بين أئمة التراويح عند تعددهم في البلد أو الحي ‏الواحد؛ بل إن شرف الدين بن يحيى الحمزي المعروف بـكِبْرِيت المولوي (ت 1070هـ/1659م) يقول -في كتابه ‘رحلة الشتاء والصيف‘- إن "من محاسن الشام إحياء ‏ليالي رمضان المعظم، وإقامة التراويح بأحسن أداء يورث النشاط، فإن المكبرين يلوّنون في ‏التكبير بالأصوات الحسنة، فيبتدئون بمقام العراق ويختمون بمقام العشاق"!!‏

ومن أئمة التراويح المقصودين قديما لحسن أصواتهم أو جمال أدائهم في القراءات: المقرئُ أبو البركات بن العسّال ‏الحنبلي (ت 509هـ/1115م) الذي "كان من القراء المجوّدين، الموصوفين بحُسن الأداء، وطيب النغمة، يُقصد في ‏رمضان -لسماع قراءته في صلاة التراويح- من الأماكن البعيدة" في بغداد؛ حسب ابن رجب الحنبلي في ‘ذيل طبقات الحنابلة‘.‏

ومنهم كذلك أحمد بن حمدي أبو المظفر المقرئ (ت 576هـ/1180م) الذي "كان من القراء المجوِّدين… بالقراءات الكثيرة…، وأَمَّ.. بمسجد ابْن جردة [في بغداد]، وكان الناس يقصدونه ويسمعون قراءته في التراويح"؛ كما يرويه الخطيب البغدادي في ‘تاريخ بغداد‘.

وترجم الحافظ ابن حجر العسقلاني -في ‘الدُّرَر الكامنة في أعيان المائة الثامنة‘- لشمس الدّين الزرعي ابن البصّال المقرئ (ت 738هـ/1338م) "كان حسن الصوت جدا، وكان الناس ‏يقصدونه للصلاة خلفه في التراويح ويزدحمون" في مسجده.

وكان المقرئ محمد بن علي الشِّيرَجي المكي ‏‏(ت 827هـ/1424م) "حسن الصوت بالقراءة، وحين كان يصلي التراويح بالمسجد الحرام كان الجمعُ ‏يَكْثُر لسماع قراءته"؛ وفقا للمؤرخ الفاسي المكي في ‘العِقد الثمين في تاريخ البلد الأمين‘.‏



نغمات ساحرة
ويحدثنا المقريزي -في ‘المواعظ والاعتبار‘- أن إمام "المدرسة البَقَرية" بالقاهرة زين الدين أبا بكر النحوي ‏‏(ت بعد 746هـ/1345م) "كان الناس يرحلون إليه في شهر رمضان لسماع قراءته في صلاة التراويح لشجا صوته، ‏وطيب نغمته، وحسن أدائه، ومعرفته بالقراءات السبع والعشر والشواذ".

ويقول الإمام ‏السخاوي -في ‘الضوء اللامع‘- إن ناصر الدين أبا الخير محمد بن أحمد الخزرجي الأخمِيمي الحنفي (ت بعد 891هـ/1486م) "أمَّ ‏في التراويح بجامع الحاكم [بالقاهرة] وغيره.. وتزاحم الناس لسماعه والصلاة خلفه".‏

كما يخبرنا السخاوي بأن أحمد بن محمد البُلْقَيْني الشافعي القاهري (ت 838هـ/1435م) "كان حسن الصوت بالقرآن جدا، فكان الناس يهرعون إلى سماعه -سيما في قيام رمضان- من الأماكن النائية، بحيث يضيق الشارع بهم".

ويبدو أن أئمة التراويح ذوي الأصوات المُطرِبة أغْرَوْا -بحسن تغنّيهم بالقرآن- الجماهيرَ حتى من غير المسلمين، كما نجده -لدى الخطيب البغدادي- في قصة الإمام علي بن عبد الله البَرَداني (ت بعد 375هـ/984م) الذي "كان يلقب ‘مصطبانس‘"، فسأله أحدهم عن مصدر لقبه الغريب هذا فأجابه: "كنت أصلي بقوم التراويح في شهر رمضان فسمع ‏قراءتي قوم من النصارى، فاستحسنوها وقالوا: كأن قراءة هذا الرجل قراءة مصطبانس! يشيرون إِلَى قسّ لهم، فلقبني الناس بذلك"!!‏


ولم يكن حسن الصوت وحده عامل مفاضلة بين أئمة التراويح؛ بل ربما كان تخفيف أحدهم في ‏تراويحه ‏محبَّبا لدى طوائف من المصلين، ومن ذلك أن أحمد بن عبد الله الدُّوري المكي (ت ‏‏819هـ/1416م) "كان يصلي بالناس [في الحرم المكي] صلاة التراويح في رمضان، ويصلي خلفه ‏الجمع الكثير لكثرة تخفيفه، ويلقبون صلاته بالمسلوقة"!! وفقا للفاسي في ‘العقد الثمين‘.

