‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أ.د.يوسف خليفة اليوسف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أ.د.يوسف خليفة اليوسف. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 25 يونيو 2017

دروس من أرض الكنانة

          
دروس من أرض الكنانة

أ.د. يوسف خليفة اليوسف
@Prof_Yousif



لايمكن لعاقل وقاريء للتاريخ أن ينكر أو يتجاهل الدور المحوري لمصر أرض الكنانةفي المنطقة العربية وكذلك في بقية بقاع العالم الإسلامي
فبعد حرب رمضان عام 1973م حرص كيسنغر (وزير خارجية أمريكا) على أن يخرج مصر من معادلة الحرب والسلام في المنطقة مستغلا تقاعس بعض الدول النفطية عن تلبية حاجات مصر التنموية ومستفيدا من صراعات أنظمة الاستبداد مع بعضها البعض في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج وعدم اكتراثها بما خلّفته هذه الصراعات من تخلف وتجزئة وتبعية وتهميش لشعوب المنطقة. 
وبالفعل ما إن أُخرِجَت مصر من دائرة الحرب والسلم بين العرب وإسرائيل من خلال ما عرف باتفاقية كامب ديفيد حتى عاثت إسرائيل فسادا وتدميرا في العالم العربي، ف ـ مرةً تهاجم لبنان، ومرةً تغتال القيادات الفلسطينية في تونس، ومرةً تدمر المفاعل النووي العراقي في القصير، ومرةً تعمّق الخلافات بين الفلسطينيين أنفسهم، ومرة ًتتعاون مع أنظمة الاستبداد العربية لضرب غزة، والقائمة تطول.

وهكذا استمر العالم العربي في التمزق؛ لأن قيادة مصر للعالم العربي قد جُمِّدت. 
من هنا فإن ثورة 25 يناير الشبابية كانت بمثابة الصاعقة التي نزلت على رؤوس القيادات الغربية وأعوانها في المنطقة، فكيف يمكن لهذا المارد العربي الذي تم تدجينه من خلال اتفاقات السلام والمساعدات واحتواء بعض قياداته الفاسدة أن ينتفض مرة واحدة ليغيّر موازين القوى بين الحاكم المصري وشعبه، ثم بين الشعوب العربية وحكامها؟ 
هذا أمر غير مسموح به في نظر القوى الاستعمارية، ولا شك لدينا في أن التصريحات المؤيدة للشعب المصري في بداية الثورة من قبل بعض الحكومات الغربية لم تكن أكثر من ذرّ الرماد في العيون لأن هذه التصريحات واكبتها جهود مضنية لمعرفة الكيفية التي يمكن بها توجيه مسار الأحداث في مصر بحيث لاتخرج عنالمسموح به في الغرب وعند حلفائه في المنطقة، أي أن لاتمس هذه التحولاتُ في مصر السلامَ الهش مع إسرئيل، وأن لاتسمح برفع الحصار عن حماس، وأن لاتسعى إلى توحيد الجبهة الفلسطينية، وأن لا تتمكن مصر من استعادة قرارها المستقل سياسيا واقتصاديا، وأخيرا أن لايتم كذلك تصدير الثورة المصرية إلى بقية دول المنطقة خاصة دول الخليج والجزيرة ذات المخزون النفطي الاستراتيجي، فالغرب لايرى في هذه المنطقة إلا النفط وربيبته إسرئيل. 
إذن، كانت رغبة الدول الغربية في أن تفرز الانتخابات المصرية قيادات سياسية تحدث بعض الإصلاحات الشكلية مع إبقائها على القيود التي كبّلت بها مصر منذ سنوات، باختصار فإن المطلوب غربيا هو أن لا تأتي قيادات أصيلة ومستقلة في قرارها وملتحمة بالشعب المصري وتضع مصالحه وأمنه فوق مصالحها الشخصية وتسعى لإعادة مصر إلى مركز القيادة في العالم العربي أي استعادة مصر لدورها كقاطرة للتغيير في المنطقة العربية. ولكن الغرب فوجيء بمجيء التيار الإسلامي الذي طالما حاولت وسائله الإعلامية تشويه رسالته ورجالاته وتاريخه، فبدأ الغرب بعد ذلك في وضع الخطط لإحباط هذا التوجه مستفيدا من ضعاف النفوس والأتباع في المنطقة، ومن بعض القيادات التي غرسها هنا وهناك في المجتمع المصري عبر السنوات الماضية، وهذا يؤكد من غير أدنى شك أن الغرب يقدم مصالحه على مبادئه ولايكترث بحقوق الشعوب الأخرى إلا إذا أدرك بأن هذه الشعوب جادة في الحصول على حقوقها ولديها النفس الطويل والخطط الواضحة لتحقيق أهدافها، عندئذ فقط يبدأ الغرب في المساومات للتعامل مع الواقع الجديد. 
وهناك شواهد كثيرة في تاريخ المنطقة وبقية العالم تؤكد أن الغرب على استعداد للتخلي عن كل حلفائه في المنطقة إذا شعر بأن كلفة الوقوف بجانب هؤلاء الحلفاء هي أكبر من المكاسب المتوقعة، وهذا ما حصل في حالة حسني مبارك وقبله بن علي وشاه ايران وماركوس في الفلبين وسوموزا في أمريكا اللاتينية وغيرهم من المستبدين والظلمة الذين باعوا أوطانهم وشعوبهم من أجل الكراسي والنفوذ.
غير أن التيارات الإصلاحية خاصة الإسلامية -التي أثبتت صناديق الاقتراع شعبيتها- يقع عليها بعض اللوم كذلك في ما آلت إليه الأمور في مصر، فهي قد استعجلت في اعتقادنا تحمّل جزء كبير من مسؤوليات الدولة في فترة انتقالية كان الأجدر أن يتقاسم فيها الجميع المسؤوليات ليس فقط لطمأنة جميع أطياف المعارضة والشعب المصري بأن الإسلاميين لاينوون احتكار السلطة، وإنما كذلك حتى تتمكن التيارات الإسلامية من توجيه طاقاتها إلى نشر ثقافة الحرية بدل ثقافة الاستبداد التي خلّفها النظام السابق، وبناء مؤسسات المجتمع المدني في كل أنحاء مصر حتى يصبح هذا المجتمع بكل صوره هو صمام الأمان أو الدرع الواقي الذي يمكنه أن يحول دون احتكار السلطة أو سوء استغلالها من أي فصيل مجتمعي أو أي انقضاض من قبل العسكر أو القوى الخارجية
ونذكر هنا بأن الشيخ ابن باديسالجزائري أوجد فروعا لرابطة العلماء الجزائريين في كل مدن الجزائر تقريبا، والإمام البنا أنشأ أكثر من 40 جمعية وهيئة للاهتمام بالفقراء وتلبية حاجاتهم، ولم يكن تفكير ابن باديس والبنا عليهما رحمة الله تفكيرا حزبيا ضيقا وإنما كان سعيهما من أجل إحياء المجتمع المدني بكافة مؤسساته وتقليل الاعتماد على الدولة وما تفرضه من قيود على حرية البشر خاصة الدولة المستبدة.
هذا التعجل هو الذي وضع التيارات الإسلامية في موقف حرج حتى تجاه التيارات المعارضة الأخرى التي لازالت كغيرها من شرائح المجتمع مترددة في ما يتعلق بقدرة الإسلاميين، بل ومتشككة في مصداقيتهم بسبب الدعايات الرسمية وأحيانا بسبب بعض إخفاقات الإسلاميين التاريخية، مما دفع ببعض هذه الفئات المعارضة إلى التعاون مع فلول النظام السابق وحتى مع القوى الأجنبية من أجل إسقاط الشرعية عن طريق انقلاب عسكري كان يُدبَّر له منذ فترة طويلة. 
هذا يعني أن عودة القرار في مصر إلى الشعب المصري ليست مسألة سهلة أو مرغوبة من قبل بعض مخلفات النظام السابق أو الحكومات الخليجية أوالدول الكبرى بسبب ما ستؤدي إليه من تغيير في كثير من معطيات الساحة العربية والدولية، وبالتالي فإن على أحرار مصر والعالم العربي أن لا يعولوا كثيرا على هذه القوى وإنما عليهم أن يدركوا أن الحسم في مصر سيكون بتغيير موازين القوى بين قوى الإصلاح والقوى المعارضة للتغيير في الداخل وبطرق سلمية قد تستغرق وقتا طويلا وستتخلها كثير من التضحيات والتراجعات في بعض الأحيان، ولكن هذا الكفاح السلمي سيكون الآلية التي ستؤدي إلى تطوير تدريجي لمؤسسات المجتمع المدني ووسيلة للتخلص من ثقافة الاستبداد واستبدالها بثقافة الحرية التي تعتبر شرطا لفعالية المجتمع المدني وتبني الناس لمفاهيم الحرية والدفاع عنها والقبول بنتائج صناديق الاقتراع وعدم ميلهم إلى الانجراف وراء الدعايات بأشكالها، وهذه العملية التعليمية ستُحيي في عقول وقلوب أبناء المجتمع المصري الرغبة في التواصل مع بقية الشعوب العربية.
من هنا فإن عملية التحول المنشودة في مصر وغيرها من الدول العربية تتطلب عملا سلميا يتصف بالمثابرة والصبر لأن المستقبل هو لصالح قوى التغيير وليس لصالح قوى الاستبداد والجمود، فالحق أبلج والباطل زاهق وسنة الله لاتحابي أحدا، ومن الضروي في الوقت نفسه أن لا تنجرف القوى الإصلاحية إلى العنف، لأن العنف ينتصر فيه عادة من لديه القوة المادية ويكون مستعدا للبطش، وحتى في حالة سقوط النظام المستبد بطريق العنف فإن التكلفة ستكون عالية جدا على المجتمع وتجعل نهضته تأخذ زمنا طويلا بعد ذلك، ونحن هنا نتحدث عن صراع داخلي ولانتحدث عن مواجهة خصم من الخارج لأن المواجهة الخارجية لها أحكام مختلفة وإن كان الصراع الدائر في الدول العربية حاليا له بعد خارجي واضح، ولكن الأدوات محلية.

