‏إظهار الرسائل ذات التسميات منتدي العلماء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منتدي العلماء. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 5 أغسطس 2026

القرآن ومنهج صناعة النماذج الحضارية

 القرآن ومنهج صناعة النماذج الحضارية






إن المتأمل في القرآن الكريم يلحظ أن الله سبحانه وتعالى لا يذكر الأشخاص والطغاة والجبابرة على سبيل الحكاية التاريخية المجردة، وإنما يعرضهم بوصفهم نماذج بشرية متكررة وقوانين اجتماعية وحضارية تتجدد في حياة الأمم. ولذلك فإن القرآن لم يجعل من فرعون أو النمرود أو هامان أو قارون مجرد شخصيات ماتت وانتهى أثرها، بل جعل منهم ظواهر مستمرة تتكرر بأسماء مختلفة وصور متجددة كلما ضعفت عقيدة التوحيد واختلت موازين العدل والحق في المجتمعات

وقد تنبه عدد من المفسرين إلى هذه الحقيقة؛ فكان ابن القيم رحمه الله يؤكد أن القرآن الكريم لم ينزل لمجرد معرفة أخبار السابقين، وإنما للعبرة والاعتبار، وأن من لم ينظر إلى مواقع العبرة في قصص القرآن فقد فاته أعظم مقاصدها. كما يشير ابن تيمية إلى أن سنن الله في الأمم لا تتغير، وأن ما وقع للأولين يقع للآخرين إذا تشابهت الأسباب والعلل وهو ما يعرف بقانون السنن.

ومن هنا فإن الحديث عن الفرعونية أو النمرودية أو الهامانية أو القارونية ليس حديثًا عن التاريخ، بل عن الواقع والإنسان والحضارة ومصير من يخالف سنة الله التي لن تجد دونها تحويلا لأنها صيرورة وحتمية لا محيد عنها

إذا تأملنا قصة موسى عليه السلام في القرآن نجد أن الله تعالى لم يواجهه بفرعون وحده؛ بل قرن معه هامان وقارون في أكثر من موضع تتمثل فيهم القوة السياسية والعسكرية والمالية مجتمعة معا

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ۝ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾. 
وقد توقف المفسرون طويلًا عند هذا الاقتران. 
يقول سيد قطب رحمه الله في تفسيره إن القرآن يجمع بين هؤلاء لأنهم يمثلون القوى التي تفسد الحياة الإنسانية: قوة السلطة، وقوة المال، وقوة المعرفة الموظفة لخدمة الاستبداد.

أما النمرود فقد ورد في سياق آخر مع إبراهيم عليه السلام ليمثل نموذج الطغيان الفكري والعقدي الذي يتجاوز مجرد الاستبداد السياسي إلى منازعة الله في ربوبيته وسلطانه، وهكذا تتكامل الصور الأربع لتشكل منظومة متكاملة من الانحراف الحضاري

الظاهرة الفرعونية.. حين تتحول السلطة إلى إله

فرعون في القرآن ليس مجرد حاكم مستبد، فالتاريخ مليء بالمستبدين، لكن القرآن اختاره لأنه يمثل أقصى درجات الانحراف السياسي والعقدي قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾

ويقول الطبري في تفسيرها: أي تجبر وتكبر وطغى على عباد الله

ويقول القرطبي: العلو هنا ليس علو المكان بل علو القهر والسلطان والاستكبار؛ فالفرعونية تبدأ عندما تتحول السلطة من وظيفة لخدمة الناس إلى وسيلة لاستعبادهم، وتصل ذروتها عندما يحتكر الحاكم الحقيقة ويجعل نفسه فوق المساءلة والنهي؛ ولهذا قال فرعون ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ إنها عقلية الاستبداد التي لا تعترف بعقول الناس ولا بحقهم في التفكير المستقل.

وقد رأى الشيخ محمد الغزالي أن الفرعونية ليست مرتبطة بزمن معين، بل هي مرض يصيب كل سلطة لا تخضع للقيم والأخلاق والرقابة، ولذلك فإن الفرعونية المعاصرة قد تظهر في الدولة، وقد تظهر في الحزب، وقد تظهر في المؤسسة، بل قد تظهر في الجماعات الدعوية عندما يتحول القائد إلى شخص لا يُراجع ولا يُنتقد، ومن أخطر آثار الظاهرة الفرعونية أنها تقتل روح المبادرة والمسؤولية، وتنشر الخوف، وتجعل المجتمع تابعًا بدل أن يكون شريكًا في صناعة مستقبله.

الظاهرة النمرودية.. طغيان القوة والعقل المتكبر

إذا كانت الفرعونية تمثل استبداد السلطة، فإن النمرودية تمثل استبداد العقل والقوة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ وقد أشار المفسرون إلى أن سبب انحراف النمرود لم يكن الجهل، وإنما الغرور بالقوة والسلطان.

يقول الفخر الرازي إن الآية تشير إلى أن الملك إذا لم يضبط بالإيمان قد يصبح سببًا للغواية والطغيان، النمرودية في جوهرها هي الاعتقاد بأن الإنسان قادر على الاستغناء عن الله وعن الوحي

ولهذا فإنها لا تقتصر على شخص النمرود التاريخي؛ بل تتجدد في كل فلسفة تؤله الإنسان أو تجعل العقل وحده مصدر الحقيقة المطلقة

لقد رأى مالك بن نبي أن الحضارة الغربية الحديثة وقعت أحيانًا في نوع من النمرودية الفكرية حين اعتقدت أن التقدم العلمي قادر وحده على الإجابة عن جميع الأسئلة الوجودية والروحية

وهنا يبرز الدرس القرآني العميق أن العلم قوة عظيمة، لكنه لا يغني عن الهداية وأن العقل نعمة كبرى، لكنه يحتاج إلى الوحي كي لا يتحول إلى أداة للاستكبار.

الظاهرة الهامانية.. المثقف الذي يبرر الطغيان

من أعمق الظواهر التي عرضها القرآن الظاهرة الهامانية

فقد كان هامان وزيرًا ومستشارًا لفرعون، ولم يكن صاحب القرار الأول، لكنه كان العقل التنفيذي للمشروع الفرعوني قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾.

ويلاحظ المفسرون أن القرآن يكرر اقتران هامان بفرعون لأن الطغيان لا يعيش وحده، يقول ابن عاشور إن ذكر هامان يدل على دور الأعوان والنخب في تثبيت الاستبداد وإدامته فالطغاة يحتاجون دائمًا إلى من يزين باطلهم ويصوغ خطابهم ويبرر أفعالهم ومن هنا تمثل الهامانية أخطر صور خيانة العلم إنها حالة العالم الذي يبيع علمه.

والمثقف الذي يسخر قلمه لخدمة الظلم والإعلامي الذي يحول الأكاذيب إلى حقائق والخبير الذي يمنح الفساد غطاءً قانونيًا أو فكريًا.

وقد كان أبو الحسن الندوي يرى أن فساد العلماء والمثقفين أخطر من فساد الحكام؛ لأن الحاكم الظالم يحتاج إلى من يشرعن ظلمه ويخدع الناس بشأنه، ولهذا فإن الهامانية ليست مجرد وظيفة سياسية، بل هي انحراف أخلاقي يصيب أصحاب العلم والمعرفة عندما ينفصل العلم عن الضمير.

الظاهرة القارونية.. عبادة المال والاستعلاء بالثروة


أما قارون فيمثل الوجه الاقتصادي للفساد الحضاري قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾.

ويقول ابن كثير إن بغيه كان بسبب الغنى والطغيان والتكبر على الناس إن قارون لم يكن فقيرًا ثم ظُلم، بل كان غنيًا أغناه الله لكن المشكلة بدأت حين اعتقد أن ثروته ثمرة عبقريته المطلقة ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ويعلق السيخ متولي الشعراوي على هذه الآية بقوله إن قارون نسي أن الله هو الذي منحه القدرة والفرصة والأسباب.

فالقارونية ليست امتلاك المال، بل عبادة المال وليست الغنى، بل الغرور بالغنى وليست التجارة، بل تحويل الثروة إلى أداة للاستعلاء والهيمنة

أوجه الاتفاق بين الظواهر الأربع

حين نتأمل هذه النماذج نجد أنها ليست منفصلة كما يبدو

فالفرعونية تمثل طغيان السلطة

النمرودية تمثل طغيان القوة والفكر المتكبر

الهامانية تمثل طغيان النخبة والمعرفة المنحرفة

والقارونية تمثل طغيان المال

لكنها جميعًا تلتقي في أصل واحد هو الاستكبار عن الحق

ولهذا يقول الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

فالاستكبار هو الخيط الذي يجمع بينها كلها؛ كما أنها جميعًا تقوم على إفساد ميزان التوحيد؛ فالسلطة تصبح إلهًا عند فرعون والقوة تصبح إلهًا عند النمرود والمال يصبح إلهًا عند قارون والمنصب والمعرفة يصبحان إلهًا عند هامان.

