الجمعة، 1 نوفمبر 2024

الشراكة بين أميركا والشرق الأوسط بحسابات الربح والخسارة

 

الشراكة بين أميركا والشرق الأوسط بحسابات الربح والخسارة

بعد مرور عام على طوفان الأقصى، والذي راح ضحيته أكثر من أربعين ألفًا من الأبرياء، فإن ثمة تساؤلات عديدة تدور في الذهن تتصل بما يجري في منطقة الشرق الأوسط من صراعات ونزاعات ذات طبيعة مزمنة، وكأنما قُدّر لهذه الجغرافيا من العالم أن تكون في دُوامة من الصراع والاحتراب بين دولها، وداخل كياناتها السياسية وتكويناتها المجتمعية.

فمن المنظور الطاقوي يستمد الشرق الأوسط قيمته الإستراتيجية من كونه يمثل 31% من إنتاج النفط العالمي، و18% من إنتاج الغاز، و48% من احتياطيات النفط المؤكدة، و40% من احتياطيات الغاز.

وكما هو معلوم، فإن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، يُعد حسب تقييم الكثيرين أكبر الشركاء الإستراتيجيين لدول المنطقة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم. وقد تعزز نفوذه في قضايا المنطقة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق.

وبإلقاء نظرة فاحصة على طبيعة العلاقة التي تجمع بينهما، تبرز جملة من الأسئلة التي تُعد مشروعة من وجهة نظر تقييمية ونقدية، والتي يحاول هذا المقال الإجابة عنها، ومنها: ما الذي استفاده الإقليم من شراكته المفترضة مع الغرب بقيادة أميركا على المستوى: السياسي، الاقتصادي، الأمني والعسكري؟ من هو الرابح من تلك الشراكة المتخيلة، ومن هو الخاسر من منظور المصالح الإستراتيجية؟

إلى أي مدى تحتاج دول الشرق الأوسط إلى إعادة فحص وتقييم لحصاد تجربتها مع الشريك الغربي، بالقدر الذي يمكنها من اتخاذ القرار السليم، إما بالمحافظة على هذه الشراكة القديمة، أو إعادة التموضع بشكل جديد واختيار مسار لشراكات جديدة، ومع لاعبين جدد تخدم مصالحها على المدى الطويل؟ وسيركز المقال على الولايات المتحدة كنموذج في إطار مقاربة الموضوع المطروح.

المصالح الأميركية في المنطقة

تنظر الولايات المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط من زاويتين: الأولى أمنية، وتشمل مجموعة من القضايا، والتي من بينها منع نشوب الصراعات التي قد تهدد حلفاءها، أو تُزعزع استقرار أسواق الطاقة العالمية، ومكافحة الإرهاب بكافة أشكاله، والتصدي للجماعات المتطرفة، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والحد من التسلح، وحماية مواطنيها والقوات الأميركية المتواجدة في المنطقة، فضلًا عن تمكين حلفائها من بناء القدرات العسكرية الكافية للدفاع عن أنفسهم.

الزاوية الثانية لتصور أميركا لمصالحها في الشرق الأوسط اقتصادية، وتشمل ضمان تدفق موارد الطاقة من النفط والغاز الطبيعي إلى الأسواق العالمية، ودعم الاستقرار الاقتصادي العالمي بصفة عامة، والأميركي بصفة خاصة، وذلك من خلال تأمين إمدادات الطاقة، بجانب تعزيز فرص التجارة والاستثمار مع دول المنطقة، وتوسيع الشراكات الاقتصادية. وقد اتبعت في سبيل تحقيق ذلك عددًا من الإستراتيجيات يمكن استعراضها كما يلي:

إستراتيجيات متنوعة

اتبعت الولايات المتحدة عددًا من الإستراتيجيات التي تفاوتت بين ما هو سياسي، اقتصادي، وعسكري، بيدَ أنّ معرفة وتحليل هذه الإستراتيجيات يستدعي استخدام بعض النماذج النظرية، التي اُستخدمت في حقل العلاقات الدولية، بغرض المساعدة في تحليل طبيعة تحرك واشنطن لتحقيق مصالحها في المنطقة، والتي تشهد تنافسًا كبيرًا بين مختلف القوى الإقليمية والدولية، وهنا يمكن الإشارة لمنطلقَين فكريَين رئيسيَين، هما:

  • المنطلق الفكري الأوّل، هو التحكّم في الصراعات وإدارتها وليس حلها. ارتبط هذا المدخل بالدبلوماسي الأميركي هنري كيسنجر، والذي عبّر عن هذا التصور في كتابه: "الدبلوماسية".
  • المنطلق الفكري الثاني، هو الأَمْنَنة، ويرجع الفضل بشكل عام في بناء هذه النظرية، ووضع أسسها الفكرية إلى مدرسة كوبنهاغن للدراسات الأمنية، وبشكل خاص إلى أولي ويفر، وباري بوزان. فالأمننة كمصطلح متداول في العلاقات الدولية، يعني قيام الفاعلين في الدولة بعملية تحويل بعض القضايا العادية إلى مسائل أمنية، وتصويرها على أنّها مهدد يستدعي المواجهة، واتّخاذ بعض الإجراءات الاستثنائية.

وبإسقاط هذه المقاربات النظرية المشار إليها على واقع العلاقة الإستراتيجية المفترضة بين الشرق الأوسط والولايات المتحدة، يمكن القول إنّ حصاد المنطقة كان تركة مثقلة من الصراعات والحروب التي جعلت من هذه الرقعة الجغرافية الغنية بالموارد أقل الأماكن استقرارًا على مستوى العالم.

يضاف إلى ذلك سجل عريض من الانتهاكات الموجهة ضد حقوق الإنسان، وتدخلات عسكرية قادت العديد من الدول إلى الانهيار الكامل، وتحول بعضها إلى دول فاشلة شكلت عبئًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ليس على مواطنيها فحسب، بل حتى على مستوى المحيط الإقليمي الذي تنتمي إليه.

والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكننا سنكتفي بذكر بعض النماذج لدعم الفرضية التي يتبناها المقال فيما يتعلق بحصاد هذه الشراكة غير المتكافئة. ومن هذه النماذج:

الصراع العربي الإسرائيلي

شهد ملف الصراع العربي الإسرائيلي منعطفات متعددة، ويمكن أن يؤرخ لذلك بالحرب العربية الإسرائيلية في العام 1948، مرورًا بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وحرب يونيو/ حزيران 1967، فيما عرف بحرب النكسة، وحروب الاستنزاف التي أعقبت نكبة يونيو/ حزيران، وحرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973.

وترافق مع الحرب أن حظرت منظمة أوبك بقيادة الملك فيصل تصدير النفط للدول التي دعمت إسرائيل في الحرب، مثل: الولايات المتحدة، كندا، اليابان، هولندا، وبريطانيا، حيث ارتفع سعر النفط وقتها بنسبة 300٪، أي من 3 دولارات للبرميل الواحد إلى ما يقرب من 12 دولارًا للبرميل.

تلا ذلك الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، ثم مرورًا بعدد من المواجهات، وصولًا إلى ما اُصطلح على تسميته بطوفان الأقصى الحالي.

الملاحظة الجديرة بالاهتمام، هي أنّ هذا الصراع، وعلى مدى يتجاوز الـ75 عامًا، ظل بلا حل، رغم وجود مرجعية دولية تتمثل في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 بتاريخ 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في الحرب الأخيرة.

مع الأخذ في الاعتبار أنّ مجلس الأمن قد وقع في خطأ قانوني، عندما اعتمد هذا القرار الذي يطلب الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام 67، بدلًا من إنفاذ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر في نوفمبر/ تشرين الثاني 1947، والذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية، وتضمن ذات القرار الطلب من إسرائيل أن تنسحب من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، علمًا بأنّ هذا القرار المشار إليه -181- تضمن حدود الدولة الفلسطينية كاملة.