يجدر التذكير بأن ما ذكرناه عن حالة مصر ينطبق على بقية دول المنطقة خاصة دول الجزيرة العربية التي لو كان فيها مجتمعا ناشطا ومؤثرا منذ زمن بعيد لما رأينا الاعتقالات العشوائية والمحاكمات الهزلية والأحكام الجائرة ولا رأينا أموال الخليج تستخدم أداة للفتنة في مصر، وهي أموال كان الأجدر بها أن تذهب إلى الحكومة المنتخبة لتتمكن من تحويل المجتمع المصري من حالة الثورة إلى حالة الدولة التي تسودها الحرية ويسودها الازدهار، وبذلك تعود مصر إلى دورها الرائد في المجتمع العربي على الصعيدين التنموي والأمني، ولكن في ظروف جديدة وآمال كبيرة بسبب الربيع العربي.


أقرأ ايضا

هل أتاك حديث رئيس الوزراء البريطاني عام 1907 ؟


يا أبناء الربيع العربي ... أحذرو مصيدة الأستشراق !


الأربعاء، 21 يونيو 2017

يا أبناء الربيع العربي ... أحذرو مصيدة الأستشراق !

    يا أبناء الربيع العربي ... أحذرو مصيدة الأستشراق !


أ.د. يوسف خليفة اليوسف

تقديم
منذ استقلال الدول العربية حتى بزوغ فجر الربيع العربي ظلت الحركات ألأسلامية بكل اطيافها اما مبعدة كليا أو تشارك في تجارب مسقوفة لأن الغرب لم يقبل بهذه التيارات وكان يرى ان الأنظمة الأستبدادية سواء كانت ثورية أو وراثية هي افضل لتحقيق مصالحه السياسية وهي كذلك اقدر على استخدام العنف ضد معارضيها لتحقيق ألأستقرار مهما كان هذا الأستقرار هشا كما اثبتت التجارب اللاحقة. اما بعد الربيع فقد اصبح ألأسلاميون هم اللاعب الأكبر في الدول التي سقطت فيها الأنظمة ومن المتوقع ان يكون لهم دور مشابه في الدول التي لازالت تتفاعل مع الربيع العربي على استحياء كالنظم الوراثية التي ادخلت نفسها وللأسف في نفق مظلم باختيارها أساليب العنف على الأصلاح . ولاشك ان المسؤولية التي القاها الناخب على الحركات الأسلامية خاصة في الدول التي سقطت فيها ألأنظمة ألأستبدادية هي ليست بسبب قيادة هذه الحركات للأحتاجات التي واكبت الربيع العربي ، لأن هذا الربيع كان نبض الجيل الشاب بكل اطيافه ، وانما بسبب ترسخ منظومة العقائد والقيم التي يمثلها الأسلام في ذاكرة الأمة ، وكذلك بسبب ما تعرض له الأسلاميون من اعتقالات وتعذيب من أنظمة ألأستبداد ، بل ان الربيع العربي قد احرج القيادات القديمة في هذه الحركات امام الجيل الشاب الذي وجد في التأني المفرط لهذه القيادات في الأنظمام الى هبة الربيع العربي بعد بدايتها امر لم يعد مقبولا ، فقرر هؤلاء الشباب ان يقودوا الحرس القديم الى مسيرة بقية شرائح المجتمع المطالبة بالتغيير . ومما يفسر اقبال الشعوب على التيار الأسلامي بكل اطيافه كذلك هو الأخفاق الذي عانت منه أنظمة الأستبداد العربية سواء الثورية منها أو الوراثية ، حيث تساوت هذه الأنظمة تقريبا في تهميشها للشعوب سياسيا ، وفشلت في ايقاف اتساع فجوة الدخل بين دول المنطقة وداخل كل دولة ، ووقفت مكتوفة الأيدي أمام تزايد معدلات الفقر والبطالة ، وعجزت عن ايقاف النهب الذي تمارسه الدول الغربية لثروات هذه الشعوب ، اما ببيع السلاح او بالحروب المدمرة أو بشراء النفط باسعار بخسة ، أو بسبب تآكل الثروة النفطية المودعة في اسواق المال الغربية من خلال التضخم وتراجع قيمة الدولار والأزمات المالية المتكررة ، في الوقت الذي تراجعت فيه مؤشرات التنمية في المنطقة العربية مشيرة الى مجتمعات مأزومة . 
على كل حال سواء كان دور الحركات السياسية في تفجير شراراة الربيع العربي رئيسيا ام انه كان ثانويا فان من المؤكد ان توقعات الناخب العربي منهم كبيرة وتضعهم امام امتحان صعب ، فشعار الأسلام هو الحل لم يعد وسيلة لأستنهاض الأمة ، وانما اصبح برنامج عمل يحتاج الى فقه ينزله على أرض الواقع بصورة متدرجة ومتحركة ومستوعبه للواقع تؤثر فيه وتتاثر به وهكذا دواليك ، وهي عملية تراكمية ولكنها لن تخلو من بعض التراجعات والجمود احيانا ، فاصعب ما في التغيير القادم هو ليس توصيف واقع الفساد الذي يراد تغييره ، ولا المجتمع الراشد الذي تتجه اليه القلوب والأبصار ، وانما هي المرحلة الأنتقالية التي بينهما وما فيها من تعقيدات وتشابكات وتحديات تتطلب فقه متحرك ومتجدد مع الوقت والمكان وفي اطار الثوابت حتى لاتكون هناك مبررات لأعداء هذا الدين ان يسقطوا قصور البشر على المنهج الرباني بما فيه من كمال ورحمه وديمومة  . 
وقد اخترنا عدد من المنطلقات التي نعتقد انها جديرة بالأهتمام من أبناء الربيع العربي والتيارات الأسلامية خاصة حتى تتمكن من بلورة نموذج حضاري بخصوصيات الأمة يمكن ان يطرح كبديل للنموذج الليبرالي الغربي ، وهنا نود أن نؤكد ان المنطلقات التي نتعرض لها في هذه الورقة المختصرة تمثل في اعتقادنا الخطوط العريضة لما نراه نموذجا تنمويا نابع من ثوابت هذه ألأمة ومحققا الحرية السياسية والتنمية المستدامة والعدالة الأجتماعية ، وهدفنا من طرح هذه المنطلقات هو تفتيح آفاق للحواروتقديم بعض الأشارات هنا وهناك من غير أدعاء باننا نقدم تصور تفصيلي للنموذج الحضاري الأسلامي ، لأننا نعتقد بداية بان هذا النموذج سيتبلور وتظهر ملامحه بصورة تدريجية كثمرة للفكر والممارسة التي ستتم انطلاقا من الثوابت الحضارية وفي ظل بيئة تتصف بالحرية والمواطنة الواحدة وتعتمد على مزيج من التشريعات والتعليم والثقافة وتبقي على ما هو ايجابي في النظم المعاصرة وتعدل ما هو غير ذلك باسلوب عملي وتدريجي  . 