الدروس القرآنية والحصانة الحضارية


إن أعظم ما نتعلمه من هذه النماذج أن معركة التوحيد ليست معركة فكرية مجردة، بل هي معركة تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية؛ فالقرآن يريد أن يبني مجتمعًا لا تتحكم فيه الفرعونية السياسية، ولا النمرودية الفكرية، ولا الهامانية الثقافية، ولا القارونية الاقتصادية، ولهذا كانت الحصانة الحقيقية تقوم على عدة أسس

أولها: ترسيخ عقيدة التوحيد التي تجعل الولاء المطلق لله وحده

ثانيها: بناء مؤسسات العدل والشورى والمحاسبة لمنع عودة الفرعونية

ثالثها: ربط العلم بالأخلاق حتى لا تتحول النخبة إلى أدوات هامانية

رابعها: توجيه المال لخدمة المجتمع لا لاستعباده

خامسها:
تربية الإنسان على الزهد في الاستعلاء مهما امتلك من سلطة أو علم أو مال

خلاصة

إن فرعون والنمرود وهامان وقارون ليسوا مجرد شخصيات من الماضي، بل رموز قرآنية خالدة تكشف الأمراض التي تصيب الأمم حين تنفصل عن هداية الله. 
وقد أراد القرآن أن يلفت أنظارنا إلى أن الحضارات لا تسقط بسبب الفقر أو الضعف العسكري فقط، وإنما تسقط عندما تتحالف السلطة المستبدة مع المال المتكبر والعلم المنحرف والقوة المتغطرسة

ومن هنا فإن قراءة هذه النماذج ليست استذكارًا للتاريخ، بل قراءة للواقع واستشراف للمستقبل، وبناء لحصانة فكرية وأخلاقية تجعل الأمة قادرة على مقاومة كل أشكال الطغيان مهما تغيرت أسماؤها وشعاراتها ووسائلها.

الخميس، 22 يناير 2026

قسد.. منتهى الانحطاط الإجرامي!

قسد.. منتهى الانحطاط الإجرامي!

داعية كويتي ومفكر إسلامي


لا أبالغ إذا قلت أن إجرام قوات سوريا الديمقراطية “قسد” متعدد وممتد على جميع الأصعدة الفكرية والدموية والإنسانية والمالية والعنصرية والعمالة للصهيونية!!
فهم يكذبون مثلما يتنفسون، بدءا من اسمهم “قوات” و “ديمقراطية” فأي قوات ديمقراطية -مع تحفظي الشديد على التحاكم إلى الديمقراطية- تستبيح أرواح الآمنين وأعراضهم وأرزاقهم وأراضيهم وتستهدف مجتمعاتنا المسلمة في دول عدة تنفيذا لأجندات داعمين من وراء الحدود؟!

ثم ما هو حالهم في الداخل من تجنيد الأطفال وتنشئة منتسبيهم على الفكر الإلحادي المعادي لدين الله إلى تهوين العلاقات المحرمة واختطاف أبناء ونساء معارضيهم من الكورد وجعلهم وقودا لمعركتهم الباطلة مع دولهم.

هؤلاء الحثالة لا يمثلون إلا أنفسهم “حزبهم” ولا يمثلون أهلنا الأكراد الذين ما عرفنا عنهم إلا حب الإسلام والدفاع عنه وتعظيمهم لقيم الشرف والكرم والنخوة والشهامة وكل ذلك يتعارض مع سلوك “قسد” المجرمة.
حزب العمال الكردستاني PKK الماركسي اللينيني المعظّم للزرداشية؛ وأفراخه مثل قسد وأخواتها حالهم كحال جميع المجرمين والإرهابيين والسفلة في كل المجتمعات لا يمثلون إلا أنفسهم؛ ولا يجوز أن ننساق وراء الدعاية السوداء فننسبهم إلى أهلنا الأكراد الذين هم أخوتنا وأهلنا وأصحاب فضل وإحسان ممن نصروا الإسلام في مواطن عدة وأزمنة عديدة.

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2025

الرسائل الأكاديمية من ضمور التكوين وشهادة الزور إلى إصلاح المسار

الرسائل الأكاديمية من ضمور التكوين وشهادة الزور إلى إصلاح المسار


د. وصفي عاشور أبو زيد
 أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية

لقد غدت الرسائل الجامعية في عصرنا، ولا سيما في ميدان الدراسات الشرعية، أشبه بأشباحٍ لا روح فيها، وهياكل لا عظم لها؛ فأنت تراها تُساق على عجل، منقولةً باردةً، لا تكاد تُبصر فيها شخصية الباحث، ولا يلوح لك منها أثرُ عقلٍ ناضج أو قلمٍ مبدع، فكأن الطالب لم يُكلَّف إلا بالجمع والتكديس، دون تمحيص أو تحليل أو نظرٍ بعيد؛ فإذا أضفت إلى ذلك ضمور حجم الرسائل، حتى صارت وجيزات لا تتسع لجديدٍ ولا تفتح بابًا لإضافة، بان لك العجزُ عن استيعاب مقاصد العلوم الشرعية؛ إذ أُخضعت قسرًا لمعايير العلوم التجريبية ومقاييسها الصلبة، فكان ذلك إفسادًا للمنهج، وتشويهًا لرسالة العلم.

ولم يقف الأمر عند قصور الطلاب، بل جاوزه إلى قاعات المناقشة وما يَجري فيها من مجاملات، يتواطأ فيها المشرف والمناقش على تبادل الأدوار بشكل تلقائي؛ فيجامل هذا ذاك اليوم، ليُردّ له الدين غدًا، فتضيع الأمانة، وتتهاوى قيمة الشهادة، ويُكتب على البحث شهادة زور إلا ما رحم ربي.

ثم جاءت آفة العصر، وهي السرقات العلمية، لتزيد الطين بلة؛ فالباحث يجتهد في إخفاء سرقته أكثر مما يجتهد في الإتيان بجديد، وكل ذلك مما يَسْهُلُ كشفُه، ولكن الخسارة الكبرى تصيب الطالب والعملية الأكاديمية معًا، إذ يُهدم البناء من أساسه.

وهكذا تتراكم حلقات الضعف: 
قصورٌ في الطالب، وتهاون في الأستاذ، ومجاملات في المناقشات، وسرقات مستورة بستر واهن، حتى أوشكت العملية الأكاديمية برمتها أن تدخل في طورٍ من الانحطاط والضمور، وما لم يُتدارك الأمر بحزم، ويُعاد النظر في شروط نيل الشهادات، حتى لا يَنالها إلا المؤهَّلون حقًّا، فسوف يسجل التاريخ أن المشرف والمناقش قد شهدا زورًا، وأنهم حملوا وزرًا أمام الله وأمام الأجيال، يُثقل ظهورهم ولا تُغفر تبعاته.

ولا يمكننا أن ننهض بإصلاح هذا الأمر إلا بعودة النظر إلى التكوين العلمي من مراحله الأولى؛ فالمسؤولية لا تبدأ عند أبواب الدراسات العليا، بل تُبنى اللبنات منذ المراحل التمهيدية، حين يُغرس في الطالب حبُّ العلم، ويُزوَّد بأدوات البحث، ويُدرَّب على الكتابة المنهجية، والقراءة النقدية، والتذوق العلمي للنصوص؛ فإذا وصل إلى مرحلة الماجستير والدكتوراه كان قد حصَّل عُدته، وتمكَّن من ناصيته، فيوفِّر على نفسه جهدًا مضاعفًا، ويُجنِّب أستاذه عناء التلقين وإعادة الأساسيات، وتحيا بذلك العملية الأكاديمية من داخلها.

وإذا كان التكوين العلمي المبكر هو عصب الإصلاح وروحه، فإن غيابه كارثة تُفسد العمل الأكاديمي من أساسه؛ إذ يُدفع إلى ميدان الدراسات العليا من لم يُؤهَّل لمدارجه، فيخوض غمارًا لا يُحسن السباحة فيه، ويُجهد أستاذه معه في تصحيح البدهيات، وملاحقة النواقص، ومداواة العجز، حتى تضيع الجهود في ترميم ما كان ينبغي أن يُبنى في الصغر، وفي النهاية لا نكون أمام باحثٍ قادر على أداء رسالته، بل أمام منتجٍ هزيل لا يصلح للقيام بمهامه، ولا لتحقيق مقاصده، فتغدو الشهادة غطاءً فارغًا لا حقيقة تحته، ويخسر العلم طلابًا، وتخسر الأمة علماء.

ونحن بحاجةٍ اليوم إلى تربية جيلٍ في كل التخصصات، يجدد العلم، ويقدِّم النافع، وتكون إنجازاته مثمرةً لدينه ومجتمعه؛ جيلاً ينهل من الأصول، ويبدع في الفروع، ويضيف إلى التراث بدل أن يكون عالةً عليه، ويجتهد لواقعه وعصره كما اجتهد من سبقوه لواقعهم وعصرهم، ولن يتحقق هذا المقصد إلا بالتكوين المبكر المتين، ولن يثمر هذا التكوين إلا إذا قام عليه الأستاذ المربي والعالم العامل، الذي يدرك أن التعليم رسالة، وأن التربية فن، وأن التكوين العلمي الصادق هو الطريق الأقوم لنهضة الأمة وبعث حضارتها من جديد.