وبالتالي فإنّ منطق إدارة الصراع وليس حله، كما أشار إلى ذلك كيسنجر، يبدو حاضرًا إلى اليوم بفاتورة بشرية تجاوزت الـ134 ألف فلسطيني وعربي، قُتلوا في فلسطين منذ "النكبة" عام 1948، إلى جانب تسجيل نحو مليون حالة اعتقال منذ "نكسة" عام 1967، وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في مايو/ أيار 2024.

فالمحصلة هنا أنّ الدعم الكبير الذي ظلت تُقدمه واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون لإسرائيل منذ العام 1948 وإلى اليوم، لم يستطع أن يصنع سلامًا لتل أبيب في هذا المحيط الإقليمي المضطرب، وبالتالي فإنّ ذلك يفتح الباب لتساؤل مشروع، وهو هل تحقيق الأمن والاستقرار لدول الإقليم يستلزم الاستمرار في شراكة مع واشنطن بهذه الصورة الضبابية غير المتكافئة، أم أنّ الأمر يستدعي نوعًا جديدًا من الشراكة التي تمكن الإقليم من بناء قدراته الاقتصادية والدفاعية، في إطار المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة؟

الحرب العراقية الإيرانية

لعبت أميركا دورًا رئيسيًا في الحرب العراقية الإيرانية قبل وأثناء الحرب، رغم أنّ العراق وقتها كان يتخوّف من أن يسهم نجاح الثورة الإيرانية في العام 1979 في أن تتحول إيران إلى قوة إقليمية مهيمنة في المنطقة. وفي المقابل فإنّ واشنطن ورغم تشجيعها للعراق في الدخول في حرب مع طهران، فإنّها كانت مدفوعة برغبتها في تعويض الخسارة الاستخباراتية التي منيت بها عقب حادثة احتجاز الرهائن في سفارتها بطهران.

فمن بين الوثائق التي عثر عليها الثوار الإيرانيون عقب احتجازهم الرهائن، قائمة بكافة عملاء الـCIA في قارة آسيا شاملةً عناوينَهم، أسماءَهم وهواتفهم، الأمر الذي أجبر واشنطن على سحبهم من قارّة آسيا، والبداية من الصفر.

وقد خلفت الحرب العراقية الإيرانية أكثر من مليون قتيل، وخسارة مادية بلغت الـ400 مليار دولار. وكما هو معلوم، فإنّ الولايات المتحدة كانت داعمًا رئيسيًا للعراق في تلك الحرب، وقد أمدته بكم هائل من الأسلحة.

وفي المقابل، دعمت إيران كذلك بالسلاح فيما عرف بفضيحة إيران كونترا، والذي قامت بموجبه إدارة الرئيس رونالد ريغان ببيع السلاح لإيران، واستخدام أرباح تلك الصفقة لتمويل حركات "الكونترا" المناوئة للنظام الشيوعي في نيكاراغوا. وكان من نتائج تلك الحرب التي استمرت لمدة ثمانية أعوام أنها كانت سببًا في دخول العراق للكويت في 2 أغسطس/آب 1990.

ومن المفارقات أنّ صدام حسين دخل الكويت بعد أن تلقى الضوء الأخضر من السفيرة الأميركية بالعراق آنذاك أبريل غلاسبي، التي التقى بها في الخامس والعشرين من يوليو/تموز 1990.

ولعل أبرز تداعيات دخول الجيش العراقي للكويت، هو غزو أميركا للعراق، وسقوط بغداد في العام 2003، الأمر الذي أسهم في خلق فراغ جيوسياسي قامت بملئه إيران، واستفادت واشنطن من تمدد نفوذ طهران في المنطقة في تسويق مشروعية تواجدها العسكري بالقرب من حقول النفط.

فالدرس المستفاد من هذه الحرب هو أنّ واشنطن تُعتبر شريكًا براغماتيًا لا يمكن الوثوق به، والشواهد اللاحقة في إطار تجربة أميركا مع المنطقة تدعم هذه المخاوف. فرغم ميراث العداء الظاهر بين طهران وواشنطن، قامت إدارة الرئيس باراك أوباما بإدارة ظهرها لدول الخليج، وتوقيع الاتفاق النووي مع إيران.

وقد مكّن هذا الاتفاق طهران من المضي قدمًا في مشروعها النووي كما اتّضح لاحقًا. وما يجري الآن من تصعيد مدروس بين إسرائيل وطهران يصبُّ في قالب الشكوك المثارة حول دور واشنطن، وعليه فإنّ دول المنطقة تحتاج لمد جسور التواصل مع أطراف أخرى كالصين وروسيا لحفظ التوازن المفقود، والذي ربما يكلّف الإقليم مزيدًا من الانكشاف القاتل في لحظة لا يمكن معها التعويض. خطوة كهذه يمكن أن تقود أميركا لإعادة النظر في أسس شراكتها الهشّة مع الإقليم.

الحرب على أفغانستان

مثّلت الحرب على أفغانستان نموذجًا صارخًا لتطبيق نظرية الأمننة، وذلك عبر خلق عدو متوهم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، حيث تم تصوير نظام طالبان على أنّه الحليف الرسمي لتنظيم القاعدة، وبالتالي تم وصمه بالإرهاب وإلصاق تهمة تهديده للسلم والأمن الدوليين.

بيد أنّ الأهداف الإستراتيجية لتلك الحرب كانت تتمثل في التموضع العسكري الاستباقي في مناطق جيوستراتيجية بالقرب من آسيا الوسطى، القريبة من حدود الأعداء السابقين كروسيا وريثة الاتحاد السوفياتي السابق، والأعداء المحتملين كالصين، أو مجموعة دول آسيوية قد تدخل في تحالفات تشكل قطبًا منافسًا للولايات المتحدة الأميركية في المستقبل، في إطار ما بات يُعرف بمثلث بريماكوف.

وبعد عشرين عامًا من القتل والتدمير، عادت الولايات المتحدة وسلمت أفغانستان لنفس الغريم التقليدي الذي وصمته بالإرهاب، وانسحبت بشكل أضر بهيبتها كقوة عظمى.

ويبدو أن الدرس المستفاد هو أنّ واشنطن مستعدة للجلوس مع أي طرف إذا ما اقتضت مصلحتها ذلك، بغض النظر عن أي تقاطعات. ففي البريد الإلكتروني المسرّب من ويكيليكس في العام 2012، أشار جيك سوليفان – الموظف بالخارجية الأميركية وقتها، ومستشار بايدن الحالي للأمن القومي – إلى هيلاري كلينتون قائلًا إن "القاعدة تعمل في صفنا في سوريا".

يتضح أنّ القاعدة التي تمت محاربتها في كابل، تعتبر حليفًا في دمشق. وبالتالي فإنّ الاعتماد على واشنطن كشريك أمني ودفاعي أوحد في منطقة الشرق الأوسط غير المستقرة، يُعد مخاطرة كبيرة قد يدفع الإقليم ثمنها لاحقًا بسبب حالة الانكشاف الإستراتيجي التي يعاني منها.

الانكشاف الإستراتيجي لدول المنطقة

واجهت منطقة الشرق الأوسط حالة من الانكشاف الإستراتيجي، بسبب عاملين اثنين: أولهما داخلي، ويتعلق بالسياسات الوطنية التي اتبعتها دول الإقليم في الجوانب: السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والعسكرية.