هذا يعني ان احياء النموذج الحضاري الأسلامي يتطلب العمل على اكثر من محور أهمها اربعة محاور هي 
أولا : تجاوز مصيدة ألأستشراق وذلك بتوثيق وتوعية المجتمع المعاصر بما  حققته  الحضارة الأسلامية من انجازات على كافة الأصعدة عندما كانت قريبة من منابع الدين الأصلية قبل ان تمر بمواسير انظمة الأستبداد اللاحقة ؛ 
ثانيا : العمل على فهم النموذج الليبرالي بكل جوانبه خاصة في ما يتعلق بالظروف التي ادت  الى تهميشه لدور الدين ، وعوامل القوة فيه ، وأهم اخفاقاته ، حتى تكون هذه المعرفة احد المدخلات في بناء النموذج البديل . 
ثالثا : تقديم رؤية كونية بديلة للرؤية المعاصرة التي افرطت في المادة على حساب الروح وافرطت في الفردية  على حساب الأسرة وافرطت في التوجه الى الدنيا على حساب الآخرة لأن هذه الرؤية هي وحدها قادرة الى اعادة التوازن الى علاقة الأنسان بكل مكونات هذا العالم . 
واخيرا : ان انزال الرؤية الكونية المتوازنة على ارض الواقع يتطلب ايجاد  آليات ونماذج تنتقل بالأنسان من واقعه الحالي الى الواقع المنشود بصورة متدرجة وبخطى ثابته تبتعد تدريجيا عن النموذج الحضاري الغربي الى النموذج الأسلامي المنشود من خلال توفير الحريات التي تساعد على عملية نشر وتأصيل وتطبيق منظومة القيم الأسلامية في كافة مجالات الحياة حتى يشاهد المجتمع اثر هذه المنظومة القيمية على ترميم كيان الأسرة وفي الأرتقاء بمستوى التعليم وفي تنقية رسالة الأعلام وفي تهذيب النشاط الأقتصادي وتقليل معدلات الفقر وتفاوت الدخل وتحفيز العمل الخيري والنقابي . 
وسنعالج كل مرتكز من مرتكزات النموذج الحضاري البديل في ورقة مستقلة وهذه الورقة الأولى هي عن أهمية الأبتداء بفهم مخاطر الأستشراق بنوعيه القديم والجديد خاصة في ما يتعلق بتشويه ثوابتنا الحضارية ودورنا في الحضارة البشرية واثر كل ذلك على وحدة جبهتنا الداخلية لأن السير الى الأمام يتطلب درجة من الأتفاق على ثوابت الأمة بين جميع أبنائها حتى يكون الأختلاف اثراء لمسيرتها بدل أن يتحول الى قنابل موقوته لتفجيرها من الداخل كما يرغب الأستشراق وأعوانه.

تجاوز مصيدة ألأستشراق
كثير من عقلاء الغرب القدماء منهم والمعاصرين يعترفون بأن الحضارة الغربية المعاصرة قد تأسست على اكتاف العلماء المسلمين . ولكن التحيز الذي سببه الجهل والأهواء احيانا ومحاولة الحفاظ على المصالح احيانا أخرى جعل الغرب منذ بداية عصر التنوير يلبس عباءة الأستشراق بصوره القديمة والمستحدثه وقد يكون الأديب والباحث الفلسطيني ادوارد سعيد هو أول من كشف عورة هذا العلم عندما الف كتابه المعنون " ألأستشراق" والذي اكد فيه بالتحليل الموثق ان المستشرقين قد رسموا في أذهانهم صورة عن الأسلام تنسجم مع ما يخدم مصالحهم وبداوا بنشرها على انها تمثل حقيقة الأسلام . ولاشك ان هذا النقد الذي قدمه ادوارد سعيد هو تعبير صحيح عن ما كان يدرسه الغربي بما في ذلك القيادات السياسية عن الأسلام والمسلمين [1]

وخطورة مصيدة ألأستشراق أنها سممت العلاقة بين ألمسلمين والغرب وكذلك بين المسلمين انفسهم فلم يعد بينهم الحد الأدنى من الأتفاق ، فلم يكتفي الفكر الأستشراقي بمحاولة ابعاد الدين عن الحياة كما حصل في الغرب وانما سعى لجعل مباديء الأسلام سببا في تخلف المسلمين ، وقد تمخضت عن هذه الرؤية سياسات تسعى الى ابعاد المعتقدات والقيم عن فضاء السلوكيات اليومية فافرط البشر في اتباع الهوى، واصبحوا كالسائق الذي عطل كوابح سيارته فاذا به يقع في سلسلة لاتنتهي من الكوارث التي تعكر عليه صفو الحياة وتوتر علاقته بغيره ، وقد ترافقت هذه السياسات مع هجمة شرسة على اللغة العربية وذلك باستبدالها باللغة الأنجليزية كلغة تعليم وترجمة ونشر ، وفي الغرب بدأت بعض الجامعات في السنوات الأخيرة في التركيز على اللهجات العربية بدل اللغة العربية لتهميشها ، وانتشرت ظاهرة تقديم رسائل الدكتوراة في اللهجات العربية،  بل أن حتى بعض مناهج تدريس اللغة العربية في الغرب بدأت تركز على اللهجات وحدها ، كل ذلك لتخريج جيل من الباحثين العرب المتقوقعين على كياناتهم الصغيرة ، فهذا خليجي ، وهذا سوري ، وذلك مصري وهكذا دواليك مما يجعلهم منقطعون عن لغة القرآن وعن دينهم وثوابته ، وتراثهم وثروته ، وتاريخهم وانجازاته ، وهذا يسهل بدوره تبعيتهم لغيرهم وفقدانهم لعوامل القوة في موروثهم الحضاري .