وإذا تحقق هذا التكوين المبكر، نهضت الأجيال على صلابة، وأثمرت العملية التعليمية طلابًا مؤهَّلين وباحثين جادين، وانبعث ميدان البحث العلمي نابضًا بالحياة، متصلًا بالواقع، مبدعًا في النظر، مخلصًا في الغاية؛ فالتربية المبكرة على الجدّ، والتدرج الرصين في مدارج العلم، هما الكفيلان ببعث الحيوية في أوصال المؤسسة الأكاديمية، وتعظيم ثمرتها للأمة في حاضرها ومستقبلها.

فإن كان هذا هو المشهد الذي نراه، فليس القدر حتمًا، ولا المصير لازمًا، وإنما هو داءٌ قد عُرف سببه، فلا بد أن يُلتمس له الدواء، والدواء في كلمة واحدة: الجدّ والصرامة؛ جدٌّ يعيد للعلم جلاله، وللشهادة هيبتها، وللأستاذ مكانته، وللباحث شخصيته، وصرامةٌ تُقصي المجاملات، وتستأصل السرقات، وتَردُّ الأمر إلى نصابه، فلا يُمنح لقب علمي إلا لمن استحقه بجهده ونضجه وأصالته، وعندها فقط تستعيد العملية الأكاديمية بريقها، ويعود العلم الشرعي إلى مكانه الطاهر؛ علمًا يُورِث خشيةً، ويَهدي أمةً، ويُشيّد حضارةً، وما ذلك على الله بعزيز.

ذاكرة سبتمبر التي لا تُنسى.

 ذاكرة سبتمبر التي لا تُنسى.

    تقرير:د. منصور منور



في العاشر من سبتمبر 2017، استيقظت البلاد على خبر اعتقال الشيخ سلمان العودة بعد تغريدة دعا فيها إلى تأليف القلوب بين السعودية وقطر، في خضمّ الأزمة الخليجية.

كانت تغريدةً لا تحمل سوى الدعاء، لكنها تحوّلت في نظر السلطة إلى “جريمةٍ كبرى”.

اعتُقل الشيخ في منزله، وصودرت كتبه وهواتفه، وزُجّ به في زنزانةٍ انفرادية لسنوات، وطالبت النيابة بإعدامه، ومنع من العلاج والزيارة، وغير ذلك الكثير من الانتهاكات.


وفي نفس الشهر أيضا اعتُقل أيضا  الشيخ عوض القرني، أحد أبرز المفكرين الإسلاميين في السعودية، وصاحب المؤلفات والمحاضرات التي تربّى عليها جيلٌ كامل من شباب المسلمين.


ولم تكتف السلطات بذلك بل كانت هذه بداية اعتقالات طالت عددا كبيرا من العلماء والمفكرين والرموز الدعوية، وكان منهم: الشيخ علي العمري، رئيس جامعة مكة المكرمة المفتوحة، وصاحب المبادرات الشبابية والإعلامية المميزة.

وكذا الشيخ محمد موسى الشريف، العالم والمؤرخ المعروف بخطبه ومحاضراته وتأثيره في مجال التاريخ والحضارة، و الشيخ ناصر العمر، أحد رموز الصحوة وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود، والداعية علي بادحدح، والشيخ أحمد الصويان رئيس رابطة الصحافة الإسلامية، والشيخ محمد صالح المنجد، والشيخ محمد الشنار والشيخ موسى الغنامي وغيرهم الكثير


وبلغ عدد من شملتهم الحملة أكثر من سبعين شخصية علمية ودعوية بحسب منظمات حقوقية، بينهم علماء، وأكاديميون، ومفكرون، وقضاة، وأساتذة جامعات، ورموز من تيار “الصحوة” الذي شكّل وجدان الجيل السعودي في الثمانينيات والتسعينيات.

اعتقالات بلا قضاء..

لم تصدر أوامر قضائية أو مذكرات توقيف، بل كانت الاعتقالات اقتحاماتٍ ليلية مفاجئة في غالبها، يُسحب فيها الشيخ من بيته أمام أهله وأولاده، دون توضيح سبب أو وجهة.

يُمنع من التواصل مع محامٍ، أو الاطلاع على التهم، وتُغلق أبواب الزيارة، حتى عن كبار السنّ والمرضى.


وأما السجون فقد حرم فيها العلماء والدعاة من أبسط حقوقهم، بل سلط عليهم كل أنواع العذابات والإذلال بغية كسر همتهم وإضعاف عزيمتهم.

بل إن بعض العلماء، بعد الإفراج الشكلي عنهم، وُضعوا تحت الإقامة الجبرية، ومنعوا من التواصل أو السفر، ووضعت في أقدامهم أساور إلكترونية للمراقبة تحدّ من تحركاتهم وتخترق خصوصيتهم، في مشهدٍ يختصر معنى القهر وسطوة الطغيان.


وهنا يأتي السؤال: لماذا سجن العلماء؟!

فيما كانت الزنازين تمتلئ برجال العلم والدعوة، كانت البلاد تشهد تحولًا مفاجئًا نحو الانحلال الأخلاقي والانفتاح الترفيهي الممنهج.

ففي العام نفسه الذي اعتُقل فيه العلماء، بدأت تظهر أنشطة هيئة الترفيه بشكل كبير ومتجاوز للقيم الإسلامية والضوابط الشرعية، وبدأت البلاد تغرق في موجةٍ غير مسبوقة من الحفلات الصاخبة، والعروض المختلطة، واستقدام نجوم الغناء والمجون إلى أرضٍ طالما عُرفت بالحياء والوقار.

لم يكن الأمر صدفة.

فقد كان واضحًا أن الطريق إلى “الانفتاح” لا يُعبّد إلا باعتقال العلماء، وأن تفريغ الساحة من صوت الحق ضرورةٌ لكل مشروع فسادٍ يريد أن يفرض نفسه بلا مقاومة.

فحين سكتت المنابر، ارتفعت أصوات المهرجات والحفلات الراقصة.

وحين أُطفئت مدارس التحفيظ، أُضيئت المسارح.

وحين أُسكت صوت العلماء، فُتح الباب لنجوم الرقص والغناء دون أي ضابط من شرع أو عرف أو أخلاق.


وفي الوقت الذي يواجه فيه العلماء أحكامًا قاسية بالسجن أو الإعدام بتهمٍ مثل “الإخلال بالنظام العام” أو “الانتماء لجماعةٍ إرهابية”، تُمنح المناصب لمن يهاجم الدين علنًا، ويسخر من القرآن، ويصف الحجاب بالرجعية، ويبرّر التطبيع مع الاحتلال الصهيوني.


العلماء.. رموز الأمان وأعمدة الاستقرار.

ما لا تدركه السلطات السعودية أن هؤلاء العلماء لم يكونوا مجرّد خطباء أو مصلحين، بل كانوا الحماة من الغضب الرباني الذي قد يتنزل على البلاد التي خلت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… 

قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} وقال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}


فهؤلاء العلماء هم الذين أسّسوا المدارس الشرعية، وأحيوا الدعوة، وربّوا أجيالًا على القرآن، وأعادوا إلى الشباب وعيهم وكرامتهم.

من خطب سلمان العودة الهادئة، إلى مؤلفات عوض القرني، إلى دروس ناصر العمر، إلى برامج محمد موسى الشريف، إلى دعوة الشيخ المنجد في المنتديات الإلكترونية…

هؤلاء شكّلوا الوجه الأجمل لبلاد الحرمين، وكانوا سفراءها الحقيقيين للعالم الإسلامي.


اليوم، بعد ثمان سنواتٍ من الظلم، ما زال العلماء في معتقلاتهم، وما تزال صنوف التعذيب تنزل عليهم، وما يزال العالم الذي يعاني من تمترس للشبهات والشهوات بحاجة إلى نصحهم وتوجيههم وإرشادهم.

وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته

المصدر:   منتدي العلماء

الجمعة، 19 سبتمبر 2025

ذاكرة سبتمبر التي لا تُنسى.

 ذاكرة سبتمبر التي لا تُنسى.



بقلم د. منصور منور

في العاشر من سبتمبر 2017، استيقظت البلاد على خبر اعتقال الشيخ سلمان العودة بعد تغريدة دعا فيها إلى تأليف القلوب بين السعودية وقطر، في خضمّ الأزمة الخليجية.

كانت تغريدةً لا تحمل سوى الدعاء، لكنها تحوّلت في نظر السلطة إلى “جريمةٍ كبرى”.

اعتُقل الشيخ في منزله، وصودرت كتبه وهواتفه، وزُجّ به في زنزانةٍ انفرادية لسنوات، وطالبت النيابة بإعدامه، ومنع من العلاج والزيارة، وغير ذلك الكثير من الانتهاكات.


وفي نفس الشهر أيضا اعتُقل أيضا الشيخ عوض القرني، أحد أبرز المفكرين الإسلاميين في السعودية، وصاحب المؤلفات والمحاضرات التي تربّى عليها جيلٌ كامل من شباب المسلمين.