ويفيدنا الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأن أبا بكر ابن حُبَيش البغدادي الضرير ‏‏(ت 314هـ/926م) كان "يقرأ بصوت شجيّ يقع في القلوب، ويصلي بالناس التراويح في الجامع" ‏ببغداد.‏حظر سياسي
أشرنا سابقا للخلاف الطائفي في مدى شرعية التراويح؛ ولكن المنع السياسي لإقامتها المؤيد بقوة السلطان كان أقوى تأثيرا من تلك الآراء الفِـرَقية التي ‏ظلت محدودة الانتشار زمانا ومكانا؛ فقد عُرف الفاطميون –وهم مؤسسو دولة الشيعة ‏الإسماعيلية- بمنع صلاة التراويح في حقب من تاريخ حكمهم الذي شمل الغرب الإسلامي ‏ومصر والشام والحجاز.‏

فقد خاطب الفاطميون أتباعهم -وهم ما زالوا في طور التنظيم قبل تأسيس الدولة- قائلين لهم عند حلول أول رمضان بعد انطلاق دعوتهم في بلاد تونس: "إن رمضان قد جاء، ومذهبنا ألا تُصلَّى التراويح لأنها ليست من سنة النبي ﷺ وإنما ‏سنّها عمر، ونحن نطوِّل القراءةَ في صلاة العشاء الأخيرة ونقرأ بالسُّور الطوال، فيكون ذلك عوضا عن التراويح"؛ حسبما يرويه ابن عِذاري المراكشي (ت بعد 712هـ/1312م) في ‘البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمَغرب‘.

ويخبرنا سبط ابن الجوزي (ت 654هـ/1256م) -في ‘مرآة الزمان‘- أن خليفة الفاطميين المنصور إسماعيل بن القائم بأمر ‏الله (ت 334هـ/946م) خالف سيرة أبيه وجدِّه في الحكم فـ"أقام التراويح والسُّنن" في تونس قبل مقدم خليفتهم منها إلى مصر سنة 362هـ/973م.

وأفاد المؤرخ ابن سعيد الأنطاكي (ت 458هـ/1067م) -في تاريخه- بأنه في سنة 370هـ‍/981م ‏مَنَع خليفة الفاطميين الثاني بمصر العزيزُ بالله (ت 386هـ/997م) صلاةَ التراويح بمصر فـ"عظُم ذلك على كافة ‏أهل السُّنة من المسلمين".‏

لكن خلَفـَه الحاكم بأمر الله (ت بعد 411هـ/1021م) سمح بإقامتها مؤقتا ثم منعها عشر سنوات حتى كانت عقوبة من يصليها الإعدام؛ فقد قال المقريزي ‏-في ‘اتعاظ الحنفا‘- إنه في سنة 399هـ/1011م أمر الحاكم بـ"قتل رجاء بن أبي الحسين (ت 399هـ/1010م) من أجل أنه صلى صلاة التراويح ‏في شهر رمضان".

وفي المسجد الأقصى بالقدس ضُرب الشيخ الصالح أبو القاسم الواسطي (ت القرن 4-5هـ/الـ10-الـ11م) حتى أوشك على الهلاك لأنه اعترض على "أمر السلطان [الفاطمي] بقطع صلاة التراويح"؛ طبقا لابن عساكر.

ثم سمح الحاكم الفاطمي بإقامة التراويح في المساجد مرة أخرى سنة 408هـ/1018م، وأصدر بذلك قرارا رسميا قرئ في مساجد مصر وغيرها فاستمرت إقامتها حتى وفاته؛ ‏وكانت دوامة المنع والإذن تلك للتراويح من أمثلة قرارات الحاكم المزاجية التي عُرف بها عهده المتقلب ‏المواقف والقرارات.
دوافع متعددة
وفي الجناح الشرقي من الخلافة العباسية؛ منع "الحشاشون" -وهم فصيل من الشيعة الإسماعيلية منشق عن ‏الدولة الفاطمية الأمّ بمصر- صلاة التراويح بالمناطق التي سيطروا عليها في فارس وخراسان، ‏ثم سمحوا بإقامتها في نهاية عمر كيانهم هناك.