 لذلك فاننا عندما نتحدث عن هذا المكون في بناء النموذج الحضاري البديل فاننا نخاطب أبناء الأمة الأسلامية أولا لأن فهم مصيدة الأستشراق والتعامل معها بفطنة وحكمة ووعي وعقلانية وتقديم الأدلة سيكون بمثابة الخطوة الأولى لبناء حصوننا من الداخل ، وفيها كذلك تنوير للباحثين عن الحقيقة من أبناء شعوب العالم ليتأكد لهم أن مباديء الأسلام التي قامت عليها أرقى حضارة بشرية هي وحدها لازالت تمتلك حلولا لكثير من العلل التي افرزتها الحضارة المادية المعاصرة التي جعلت الأنسان عبدا لأهوائه وقصر نظره . وهدفنا هنا هو ليس التفصيل وانما التنبيه على اهمية هذا البعد في التأسيس  لنهضتنا مما يعني أن على ثلة من أبناء الأمة أن تسد هذه الثغرة بمزيد من تقليب صفحات التاريخ وتوثيق مساهمات المسلمين الحضارية وترتيبها ونشرها وكذلك بكشف اكاذيب الأستشراق وفضحها وتعرية أنظمة الأستبداد التي طالما تقنعت باقنعة اسلامية والأسلام منها بريء أو كما قال جورج أورويل : "اذا انتشر الخداع فكشف الحقيقة يعتبر ثورة " والتصدي للأستشراق القديم والحديث هو في اعتقادنا ثورة فكرية نحتاجها اليوم ، وهي ثورة  لايراد بها تناسي ما تعاني منه الأمة اليوم من ضعف وتفكك وتبعية ، وانما الهدف منها هو التأكيد على اهمية ثوابت الأمة في عملية الأحياء ودحض حجج الأستشراق الواهية . 
فهذا احد رواد الأستشراق في القرن التاسع عشر وهو ايرنست رينان يقول في محاضرة له يوم 23 فبراير 1862 عن الشعوب السامية في الكلية الفرنسية :" الأسلام هو النقيض التام لأوروبا . الأسلام هوتطرف لم يوجد له مثيل حتى في اسبانيا تحت حكم فيليب الثاني او ايطاليا تحت حكم بيوس الخامس . الأسلام مناقض للعلم وكبت المجتمع المدني . انها الروح السامية المخيفة تقلص العقل الأنساني وتغلقه امام كل فكرة حاذقه وشعور سامي وتحقيق منطقي وتواجهه بالمصطلح الأبدي : " الله هو الله " ويضيف قائلا : " في العلم والفلسفة نحن ( الأوروبيون) ننتمي كليا الى اليونان". وفي محاضرة لاحقة له بعد عشرين عاما القاها في جامعة السربون وكانت بعنوان " ألأسلامية " أكد رينان ما قاله سابقا واضاف ما معناه بان الأسلام أساء الى العقل وقد جعل المناطق التي احتلها مغلقة امام التحليل المنطقي [2]
ولازال اتباع مدرسة رينان موجودون بل أن بعضهم من بني جلدتنا ويعيشون بيننا وبعضهم كاد أن يكون أكثر استشراقا من رينان نفسه ، ولم نكن لنعترض على هذه الفئة الأخيرة لو انها درست مبايء الأسلام بحيادية كما درست المباديء الأخرى ولكنها اختارت طريقا أقصر، فقد نظروا الى واقع المسلمين في أسوأ احواله ، اي في ظل اتساع الفجوة بين المباديء والممارسات ونظروا الى الجوانب المشرقة في الغرب ، فوقعوا فريسة
لمصدية الأستشراق وتحولوا من حيث علموا او لم يعلموا الى معاول تهديم من الداخل ، فنرى احدهم يخوف أبناء جلدته من العودة الى العصور الظلامية التي كان الدين مسيطرا فيها متناسيا أن هذا المصطلح غريب على امتنا لسبب بسيط وهو انه مصطلح يعود الى زمن كانت فيه الكنيسة في الغرب تعذب وتحرق العلماء
لأنهم بدأو يتأثورن بشعاع الحضارة الأسلامية التي كانت تعيش في هذه الفترة عصرها الذهبي في الأندلس والقاهرة وقرطبة وبغداد ، فاين الظلام الذي يتحدث عنه هؤلاء ؟ 
هذا يعني انه بينما كانت ممارسات الكنيسة عندهم مؤدية الى عصور الظلام كان تمسكنا نحن بثوابت ديننا سببا في عصرنا الذهبي، وعندما أبتعدنا عن المنابع الصافية لحضارتنا وبدأنا نتلقى افكارنا وممارساتنا من مواصير انظمة الأستبداد وأبواقها بدأت امتنا في الأنحدار ، وحتى برنارد لويس –المستشرق اليهودي – سخر من هذا الأستلاب الحضاري الذي يعاني منه بعض أبناء جلدتنا عندما قال في أحد كتبه المعنون " أين الخطأ": " ان الذين يدعون بان الأسلام عقبة في طريق الحرية والعلم والتنمية يتناسون ان المسلمين كانوا روادا في هذه ألأصعدة الثلاثة عندما كانوا قريبين من اصول دينهم ، ويضيف قائلا اننا يجب ان نتساءل "عن ماذا فعل المسلمون بالأسلام وليس العكس ؟"وقد أصاب الرئيس الأمريكي الأسبق ترومان عندما قال " ليس في العالم من جديد غير التاريخ الذي تجهله " وأي جهل اعظم من جهل الأنسان بتاريخه وارثه الحضاري .
غير ان الغرب ليس كله استشراقيا بل ان فيه من العقلاء الذين دافعوا عن الأرث الأسلامي أكثر من دفاع اهله عنه وسنذكر هنا بعض الأمثلة تقديرا لهم . 
فهذا الفيلسوف الغربي ديورانت يقول في كتابه عصر الأيمان ، كما ينقل الرئيس ألأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه " اغتنم الفرصة – صفحة 199- انه عندما كانت أوروبا تغط في سبات عميق في القرون الوسطى ، كانت الحضارة العربية الأسلامية تعيش عصرها الذهبي ، حيث كانت لها مساهمات في شتى فروع المعرفة ، كالعلوم الطبيعية والطب والفلسفة ، فابن سيناء كان اعظم كاتب في الطب ، والرازي كان أعظم طبيب ، والبيروني كان اعظم عالم جغرافي ، وابن الهيثم كان رائدا في البصريات  وجابر بن حيان كان أعظم كيميائي ، وابن رشد كان أعظم الفلاسفة " ويضيف ديورانت قائلا : " لقد كان للعرب دور محوري في تطوير منهج البحث العلمي ، فعندما نقل روجرز بيكون منهج البحث العلمي الى أوروربا ، كان قد تاثر في ذلك بالعرب المسلمين في أسبانيا" ، ويختم حديثه بالقول "ان علماء النهضة الأوروبية قد وقفوا على أكتاف عمالقة العرب وهم يؤسسون لحضارتهم المعاصرة ". 
أما ديفيد لاندس ، مؤرخ التاريخ الأقتصادي المعاصر وصاحب كتاب " ثروة وفقر الأمم" فيذكر في كتابه هذا(ص.54) "أن الفترة ما بين 750 و1100 ميلادي قد شهدت تفوق العلوم والتقنية التي كانت عند العرب والمسلمين ، على تلك التي كانت عند الأوروبيين " مؤكدا " أن أوروبا قد حصلت على هذه العلوم من خلال اتصالها بالعرب المسلمين في اسبانيا، وأن ألأسلام كان أستاذا لأوروبا خلال هذه الفترة ". 
هذا عن دور العرب والمسلمين في العلوم اما عن اخلاقهم في الحروب فانه يقول بالحرف الواحد " عندما احتل الصليبيون القدس في العام 1099 عاثوا فيها فسادا ، فدمروا ، واغتصبوا ، وقتلوا ، بينما عندما استعاد صلاح الدين القدس للمسلمين في العام 1187 حافظ عليها ، ولم يفعل ما فعله الصليبيون " .
 اما روبرت بريفولت صاحب كتاب " نشأة الأنسانية " فيقول في الصفحتين 188-189 من كتابه " ان نهضة أوروبا المعاصرة الفعلية بدأت في ظل اليقظه الثقافية للعرب والمور( المسلمون الأسبان) ولم تبدأ في القرن الخامس عشر. فاسبانيا وليست ايطاليا كانت مهد ولادة الحضارة الأوروبية . ففي الوقت الذي انحدرت فيه أوروبا الى قاع الجهل والأنحطاط ، كانت مدن كقرطبة وبغداد وطليطلة والقاهرة مراكز للحضارة والأبداع الفكري
 ويضيف قائلا :ان الغالبية من الأوروبيين ظلوا ينكرون هذا الفضل للعرب .
وفعلا فان كثير من الغربيين قد طمس هذه المساهمات الرائدة للحضارة العربية الأسلامية ، فاليوم كثير من ادبيات النهضة في الغرب تتحدث عن الحضارة الأغريقية والرومانية حتى عام 300 ، ثم تقفز فجأة الى عصر التنوير في الغرب أبتداءا من عام 1500 متجاهلة العصر الذهبي للمسلمين الذي امتد ما بين 800 الى 1500 ، وقد اطلق احد المؤرخين الغربيين على هذا الطمس لتاريخ المسلمين مصطلح " الثقب الأسود في التاريخ " كناية عن تجاهل هذه المرحلة من قبل الغرب ، وهي المرحلة التي ينبغي على المسلمين  كشفها للعالم ليس من باب التباهي، وانما لحفظ تاريخ المسلمين ، ودحض ادعاءات المستشرقين ، وغرس الثقة في عقول وقلوب جيل الربيع العربي بان ثوابت دينه كانت سببا في قيام اعظم حضارة واطول حضارة عرفتها البشرية [3]. ففي هذه المرحلة استوعب المسلمون النافع من الحضارات التي سبقتهم ونقدوها من منظور رؤيتهم الأسلامية واضافو عليها ثم جعلوها بعد ذلك خميرة نشات منها الحضارة الغربية المعاصرة [4]. 