ولم تكتف السلطات بذلك بل كانت هذه بداية اعتقالات طالت عددا كبيرا من العلماء والمفكرين والرموز الدعوية، وكان منهم: الشيخ علي العمري، رئيس جامعة مكة المكرمة المفتوحة، وصاحب المبادرات الشبابية والإعلامية المميزة.

وكذا الشيخ محمد موسى الشريف، العالم والمؤرخ المعروف بخطبه ومحاضراته وتأثيره في مجال التاريخ والحضارة، و الشيخ ناصر العمر، أحد رموز الصحوة وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود، والداعية علي بادحدح، والشيخ أحمد الصويان رئيس رابطة الصحافة الإسلامية، والشيخ محمد صالح المنجد، والشيخ محمد الشنار والشيخ موسى الغنامي وغيرهم الكثير

وبلغ عدد من شملتهم الحملة أكثر من سبعين شخصية علمية ودعوية بحسب منظمات حقوقية، بينهم علماء، وأكاديميون، ومفكرون، وقضاة، وأساتذة جامعات، ورموز من تيار “الصحوة” الذي شكّل وجدان الجيل السعودي في الثمانينيات والتسعينيات.

اعتقالات بلا قضاء..

لم تصدر أوامر قضائية أو مذكرات توقيف، بل كانت الاعتقالات اقتحاماتٍ ليلية مفاجئة في غالبها، يُسحب فيها الشيخ من بيته أمام أهله وأولاده، دون توضيح سبب أو وجهة.

يُمنع من التواصل مع محامٍ، أو الاطلاع على التهم، وتُغلق أبواب الزيارة، حتى عن كبار السنّ والمرضى.

وأما السجون فقد حرم فيها العلماء والدعاة من أبسط حقوقهم، بل سلط عليهم كل أنواع العذابات والإذلال بغية كسر همتهم وإضعاف عزيمتهم.

بل إن بعض العلماء، بعد الإفراج الشكلي عنهم، وُضعوا تحت الإقامة الجبرية، ومنعوا من التواصل أو السفر، ووضعت في أقدامهم أساور إلكترونية للمراقبة تحدّ من تحركاتهم وتخترق خصوصيتهم، في مشهدٍ يختصر معنى القهر وسطوة الطغيان.

وهنا يأتي السؤال: لماذا سجن العلماء؟!

فيما كانت الزنازين تمتلئ برجال العلم والدعوة، كانت البلاد تشهد تحولًا مفاجئًا نحو الانحلال الأخلاقي والانفتاح الترفيهي الممنهج.

ففي العام نفسه الذي اعتُقل فيه العلماء، بدأت تظهر أنشطة هيئة الترفيه بشكل كبير ومتجاوز للقيم الإسلامية والضوابط الشرعية، وبدأت البلاد تغرق في موجةٍ غير مسبوقة من الحفلات الصاخبة، والعروض المختلطة، واستقدام نجوم الغناء والمجون إلى أرضٍ طالما عُرفت بالحياء والوقار.

لم يكن الأمر صدفة.


فقد كان واضحًا أن الطريق إلى “الانفتاح” لا يُعبّد إلا باعتقال العلماء، وأن تفريغ الساحة من صوت الحق ضرورةٌ لكل مشروع فسادٍ يريد أن يفرض نفسه بلا مقاومة.

فحين
سكتت المنابر، ارتفعت أصوات المهرجات والحفلات الراقصة.

وحين
أُطفئت مدارس التحفيظ، أُضيئت المسارح.

وحين أُسكت صوت العلماء، فُتح الباب لنجوم الرقص والغناء دون أي ضابط من شرع أو عرف أو أخلاق.

وفي الوقت الذي يواجه فيه العلماء أحكامًا قاسية بالسجن أو الإعدام بتهمٍ مثل “الإخلال بالنظام العام” أو “الانتماء لجماعةٍ إرهابية”، تُمنح المناصب لمن يهاجم الدين علنًا، ويسخر من القرآن، ويصف الحجاب بالرجعية، ويبرّر التطبيع مع الاحتلال الصهيوني.

العلماء.. رموز الأمان وأعمدة الاستقرار.


ما لا تدركه السلطات السعودية أن هؤلاء العلماء لم يكونوا مجرّد خطباء أو مصلحين، بل كانوا الحماة من الغضب الرباني الذي قد يتنزل على البلاد التي خلت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… 
قال تعالى: 
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} 
وقال تعالى: 
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}

فهؤلاء العلماء هم الذين أسّسوا المدارس الشرعية، وأحيوا الدعوة، وربّوا أجيالًا على القرآن، وأعادوا إلى الشباب وعيهم وكرامتهم.

من خطب سلمان العودة الهادئة، إلى مؤلفات عوض القرني، إلى دروس ناصر العمر، إلى برامج محمد موسى الشريف، إلى دعوة الشيخ المنجد في المنتديات الإلكترونية…

هؤلاء شكّلوا الوجه الأجمل لبلاد الحرمين، وكانوا سفراءها الحقيقيين للعالم الإسلامي.

اليوم، بعد ثمان سنواتٍ من الظلم، ما زال العلماء في معتقلاتهم، وما تزال صنوف التعذيب تنزل عليهم، وما يزال العالم الذي يعاني من تمترس للشبهات والشهوات بحاجة إلى نصحهم وتوجيههم وإرشادهم.

وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته


الأربعاء، 30 أبريل 2025

الحلقة الخامسة من #جام_ومدخل

 #جام_ومدخل


الثلاثاء، 29 أبريل 2025

الحلقة الرابعة من #جام_ومدخل

 الحلقة الرابعة من #جام_ومدخل 
 تاريخ الجامية مع القضية الكبرى "فلسطــين" 
منتدى العلماء


❗ما سر التشابه المريب بينات الجامية والص #اينة ؟ 
❗بأي منطق يعادي المداخلة المجــــ|هدين ويثيرون الشبهات عليهم ويمجدون المطبعين؟ 
❗ما هي صفات المنافقين المذكورة في القرآن والتي تنطبق على الجامية؟ 🎥 شاهد واكتشف الحقيقة. #منتدى_العلماء



   شاهد    




الجمعة، 11 أبريل 2025

أوجاع رسالة جاءت من غزة..!!!

 أوجاع رسالة جاءت من غزة..!!!

                             

بقلم د. عمر عبدالله شلح

( فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا، إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا ).. ما أن انتهيت من قراءة ورد القرآن الصباحي.. فإذا برسالة تصلني من غزة، تحمل جبالاً من الهم.. وتلالاً من الحزن.. كتبها صديق عزيز.. فقد كوكبة من عائلته شهداء في هذه الحرب المجنونة.. الرسالة طويلة.. وفيها من الوجع ما يكسر القلب.. وينال من الروح.. عنونها صديقي القريب منى كالوتين في الجسد 

” فضفضة من غزة..”

لا ماء يكسر صومهم.. ولا تمرة أو حبة قمح تسد جوعهم.. مشاهد الدمار الفظيع تراها في الرسالة.. ورائحة الدم يفوح عطرها من بين سطورها التي تحمل وصايا الشهداء.. حتى صديقي هذا، في آخر رسالته يقول ” لا تزعل يا صديقي، إنما هي فضفضة، وإن فارقناكم، أمانة سامحونا، وبلغوا رسالتنا هذه لكل من يهمه الأمر..”.. رغم كل ما هُم فيه من قتل وتطهير عرفي.. إلا أنه يقول.. ” أمانة سامحونا “.. من الذي يسامح من يا حبيب القلب.. ويا قطعة منى لا تغادرني..!!

رغم كل ما نتابعه في الأخبار.. إلا أن كلمات الرسالة في وصفها للحياة، تجعل قلبك في حلقك.. وتشعر بجفاف كل الماء في ثنايا فمك.. وكأن الموت يطرق بابك.. الرسالة تصف كل شئ تقريباً.. هي طويلة من عدة صفحات.. مكونة ومكتوبة من لحم الأطفال.. وصراخ الأرامل.. وجوع الكبار.. في حرب هي الأقذر في كل محطات التاريخ السابقة، وربما اللاحقة ايضاً..

رغم كل ما في الرسالة من ألم ووجع، عدت لقراءتها مرة أخرى وأخرى.. كأن صديقي يحاول أن يجعلنا نعيش اللحظة معهم.. سواء من لحظات القصف والأحزمة النارية.. أو لحظة الوقوف على طابور الخبز الذي لم يعد موجوداً.. أو حجز مكان لتقضي فيه حاجتك.. ناهيكم عن أطنان القمامة التي تحمل الموت والمرض، في ظل غياب شبه تام، لامكانيات البلديات التي دمرها الإحتلال..

وفي زحمة الوصف في الرسالة، لا ينسى صديقي هذا، أن يخبرنا عن الجرحى بالعشرات في أرض المستشفى، لا طبيب يعالجهم.. ولا سرير يرمون عليه بقايا جسدهم، الذي مزقته قذائف الطائرات..

وبدموع ساخنة، ينقلني إلى مشهد الشهداء.. لم تعد هناك أكفاناً تكفي لجمع بقايا أجسادهم.. أو أهلاً يتعرفوا على ملامحهم.. فالقتل هناك بالمجان.. والكبار يُسْتَشْهدون والصغار في أحضانهم.. في محاولة كانت منهم، لتبديد خوفهم وهلعهم.. فيعاجل الصاروخ الصغير والكبير.. والرضيع في السرير..