فرغم ضخامة حجم الموارد المتوفرة، لم تهتم دوله بتنويع القاعدة الاقتصادية بالقدر الذي يجنبها تقلبات الاقتصاد العالمي الذي تحكمه عوامل خارج نطاق سيطرتها، واستمر اعتمادها على موارد محددة دون أي تطوير يحفظ لهذه البلدان استقلاليتها ويحميها من الوقوع في مشكلة الاستتباع الاقتصادي، الذي يمكن أن يُوظف ضدها في أية لحظة.

وفي الجانب السياسي والاجتماعي، لم تهتم هذه الدول بتطوير البنى السياسية والاجتماعية بما يضمن قاعدة أكبر من المشاركة لأفراد المجتمع، ما جعلها عرضة للاختراق الأمني، وتوظيف كروت الضغط المناطقية، الطائفية، المذهبية والحزبية؛ لضرب استقرارها الأمني، وفتح نوافذ للتدخل الخارجي.

وعلى الصعيد الأمني والعسكري، اعتمدت أغلب الدول داخل هذا الإقليم على الشراكة الأمنية مع واشنطن، وكما أثبتت التجارب التاريخية في نطاق الشراكة المفترضة مع الغرب بصفة عامة، والولايات المتحدة بصفة خاصة، فإنّ هذا الرهان يُعد خاسرًا، ولا يمكن الاعتماد عليه في ظل توازنات إقليمية ودولية لا تعير أي اهتمام لمن لا يمتلك أدوات الردع الخاصة به.

فقرار دخول أي حرب لا يُعد قرارًا وطنيًا مملوكًا لدول المنطقة، وذلك لأنها لا تُنتج سلاحها بنفسها، بل تحصل عليه من جهات لديها حسابات أمنية وعسكرية لا تسمح بأي نوع من التفوق الذي يؤثر على مصالحها ومصالح شركائها الحقيقيين وليس المفترضين.

العامل الآخر الذي أسهم في تعميق حالة الانكشاف الإستراتيجي، هو تغيّر خريطة التوازنات الدولية في غير صالح من تعتبره المنطقة شريكًا إستراتيجيًا.

ولعل أحد مظاهر تبدل خارطة التوازنات الدولية، هو التنامي المطرد للصين كقوة عظمى منافسة على المسرح الدولي. وقد أسهمت الحرب الأوكرانية في إحداث نوع من التقارب بين الصين وروسيا وإيران. ففي السادس عشر من مايو/أيار 2024، سجل فلاديمير بوتين، وشي جين بينغ رقمًا قياسيًا جديدًا باختتام اجتماعهما الثالث والأربعين، بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين للعلاقات الدبلوماسية بين الصين وروسيا. وشهد الاجتماع تأكيدًا على "الشراكة الشاملة" و"التعاون الإستراتيجي" بين الجانبين.

ويبدو أنّ هذا التقارب محاولة لإحياء مثلث بريماكوف الذي قدمه في بداية تسعينيات القرن المنصرم، ولكن باستبدال إيران بالهند.

وفي ذات المنحى التحالفي وإعادة التموضعات الجديدة، سعت بكين لإنشاء مجالات نفوذ جيوسياسي واقتصادي منافس للولايات المتحدة في المنطقة، وذلك عبر التقارب الاقتصادي مع طهران.

ففي العام 2021، وقعت الدولتان اتفاقية تعاون تجاري إستراتيجي لمدة 25 عامًا، وتأتي كخطوة متقدمة لإشراك إيران في مشروع "الحزام والطريق"، كجزء من الخطة الصينية الضخمة لإقامة مشاريع بنى تحتية تعزز علاقات بكين التجارية مع آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وتحت رعاية الصين، انضمت إيران إلى مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون. ووفقًا لمجلة "بتروليوم إيكونوميست"، ستستثمر الصين 280 مليار دولار في صناعة النفط والغاز، و120 مليار دولار في صناعة النقل الإيرانية.

الخلاصة

إنّ مستقبل الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط يمر بتحديات غير مسبوقة؛ بسبب ديناميكيات القوة العالمية المتغيرة، وصعود الصين، وانكفاء أميركا على قضاياها المحلية. وهذا يستلزم إعادة النظر في مجمل الأسس التي حكمت هذه العلاقة لعقود بين الطرفين.

وبغض النظر عن تباين وجهات نظر بعض الفاعلين في الإقليم حول ما جرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، إلا أنّه فتح الباب لاتخاذ خطوات مدروسة وعميقة لبناء شراكات جديدة مع القوى الدولية الصاعدة كالصين، ولحد ما روسيا فيما يتعلق بالطاقة النووية للاستخدام السلمي. فمعالجة الشرق الأوسط لأزمة انكشافه الإستراتيجي تستلزم جملة من النقاط.

فعلى المستوى السياسي، يستدعي الأمر تطوير النظم السياسية القائمة بالقدر الذي يسهم في توسيع قاعدة المشاركة السياسية لجميع أفراد المجتمع وفقًا للتقاليد والأعراف الثقافية الخاصة بكل دولة من دول الإقليم، وذلك منعًا لأي اختراق خارجي.

أما على المستوى الاقتصادي، فيتطلب الأمر تنويع القاعدة الاقتصادية، والعمل على توطين الصناعات التكنولوجية المتقدمة. وعلى المستوى الدفاعي، تقتضي المصلحة أن يتم توطين كل الصناعات الدفاعية في المنطقة، مع الأخذ في الاعتبار أحقية دول الإقليم في تطوير الاستخدام السلمي للطاقة النووية، فضلًا عن تطوير وتعزيز آليات العمل الدفاعي المشترك أسوة بتجربة حلف الناتو.

كنتُ أظن

خارج الصندوق

كنتُ أظن


سالم النخيلان

كنت أظن أن القراءة والاطلاع بالنسبة للمطلعين أشبه بشجرة تُسقى فلا تثمر إلا نوعاً واحداً من الثمر، كالنخلة مثلا تسقى، فتطرح تمراً...

وعندما أمعنت في الأمر وجدت أن القراءة بلا سابق رأي ولا تحجير فكرٍ أو إطلاق حكم، كالشجر المختلف يُسقى بماءٍ واحد لكن ثماره مختلفة ومتفاضلة، وكذلك عقول الناس، فتعاطي المعرفة والتأثر بها ليس واحداً، والتعامل معها ليس واحداً أيضاً، فالألباب مختلفة، والمجتمع وظروف التنشئة ليست واحدةً بطبيعة الحال؛ لذا فالأثر ليس واحداً...

وبناءً على ذلك، فالأسلوب الذي يبني عليه الإنسان استنباطه للنتيجة والأفكار الناتجة عن قراءته، وما يُستفاد منها للمستقبل الفكري قد يختلف كلياً وجزئياً، وقد يتفق جزئياً أو كلياً مع من يتعامل مع ذات المعلومة ذاتها والمصدر ذاته.

يقول الكاتب الروسي ليف تولستوي، لو جلس طفل تحت شجرة تفاح وتمنى تفاحة فسقطت عليه، لقال شخصٌ ما بأن التفاحة وقعت لأن الطفل دعا بذلك، وسيقول عالم النبات إن خلايا تحللت ما تسبّب بوقوع التفاحة، وسيقول عالم الفيزياء بأن ذلك من فعل الجاذبية...!

والسؤال أيهم على حق ؟!

أعتقد أن كلاً قد حكمَ من قِبَل تخصصه، وزاوية رؤيته، وطريقة تعاطيه للحدث، والغاية التي ينشدها من التحليل.

عندما خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، لقافلة قريش المارّة بآبار بدر، ولم يظفر المسلمون بالقافلة لكن انتصروا فغنموا بالمعركة؛ رآها البعض خروجاً بأمر وحيٍ إلهي، ورآها آخرون فرض مكانة المسلمين بالمدينة الواقعة على طريق قوافل قريش مع الشام، ورآها بعض المستشرقين قطع طريقٍ وسلبِ أموالٍ كعادة بعض قبائل العرب في الجاهلية!