هذا ما قاله المنصفون من الغربيين عن آثار الحضارة الأسلامية لأن الحكم على نجاح أي حضارة لايتحقق الا بدراسة ثمرتها على حياة البشر ولفترة طويلة وعلى كل الأصعدة ، فانت قد تبني بيتا يبدو من حيث الشكل جميلا ومريحا ولكنك تكتشف مع مرور الوقت وتعرضه للرياح والأمطار وغيرها من المؤثرات ، أنه أوهن من بيت العنكبوت، لأنه قام على اسس ضعيفة .
هذا في ما يتعلق بأرث الحضارة الأسلامية ومتانتها ، فماذا قالوا عن صاحب الرسالة محمد بن عبدالله عليه افضل الصلاة وهو القدوة الثابتة لأن سيرته هي بمثابة  البوصلة التي نسترشد بها جميعا في تصحيح اقوالنا وافعالنا في هذه الحياة ؟  
يقول مايكل هارت ، مؤلف كتاب " المئة الأوائل : " ان اختياري محمدا ليكون الأول في قائمة اهم رجال التاريخ قد يدهش القراء ، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي ( الصفحة 21 في الطبعة المترجمة- دار قتيبة) . 
أما برنارد شو الفيلسوف الغربي فانه يصف الرسول ورسالته بالقول : "لقد كنت دائما اكن احتراما كبيرا لدين محمد بسبب ما يتصف به من حيوية . فهو الدين الوحيد الذي تتصف مبادئه باستيعاب مستجدات الحياة مما يجعله صالحا لكل الأزمان . لقد درست حياة الرجل الرائع – وفي اعتقادي انه يجب ان يعتبر بمثابة منقذ للبشرية ، واعتقد ان لو ان رجلا كمحمد تولى قيادة العالم المعاصر فانه سيتمكن من حل كافة مشاكله بصورة تحقق الأمن والسعادة " ، وينهي برناد شو حديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول: " انني اتنبأ بأن اوروبا  ستقبل على دين محمد في المستقبل كما اقبلت عليه في الماضي "[5].
أما نقاء واصالة مرجعية مبادئنا وحفظ قرآننا من التحريف فيؤكدها الغربيون أنفسهم ، فهذا العالم والطبيب الفرنسي المعروف موريس بوكاي يصدر كتابا عنوانه " الأنجيل والعلم والقرآن" يؤكد فيه نتائج مقارنته بين نصوص القرآن والتوراة والأنجيل من جانب ، والحقائق العلمية المؤكدة من جانب آخر ، ويخرج بعدة نتائج أهمها أن القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي لم يتعرض للتحريف لأنه لايتعارض مع حقيقية علمية واحدة الى يومنا هذا ، بينما هناك تضارب كثير بين التوراة والأنجيل وبين العلم ( الصفحات 249-252) . 
لذلك  عندما نسمع اليوم البعض من قليلي الزاد في التاريخ أو ذوي النوايا السيئة يقول ان في العودة الى التاريخ الذهبي لهذه الأمة هو تخلف أو ظلامية العصور الوسطى ، نقول له ان معلوماتك التاريخية خاطئة لأنها تعبر عن تاريخ غيرنا ، وهي كذلك ضارة لأنها تحرمنا من معرفة عوامل القوة التي كانت تحرك حضارتنا عندئذ ولم تعد موجودة اليوم ، فالأنسان قد يسيء فهم المباديء او ينحرف في تطبيقه لها مما يعني ان المباديء قد تكون سليمة ولكن التقيد بها لم يكن كذلك . 