يصرخ صديقي في رسالته، بحرقة ياااااارب كفى..!! كأنه يريد القول، بلغت القلوب الحناجر..!! وإذا كان الحال كذلك، أقول أن غزة على أبواب النصر بإذنالله..

بعد أن قرأت الرسالة أكثر من مرة، خجلت من نفسي.. ماذا أقول لصديقي ولأهل غزة.. أمام كل ما يقدموه، ونحن يحاصرنا العجز، وتقتلنا الغربة والترحال في المنافي.. لم أرغب في أن أزيد جروح صديقي في غزة، وأقول له، يبدو أن كفار قريش، كانوا أشرف من كل العرب والمسلمين يا صديقي.. لم أرغب في قول ذلك له، رغم قناعتي، أن هذا هو حال العرب والمسلمين، العاجزين عن إدخال زجاجة ماء أو رغيف خبز لهم..

وأنا أفكر في كل ما جاء في الرسالة.. هاجمني النص من سورة الشرح..” إن مع العسر يسرا.. إن مع العسر يسرا..” فعلى خجل سطرت كلمات قليلة، أحاول بها أن أواسي صديقي هذا، ومعه كل الأحباب والأصدقاء، وما تبقى من الأهل هناك.. وأنا أقول في آخر رسالتي ” يا أهل غزة.. لا تثريب عليكم.. لعل الله اطلع عليكم، فقال إني قد غفرت لكم.. “، قياساً بأهل بدر..

يا أهل غزة.. ويا صديقي العزيز.. أمانة انتو اللى سامحونا.. لعل الله يغفر لنا تقصيرنا وعجزنا.. وأبشروا.. فإن مع العسر يسراً.. ولن يغلب عسر يسرين بإذن الله..

اللهم ثباتاً على الحق.. وغلبة في الميدان.. ونصرة على يهود.. صباحكم صباح الرسائل مدونة بعطر الشهداء.. صباحكم صباح غزة.. تواصل قتالها بمعيّة الله.. فتنتصر بإذن الله .



المصدر( خاص بالمنتدى)

إقرأ أيضا: 

الأحد، 23 يونيو 2024

مركز تكوين الفكر العربي .. دوافع وأهداف مشبوهة

 

مركز تكوين الفكر العربي .. دوافع وأهداف مشبوهة

 


إذا كانت مجمل وقائع حياة أي فرد عادي لا يمكن عزوها للصدفة أو العشوائية، فكل سيرة حياة إنسان هي نتاج أسباب ومسببات تنتج في الأخير تاريخ حياة هذا الإنسان، من ثم فإن بالأحرى أن لا تخضع حياة الأمم العريقة للعبث ولا الصدف ولا العشوائية، فالأمم لا تحيا في فراغ ولا تمارس وجودها إلا في تدافع مع أمم أخرى تتعاون معها أو تتصادم، تسالمها أو تحاربها، بكافة أنواع التدافع والتفاعل بشتى صوره.

وأمتنا المسلمة منذ وجدت في التاريخ، والأعداء من خارجها ومن داخلها من: الكفار، والمشركين، والمنافقين، والظالمين من أهل الكتاب، يريدون أن يطفئوا نور الله بأيديهم ويوهموا الأمة بامتلاكهم نورا أهدى وحياة أرغد إن اتبعت الأمة أهوائهم وسارت في ركابهم وتبعت سننهم.


وفي هذه الأيام الفارقة من حياة أمتنا ثمة دين وتاريخ يراد طيه ودفنه في سجلات الماضي، ودين آخر ضد هذا الدين وتاريخ آخر ضد هذا التاريخ يراد بناءه وتأصيل قواعده وكتابة صفحاته وفصوله خطوة خطوة بأساليب جديدة وفواعل جدد وأدوات مبتكرة مؤسسة على خبرة عميقة بمجتمعاتنا ومكامن ضعفها. واللافت للنظر والخطير في الأمر أن المحاولة هذه المرة يقودها نفر ممن ينتسبون للأمة جيشوا كل موارد الأمة من مال وسلطة ومثقفين وإعلام متحالفين مع الاستعمار الغربي وربيبته الصهيونية لتبديل عقيدة الأمة وتزييف دينها وتاريخها.

كما أن من الملاحظات الجديرة بالاعتبار، ونحن نحلل الغارة الجديدة على الأمة، ذلك الارتباط القوي بين أي محاولات لتغيير عقيدة الأمة وتكوين إنسانها المسلم وبين الغارة على فلسطين وبيت المقدس ومصر، وذلك منذ الحملات الصليبية القديمة حتى الحملات الصليبية الراهنة. حيث بات من المسلم به لدى قادة هذا الغرب المسيحي المتصهين أن التخلص من خطر الإسلام يبدأ من احتلال فلسطين وتهويد القدس وإفراغ المجتمع المصري من دوره، وتسليع أبناء فلسطين بالهجرة إلى خارجها ونسيانها أو بالخنوع والركون إلى حياة الدعة والراحة وترك الجهاد أو على وجه أدق الكفر به لمن سيظل مقيما بها يأكل ويشرب ويتمتع بحياة الذل في كنف الاستعمار الصهيوني، لأن ذلك هو المفتاح لإسقاط ذروة سنام الإسلام المتمثل في الجهاد في فلسطين ومصر فيسقط بسهولة أكثر في باقي مجتمعات الأمة، ومن ثم يسقط المسلمون في حمأة الحياة الدنيا الاستهلاكية فينفرط عقد دينهم دون كثير عناء.

والناظر فيما يخطط للأمة منذ كامب ديفيد حتى صفقة القرن يجد أن الأمة قد دخلت في أتون تنور استعماري جديد يكمل ما بدأه أتون سايكس بيكو ووعد بلفور. فالقارئ لنصوص صفقة القرن وما تلاها من اتفاقات تطبيع ومنتديات للسلم والرخاء وممرات للتنمية والازدهار كما يروج، سيجد هذا الربط الواضح بين فلسطين ومصر واستبدال الإنسان المسلم بإنسان آخر جديد مسلم اسما مفرغ تمام من إسلامه جوهرا. فحسب ما جاء في خطة السلام من أجل الازدهار، المعروفة بصفقة القرن: “لقد حان الوقت لإنهاء الصراع وتنشيط الإمكانات البشرية والفرص الاقتصادية الهائلة التي سيحققها السلام للإسرائيليين والفلسطينيين والمنطقة كلها”. وحتى تتحقق دولة فلسطينية فهناك شرط أساس بجوار شروط أخرى سياسية واقتصادية، يتمثل في: “تغيير المناهج المدرسية والكتب المدرسية التي تعمل على التحريض على الكراهية أو الخصومة تجاه جيرانها أو تشجعها، أو التي تعوض أو تحفز النشاط الإجرامي أو العنيف“، وبكلمات ترامب “لا يمكن أن يتجذر السلام أبداً في بيئة يتم فيها التسامح مع العنف وتمويله ومكافأته” لذلك، كما تقول الوثيقة، من المهم جداً أن يركز التعليم على السلام لضمان التزام الأجيال المقبلة بالسلام وضمان إمكانية أن يدوم اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني. سيكون الترويج لثقافة السلام عنصراً هاماً في اتفاقية السلام الإسرائيلية الفلسطينية هدف تهيئة بيئة تضم قيم التعايش والاحترام المتبادل في جميع أنحاء المنطقة. يجب أن يشمل إنشاء ثقافة السلام وضع حد للتحريض، بما في ذلك في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة، وكذلك وضع حد لتمجيد العنف والإرهاب والشهادة. كما ينبغي أن تحظر الدعاية المعادية، وكذلك الكتب المدرسية والمناهج والمواد ذات الصلة بما يتعارض مع هدف اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني، بما في ذلك حرمان بعضهما البعض من حقه في الوجود.

لقد اكتشفت دولة إسرائيل والبلدان العربية مصالحها المشتركة في محاربة الجماعات والمنظمات الإرهابية، والخطر المشترك المحدق بها الذي تفرضه إيران بخططها التوسعية، وتواجه هذه الدول أيضا تحديات أمنية في منطقة حوض البحر المتوسط والبحر الأحمر، مما يحتم عليها العمل يدا بيد، إلى جانب الولايات المتحدة، لحماية حرية الملاحة ضمن المضائق الدولية التي تتعرض بشكل متزايد لتهديد إيران، وميليشياتها العميلة وجماعاتها الإرهابية. وتجدر الإشارة إلى الاهتمام المشترك في المنطقة من خلال توثيق الروابط بين دولة إسرائيل ومجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى ضرورة تشكيل منظمة من أجل الأمن والتعاون في الشرق الأوسط من قبل كل من دولة فلسطين وجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة إسرائيل-وأي بلدان عربية إضافية-ترغب بالانضمام لمنظمة للأمن والتعاون في الشرق الوسط، باسم”منظمة الأمن والتعاون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” OSCME، على غرار نموذج منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

لقد أطلت في الاقتباس حتى أوضح الفكرة الرئيسية التي يدور حولها المخطط الجديد الهادف لتجفيف منابع الدين والعزة والكرامة في فلسطين ومصر جناحا الأمة الباقيين الصامدين على مر العصور من خلال تكوين إنسان جديد فيهما يكون النموذج المحتذي لباقي أبناء الأمة، والذي إن تحققت له عقلية جديدة متسامحة مسالمة تنبذ الجهاد والشهادة وحياة العزة فيستمكن من اقتناص حياة هانئة رغيدة يأكل ويشرب ويتمتع مقابل أن يترك تعاليم دينه وغاية وجوده في هذه الحياة، وعنوان هذه الخطة: النور والرفاهية اللذان هما جناحا التنوير الغربي الجديد بأيدي العرب المسلمين أنفسهم ورعاية غربية صهيونية لإخراج المسلمين من دينهم.