من الطبيعي أن تختلف الآراء والتحليلات للحدث التاريخي الذي قد يراه البعض مسلّماً غير قابل للنقاش وبأنه أمرٌ إلهي لا حاجة لإعادة النظر فيه والتأمل، ولا حاجة لإعادة قراءته والاكتفاء بمنظورٍ واحدٍ لا ينتج إلا ثمرةً واحدة، رغم أن الشجر مختلف...

والأدهى أن مصدر المعرفة ليس واحداً وكذلك النتاج الفكري ليس واحداً بطبيعة الحال كالذي يسقي شجرة التفاح ماءً ويطلب منها أن تنتج زيتوناً، فيكف عن سقيها فإما تمد جذورها فتقوى ولا تنتج إلا تفاحاً وإما تستلم وتموت لأنها مطالبة بإنتاج الزيتون.

أظن أنه يجب تقدير اختلاف الآراء والفهم والتفكير وهو أمر محبب ومطلوب بالطبيعة البشرية، والنظر له على أنه نقطة اختلاف للتكامل لا تخالف لإقصاء المختلف فلعل المختلف يخاطب من يعجز الفكر السائد عن مخاطبته.

قمّة عربية أخرى... ما الحاجة؟

قمّة عربية أخرى... ما الحاجة؟ 



وائل قنديل


لا يحتاجان، فلسطين ولبنان، من الدول العربية عقد مؤتمر قمّة لن يقدّم أو يؤخّر، ولن يضيف أو يخصم، لشعبين عربيين شقيقين يتصدّيان لعدوان همجي يستهدف الوطن العربي كله، جغرافيّاً وتاريخيّاً، بمنطوق الخطاب الصادر عن قياداته.

لا يحتاج العرب من حكّام العرب مزيداً من الرطانة الخطابية، ومزيداً من اللقطات المصوّرة التي تظهر حجماً هائلاً من المشاعر المزيّفة، لا يحتاجون مكلمةً جديدة يشعر معها العدو بالسعادة، ويشعر معها الإنسان العربي بالإحباط والإهانة، ويدرك أن مردود مثل هذه القمم كارثيٌّ ما دام المؤتمرون لا يمتلكون سوى الكلام، أو بمعنى أدقّ لا يمتلكون سوى الزعم إنهم غير قادرين إلا على التنديد والمناشدة والطرق على أبواب مجتمع دولي، هو بالأساس منخرطٌ في الجريمة الإسرائيلية ضد فلسطين ولبنان.

كيف يمكن أن تعدّ هذه التي يعتزمون عقدها قمة عربية بينما لم تكلّف دولة من الدول المشاركة نفسها إصدار بيان نعي أو توجيه برقية عزاء في القيادات العربية الشهيدة التي دفعت حياتها ثمناً للتصدّي لمشروع الاحتلال للهيمنة على المنطقة؟ بأي وجه يتداعى هؤلاء لقمّة، ومنهم من لا يتوقف عن التعاون مع الاحتلال اقتصاديّاً وإعلاميّاً، إلى الحدّ الذي باتت فيه المنابر الإعلامية للدول النافذة في مؤسّسة القمّة جزءاً من آلة الدعاية الإسرائيلية، لا وظيفة لها سوى استهداف المقاومة، إن بالتحريض عليها أو بالإبلاغ عنها والسخرية منها واتهامها بالمسؤولية عن سفك دماء الشعبين.

هل تستطيع قمّة عربية مزمعة أن تبدأ انعقادها بالوقوف حداداً على استشهاد رموز المقاومة العربية في فلسطين ولبنان؟ هي لا تعتبر هؤلاء شهداء من الأصل، ولا ترى في مقاومة الاحتلال حقاً عربيّاً أصيلاً، بل أن ممثل فلسطين فيها، ذلك القابع في رام الله تحت حراسة العدو لم يقدم العزاء في رئيس المكتب السياسي لأكبر كتلة سياسية في فلسطين، والتي فازت بأغلبية أصوات الفلسطينيين في الانتخابات الوحيدة الصحيحة التي أجريت قبل سنوات، فكيف يمكن أن يتوقع عربي من قمةٍ كهذه حلًا ينهي المأساة؟.

مرّة أخرى: ما الحاجة لقمة ثانية، والأولى التي مر على عقدها عام لم تؤد إلا إلى طمأنة العدو بأن طريقه إلى إبادة الشعب الفلسطيني وتوسيع رقعة احتلاله مفروشٌ بالأمنيات الرسمية العربية بالنجاح في القضاء على المقاومة، عقيدةً وفكراً ومشروعاً يتحرّك على الأرض؟ 

وفي ذلك يمكن أن يعود المؤتمرون العرب إلى مخرجات قمتهم الأولي في العاصمة السعودية في 11 نوفمبر/ تشرين ثاني 2023 بعد مرور 40 يوماً على بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ويسألوا أنفسهم ماذا قدّمت قمتهم للشقيق وماذا قدّمت للعدو؟.

تكشف جردة الحساب السريعة طوال الأشهر التالية لعقد القمة عن إطلاق يد الاحتلال ليوسع من نطاق اعتداءاته لتصل إلى اغتيال رئيس "حماس"، الشهيد إسماعيل هنية في طهران، المشاركة في القمة ذاتها، ثم اغتيال خلفه في قيادة الحركة الشهيد يحيى السنوار، وقائد المقاومة اللبنانية الشهيد حسن نصر الله، ثم خلفه الشهيد هاشم صفي الدين، وعديد من قيادات المقاومة في البلدين على مدار عام، شهد أيضاً احتلال العدو مدينة رفح على الحدود مع مصر، واحتلال محور صلاح الدين، المصري الفلسطيني، ومعبر رفح، المصري الفلسطيني، والتوغل في عمق جغرافيا غزّة والجنوب اللبناني واقتطاع مساحات منهما.

من المهم أن يتذكّر أهل المؤتمر نصّ قرارات قمتهم الفائتة، ويتوقفوا عند ثلاثة منها، ويقولوا لنا ما مصيرها، إذ جاء نص البند رقم 3 ليعلن قرار"كسر الحصار على غزّة وفرض إدخال قوافل مساعدات إنسانية عربية وإسلامية ودولية، تشمل الغذاء والدواء والوقود إلى القطاع بشكل فوري، ودعوة المنظمات الدولية إلى المشاركة في هذه العملية، وتأكيد ضرورة دخول هذه المنظمات إلى القطاع، وحماية طواقمها وتمكينها من القيام بدورها بشكل كامل، ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). 

فيما شدّد البند رقم 4 على"دعم كل ما تتخذه جمهورية مصر العربية من خطوات لمواجهة تبعات العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة، وإسناد جهودها لإدخال المساعدات إلى القطاع بشكل فوري ومستدام وكاف. 

ثم نص البند 6 على"مطالبة جميع الدول بوقف تصدير الأسلحة والذخائر إلى سلطات الاحتلال التي يستخدمها جيشها والمستوطنون الإرهابيون في قتل الشعب الفلسطيني وتدمير بيوته ومستشفياته ومدارسه ومساجده وكنائسه وكل مقدراته".

من الضروري، بل من الواجب، أن تحاسب القمة نفسها على هذه البنود الثلاثة التي تعاطى معها المواطن العربي على أنها وعود صادقة، ماذا فعلت لتنفيذها؟ 

يجيبنا الواقع بأن الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني صار أكثر إحكامًا، ما رفع عدد شهداء الصمت العربي المتواطئ من بضعة آلاف في نوفمبر 2023 إلى زهاء خمسين ألفًا في الشهر نفسه من العام الجاري 2024، من دون أن يحاول أحد من عرب الجوار كسر الحصار، وهم يستطيعون، ومن دون أن يتوقّف أحد عن استقبال وفود الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي باتت استضافتها في العواصم العربية خبراً روتينيّاً.