فليست هناك من مقارنة بين الصديق رضي الله عنه وهو يقول: "الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له ..." ، وبين حاكم  في زمننا هذا ينهب وأعوانه ثروات الأمة ثم يقوم بقطع يد من يسرق جهلا أو حاجة مدعيا أن هذا هو دين الله . 
وليس هناك كذلك مجال للمقارنة بين أن يشكر عمر الفاروق رضي الله عنه ربه لأن في امته من سيقوم اعوجاجه بحد السيف ، وبين حاكم في زمننا هذا يقتل ويسجن ويصادر حرية شعبه ويتعاون مع اعداء الأمة من اجل ان يستمر في كرسيه ويبقي أمته في حضيض الذل ، فبالله عليكم أي العصرين أحق ان يطلق عليه مصطلح العصر الظلامي ؟ أهو العصر الماضي الذي كان يمثله الصديق والفاروق ، أم العصر الحاضر الذي يمثله حكام نصبهم الأستعمار فأساءوا الى دين الله والى تراث هذه الأمة وجعلوا شعوبها أذلة في أوطانها ؟ " .
والغريب انه عندما تجسس الرئيس نيكسون على خصومه الديمقراطيين في بداية سبعينيات القرن الماضي تم عزله من قبل الكونغرس الأمريكي ولم يتحدث احد عن خلل في الدستور الأميركي وهو دستور وضعه الأنسان نفسه ، فلماذا اذا انحرف الحكام عندنا عن مبادئنا الربانية نتجه الى مهاجمة ديننا وثوابتنا الحضارية بدل ان نوجه أنظارنا الى اهل هذا الأنحراف لأعادتهم الى الطريق السوي ؟ هذا في الوقت الذي تزداد فيه حاجة البشرية الى المباديء الأسلامية يوما بعد يوم وسنذكر هنا فقط مثالين اقتصاديين على ما نقول . 
فمنذ عشرين عاما اعترف الأقتصادي الفرنسي موريس أليس الحائز على جائزة نوبل في الأقتصاد بأن استقرار الأقتصاد العالمي يتطلب تخفيض سعر الفائدة الى الصفر وفرض ضريبة قدرها 2% ، ولاشك ان هذا الأقتراح هو منسجما مع روح الأقتصاد الأسلامي الذي يحرم الربا ، اي يجعل الفائدة صفرا، ويفرض زكاة قدرها 2.5% على الأموال بعد توفر عدد من الشروط ، أما آخر اعتراف بمتانة وصلابة المباديء ألأسلامية فهو ما طرحته جريدة الفاتيكان الرسمية في عددها الصادر في 5 مارس 2009 خلال الأزمة المالية التي عصفت بالعالم منذ عام 2008 ، من أن مباديء التمويل الأسلامي فيها حل للأزمة المالية وقالت: " ان الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها التمويل الأسلامي يمكن ان ترمم علاقة المتعاملين مع مصارفهم وان تعيد هذه المصارف الى الروح الحقيقة التي يجب ان تسود في كل المعاملات المالية " .
غير اننا اذا تذكرنا ان الأستشراق بصوره القديمة والحديثه هو ليس أكثر من أداة من أدوات السيطرة على هذه المنطقة وثرواتها ومواقعها ألأستراتيجة وحماية الكيان الصهيوني ، فان الدعوات التي نسمعها من الغرب خاصة بعد الربيع العربي والتي تطالب بتبني النظام الليبرالي الغربي هي في الحقيقة محاولة لأبعاد الأمة عن ثوابتها الحضارية وايقاعها في مصيدة جديدة لتسهل السيطرة عليها ، اكثر منها رغبة في نشر الحرية وتحقيق الوحدة والتنمية في المنطقة العربية ، لأن تحقيق هذه ألأهداف يتصادم مع مصالح الغرب بصورة صارخة كما بينا في كتاب حديث لنا يمكن العودة اليه ( مجلس التعاون الخليجي في مثلث الوراثة والنفط والقوى الأجنبية) ، وبالتالي فان هذه  الأصوات الرسمية الغربية التي نسمعها تطالب بحرية العرب هي منافية للسجل التاريخي للغرب في المنطقة  ولاينبغي ان نهتم بها كثيرا ، بل اننا يجب ان نتوقع بأن تسعى الولايات المتحدة خاصة ، كما يقول الكاتب الأمريكي شوموسكي ، أن تعيق عملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية وان تجعلها مسقوفة وشكلية كما فعلت في كثير من الدول ، لأن التحرر الكامل لأنظمة الحكم في المنطقة العربية يعني تغيير في موازين القوى تجاه الغرب واضرار بمصالح الدول الغربية لصالح شعوب المنطقة [6]
لذلك فاننا نتمنى على جميع أبناء هذه الأمة خاصة أولئك الذين يرغبون في استنساخ تجربة الغرب من غير وعي بدينهم ولا بدراسة كافية لأفرازات وواقع النموذج الغربي الحالي انهم بفعلهم هذا يصادرون حرية الأمة في ممارسة دينها والتمسك بقيمها ، وهذا يعني انهم يفتعلون بموقفهم هذا – بادراك أو بغير أدراك- صدامات وخلافات غير مبررة مع الغالبية العظمى من أبناء هذه الأمة ، وحتى اذا أرادوا جدلا أبعاد الأسلام كليا عن الساحة فعليهم ان يقنعوا الأمة بذلك من خلال صناديق الأقتراع وليس بالأنقلابات أو بالتعاون مع الأجنبي، هذا اذا لم تكن قد وصلتهم رسائل الشعوب العربية عندما كسرت اغلال الأستبداد وصوتت في انتخابات نزيهه في مصر وتونس وغيرها ، والا فانهم سيكونون قد مارسوا نوع من الأرهاب الذي طالما اتهموا به الأسلاميين وتخلوا عن الحرية التي طالما تغنوا بها لأن صناديق الأقتراع النزيهة = حرية +عدالة + استقرار + استقلال + أزدهار ، وغياب هذه الصناديق يعني عكس هذه الأمور . 
نقول ذلك لأن صناديق الأقتراع هي بمثابة الماء الجاري الذي سيؤدي تدريجيا الى تصفية واقع الأمة من آفات الأستبداد وألأستقطاب والتهميش باشكالها ، أما اذا كانوا يؤمنون بحرية وحق الأمة او غالبيتها بالتمسك بأصول دينها مع تخوفهم من سوء استغلال الدين من قبل حزب أو جماعة ، فعندئذ يمكن الأنتقال الى تعريف هذه الثوابت ووضعها في الدستور وترك قضية نشرها والتوعية بها لمؤسسات المجتمع المدني تجنبا لأي سوء أستغلال .

 وفي اعتقادنا ان ادراك كافة أبناء العرب بما فيهم الأخوة المسيحيين لهذه القضية والتعامل معها بعقلانية هو المدخل الطبيعي لحل اشكالية الأصالة والمعاصرة ، بل نكاد أن نجزم أنها السبيل الوحيد لأخراج الأمة من المصيدة التي وقعت فيها والتي نرى بعض صورها في ما بعد الربيع العربي .

 [1] Edward W. Said , Orientalism : 25th  Anniversary Edition With a New Preface by the Author ( New : Vintage Books, 1979) , pp.XV-XXX.
[2] Tariq Ramadan , Islam and the Arab Awakening ( Oxford : Oxford University Press, 2012) , p.17.
[3] H.J. Morowitz, “ History’s Black Hole, Hospital Practice ( May 1992) , pp.25-31.
[4][4] M. Basheer Ahmed et al , Muslim Contributions to Moslem Civilization  ( Herendon(VA): the International Institute of Islamic Thought , 2005) , pp.xviii-xx.
[5] Sir George Bernard Shaw, in ‘The Genuine Islam,’ Vol.1, No.8. 1936.
[6] “Chomsky: Arab Spring’s Threat to Western Colonialism,” May 11, 2011, http://forafreeegypt.blogspot.com/2011/05/chomsky-arab-springs-threat-to-western.html


الأحد، 18 يونيو 2017

هل أتاك حديث رئيس الوزراء البريطاني عام 1907 ؟


هل أتاك حديث رئيس الوزراء البريطاني عام 1907 ؟

أ.د.يوسف خليفة اليوسف

في عام 1907 كلف رئيس الوزراء البريطاني عندئذ كامبل بانرمان عدد من مفكري وفلاسفة وعلماء سبع دول أوروبية تنوعت تخصصاتهم بدراسة الكيفية التي يمكن أن تحفظ بها الدول الأوروبية سيطرتها على الشرق وتأخير فترة تراجعها وانهيارها كما حصل لبقية القوى الأستعمارية ، وبعد قراءة تاريخ الحضارات السابقة من حيث النشأة والأنهيار خرجت هذه الهيئة بتقرير حمل اسم رئيس الوزراء بانمر وقد تم التكتم على هذا التقرير نظرا لحساسيته وخطورته حتى أواخر الأربعينات حيث ورد ذكره في محاضرة بعنوان " فلسطين والقانون " القاها المحامي انطوان كنعان في جامعتي فلورنس وباريس عام 1949 ، ثم قام اتحاد المحامون العرب باصدار التقرير في عام 1957 ، وبعد ذلك اكد الأستاذ محمد حسنين هيكل وجود هذه الوثيقة في كتابه المعنون " المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل" . وجدير بالأجيال العربية اليوم ان تتأمل هذا التقرير لتفهم واقعها وتحسن العمل على تغييره اذا ارادت السير في طريق النهضة ، والتقرير فيه تشخيص لواقع العالم العربي عندئذ وفيه كذلك مقترحات لكيفية الهيمنة عليه وفي هذه الورقة المختصرة نستعرض مضمون هذا التقرير وتوصياته ثم نستخرج منه بعض العبر لواقعنا العربي اليوم . 

يقول تقرير بانرمان :" هناك قوم يسيطرون على مناطق شاسعة غنية بالثروات الظاهرة والباطنه ويسيطرون على أهم الطرق التي تربط مناطق العالم وارضهم هي محضن الديانات والحضارات البشرية . هؤلاء القوم لهم دين واحد وينطقون بلغة واحدة ولهم تاريخ مشترك وطموحات واحدة وليس هناك ما يفصل بينهم ... واذا توحدوا في دولة واحدة فانها ستمسك بمقدرات العالم في يدها وستفصل أوروبا عن بقية العالم . وبأخذ هذه الحقائق في الأعتبار لا بد من زرع كيان غريب في قلب هذه المنطقة لمنع توحدها واستنزاف مواردها بحروب لاتنتهي ويمكن لهذا الجسم ان يمثل راس حربة لتحقيق ما يرغب فيه الغرب من مصالح " . 