فقد ذكر المؤرخ ابن تَغْرِي بَرْدي (ت 874هـ/1469م) -في ‘النجوم الزاهرة‘- أنه ‏في سنة 608هـ/1211م "قدِم بغدادَ رسولُ جلال الدين حسن (ت 618هـ/1221م) صاحب [قلعة] ألَمُوتْ يخبر ‏الخليفة [الناصر العباسي (ت 622هـ/1225م)] بأنهم تبرؤوا من الباطنية، وبنوا الجوامع والمساجد…، ‏وصلّوا التراويح في شهر رمضان؛ فسُرَّ الخليفة والناس بذلك".‏

وربما كان تدخل السلطة في شعائر العبادات بالمساجد -ومنها التراويح- نتيجة لحسابات الصراع السياسي مع الخصوم الإقليميين أكثر من كونه اقتناعا حقيقيا باختيار مذهبي معين؛ فالإمام الذهبي يخبرنا -في ‘تاريخ الإسلام‘- أنه "في رمضان [سنة 494هـ/1101م] أمر المستظهر باللَّه بفتح جامع القصر [ببغداد]، وأن تصلى فيه التراويح، وأن يجهر بالبسملة، ولم تَجْرِ بهذا عادة؛ وإنّما تركوا (= العباسيون) الجهر بالبسملة في جوامع بغداد مخالفةً للشّيعة [الفاطميين] أصحاب مصر".

ولم تكن القرارات السياسية المدفوعة بالتحيزات المذهبية هي الوحيدة التي تعطلت بسببها التراويح؛ إذ ترصد كتب التاريخ بعض الأزمات العامة من جوائح الأوبئة أو الحروب التي تزامن وقوعها ببعض البلدان الإسلامية مع حلول رمضان، فتوقفت جراءها صلوات الجماعة -بما فيها التراويح- كليا أو جزئيا.


فقد أورد ابن الجوزي -في أحداث سنة 439هـ/1048م- أنه "في رمضان غلا السعر ببغداد، وورد كتاب من الموصل أن الغلاء اشتد بها حتى أكلوا الميتة، وكثر الموت حتى إنه أحصِي جميع من صلى الجمعة فكانوا أربعمئة". وإذا تعطلت الجمعة في رمضان -وهي شعيرة واجبة الأداء نصًّا وإجماعا- فمن باب أولى أن يتوقف المصلون عن إقامة التراويح وهي نافلة.

وفي الغرب الإسلامي يقدم لنا المؤرخ المغربي أبو العباس الناصري (ت 1315هـ/1897م) -في كتابه ‘الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى‘- نصا صريحا في تعطل التراويح بسبب الاضطراب الأمني؛ فيقول إنه "لما قُـتل السلطان عبد الملك بن زيدان (السّعدي سلطان المغرب ت 1040هـ/1629م).. بُويع أخوه الوليد بن زيدان (ت 1045هـ/1634م)…، وعظُمت الفتن بفاس حتى عُطلت الجمعة والتراويح من جامع القرويين مدة، ولم يصلِّ به ليلةَ القدر إلا رجل واحد من شدة الهول والحروب"!!

محاريب متعددة
كان من أغرب سمات إقامة التراويح في الحرم المكي تعددُ محاريبها وجماعاتها وفقا للمذاهب الفقهية، ‏وهو مشهد آخر من مشاهد تمزق وحدة المسلمين تاريخيا جراء جناية التعصب المذهبي والطائفي حتى وهم يجتمعون في حرم كعبتهم وقِبلتهم الموّحِّدة، ‏ويؤدون شعيرة موَّحَّدة النُّسُك، وضمن طائفة واحدة (أربعة مذاهب سنية)!!