من الواجب أن نعرف ما الذي اتخذته جمهورية مصر العربية من خطوات لمواجهة تبعات العدوان الغاشم على غزّة، وما هو الدعم الذي قدّمه العرب، وماذا عن مطالبة جميع الدول بوقف تصدير الأسلحة والذخائر التي يستخدمها جيش الاحتلال في قتل الشعب الفلسطيني وتدمير بيوته، بينما الوقائع تصفعنا على بعد أيام من القمة الجديدة بنبأ استخدام سفينة تحمل شحنة ذخائر ومتفجرات إلى الكيان الصهيوني ميناء الإسكندرية المصري مرفأ لها قبل معاودة الإبحار إلى إسرائيل، في ظل الضربات الصاروخية التي عطّلت ميناء حيفا؟.

إن الخسائر الإسرائيلية المتزايدة في لبنان وغزة دليل على أن هذه الحرب لا يمكن الفوز بها

 إن الخسائر الإسرائيلية المتزايدة في لبنان وغزة دليل على أن هذه الحرب لا يمكن الفوز بها






ديفيد هيرست

قد يستغرق الأمر عدة أشهر أخرى من الحرب لإدراك أنه لا يمكن العودة إلى 6 أكتوبر


هناك سبب بسيط لتجدد الاهتمام بخطط وقف إطلاق النار غزة والجنوب لبنان, والذبح الليلي فلسطيني اللاجئون الذين يرافقون كل دفعة من أجل السلام.

لا علاقة له إسرائيل حملة اغتيال قادة حماس وحزب الله أو محاولتها الأخيرة للحد من إنتاج وقود الصواريخ الصلب في إيران.

تحيط الإمدادات الوفيرة من خداع الذات والدوران بالتصور الحالي في إسرائيل و واشنطن أن كل جماعة مقاومة "تتعرض للكدمات والضرب" وذلك إيرانتم قص أجنحة ’s.

والسبب يحدق في وجه القيادة العليا للجيش الإسرائيلي: لقد أصبح شهر تشرين الأول/أكتوبر الشهر الأكثر دموية بالنسبة لقواتها منذ كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي. وتتكبد قواتها خسائر منتظمة في كل من شمال غزة وجنوب لبنان.

في آخر إحصاء، وتتغير هذه الأرقام كل يوم، في شهر واحد، قُتل 62 جنديًا في القتال, وقُتل 15 مدنياً وشرطيان في غارات صاروخية وهجمات داخل إسرائيل.


وحتى الآن، تتعامل إدارة إعادة التأهيل بالجيش الإسرائيلي مع أكثر من 12 ألف جندي جريح، وهو عدد يرتفع بنحو 1000 جندي شهريا. ويعتقد الكثيرون أن هذا الرقم أقل من العدد الحقيقي للإصابات التي تم علاجها في المستشفيات.

وهذا يشمل شخصية المعارضة يائير لابيد. هو قال للقناة 12: "هناك حدود لمدى قبولنا للحقائق البديلة."

وفقا لآخر بيان حزب الله, ومنذ 1 تشرين الأول/أكتوبر، قتلت حركة المقاومة اللبنانية 90 جنديا وضابطا إسرائيليا، وأصابت 750 ودمرت 38 دبابة ميركافا.

الخلوات المتكررة



على أقل تقدير، تواجه الحملة العسكرية الإسرائيلية لتطهير شمال غزة وجنوب لبنان من المقاتلين والمدنيين مقاومة شرسة وتؤدي، بعد مرور عام، إلى ظهور مقاومة شرسة, بعض من أعنف المعارك في الحرب.

إن أي فكرة مفادها أن حماس وحزب الله فقدا قدرتهما على القتال منذ اغتيال قادتهما السياسيين والعسكريين قد تم تجاهلها بوحشية.


وفي شمال غزة، لم يتم تطهير مخيم جباليا للاجئين من مقاتلي حماس، ولم يتم تجويع سكان جباليا وبيت حانون لإجبارهم على الاستسلام ونقلهم جنوبا, كما هو منصوص عليه في "خطة الجنرالات".

بحسب الجيش الأرقام الخاصة, مر ما بين 12 و29 شخصًا عبر ممر نتساريم على مدار ثلاثة أيام الأسبوع الماضي. وكانت حركة السكان في شمال غزة تتجه غربا نحو مدينة غزة في الشمال، وليس من الشمال إلى الجنوب، كما كان يتمنى الجيش.

وفقا لمعظم التقديرات الأخيرة من قبل الأمم المتحدة وشركائها، منذ أن بدأت إسرائيل هجومها الأخير في 5 أكتوبر, ونزح أكثر من 71 ألف شخص من محافظة شمال غزة إلى مدينة غزة، ولا يزال حوالي 100 ألف شخص في شمال غزة.


وفي جنوب لبنان، كان أداء الجيش الإسرائيلي أسوأ. وبعد ثلاثة أسابيع من غزوهم، لم يتمكنوا من الصمود أكثر من كيلومترين ومن الحدود واضطروا إلى القيام بانسحابات متكررة عندما أصبحت الخسائر البشرية مرتفعة للغاية.

وهذا بعيد كل البعد عن هدفهم المعلن المتمثل في إعادة حزب الله إلى نهر الليطاني.

وبدلاً من ذلك، يتراجع المقاتلون، مما يجذب القوات الإسرائيلية إلى الفخ، ويدخلون الأنفاق ويهاجمونها من الخلف.

مصدر مقرب من حزب الله قال عين الشرق الأوسط أن اغتيال قيادتهم العليا لم يكن له تأثير يذكر على قدرتهم القتالية العملياتية.

وقال إن الوحدات تحافظ على الاتصالات والتنسيق العملياتي بشكل مستقل، دون الحاجة إلى أوامر مباشرة من القيادة المركزية.

وعلى الرغم من أن كلا الجانبين في هذا الصراع يزيدان مكاسبهما إلى الحد الأقصى ويقللان من خسائرهما، إلا أنني أستطيع أن أصدق ذلك.

أحدث عرض إسرائيلي



وبالإضافة إلى الخسائر العسكرية، قُتل 15 مدنياً وشرطيان في إسرائيل هذا الشهر. ولا يظهر حزب الله والحوثيون أي علامة على منعهم من إرسال مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى ملاجئهم بصواريخهم، كما أن حزب الله يصدر صواريخه الخاصة أوامر الإخلاء.

الأكبر، وسيلة إعلامية قريبة من دوائر حزب الله, نقلا عن وقال أحد مصادرها: "إسرائيل ليست في موقع قوة يسمح لها بفرض الشروط ما دامت المعركة مستمرة ووضع المقاومة على الأرض جيد جداً."

وهو ما يقودنا إلى النقطة الحقيقية: كيف يعتقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه بعد مرور عام، أصبح في وضع يسمح له بإملاء الشروط على الفلسطينيين واللبنانيين؟


كيف يعتقد نتنياهو أنه بعد مرور عام في وضع يسمح له بإملاء الشروط على الفلسطينيين واللبنانيين؟


تم إنتاج لقاء في قطر بين الوسطاء اقتراح جديد وقد تم نقل ذلك إلى حماس. وبما أن جميع مصادر ذلك إسرائيلية، فيمكننا أن نفترض أن هذا العرض الأخير كان إسرائيليًا.

وينص العرض على أن إسرائيل ستمكن من وقف إطلاق النار لمدة 30 يوما والإفراج عن عدد غير محدد من السجناء، مقابل ما بين 11 و14 رهينة، بينهم نساء ومسنون, في المرحلة الأولى، بينما ستستمر المفاوضات بشأن المرحلة الثانية، لكن لن يكون هناك انسحاب للقوات من ممر نتساريم أو رفح.