وقد اقترح المؤتمرون - أو المتآمرون اذا شئت - عدة سياسات لمنع توحد المنطقة العربية وأبقائها خاضعة للغرب ومن اهم هذه السياسات : تشجيع التجزئه والأنقسامات والحركات الأنفصالية ، انشاء كيانات سياسية مصطنعة وخاضعة للدول الغربية ، محاربة أي جهود وحدوية سواء كانت فكرية او دينية او غيرها اضافة الى انشاء " دولة عازلة " في فلسطين يسكنها شعب قوي معادي لجيرانه وصديقا للغرب ومحافظا على مصالحه . 

هذا هو جوهر ما ورد في تقرير بانرمان الصادر عام 1907 . 

والمتامل للعالم العربي اليوم يرى أنه يمثل صورة واقعية لتوصيات تقرير بانرمان . فقد تم فصل الأقليم العربي عن الدولة العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الثانية ، وقد سبق وان وعدت الدول الغربية الشريف حسين بدولة عربية موحدة مقابل وقوفه الى جانبها ضد الأتراك ، أما على صعيد الممارسة فقد وضعت خطة لتنفيذ توصيات تقرير بانرمان ، ففي عام1916 فرضت الوصاية الغربية على غالبية اجزاء العالم العربي عملا باتفاقية سايكس-بيكو ، وفي عام 1917 صدر وعد بلفور الذي يعطي اليهود دولة في فلسطين ، وقد وافق على هذا الوعد المشؤوم كل من الرئيس الأمريكي ولسون ، الذي طالما تغنى الغرب بمبادئه التي يطالب فيها بتحرر الشعوب ، ووافقت على هذا الوعد كذلك كل من فرنسا وايطاليا والفاتيكان لجعله وعدا دوليا ، وقد تواطأت معهم "جمعية الأتحاد والترقي" التركية ، التي سبق وان اسقطت السلطان عبدالحميد عام 1908 . 

وما ان بدأت الدول العربية في نيل "استقلالها" بعد الحرب العالمية الثانية حتى بدأت الصراعات العربية-العربية بكل اشكالها ، فخلال الحرب الباردة بين الغرب والشرق كان الصراع عندنا هو بين التقدميين والرجعيين ، وحول القضية الفلسطينية كان الصراع بين بين اهل الصمود واهل السلام ، وبعد ذلك اصبح الصراع بين دول الممانعة ودول الأعتدال ، ورافقة صراع بين الأسلاميين والقوميين ، وها نحن الآن ندخل مرحلة الصراع بين السنة والشيعة ، وقد ظلت منطقتنا ارضا لمعارك مدمرة اكلت الأخضر واليابس ولازالت هذه المعارك مستمرة ، وقد نتج عنها القتل والتشريد وتدمير البنية الأساسية وتضييع فرص التنمية والحرمان من الأمن والأستقرار ومزيد من الفقر والجهل ومزيد كذلك من توسع الكيان الصهيوني على حساب أهلنا في فلسطين ، وكلما بذلت جهودا لأطفاء معارك داحس والغبراء قامت الدول الغربية بمساعدة أعوانها في المنطقة كاسرائيل وشركات النفط الأجنبية والأنظمة المستبدة واجهزة المخابرات الغربية وبعض رجال اعلامها وشركاتها الأمنية في اشعالها من جديد كل ذلك حتى لاتفكر هذه الأمة في جمع شملها وتوحيد صفها واستغلال مواردها في بناء مجتمع متقدم . 