ولذا كان من المألوف أيامها أن "يصلي إمام الشافعية في مقام إبراهيم تجاه باب الكعبة، ثم إمام الحنفية مقابل حِجْر إسماعيل تجاه الميزاب، ثم إمام المالكية بين الركنين اليماني والشامي، ثم إمام الحنابلة مقابل الحَجَر الأسْود"؛ طبقا ‏لوصف مُجير الدين العُلَيْمي الحنبلي (ت 928هـ/1522م) في كتابه ‘الأنس الجليل‘.‏

وهي عادة بدأ العمل بها على الأقل منذ سنة 497هـ/1104م، ولم تختفِ إلا بعد إكمال آل سعود سيطرتهم على الحجاز سنة 1344هـ/1923م؛ ففي سنة 497هـ/1104م حج الإمام أبو طاهر ‏السِّلَفي (ت 576هـ/1180م) فوصف تعدد محاريب المذاهب في الحرم المكي وكيف يكون ترتيبهم في ‏أداء الصلوات، وقال إن إمام الشافعية هو "أول من يصلي من أئمة الحرم.. قبل المالكية والحنفية والزيدية"؛ طبقا للفاسي في ‘شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام‘.

وبعد قرون من شهادة ‏السِّلَفي؛ تحدث مؤرخ المدينة المنورة السمهودي عن تقليد تعدد المحاريب المذهبية ‏وانتشاره في الأقطار، فقال إن حدوثه في المدينة النبوية كان -في منشئه- بسعي من الفقيه الحنفي طُوغان شيخ المحمدي (ت 881هـ/1476م) "فبرزت المراسيم [السلطانية] به بعد الستين وثمانمئة (860هـ/1456م)"، مشيرا إلى أن "هذا الأمر دَبّ إلى المدينة الشريفة من مكة المشرفة‎".‏

ويصور لنا ابن جبير -في رحلته- مظاهر الاحتفال برمضان في مكة كما ‏شاهدها؛ فيقول إنه لما دخل رمضان سنة 579هـ/1183م "وقع الاحتفال في المسجد الحرام لهذا الشهر ‏المبارك.. حتى تلألأ الحرم نورا وسطع ضياءً، وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فِرَقاً (حسب ‏المذهب الفقهي).. كل فرقة منها قد نصبت إماما لها في ناحية من نواحي المسجد…، وكاد لا يبقى ‏في المسجد زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلي بجماعة خلفه، فيرتجّ المسجد لأصوات ‏القراءة من كل ناحية". وقد يتعدد أئمة تراويح المذهب الفقهي الواحد، فالمالكية مثلا قال إنها "اجتمعت على ‏ثلاثة قراء يتناوبون القراءة"!‏

ومن الحرم المكي انتقل تعدد المحاريب إلى المسجد الأقصى وغيره، إذْ "‏جرى مثله في بيت المقدس وجامع مصر"؛ وفقا للسمهودي. كما انتقل هذا التعدد أيضا إلى مسجد الخليل -عليه السلام- في فلسطين؛ حسب العُلَيْمي الحنبلي في ‘الأنس الجليل‘.
ضبط تنظيمي
ويبدو أن بروز هذه الظاهرة في الأقصى -فيما يخص التراويح تحديدا- لم يتأخر كثيرا عن تاريخ ظهورها في الحرم المكي إن لم يكن مزامنا له، بدليل أن الإمام ابن العربي المالكي (ت 543هـ/1148م) شاهد هذا الأمر في الأقصى حين زاره أواخر ثمانينيات القرن الخامس الهجري/الـ11 الميلادي.

يقول ابن العربي في تفسيره ‘أحكام القرآن‘: "وقد رأيت على باب الأسباط -فيما يقرب منه- إماما من جملة الثمانية والعشرين إماما، كان فيه يصلي التراويح في رمضان بالأتراك، فيقرأ في كل ركعة بالحمد لله وقل هو الله أحد، حتى يتم التراويح؛ تخفيفا عليهم ورغبة في فضلها".

كما يحدثنا الرحالة الأندلسي القاضي أبو البقاء البَلَوي (ت بعد 767هـ/1365م) عن مشاهداته الرمضانية ‏في "المسجد الأقصى… أعظم مساجد الدنيا" حين زاره في رحلته إلى المشرق، ويصف كثرة جماعات ‏التراويح فيه؛ فيقول: "ولقد عددت مواضع الإشفاع وصلاة التراويح بها في شهر رمضان ‏المعظم فألفينا نحو الأربعين موضعا"!!

وأحيانا تتدخل السلطات لتنظيم "فوضى" التراويح المتعددة في المسجد الواحد، وما ينتج عن هذا التعدد من ‏تداخل لأصوات الأئمة المقرئين وتشويش على المصلين المستمعين.