وهذا من شأنه أن يقترن أو "يعزز" بوقف إطلاق النار الذي تقوده الولايات المتحدة في لبنان. ومرة أخرى، المصدر الرئيسي لذلك هو وسائل الإعلام الإسرائيلية، والقناة 12 على وجه الخصوص.

"الصفقة" المعروضة على حزب الله هي وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما سيتم خلالها التفاوض على الاتفاق الكامل.

ومع ذلك، خلال هذه الفترة، تحتفظ إسرائيل "بالحق في الرد على أي خرق أو هجوم من أي مكان". والاتفاق الكامل الذي تفكر فيه إسرائيل هو أن يسحب حزب الله قواته إلى نهر الليطاني، مع سيطرة الجيش اللبناني على المنطقة الحدودية.

ولم يتردد حزب الله على الإطلاق في رفض هذا "العرض" حتى قبل أن يقدمه المبعوث الأمريكي عاموس هوشستين.

وتكهنت وسائل الإعلام التابعة لها بأن إسرائيل إما ترفع سقف أوضاعها إلى الحد الأقصى، بعد أن استعاد حزب الله المبادرة العسكرية على الأرض, أو أنها لم تكن لديها أي نية لوقف الحرب وكانت تقوم بتسريب تفاصيل الخطة التي دبرها هوشستين من أجل نسفها.


كان لدى حماس رسميًا نفس رد الفعل على “offer”، كما تخبرني مصادري. 

وتظل المنظمتان وفيتين لمواقفهما التفاوضية مع قادتهما القدامى أو بدونهم.

وهي أنه لن يكون هناك وقف لإطلاق النار وتبادل للأسرى حتى تسحب إسرائيل قواتها من غزة. ولن يتوقف حزب الله عن القتال، ناهيك عن التفكير في الانسحاب من المنطقة الحدودية، حتى يتم التوصل إلى هدنة في غزة.

وتعتقد المنظمتان أن نتنياهو ليس جاداً في وقف الحرب.

الوهم الساحق

هآرتس عاموس هاريل التقارير أن هناك الآن إجماعاً في مؤسسة الدفاع الإسرائيلية على أن الحرب في لبنان وغزة قد استنفدت نفسها، وأنها إذا استمرت, ولا يمكنهم تحقيق أكثر بكثير مما تم إنجازه بالفعل. 

وهم أيضاً يعتقدون أن الإقامة لفترة طويلة في أي من المنطقتين تزيد من خطر وقوع خسائر كبيرة في القوات.


وخلصوا إلى ضرورة التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح جميع الرهائن الذين ما زالوا محتجزين في غزة.

وهذا بعيد كل البعد عن أي من أهداف الحرب الإسرائيلية، والتي كانت تدمير حماس كسلطة عسكرية أو حاكمة, إنشاء منطقة محظورة منزوعة السلاح في شمال غزة وجنوب لبنان، ونزوح جماعي كبير للفلسطينيين إلى مصر وخارجها - وهو ما كلف نتنياهو مستشاره رون ديرمر بالتخطيط له, في وقت مبكر من ديسمبر الماضي.


لقد أقنعت شدة الأضرار في غزة ولبنان حماس وحزب الله بأن شعبهما عانى كثيراً منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، بحيث لا يوجد طريق للعودة

وفي دعوتهم لوقف إطلاق النار، يعترف قادة الدفاع في إسرائيل بأنه سيتعين على إسرائيل تقديم تنازلات مؤلمة.

وعلى الرغم من أنهم أكثر واقعية من الحكومة الحربية التي يقودها نتنياهو، إلا أنهم أيضًا يتعرضون لوهم ساحق.

هذا، على حد تعبير هاريل، “شدة الضرر يلحق بحزب الله وحماس, ومؤخراً إيران أيضاً تخلق فرصة معقولة للتوصل إلى تسوية.

والعكس هو الحال.

لقد أقنعت شدة الأضرار في غزة ولبنان حماس وحزب الله بأن شعبهما عانى كثيراً منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، بحيث لا يوجد طريق للعودة.

وهذا لا يعني أنهم غير مستعدين للتفاوض على وقف إطلاق النار. لكن هذا يعني أنهم ليسوا في مزاج يسمح لهم بتقديم تنازلات جوهرية.

أوجه التشابه من التاريخ


هناك تشابهان من التاريخ ينبغي أن ينيرا القادة الإسرائيليين الذين ما زالوا متفائلين. الأول يأتي من التاريخ الفلسطيني.

ومن بين المجازر العديدة التي تعرض لها الفلسطينيون على أيدي الجماعات الإرهابية الإسرائيلية ـ وأنا أشمل جيشها الحالي ـ تبرز ثلاث منها.

قبل ستة وسبعين عاما، وقعت مذبحة في قرية الدوايمة, قُتل فيها المئات، بحسب المؤرخ بيني موريس.


قبل ثمانين عاماً، عاد 47 فلسطينياً من العمل في حقول كفر قاسم قتلوا بالرصاص بزعم كسر حظر التجول؛ وهذا الأسبوع، قُتل ما لا يقل عن 93 فلسطينيًا في منازلهمن بيت لاهيا حيث كان مئات النازحين يحتمون.

ومن الآمن أن نقول إن مثل هذه المعاناة غذت سعي الفلسطينيين إلى إقامة دولتهم. ولم يوقف أي منهم النضال من أجل تحرير أرضه.

والأهم من ذلك هو تجربة الجيش الفرنسي في الجزائر. ال بدأت الثورة في 1 نوفمبر 1954، قبل 70 عامًا، يوم الجمعة، الذي كان عيد جميع القديسين أو لا توسان. أصبحت تعرف باسم توسان روج.

وبعد عام بالضبط من ذلك، شن المتمردون هجوما أسفر عن مقتل 120 جنديا فرنسيا.

رد الفرنسيون بوحشية بحملة أودت بحياة 12 ألف شخص. وكانت وحشية ردهم سبباً في نفور الرأي العام في فرنسا الكبرى والرأي العام العالمي ــ وكلاهما أدى بعد سنوات إلى انسحاب فرنسي كامل ــ وليس قبل أن يموت مئات الآلاف على أيديهم من الفرنسيين.

إن قادة الدفاع الإسرائيليين يرتكبون نفس الخطأ الذي ارتكبه أسلافهم المستعمرون الفرنسيون في الجزائر. ويعتقد كلاهما أن الانتقام الساحق سيسحق المقاومة.

لا العودة إلى 6 أكتوبر


وبينما يهنئون أنفسهم على "نجاحهم المذهل" في الاغتيالات والتفجيرات القاتلة، يجب على قادة الدفاع الإسرائيليين أن يسألوا أنفسهم ما إذا كانوا يشعرون اليوم بالأمان الذي شعروا به في 6 أكتوبر 2023, في اليوم السابق لهجوم حماس، أم أنهم يشعرون بعدم الأمان كما شعروا في 8 أكتوبر?

ولم يشتروا لأنفسهم الأمن، ناهيك عن الردع. كل ما حققوه هو سلسلة من جرائم الحرب، والتي سوف يتردد صدى عواقبها بالنسبة لهم لفترة طويلة بعد انتهاء هذه الحرب.


إن الضعف النهائي لمشروع فرض دولة يهودية واحدة من النهر إلى البحر يكمن في الجغرافيا والديموغرافيا

ولكن في نهاية المطاف، فإن مؤسسة الدفاع الإسرائيلية محقة في استنتاجها الآن أنه كلما طال أمد الحرب، كلما أصبح الأمر أسوأ بالنسبة لها. هناك نوعان من الاختلالات في العمل هنا.