فالاستراتيجية الغربية الصهيونية الجديدة بأيدي وعقول عربية مسلمة ظاهرا في المرحلة القادمة جوهرها وهدفها تحقيق التنوير والرخاء للإنسان العربي، واستبدال فكرة التنوير الغربي وعبء الرجل الأبيض بالتنوير العربي الذي يحمله الرجل العربي المثقف المتحالف مع الحاكم المتسامح رجل السلام ومعهما رجل الأعمال الذي سيوفر الرخاء والبيئة الرغدة التي ينعم فيها العربي المسلم المتصوف الجديد بالحياة السعيدة وقد كسب دينه ودنياه وتخلص من الرؤية الظلامية للدين وحياة الجهاد التي يفقد فيها الجيل الجديد حياته دون مقابل.
وقد أثار الإعلان عن انطلاق “مركز تكوين الفكر العربي” بمجموعة أمناء من الشخصيات الفكرية والكتاب، حالة من السخط والجدل بين الأوساط الدينية في مصر.
وأعلن -خلال حفل تخرج بالمتحف المصري الجديد- أن أهداف المركز تتلخص في تطوير خطاب التسامح الديني واعتماد لغة الحوار والنقاش وطرح الأسئلة عن المسلمات الدينية والإصلاح والحوار وقبول الآخر والإيمان بمبادئ السلام العالمي بين المجتمعات والثقافات والأديان.


وبحسب حلقة 17-5-2024 من برنامج “فوق السلطة”، فقد ضم مجلس أمناء المركز مجموعة من الكتاب والمفكرين أصحاب السوابق في إنكار المعلوم من الدين بالضرورة مثل الإيمان باليوم الآخر، وبأن الله وحده هو من يستحق العبادة.

ووفقا لأستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أحمد كريمة، فإن المادة السابعة من الدستور المصري تنص صراحة على أن الأزهر الشريف هو المسؤول وحده عن الشؤون الدينية، وطرح سؤالا إن كان بمقدور أحد غير الحاخامات أن يتحدث في شؤون الشريعة اليهودية؟، أم هل يجرؤ أحد غير المجمع المقدس والمرجعيات المعترف بها في المذهبيات والكنائس المسيحية أن يقحم نفسه في شؤون دينية تخص المسيحيين؟

في حين ذكر الداعية الشيخ محمد حسان بما يعتبره “حقدا” من أحد مؤسسي المركز على الإسلام، وعلى السنة الشريفة، وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، مشيرا إلى الإعلامي إبراهيم عيسى الذي قال إنه يعلن الحرب على الثوابت والأصول الدينية، منذ سنوات طويلة.

وقال حسان إن عيسى أساء الأدب مع الله حينما قال بخذلان منقطع النظير إن “صيام رمضان ليس منه فائدة، سوى أنه قرار سيادي من الله”، مضيفا أن عيسى تهكم على القرآن حينما قرأ قول الله تعالى “ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه” ثم راح يضحك بسخرية واستهزاء، ويردد “سلطانية سلطانية”.

وأضاف أن الإعلامي عيسى أساء الأدب مع رسول رب البرية -صلى الله عليه وسلم- ومع السنة الصحيحة حينما قال إن “محمد القرآن” غير “محمد السنة”، كما طعن في الصحابة الأجلاء، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وقال “أبو بكر الصديق من الدواعش” وقال أيضا إن “الصحابة عملوا مصائب”.

وفي أحد برامجه التلفزيونية دعا عيسى إلى تأمل وتقديس البقرة، وقال إن “من المهم جدا أن يتأمل الفرد بالبقرة، لأن فيها ملامح تدعو لتقديرها، ولا مشكلة أن يصدق الفرد أن هناك شعوبا تقوم بتقديسها، لأنها تستاهل ذلك”.


“الحجاب ليس فريضة إسلامية، ولا يوجد عليه نص من قرآن ولا من حديث” تصريح صادم كان قد صدر عن فراس السواح -أحد مؤسسي مركز تكوين- وهو المتهم من قبل بعض الجهات باستخدام الإعلام الرسمي السوري لمهاجمة الإسلام، ويصفه معارضون سوريون بالشبيح المتعايش مع استبداد نظام البعث.

كما أن السواح قد صرح في مقابلة تلفزيونية أنه “لا يوجد حياة بعد الموت”، وأن “الجنة والنار هي أشياء رمزية فقط”، واصفا من يؤمنون بالثواب والعقاب يوم القيامة بأنهم “جزء من تركيبة متخلفة من المجتمع العربي”.

كما أنكر المفكر يوسف زيدان -أحد أمناء مركز تكوين والمتهم بسرقة الكتب الأجنبية وترجمتها ونسبتها إلى نفسه- حق المسلمين التاريخي بالقدس ووجود المسجد الأقصى في فلسطين، وكذب معجزة الإسراء والمعراج بقوله “لما أنزل القرآن الكريم لم يكن المسجد الأقصى موجودا ولكن كانت هناك كنيسة القيامة”.

ففي مصر قلب العالم العربي ومركزه وبوابة الأمان للحرمين الشريفين في مكة والقدس، وفي واحد من أشهر الأماكن السياحية العالمية فيها، وفي حضن أهرامات الجيزة إحدى عجائب الدنيا السبع يوم 4 مايو الماضي أعلن عن تدشين مؤسسة فكرية جديدة سميت “مؤسسة تكوين الفكر العربي” تسعى كما جاء على لسان الأستاذ أحمد سعد زايد أحد المتعاونين معها إلى “تكوين فكر عربي جديد وليس مجرد تجديد أو إحياء هذا الفكر”. وهذا هدف كبير وطموح ويحتاج لجهود كبيرة وموارد هائلة وكتائب كبيرة من الباحثين أو على حد قوله “محتاجين 15 ألف دماغ”.

وما إن أعلن عن أهداف المؤسسة في منتداها الأول في المتحف المصري الكبير وما جرى فيه من مناقشات وما أعلن من أهداف- وخصوصا عندما أعلن عن مجلس أمناء المؤسسة وباقي المنتسبين إليها من باحثين وكتاب وإعلاميين- حتى قامت قيامة وسائط التواصل الاجتماعي وانشغلت برامج التوك شو في الفضائيات بهذا الوليد الطموح الجموح ما بين مهلل مستبشر ومحذر منذر متجهم. وخلال الأيام العشرة التي مضت منذ الاعلان عن المؤسسة وحتى لحظة كتابة هذه السطور جرت تحت مياه النيل المعرض لأكبر خطر في تاريخه كثير من المياه، فقد انقسم المصريون فريقان كما العادة: فريق مؤيد وفريق رافض.

أما الرافضون فقد شنوا هجوما كاسحا على المؤسسة والمؤسسين محذرين من خطر عظيم محدق بالدين وبالمسلمين واستخدموا كل وسائل الدعاية الممكنة والمتاحة بما في ذلك خطبة الجمعة للتحذير من الخطر القادم وتداعى البعض لمؤسسة مقابلة لتحصين الفكر الإسلامي ضد تخريب هذه المؤسسة كما يرون.

بينما وجد الفريق الثاني المؤيد أن المؤسسة تمثل حاجة وضرورة لتجديد الفكر العربي وتأهيله للمستقبل وأن مخاوف الأولين ليست في محلها وأن الحملة المضادة للمؤسسة تؤكد ضرورة تجديد الفكر العربي وتخليصه من تعصب هؤلاء وجمودهم باعتبارهم أحد الأسباب الرئيسية لجمود هذا الفكر.

وكان موقف الدولة المصرية غريبا بعض الشيء في الظاهر فالدولة هي من فتحت هذا الموقع المتميز للمؤسسة لتقوم بتدشين عملها وامدته بما يلزم وجندت وسائل الإعلام الحكومية الرسمية للدعاية للمؤسسة وحدث تدشينها لكنها في نفس الوقت هي التي وجهت خطبة الجمعة للتحذير من المؤسسة ولم تبد أي اعتراض على تحفظات بعض مسئولي الأزهر والأوقاف على أهداف المؤسسة، بل والغريب أنها لم تتوقف عند مشروعية وجود المؤسسة وخضوعها لقوانين الدولة فنحن لم نعرف بعد طبيعة المؤسسة القانونية.