ونحن على يقين باننا ونحن نسطر هذه الكلمات فان هناك مراكز تبحث وخبراء يفكرون في صور وآليات جديدة ومبتكرة لتعميق التجزئة في منطقتنا ، فسوريا واليمن والسعودية والعراق والمغرب وليبيا والجزائر وحتى الدول العربية الصغيرة لن تكون بمعزل عن هذا المسلسل الا اذا افقنا من سباتنا العميق.
 بل وقد يحاول البعض ان يغتنم فرصة الربيع العربي وما يواكبه من توتر وحراك لجعله محطة تقود الى مزيد من التفكيك لمنطقتنا ، فجميع بلدان الربيع العربي ظهرت فيها ثورات مضادة لثورات الشعوب التي مثلها الربيع العربي وهذه الثورات المضادة تجمعت تحت رايتها فلول الأنظمة السابقة واجهزة ألأستخبارات الأجنبية وبعض الحكومات الخليجية التي اعمتها مصالحها الآنية عن النظر الى مستقبل هذه الأمة والتناغم مع تطلعات شعوبها . غير أن مسؤولية تقع كذلك على الأحرار في هذه البلدان حيث انشغل بعضهم بالخلافات قبل اسقاط انظمة ألأستبداد كما هو الحال في سوريا وبعضهم ظهرت خلافاته بعد اسقاط الأنظمة السابقة كما حصل في مصر ولبيبا واليمن وهذه الخلافات بين أحرار الأمة غير مبررة لأن المرحلة الحالية تتطلب الأتفاق على الحد الأدنى أي المشتركات وعدم الخوض في تفاصيل الشكل الذي ستأخذه أنظمة هذه الدول في المستقبل لأن هذه القضايا التفصيلية تتطلب بيئة صحية للحوار وتتطلب ايجاد وعي مجتمعي يتم على ضوءه تطوير عقد اجتماعي جديد في جميع هذه الدول . 
من هنا فان المهمة الأساسية لهؤلاء الأحرار في الوقت الحاضر يجب ان تتمثل في وضع قوانين اللعبة السياسية والألتزام بنتائجها من قبل جميع الأطراف لأن هذا الألتزام يعني السماح لعجلة التغيير في الدوران بصورة متدرجة ، وهذا يعني كذلك تنقية المجتمع من ثقافة الأستبداد والرأي الواحد واستخدام العنف باشكاله واستبدال هذه الأساليب باساليب سلمية يضبطها القانون وتمارس من خلال المؤسسات الفاعلة . 
وهذا كله يتطلب من أحرار هذه الأمة عدم الوقوع فريسة لمزيد من الخلافات باشكالها والعمل الدؤوب من اجل توفير الحرية لكل أبناء المنطقة ومساعدتهم على ممارستها بصورة تؤدي الى بلورة عقد اجتماعي جديد وتضييع الفرصة على المتربصين بالربيع العربي ، ذلك أن الفساد والأستبداد والتبعية والظلم لايكمن حلها بمزيد من التجزئة ، وانما يكمن حلها في مزيد من التوحد الذي يعمق المشتركات ويحقق التنمية التي لاتتحقق في ظل كيانات صغيرة ، ويحفظ أمن شعوب هذه المنطقة ويردع الأطماع الأقليمة والدولية . ونحن وان كنا لاننكر "نظرية المؤامرة " ، وهذا التقرير احد الشواهد عليها ، الا اننا يجب أن نضعها في حجمها الطبيعي وننتقل لما هو أهم منها وهو ايجاد المناعة ضدها ، فقد تعود بعضنا ان يجعل من المؤامرات التي تحاك ضد هذه الأمة مشجبا يعلق عليه اخفاقاته واستبداده وتعطيله لطاقاته متناسيا ان لهذه الأمة منطلقات عقائدية تؤكد بانها امة لاتؤتى من الخارج الا بعد ان تنهار حصونها من الداخل كما اخبرنا رسولنا الكريم عليه افضل الصلاة والتسليم ، وفي هذا الصدد يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله ان مصائد المستعمر لاتقع فيها الا امة لديها قابلية للأستعمار، وهذا هو ما حل بالعرب والمسلمين منذ ان بدأوا بنقض عرى دينهم ..عروة عروة حتى اصبحوا غثاء كغثاء السيل . وينسى من يتكيء على نظرية المؤامرة بيننا كذلك ان الحديث عن المؤامرة وحده لن يغير من نتائجها في شيء ، وانما الذي سيدفع اذاها عن هذه الأمة هو الفهم الصحيح للعلل التي حلت بهذه الأمة والتي من بينها الأستبداد ، والفقر ، والتجزئة ، والجهل ، والتفكير الضيق ، والأنانية الزائدة ، وممارسة العنف الكلامي والجسدي في غير موضعه ، وتقديس الأشخاص ، وعدم القدرة على تحمل وجهة النظر المخالفة ، والعجز عن التفكير الأبداعي ، اي خارج المألوف ، والأكتفاء بتكرار مقولات اكل الدهر عليها وشرب وغيرها من مظاهر التخلف ، التي ستظل تنهش في جسد هذه الأمة وتمنعها من السير الى الأمام حتى يتم علاجها مصداقا لقوله تعالى " ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم " . وهنا لابد لنا أن نذكر اخواننا واخواتنا الكرام بان تاريخ الحضارات البشرية يشير بوضوح الى ان كل حضارة بشرية ظلت تسعى لنشر قيمها والحفاظ على مصالحها مع تفاوت في نوعية هذه القيم وفي سبل الحفاظ على المصالح ، وبالتالي فلا ينبغي ان نستغرب ما تضمنه التقرير السابق اذا تذكرنا الفلسفة المادية التي تنطلق منها الحضارة الغربية ، بل يجب أن نستغرب من عجزنا عن ممارسة سنة المدافعة بكفاءة عالية تحبط مخططات الأعداء ، خاصة وان كبوة هذه الأمة قد طالت وهي تنتقل من أزمة الى أخرى أكبر منها ، ونحن لازلنا منشغلين بقضايا هامشية . 
هذه المدافعة تتطلب الكفاح من اجل اعادة بناء الحصون من الداخل وهذا بدوره يتطلب الأنتقال من انظمة مستبدة تعبث بقرارات وبمقدرات الأمة وتتقاسمها مع الأجنبي الى حكومات تتصف بالرشد وتعبر عن أرادة شعوبها وتخضع لها ، والأنتقال من اقتصاد السمسرة والريع الى اقتصاد حرفي ومنتج يقوم على الصناعة والنسيج والزرع ، والأنتقال من اعلام يزور الحقائق وينشر الرذائل الى اعلام يتصف بالموضوعية وكشف الحقائق ، ومن قضاء يمثل ادوات بطش في أيدي الأنظمة الى قضاء يحفظ كرامة الأنسان وحقوقه ، وكل هذه الأمور يصعب تحقيقها مالم تخطو هذه الأمة خطوات منتظمة وتدريجية نحو تحويل هذه الكيانات الهزيلة الى كتلة تمتد من الخليج العربي الى المحيط الأطلسي وتحمل اسم الولايات العربية المتحدة ، والوحدة المنشودة لاينبغي أن تقوم على الأكراه وانما يجب أن تنبع من قناعة شعوب المنطقة بانها السبيل الوحيد لتحقيق النهضة المنشودة . هذا يعني انها لن تكون وحدة يفترس فيها القوي الضعيف أو يتسلط عليه كما يحصل في ظل الأنظمة الأستبدادية ، وانما ستكون اقرب الى النموذج الأمريكي أو الأوروبي أو الأتحاد الماليزي حيث ان كل دولة أو ولاية لها الحق الكامل في الدخول في هذا الكيان او عدمه وستحافظ على كثير من خصوصياتها ، ولكنها ستصبح جزءا من كيان أكبر يحقق لجميع الأطراف مكاسب اقتصادية وامنية بعيدة مدى لايمكن تحقيقها في ظل الكيانات الحالية . ولاينبغي للدول الغنية بالنفط اليوم ان تنسى حقائق التاريخ وهي ان الأعتماد على مورد ناضب كالنفط لايمكن التعويل عليه في المستقبل وان افضل مسار هو اغتنام فرصة وجود هذه الثروة الناضبة لتحويلها الى ثروة دائمة في اطار كيان اقتصادي كبير يحقق اقتصادا متنوعا في هيكله من الزراعة الى النسيج الى الصناعة بانواعها الى استنبات التقنية المتطورة الى السيطرة التامة على الثروة النفطية ابتداء من البئر الى محطة البنزين ، وهذا كله يتطلب بناء انسان حر ومنتج وهو أمر لايمكن تحقيقه الا بكسر طوق التجزئة الحالية والعمل على ايجاد تكامل بين موارد هذه الأمة بدل الهدر الحالي الناتج عن ازدواجية المشروعات ، وسوء ادارة الموارد من قبل قيادات غير مسؤولة وضعت مصالحها الآنية على حساب مصالح الأمة المستقبلية . هناك من سيتساءل عن مصير العالم الأسلامي في هذه الرؤية وردنا هو ان نهضة الأمة الأسلامية مرهونة بنهضة العالم العربي لأن الأقليم العربي كان وسيظل هو القاطرة أو المحرك الأساسي للأمة الأسلامية وطالما ان العالم العربي لازال مجموعة من الأصفار على خارطة العالم فلن تكون هناك نهضة جادة للأمة الأسلامية على الرغم من اعتزازنا بالنجاحات التي تحققت في كل من تركيا وماليزيا واندونيسيا ، وهي نماذج قطرية لن تؤثر كثيرا بمفردها على نهضة الأمة ، اما اذا استجمع العالم العربي قواه وتكامل فان بقية الدول الأسلامية ستدور في فلكه وتضيف الى قوته . هذا يعني اننا نطالب بالتدرج في ترجمة الوحدة سواء كان ذلك في المحيط العربي ام في الدائرة الأسلامية الأوسع ، وان كنا نعتقد ان مسار التوحد في العالم العربي يجب أن يكون اعمق واسرع بحكم عوامل مساعدة كثيرة لايتسع المجال هنا للتفصيل فيها . وقد تكون بدايات التوحد في العالم العربي تعميق الجهود الوحدوية الأقليمية في الخليج والمغرب ووادي النيل ومنطقة الشام وتطوير منطقة التجارة الحرة العربية التي تم توقيع اتفاقها في أواخر التسعينات ولكنها تعثرت في التنفيذ في ظل أنظمة مستبدة منشغلة بمصالحها الآنية على حساب مصالح هذه المجتمعات بعيدة المدى . طبعا لايمكن ان تتحرك عجلة التكامل الجاد ولايمكن ان تساهم رؤوس الأموال العربية بصورة منتجة الا بوجود انظمة معبرة عن ارادة شعوبها وتوفر بيئة مؤسسية تحفظ حقوق الناس ، وهذا ما نراه يحدث في دول الربيع العربي حاليا وان كان بصورة بطيئة بسبب الثورات المضادة ، اما الدول الخليجية فلابد من أن يكون تركيز الأحرار فيها على تحويل انظمة الحكم الحالية الى ملكيات دستورية تجعل السيادة لشعوب المنطقة مع الحفاظ على مكانة الأسر الحاكمة الرمزية ، وعندئذ لن تكون هناك اشكالية في سيرها نحو التوحد على نطاق الخليج أو العالم العربي ، وفي اعتقادنا أن اي اصلاح سياسي لها دون ذلك لن يغير من واقع المنطقة في شيء ، بل انه قد يؤي الى مزيد من عدم الأستقرار والعنف في منطقة استراتيجية كهذه ، ولذلك فان عملية التحول المنشودة تتطلب عقلانية وبعد نظر من قبل كافة الأطراف ، واذا لم تقبل هذه الحكومات بهذا التحول التدريجي والسلمي فانها لن تترك لشعوب المنطقة الا المطالبة برحيلها كبقية الأنظمة العربية البائدة . 
هذا هو المسار الذي نعتقد ان العالم العربي في حاجة للسير فيه من اجل استنهاض الأمة ومقدراتها واعادتها الى مقدمة الأمم وليس مسار وممارسات الحكومات العربية التي تحاول اليوم اعادة عجلة التاريخ الى الوراء بالأنقلابات والأعتقالات والأستقواء بالأجنبي ، وهي كلها ممارسات ستعود بالخيبة والفشل على اصحابها وستنهض الأمة من جديد مهما طال الزمن وارتفع الثمن وليس ذلك على الله بعزيز.