إن الميزة العسكرية التي تتمتع بها إسرائيل على أعدائها هائلة. مدى وصولها إقليمي. ويمكنها قصف المنازل في جميع أنحاء العالم العربي والإيراني حسب الرغبة.

لكن قدرة إسرائيل على الصمود في وجه عواقب ما تفعله، وعلى تحمل الألم بسببه, وهي أقل بكثير من قدرة الفلسطينيين على انتشال أنفسهم من مذبحة تلو الأخرى، والاستمرار من جيل إلى جيل، وعدم الاستسلام بعد.

إن الضعف النهائي لمشروع فرض دولة يهودية واحدة من النهر إلى البحر يكمن في الجغرافيا والديموغرافيا. هذه التجربة لا تحدث في منطقة نائية من العالم.

إنها تجري في قلب العالم الإسلامي والعربي، وبالتالي لا يمكن أن تنجح. ولا يمكن إعادة بناء السلام من خلال إعادة ترتيب الزنازين التي يُسجن فيها الفلسطينيون، وهم غالبية السكان.

قد يستغرق الأمر عدة أشهر أخرى من الحرب لإدراك أنه لن يكون هناك عودة إلى 6 أكتوبر.

المصدر:“ميدل إيست آي”



خسائر “إسرائيل” المتصاعدة في لبنان وغزة دليل على أن هذه الحرب خاسرة

ترجمة وتحرير: نون بوست

هناك سبب بسيط للاهتمام المتجدد بخطط وقف إطلاق النار في غزة وجنوب لبنان، والمجازر الليلية ضد اللاجئين الفلسطينيين التي ترافق كل مسعى للسلام.

وهذا السبب لا علاقة له بحملة الاغتيالات التي تشنها إسرائيل على قادة حماس وحزب الله أو محاولتها الأخيرة للحد من إنتاج وقود الصواريخ الصلب في إيران.

هناك مخزون كبير من الخداع والدعاية المضللة يحيط بالتصور الحالي في إسرائيل وواشنطن بأن كل جماعات المقاومة “متضررة ومحطمة” وأن أجنحة إيران مقصوصة.

ما لا تستطيع القيادة العليا للجيش الإسرائيلي غض الطرف عنه هو أن شهر تشرين الأول/ أكتوبر أصبح الشهر الأكثر دموية لقواتها منذ كانون الأول/ ديسمبر من السنة الماضية، وأن قواتها تتكبد خسائر منتظمة في شمال غزة وجنوب لبنان.

وفقًا لآخر إحصائية، وهذه الأرقام تتغير كل يوم، قُتل في شهر واحد 62 جنديًا في المعارك، وقُتل 15 مدنيًا وشرطيان في ضربات صاروخية وهجمات داخل إسرائيل.

يتعامل قسم إعادة التأهيل في الجيش الإسرائيلي حتى الآن مع أكثر من 12,000 جندي مصاب، وهي حصيلة ترتفع بمعدل حوالي 1,000 إصابة شهريًا، ويعتقد الكثيرون أن هذا الرقم أقل من العدد الحقيقي للإصابات التي تم علاجها في المستشفيات.

ومن ضمن هؤلاء المشككين زعيم المعارضة يائير لبيد، الذي قال للقناة 12 الإسرائيلية: “هناك حدود لمدى قبولنا للحقائق المزيفة”.

ووفقًا لبيان صدر مؤخرًا عن حزب الله، قتلت حركة المقاومة اللبنانية منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 90 جنديًا وضابطًا إسرائيليًا وجرحت 750 ودمرت 38 دبابة ميركافا.
انسحابات متكررة

تواجه الحملة التي يشنها الجيش الإسرائيلي لتطهير شمال غزة وجنوب لبنان من المقاتلين والمدنيين مقاومة شرسة تسفر عن بعض أعنف المعارك في الحرب رغم مرور سنة على انطلاقها.

الآن، لم تعد فكرة أن حماس وحزب الله فقدا قدرتهما على القتال بعد اغتيال قادتهما السياسيين والعسكريين، تكتسب أي مصداقية.

كما لم تحقق “خطة الجنرالات” أهدافها في شمال قطاع غزة؛ حيث لم تنجح إسرائيل في تطهير مخيم جباليا للاجئين من مقاتلي حماس، ولم تنجع في إجبار سكان جباليا وبيت حانون على الاستسلام والنزوح جنوبًا من خلال التجويع.

ووفقًا لأرقام الجيش الإسرائيلي، فقد مرّ ما بين 12 إلى 29 شخصًا عبر ممر نتساريم على مدار ثلاثة أيام في الأسبوع الماضي، وقد كانت حركة السكان في شمال غزة باتجاه الغرب، وليس باتجاه الجنوب مثلما كان يريد الجيش الإسرائيلي.

ووفقًا لأحدث التقديرات الصادرة عن الأمم المتحدة وشركائها، فمنذ أن بدأت إسرائيل هجومها الأخير في 5 تشرين الأول/ أكتوبر، نزح أكثر من 71,000 شخص من محافظة شمال غزة إلى مدينة غزة، وبقي حوالي 100,000 شخص في الشمال.

أما في جنوب لبنان، فوضع الجيش الإسرائيلي أسوأ من ذلك؛ حيث لم يتمكن بعد مرور ثلاثة أسابيع على الاجتياح من الاحتفاظ بالأرض على بعد من كيلومترين من الحدود، واضطر إلى القيام بانسحابات متكررة بعد أن أصبحت الخسائر البشرية كبيرة جدًا، وهذا أبعد ما يكون عن هدفهم المعلن بدفع حزب الله إلى نهر الليطاني.

يتراجع مقاتلو حزب الله لإيقاع القوات الإسرائيلية في كمائن، ويدخلون الأنفاق ثم يهاجمون من الخلف.

وقال مصدر مقرب من حزب الله لموقع “ميدل إيست آي” إن اغتيال قيادتهم العليا لم يكن له تأثير يذكر على قدرتهم القتالية على الأرض، وأضاف أن الوحدات تحافظ على التواصل والتنسيق العملياتي بشكل مستقل، دون الحاجة إلى أوامر مباشرة من القيادة المركزية.

ورغم أن كلا الطرفين في هذا الصراع يحاولان تضخيم المكاسب والتكتم على الخسائر، إلا أنني أميل إلى تصديق رواية حزب الله.
عرض إسرائيلي جديد

بالإضافة إلى الخسائر في صفوف الجيش، قُتل 15 مدنيًا وشرطيان في إسرائيل هذا الشهر. ولا يبدي حزب الله والحوثيون أي مؤشر للتراجع عن إرسال مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الملاجئ بصواريخهم، كما أن حزب الله أيضًا يصدر أوامر للإسرائيليين بالإجلاء.

ونقلت صحيفة “الأخبار” اللبنانية المقربة من حزب الله، عن أحد مصادرها قوله إن “إسرائيل ليست في موقع قوة يسمح لها بفرض شروطها طالما أن المعركة مستمرة ووضع المقاومة على الأرض جيد جدًا”.

وهو ما يقودنا إلى النقطة المحورية: كيف يعتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه -بعد مرور عام- في موقع يسمح له بإملاء شروطه على الفلسطينيين واللبنانيين؟

أسفر اجتماع في قطر بين الوسطاء عن عرض جديد تم نقله إلى حماس، وبما أن جميع مصادر هذا العرض هي مصادر إسرائيلية، فيمكننا أن نفترض أن العرض الأخير كان إسرائيليًا.

ينص العرض على أن تتيح إسرائيل في المرحلة الأولى وقفًا لإطلاق النار لمدة 30 يومًا مع إطلاق سراح عدد من الأسرى مقابل ما بين 11 و14 رهينة، بمن فيهم النساء وكبار السن، بينما تستمر المفاوضات حول المرحلة الثانية، ولكن لن يكون هناك انسحاب للقوات الإسرائيلية من ممر نتساريم أو رفح.