وما إن انتهت أعمال المنتدى الأول للمؤسسة الذي احتفى بالدكتور طه حسين باعتباره أيقونة وأبو التنوير في الفكر العربي الحديث لدى فئات كثيرة من العلمانيين العرب وباعتباره المكون الأول والراعي الأول والمرجع الذي يعود إليه كل من يدعي فعل التنوير في مجتمعاتنا المسلمة، حتى انهمر سيل التلاسن وتبادل الاتهامات والتهكمات وحرب بابل بين المؤيدين والرافضين.

ثم تلا ذلك لقاء أحد أعضاء مجلس أمناء المؤسسة مع الإعلامي عمرو أديب ليوضح أهداف المؤسسة وسبب الحملة التي تشن عليها والتي أرجعها للإخوان المسلمين. ثم أتبع ذلك اللقاء لقاءا آخر لنفس الإعلامي مع أحد رجالات الأزهر حول المؤسسة والذي دعا فيه من ليسوا بأزهريين لعدم الحديث في شئون الدين، وقد تفاعل الجمهور مع اللقاءين رفضا وقبولا من الفريقين. وسرعان ما دخلت الدعوة السلفية على الخط مسرعة فتداعى البعض لتأسيس عمل مضاد لتكوين اصطلح على تسميته تحصين من بعض شيوخ الدعوة السلفية لم تتبين بعد ملامحه ولا موارده كما هو الحال مع تكوين ثم دخلت سلفية الاسكندرية المتحالفة مع النظام ممثلة في الشيخ ياسر برهامي وعبد المنعم الشحات والدعوة لندوة عامة في الاسكندرية يبدو أنها بعلم وموافقة النظام الحاكم للتحذير من تكوين.

هذا هو الحال حتى لحظة كتابة هذه السطور، فكيف حدثت ظاهرة التنوير والرخاء وتطورت في مجتمعاتنا: البعد التاريخي حتى لحظة تكوين؟ لماذا أو ما هي الأسباب التي قادت إلى ظهور هذه الظاهرة في مجتمعاتنا؟ وما هي التفسيرات المختلفة والمحتملة لهذه الظاهرة؟ وأيها أقرب للحقيقة والواقع الملموس عبر التجربة التاريخية للقرون الثلاثة الماضية؟

وما هي مؤسسة تكوين؟ ولماذا حظيت بكل هذا الاهتمام الرسمي؟ وهذا الاحتفال الباذخ؟ ولماذا يفتح أهم مكان تتوجه إليه أنظار العالم كله ليحتضن منتدى المؤسسة الأول، وتعلن من خلاله رسالته وأهدافه وشخوص مؤسسيه والقائمين عليه؟ ولماذا هذا الهجوم الكاسح على المؤسسة من التيارات المختلفة من بقايا الوطنية المصرية والعروبية وبالطبع الإسلامية؟

وكيف يمكننا النظر إلى تلك المؤسسة؟ وكيف نحلل ما حدث؟ ولماذا يجب علينا الانتباه لمثل هكذا مؤسسة بالذات؟ وهل مؤسسة تكوين بدعة جديدة في عالم العرب المسلمين؟ أم إنها حلقة في سلسلة طويلة من سلاسل التسلل واختراق العقل العربي المسلم التي تمتد لقرون ثلاثة مضت؟ ما هي علاقة ظهور هذه المؤسسة أو هؤلاء الأشخاص الدعاة للتجديد والتنوير وإصلاح العقل العربي المسلم والدعوة للسلام والتسامح بالقضية الفلسطينية ومراحل ومفاصل التدهور والانحلال في الكيان العربي سياسيا واجتماعيا وحربيا ودينيا؟

ما الذي تقوله المؤسسة عن نفسها؟ ما هي أهدافها ورسالتها وأدواتها وكوادرها ومواردها ؟ وما هو السياق الزماني والمكاني والفكري الذي وجدت فيه وتعمل من خلاله؟ وما الجهات النافذة وراءها؟ ومن يتعاون معها؟ وما هي الغايات المرحلية والنهائية من وجودها؟ ومن يغامر بتمويلها والرهان على نجاحها مع الاحتمالات الكبيرة لفشلها؟ وما هو دورها المحدد اليوم وغدا إن قدر لها البقاء؟ وهل من الممكن أن يكون ميلادها مرتبط بفشلها ومخطط له فعلا فتكون قنبلة موقوتة تنفجر وتنتهي تمهيدا لما بعدها؟ وما هي المعالجة الأقرب للصحة للتعامل مع هكذا مؤسسة؟ وما هو المدخل الصحيح للتعامل معها، والاشتباك الفكري والعملي، معها لمن يهمهم أمر هذه الأمة ودينها وثقافتها وعروبتها وحاضرها ومستقبلها وفلسطينها؟

السبت، 22 يونيو 2024

يوم الافتراءات

 


يوم الافتراءات 

يوم الغدير يوم الافتراءات (١)

 

بقلم الشيخ علي القاضي 

مقدمة:

•بعد إنتهاء الرسول صلى الله عليه وسلم من الحج عاد الى المدينة في ١٨ ذي الحجة سنة١٠ هجرية وفي الطريق نزل بمكان فيه ماء يسمى غدير خُم
على مسافة ٨٢ميلا من مكه كما في نيل الأوطار٣٥٠/٤ للإمام الشوكاني وتساوي١٤٠ كيلو تقريبا وبعض العلماء يقدرها ب٢٥٠ كيلو كالشيخ الدكتور علي الصلابي في موسوعته القيمة
أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ٨٦٩/٢

•وفي هذا المكان ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين
الأول: في فضل أهل البيت وقال فيه (أذكركم الله في أهل بيتي ثلاث مرات )رواه مسلم

•الحديث الثاني في فضل علي رضي الله عنه
وقال فيه (من كنت مولاه فعلي مولاه )رواه الترمذي وصححه وأحمد وغيرهم
قال الحافظ أبن حجر: وأما حديث من كنت مولاه فعلي مولاه فقد أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جدا وقد استوعبها بن عقدة في كتاب مفرد وكثير من أسانيدها صحاح وحسان
فتح الباري٧٤/٧
وهو حديث متواتر كما قال الإمام الذهبي ذكره الإمام أبن كثير في البداية والنهاية ٢٢٧/٥
والمتواتر أعلى درجات الصحة عند المحدثين

•وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة على أهل الرف،ض والض،لال والزن،دقة
١٠٦/١ بعد بيان صحته “ولا إلتفات لمن قدح في صحته ”
وأنظر كثرة طرق هذا الحديث وأدلة صحته في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٣٠-٣٤٤.للشيخ المحدث الألباني

يوم الغدير يوم الافتراءات (٢)

مقدمة:
•ومن ضعف هذا الحديث -من كنت مولاه-من المحدثين
فضعفه لأسباب تعود لإختلاف المحدثين في التصحيح والتضعيف وفقا لقواعد علوم الحديث لا نكاية
بالشي عة وردود الأفعال كما يفعل البعض وفيهم دعاة -للأسف- مما يفتح باب التشكيك بالسنة الصحيحة والطعن بعقيدة أهل السنة
ولا يمنع هذا التضعيف من القول بصحته لأن التصحيح والتضعيف مسألة اجتهادية يختلف فيها المحدثون كما يختلف الفقهاء في المسائل الفقهية ولا إنكار عليهم طالماً الخلاف من مجتهد ومبني على قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الفقه فالضلال عندما يكون التضعيف والتصحيح بالتشهي والهوى وبردود الأفعال!!
أما التضعيف والتصحيح وفق القواعد من المؤهل فهو اجتهاد لا يشنع على صاحبه
والله المستعان

•معنى الحديث الأول:
الوصية بأهل البيت وهم كما حديث زيد في مسلم: آل عقيل وآل علي وآل العباس وآل جعفر ممن حرمت عليهم الصدقة واحترامهم ومحبتهم -متى كانوا صالحين-إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم
معنى الحديث الثاني
من كنت مولاه اي :من أحبني فليحب عليا رضي الله عنه وسبب هذا الحديث بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لفضل علي رضي الله عنه ودفاعه عنه أمام نقد بعض الصحابة له فبين الرسول غلطهم في نقدهم لعلي وأقر علياً على ما انتقدوه عليه من اجتهادات

•وليس في الحديثين الأول والثاني أي إختصاص لعلي وأهل بيته رضي الله عنهم بالحكم والسلطة كما يفتري الشي عة ولم يفهم الصحابة ولا أهل البيت وعلى رأسهم علي والحسن والحسين رضي الله عنهم الوصية لهم بالحكم فضلاً عن ذراريهم ولو كان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم بيان إمامتهم لصرح بذلك تصريحاً لا لبس فيه فبيان الشرع واجب عليه ولابد أن يكون البيان مبيناً وهو أفصح الخلق صلى الله عليه وسلم فكيف يبني عقيدة على كلام مجمل مختلف الدلالة
قال الشيخ محمد رشيد رضا:ولو دل على الإمامة عند الخطاب لكان إماما مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم، والشيعة لا تقول بذلك
تفسير المنار٥٨٥/٦
هذا ملخص عقيدة أهل السنة ومن أحب الاستزادة فليراجع:
شروح هذين الحدثين في شروح مسلم وشروح الترمذي وابن ماجة
والبداية والنهاية ٢٢٧/٥ للإمام ابن كثير
وموسوعة أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ٨٦٨/٢ للدكتور علي الصلابي
وموسوعة عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة٥٩٩/٢ الدكتور ناصر الشيخ
ومنهاج السنة للإمام ابن تيمية ومختصره منهاج الإعتدال للذهبي
والصواعق المحرقة لابن حجر