ولذا يذكر الإمام ابن كثير (ت ‏‏774هـ/1372م) -في ‘البداية والنهاية‘- أنه كان في الجامع الأموي بدمشق محاريب متعددة للمذاهب الأربعة، ولكن في زمنه ‏تدخلت السلطة لتوحيدهم "في صلاة التراويح، [فـ]ـاجتمع الناس على قارئ واحد وهو الإمام الكبير في المحراب المقدَّم عند المنبر"، كما يشير إلى واقعة تدخُّل أخرى للسلطة سبقت تلك بأكثر من قرن سنة 635هـ/1237م.‏

وجاء في كتاب ‘مفاكهة الخلان‘ لشمس الدين ابن طولون الدمشقي (ت 953هـ/1546م) أنه في رمضان سنة 926هـ/1520م أمر حاكم دمشق العثماني "إمامَ الحنفية بالجامع الأموي… بأن ‏يتروّح (= يصلي التراويح) بالمقصورة ليلة… و[يصليها الإمام] الشافعي ليلة، وفُعل ذلك وتركت ‏التراويح بمحراب الحنفية، ولم يسهل ذلك على متعصبي الشافعية" الذين لم يتقبلوا القرار بأريحية.

إمامة الصبيان
ومن الأمور الطريفة التي اقترنت -على مدى قرون- بشهر رمضان "إمامة ‏الصبيان" للتراويح في بعض جوامع الحواضر الكبرى وفي الحرم المكي خاصة؛ رغم أنه وقع ‏‏"في صلاة التراوِيح خَلْفَ الصبيان اختلافٌ" بين العلماء في صحتها؛ كما يقول ابن الضياء الحنفي (ت 854هـ/1450م) في ‘تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام‘.‏

ومن أقدم نماذج ذلك تاريخيا ما ذكره الرحالة المقدسي من أن أهل شيراز "يصلون التراويح… ‏ويقدّمون فيها الصبيان"، وما قاله ابن الجوزي (ت 595هـ/1199م) -في ‘المنتظم‘- عن اختيار سلطان البويهيين ببغداد في ‏سنة 395هـ/1006م كلا من أبي الحسين بن الرَّفَّاء وأبي عبد الله بن الزجاجي وأبي عبد الله بن البهلول ‏‏-وكانوا "من أحسن الناس قراءة"- ليكونوا أئمة رسميين "لصلاة التراويح.. وهم أحداث (= ‏غير بالغين)، وكانوا يتناوبون الصلاة.. ورغب [الناسُ] لأجلهم في صلاة التراويح".‏

وقد أصبح عادةً في الحجاز ومصر أن يَؤُمَّ الطفلُ الناسَ في التراويح إذا أكمل حفظ القرآن وأتم ‏اثنتيْ عشرة سنة من عمره، ولذلك نجد في ‘رحلة ابن جبير‘ معلومات وافرة عن إمامة ‏الصبيان في التراويح بالحرم المكي والاحتفالات المصاحبة لها، والتي جعلت بعضهم يقرّر أن من "محاسن الإسلام: يوم الجمعة ببغداد وصلاة التراويح بمكة"؛ وفقا للقاضي أبي علي التنوخي (ت 384هـ/995م) في ‘نشوار المحاضرة‘.

فقد ذكر ابن جبير أن "ليلة إحدى وعشرين خَتم فيها أحد أبناء أهل مكة…؛ فلما فرغوا منها قام الصبي ‏فيهم خطيبا، ثم استدعاهم أبو الصبي المذكور إلى [وليمة في] منزله.. ثم بعد ذلك ليلة ثلاث ‏وعشرين، وكان المختتِم فيها أحد أبناء المكيين ذوي اليسار غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة ‏سنة…، وحضر الإمامُ الطفلُ فصلى التراويح وختم، وقد انحشد أهل المسجد الحرام إليه رجالا ‏ونساء، وهو في محرابه".‏

وامتدت عادة إمامة الأطفال في تراويح الحرم إلى عصر الرحالة ابن بطوطة (ت 779هـ/1377م) وما بعده؛ ‏إذ يخبرنا -في رحلته- أن لكل مذهب فقهي محرابا خاصا بأصحابه، وأنهم ‏‏"في كل ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن، ويحضر الختم ‏القاضي والفقهاء والكبراء، ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة؛ فإذا ختم نُصب له ‏منبر مزين بالحرير وأوقد الشمع وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله ‏فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات".‏

وورد في ترجمة القاضي الشافعي جلال الدين البُلْقِيني (ت 824هـ/1421م) أنه "حفظ القرآن وصلى به ‏التراويح وهو صغير"؛ حسبما في ‘رفع الإصْر عن قضاة مصر‘ لابن حجر. كما أن الإمام ابن حجر نفسه أمَّ الناس في التراويح بالحرم المكي وعمره اثنتا عشرة سنة عام 785هـ/1383م ‏‏"على جاري العادة" في مَن يُكمل حفظ القرآن من الأطفال؛ طبقا للسخاوي في ‏‘الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر‘.

ويذكر السخاوي أن شيخه ابن حجر بعد أن صار إماما عظيما "حضر ليلةً من ليالي رمضان بجامع الحاكم للصلاة ‏خلف ابن الكُويز، إذ صلّى للناس التراويح عقب ختمه القرآن على جاري عادة الأولاد". بل إن الفاسي يفيدنا -في ‘العقد الثمين‘- بأن قاضي مكة ومفتيها محب الدين ‏بن ظهيرة (ت 827هـ/1424م) "حفظ القرآن الكريم… وصلى التراويح في سنة تسع وتسعين ‏وسبعمئة (799هـ/1397م)"، وعمره حينها عشر سنوات فقط لكونه وُلد عام 789هـ/1387م.‏

مقادير ومؤلفات
أما مقادير ركعات التراويح تاريخيا فإنها اختلفت وفقا لاختيارات المذاهب الفقهية؛ وإذا أخذنا بما استقر عليه الأمر في الحرمين الشريفين فسنجد أن عدد ركعاتها ظل مختلفا فيهما طوال أكثر من ألف سنة، ولم يتّحد الأمر فيهما حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري في ظل الحكم السعودي.

فقد كان المكيون -وفقا لابن ‏بطوطة- يصلون "التراويح ‏المعتادة وهي عشرون ركعة" ثم يتبعونها بركعات الوتر الثلاث، ‏وأما المدنيون فقد عزا النووي -حسبما ينقله عنه السمهودي في ‘وفاء الوفاء‘- إلى الإمام ‏الشافعي قوله: "رأيت أهل ‏المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة، منها ثلاث للوتر".‏

ويفيدنا السخاوي -في ‘التحفة اللطيفة‘- بأنه في أواخر القرن الثامن الهجري/الـ14 الميلادي كان المحدّث الحافظ ‏زين الدين عبد الرحيم ‏العراقي الكردي (ت 806هـ/1403م) من ‏مدرسي الحرم النبوي في المدينة، وعلى يديه تغير عُرف المدنيين في عدد ركعات التراويح؛ إذ كان "يصلي التراويح ‏بالناس عقب صلاة العشاء عشرين ركعة ويوتر بثلاث، فإذا كان ‏آخر الليل صلى بالناس ست ‏عشرة ركعة. واقتدى به في ذلك الأئمة بالحرم النبوي".‏


أما عدد ركعات التراويح في مساجد مصر فقد تراوح بين الاختيار الفقهي المذهبي الحرّ والتحديد الحكومي الرسمي الملزِم؛ وفي ذلك يقول المقريزي في ‘المواعظ والاعتبار‘: "ولم يزل أهل مصر يصلونها ستًّا (= 6 ترويحات: 12 ركعة) إلى شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين (253هـ/867م)"، ففي هذه السنة عينت السلطات العباسية ببغداد أرجوز (أو: أزجور بن أولغ التركي ت بعد 254هـ/868م) واليا على مصر فـ"أمَرَ أن تُصلَّى التراويحُ في رمضان خمس تراويح (= 10 ركعات)".

هذا وقد بينت كتب الفقه العامة وشروح الحديث النبوي أحكام صلاة التراويح ومقاديرها، كما أفردها بعض ‏العلماء بمؤلفات خاصة بها يبدو أن أغلبها لم يصلنا منه إلا عنوانه. ومن تلك المصنفات: كتاب "فضل التراويح" للحافظ أبي بكر محمد بن الحسن النقاش (ت 351هـ/962م)؛ و"كتاب التراويح" للإمام حسام الدين الشهيد ‏‏(ت 536هـ/1141م)؛ و"كتاب التراويح" لمفتي خوارزم أبي العباس أَحْمد بن إِسْمَعِيل التُّمُرْتَاشِيّ ‏الحنفي (ت قرابة 600هـ/1203م).