الأربعاء، 20 ديسمبر 2023

بيان الموقف الشرعي من إقامة الممر التجاري بين بعض دول الخليج والكيان الصهيوني

بيان الموقف الشرعي من إقامة الممر التجاري بين بعض دول الخليج والكيان الصهيوني 




الحمد لله القائل (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ ‌وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ) [المائدة: 82] والصلاة والسلام على نبينا القائل: ‌(مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌فِي ‌تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)،

وبعد: فإنَّ منتدى العلماء يتابع على مدى ثلاثةٍ وسبعين يوماً ما يتعرض له المسلمون في فلسطين عامةً، وفي قطاعِ غزة خاصة من مجازر وحشيةٍ راحَ ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، في حرب همجيةٍ لا مثيل لها في العصر الحديث، وفي الوقت الذي ينتظر فيه المسلمون موقفاً مشرفاً من الحكومات الإسلامية ينتصرون من خلاله لإخوانهم المسلمين؛ امتثالاً لقوله تعالى: (وَإِنِ ‌ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ) إذا بنا نفاجأ بحكومة المملكة العربية السعودية، ودول أخرى كالإمارت والأردن تفتح أبوابها لممرٍ تنقل عبره البضائع من دول الخليج إلى الكيان الصهيوني المحتل، وقد كان الأحرى بهذه الدول أن تسير جيوشها إلى هذا الكيان نصرة للمسجد الأقصى وحراسه من المجاهدين الفلسطينيين، وإننا في منتدى العلماء إذ نقف على هذا الموقف المخزي من حكومة المملكة العربية السعودية وبقية الدول ، نؤكد على ما يلي:

أولاً: أن التعامل مع الكيان الصهيوني تحت أي مسمى، وبأي وجه 

من الوجوه يعد خيانة لله ورسوله والمؤمنين، وانتهاكا لحرمة المسجد

 الأقصى المبارك، وعليه فإنه لا يجوز شرعاً السماح بتمرير 

البضائع لهذا الكيان الغاصب، وإن هذا الفعل القبيح يعد طعنة غادرةً 

في خاصرة المسلمين في غزة.

ثانياً: أن الواجب على هيئة كبار العلماء وعلماء المسلمين كافة بيان 

حرمة هذا الفعل القبيح، وأن سكوتهم على هذا المنكر يعد كتماناً لما 

أوجبه الله عليهم من النصح والبيان لأئمة المسلمين وعامتهم.

ثالثاً: أن الواجب على الشعوب المسلمة أن تتصدى لمثل هذه 

التصرفات انتصاراً لصيحات الثكالى والمظلومين، واقتداء بنبينا 

صلى الله عليه وسلم الذي خرج في جيش مدجَّجٍ بالسلاح انتصاراً 

لامرأةٍ كُشِفت عورتها في سوق بني قينقاع.

رابعاً: أن الاختلاف مع أي فئةٍ من المسلمين في أي مجالٍ من 

المجالات العقديةِ أو الفقهيةِ أو غيرها لا يبرر الوقوف في صف 

عدوهم ومؤازرته عليهم؛ لأن في ذلك مخالفةٌ صريحة لنصوص 

القرآن والسنة التي أوجبت علينا الاعتصام، والوحدة، والتكاتف، 

والتلاحم، والوقوف صفاً واحدا في وجه أعداء الملة والدين.

خامساً: ندعو المسلمين كافة، حكومات وشعوباً إلى نصرة إخوانهم

 المسلمين في فلسطين، ومد يد العون لهم، والوقوف معهم صفاً

 واحداً في وجه أعدائهم من الصهاينة والأمريكان الذين (لَا يَرۡقُبُونَ

 فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا ‌وَلَا ‌ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ) 

والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل,,,

صادرٌ عن منتدى العلماء

6 جمادى الآخر 1445 هجرية


19 /12/ 2023 ميلادية

 


السبت، 16 ديسمبر 2023

(طوفان الأقصى) .. من الحصار إلى الانتصار

 «تقرير حصري»

(طوفان الأقصى) .. من الحصار إلى الانتصار

 


 

صباح السابع من أكتوبر 2023، كان كابوساً ثقيلاً على المعتدين اليهود، وقد ساء صباحهم، بأمواج من المجاهدين المسلمين من غزة الأبطال، جاسوا خلال ديارهم قادمين من البر والبحر الجو، من خلال عملية نوعية أذاق فيها المجاهدون اليهود في ساعات معدودة سوء العذاب، وأذلوا الجيش الذي “لا يُقهر”، وأضحى جنود الاحتلال الصهيوني بين قتيل وأسير، واغتنم المجاهدون أسلحتهم ودروعهم، وصارت آيات الله في كتابه واقعاً مشاهداً مرئياً: قال تعالى: (قاتلوهم يُعذِّبْهم اللَّهُ بأيديكم ويُخزِهم وينصرْكم عليهم ويشفِ صدور قومٍ مؤمنين* وَيُذْهِبْ غيظَ قلوبهم ويتوب اللَّهُ على من يشاء وَاللَّهُ عليمٌ حكيمٌ) [التوبة: 14-15].

(إن ينصركم الله فلا غالب لكم)

القضية الفلسطينية قضية حيةٌ لا تموت إلا في نفوس المتخاذلين 

والمتقاعسين والخونة المطبعين.

وعلى الرغم من الاعتداءات الأخيرة التي شهدها المسجد الأقصى المبارك من قبل المتطرفين اليهود، والتي ازدادت وتيرتها بعد استلام حكومة نتنياهو اليمنية المتطرفة لزمام الحكم في الكيان الصهيوني، وكذلك تزايد الاعتداءات من قبل المحتلين “المستوطنين” بحق الفلسطينيين، وعلى الرغم من تسار سير قطار التطبيع مع خونة الدين من حكام بلاد المسلمين، إلا أن الله إذا نصر أحداً فلن يغلبه الإنس والجن وإن اجتمعوا عليه.

فقد كان يوم السابع من أكتوبر 2023 بحق يوم من أيام الله، أذل فيه الصهاينة اليهود أيما إذلال وانكسرت فيه هيبتهم في نفوسهم أولاً ثم في نفوس العالم، إذ استعاد المجاهدون من أبطال فلسطين السيطرة على مساحة من الأرض تفوق مساحة غزة نفسها.

إن اجتياز المجاهدين لتحصينات العدو الصهيوني المنيعة، تلك التحصينات التي أنفق عليها اليهود قرابة المليار دولار، وتم اجتيازها بإمكانات بسيطة، يُعدّ معجزة في كل المقاييس، لكنه وعد الله وقوله الحق، قال عز وجل: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ). [الحشر: 14]

واجبنا تجاه القضية الفلسطينية
يقول الله عز وجل: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقالًا وجاهِدوا بِأموالكم وأنفسكم في سبيل اللَّهِ ۚ ذَٰلِكمْ خيرٌ لكم إِن كنتم تعلمون) [سورة التوبة: 41].

واجب العرب والمسلمين اليوم هو تقديم الدعم والنصرة لإخوانهم في فلسطين بكل الوسائل المتاحة، وفي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اُنصُرْ أخاك ظالما أو مظلوما. فقال رجل: يا رسول اللَّه، أنْصُرُه إذا كان مظلوما، أفرأيْتَ إذا كان ظالما، كيف أنْصُرُه؟ قال: تحجُزُه -أو تمنعه- من الظلم، فإن ذلك نَصْرُهُ” (صحيح البخاري: 6952).


ونصرة المجاهدين تكون بالمال، وأن نخلف الغزاة في سبيل الله بخير، فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه:
“أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: من جهَّز غازيا في سبيل اللَّه فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيا في سبيل اللَّه بخيرٍ فقد غزا” (صحيح البخاري).

ومن وسائل النصرة في هذه الأيام المؤازرة الإعلامية للمجاهدين والمستضعفين، وهي فرض كفاية لأن الكثير من منصات التواصل الاجتماعي باتت تُضيِّق على كل من يدعمون القضية الفلسطينية والقضايا الإسلامية، والمطلوب هو إحياء القضية الفلسطينية والتعريف بها، وفضح المطبعين والمنبطحين من العرب.

والدعاء، وإن كان أضعف الإيمان بالنسبة لكثيرين، فإنه أقوى أسلحة المؤمن في مواجهة الطغاة والمعتدين. فنسأل الله عز وجل أن ينصر إخواننا المجاهدين والمستضعفين في فلسطين وفي كل مكان، وأن يثبت أقدامهم، وينصرهم على أعدائهم، وأن يعيد لهذه الأمة عزتها وكرامتها ومجدها.