ومن هذه المؤلفات أيضا: كتاب "صلاة التراويح" للمحدّث ابن عبد الهادي الجمّاعيلي ‏الحنبلي (ت 744هـ/1343م)؛ و"ضوء المصابيح في صلاة التراويح" و"إشراق المصابيح في صلاة ‏التراويح" كلاهما لقاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي (ت 756هـ/1355م)؛ و"إقامة البرهان ‏على كميّة التراويح في رمضان" لأبي الضياء الغيثي الشافعي (ت 975هـ/1567م).‏


احتفاء واسع
هكذا إذن على مدى التاريخ الإسلامي؛ ظل اهتمام المسلمين بصلاة التراويح عظيما وشاملا باعتبارها أبرز ملامح احتفائهم برمضان، إذ أقبلت على تفيُّؤ ظلال إيمانياتها كافة الفئات والشرائح في المجتمعات المسلمة رجالا ونساء وأطفالا، حتى إن الرحالة ابن بطوطة يحدثنا عن "سوق المغنين" في الهند فيقول إن فيه مساجد، وإن "النساء المغنيات الساكنات هناك يصلين التراويح في شهر رمضان بتلك المساجد مجتمعات، ويَؤُمُّ بهن الأئمة وعددُهن كثير، وكذلك ‏الرجال المغنّون"!!

وفي كتابه ‘المواعظ والاعتبار‘ يصف المقريزي "سوق الشمّاعين" بالقاهرة المملوكية، وما كان يشهده من رواجٍ كبير لمعروضات بضائعه من الشموع والقناديل في ليالي رمضان؛ فيذكر أنه "كان به في شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يُشْتَرَى ويُكْتَرَى من الشموع الموكبية…. برسم ركوب الصبيان لصلاة التراويح، فيمرّ في ليالي شهر رمضان من ذلك ما يعجز البليغ عن حكاية وصفه"!

كما يروي لنا أبو البركات السويدي البغدادي (ت 1174هـ/1760م) -في ‘النفحة المسكية في الرحلة المكية‘- ذكرياته الرمضانية في دمشق حين زارها؛ فيقول واصفا صلاة التراويح بالجامع الأموي وما كان يرافقها من حفاوة اجتماعية تصل حد الضجيج: "ومن عجيب أمرهم أن النساء يختلطن بالرجال… وقتَ التراويح، ومرةً صليتُ التراويح في [الجامع] الأموي فرأيت الناس جلوسا بين الصفوف يتحدثون، والأولاد لهم صياح وعياط ولعب بحيث يشوشون على المصلين"!!

على أن إقامة التراويح لم تخلُ أحيانا من منغِّصات أدهى وأمرّ من صخب الأطفال وصراخهم في فضائها الروحاني المهيب؛ فمؤرخ يوميات دمشق شهاب الدين البديري (ت 1175هـ/1761م) يسجّل -في كتابه ‘حوادث دمشق اليومية‘- أنه في يوم "الاثنين [من سنة 1173هـ/1759م] ثبت رمضان المبارك، وثالث ليلة منه -والناس في صلاة التراويح- صارت زلزلةٌ مزعجِةٌ، فقطعت الناس صلاة التراويح، وتهاربت الناس وداست بعضها بعضا، وانذهلت عقولهم"!!


ولئن كان للفواجع نصيبها من تعكير صفو الجموع المحتشدة للتراويح؛ فقد أخذ الشعراء قسطهم من التوظيف الأدبي الظريف في تلك المناسبات، ومن ذلك ما يحكيه المؤرخ قطب الدين اليُونِيني (ت 726هـ/1326م) -في ‘ذيل مرآة الزمان‘- من أن الشاعر جمال الدين المصري المعروف بابن الجزّار (ت 679هـ/1278م) "بات ليلة في شهر رمضان عند الصاحب بهاء الدين أحمد بن حنّا (الوزير المملوكي ت 677هـ/1278م)..، فصلى عنده التراويح وقرأ الإمام في تلك الليلة سورة الأنعام في ركعة واحدة! فقال [ابنُ الجزار]:
ما لي على "الأنعام" من قُدرة ** لا سيما في ركــعة واحــدة
فلا تسوموني حضــوراً سوى ** في ليلة "الأنفال" و"المائدة"!!