يقترن ذلك أو “يتعزز” بوقف إطلاق النار في لبنان بإشراف أمريكي، والمصدر الرئيسي لهذه التسريبات هو وسائل الإعلام الإسرائيلية، والقناة 12 على وجه التحديد.

“الاتفاق” المعروض حاليا على حزب الله هو وقف إطلاق نار لمدة 60 يومًا يتم خلالها التفاوض على الاتفاق النهائي.

لكن خلال هذه الفترة، تحتفظ إسرائيل بـ”حق الرد على أي خرق أو هجوم من أي مكان”، والاتفاق النهائي الذي يدور في ذهن إسرائيل هو سحب حزب الله قواته إلى نهر الليطاني، على أن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على المنطقة الحدودية.

لم يتردد حزب الله على الإطلاق في رفض هذا “العرض” حتى قبل أن يقدمه المبعوث الأميركي عاموس هوكشتاين.

وترى وسائل الإعلام التابعة لحزب الله بأن إسرائيل رفعت سقف شروطها إلى الحد الأقصى بعد أن استعاد حزب الله زمام المبادرة العسكرية على الأرض، أو أنها لا تعتزم وقف الحرب، ولذلك سربت تفاصيل الخطة التي كان هوكشتاين يعمل على إعدادها بهدف إجهاضها.

وقد أخبرتني مصادر خاصة أن حماس تتخذ الموقف ذاته من “العرض” الإسرائيلي، وهو ما يُظهر أن الحركتين متمسكتان بمواقفهما التفاوضية مع أو من دون القيادات التي تمت تصفيتها، وهي أنه لن يكون هناك وقف لإطلاق النار وتبادل للأسرى حتى تسحب إسرائيل قواتها من غزة، كما أن حزب الله لن يوقف القتال، ولا يفكر في الانسحاب من المنطقة الحدودية، إلا بعد أن تبدأ الهدنة في غزة.

تعتقد المنظمتان أن نتنياهو غير جاد في وقف الحرب.
الوهم الكبير

يقول عاموس هارئيل في صحيفة هآرتس إن هناك إجماعًا في المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية الآن على أن الحرب في لبنان وغزة قد وصلت إلى طريق مسدود، وأنه إذا استمرت الحرب فلن يستطيعوا تحقيق أكثر مما تم إنجازه بالفعل.

ويعتقدون أيضًا أن البقاء لفترة طويلة في أي من المنطقتين يزيد من خطر وقوع خسائر كبيرة في الأرواح.

وخلصوا إلى أنه ينبغي التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار والإفراج عن جميع الرهائن المحتجزين في غزة.

هذا بعيد كل البعد عن أي من أهداف الحرب الإسرائيلية، والتي كانت تتمثل في تدمير حماس كسلطة عسكرية أو سياسية، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في شمال غزة وجنوب لبنان، ونزوح الفلسطينيين إلى مصر والخارج – وهو ما أمر نتنياهو مستشاره رون ديرمر بالتخطيط له منذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

ويقرّ قادة الجيش الإسرائيلي بأن إسرائيل ستضطر إلى تقديم تنازلات مؤلمة في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار.

ورغم أنهم أكثر براغماتية من حكومة الحرب التي يقودها نتنياهو، إلا أنهم أيضًا تحت وطأة وهم كبير.

وعلى حد تعبير هارئيل، فإن “حجم الضرر الذي لحق بحزب الله وحماس، ومؤخراً إيران أيضاً، يخلق فرصة معقولة للتوصل إلى تسوية”. لكن العكس هو الصحيح.

إن حجم الضرر في غزة ولبنان قد أقنع حماس وحزب الله بأن شعبيهما قد عانيا كثيراً منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وأنه لا مجال للعودة إلى الوراء.

وهذا لا يعني أنهما غير مستعدين للتفاوض على وقف إطلاق النار، ولكنه يعني أنهما ليسا في حالة تسمح لهما بتقديم تنازلات كبيرة.
شواهد من التاريخ

هناك نوعان من الشواهد التاريخية التي ينبغي أن تبصّر القادة الإسرائيليين المتفائلين، وتأتي الأولى من التاريخ الفلسطيني.

فمن بين المجازر العديدة التي عانى منها الفلسطينيون على أيدي الجماعات الإرهابية الإسرائيلية – بما فيها جيشها الحالي – هنا ثلاث مجازر كبرى.

قبل ستة وسبعين عاما، وقعت مذبحة في قرية الدوايمة قُتل فيها المئات، وفقًا للمؤرخ بيني موريس.

وقبل ست وثمانين عاما، قُتل 47 فلسطينيًا عادوا من العمل في الحقول في كفر قاسم بالرصاص بزعم خرقهم حظر التجول؛ وهذا الأسبوع، قُتل ما لا يقل عن 93 فلسطينيًا في منازلهم في بيت لاهيا.

يمكن القول إن تلك المعاناة تغذي رغبة الفلسطينيين في إقامة دولتهم، ولم يوقف أي من تلك المجازر نضالهم من أجل تحرير أرضهم.

هناك أيضا تجربة الجيش الفرنسي في الجزائر، فقد بدأت الثورة في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، أي قبل 70 سنة من الآن، في يوم الجمعة الذي يصادف عيد جميع القديسين أو عيد “توسان”، وعُرفت الأحداث باسم “توسان روج”.

وبعد سنة من ذلك التاريخ، شنّ الثوار هجومًا أسفر عن مقتل 120 جنديًا فرنسيًا.

ردّ الفرنسيون بحملة وحشية أودت بحياة 12,000 جزائري، واستفز ذلك الرأي العام في فرنسا والعالم، وأدى بعد سنوات إلى انسحاب فرنسي كامل، ولكن بعد أن قتلت القوات الفرنسية مئات الآلاف من الجزائريين.

يرتكب قادة الجيش الإسرائيلي الخطأ ذاته الذي ارتكبه أسلافهم الفرنسيون خلال احتلال الجزائر، إذ يعتقدون أن الانتقام المدمر يمكن أن يهزم المقاومة.

لا عودة إلى 6 تشرين الأول/ أكتوبر

بينما يحتفي قادة الجيش الإسرائيلي بـ”نجاحهم المذهل” في الاغتيالات والتفجيرات القاتلة، ينبغي عليهم أن يسألوا أنفسهم ما إذا كانوا يشعرون اليوم بالأمان الذي شعروا به في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، اليوم الذي سبق هجوم حماس، أم أنهم يشعرون بعدم الأمان الذي شعروا به في 8 تشرين الأول/ أكتوبر؟

لم يتمكنوا من توفير الأمن والردع، وكل ما حققوه هو سلسلة من جرائم الحرب التي سترتد عواقبها عليهم لفترة طويلة بعد انتهاء هذه الحرب.

ولكن مؤسسة الدفاع الإسرائيلية الآن محقة في استنتاجها أنه كلما طالت الحرب، كلما ازدادت الأمور سوءًا، لكن هناك اختلالا في التوازن هنا..

فالتفوق العسكري الإسرائيلي هائل، وامتداده إقليمي، وبإمكانها قصف المنازل في جميع أنحاء العالم العربي وفي إيران متى شاءت.

لكن قدرة إسرائيل على تحمل تبعات ما تقوم به، وتحمّل الألم من أجله، أقل بكثير من قدرة الفلسطينيين على النهوض من المجزرة تلو الأخرى، والصمود جيلاً بعد جيل، وعدم الاستسلام.

إن نقطة الضعف الأساسية في مشروع فرض دولة يهودية واحدة من النهر إلى البحر تكمن في الجغرافيا وكذلك في الديموغرافيا، فهذه الخطة لا تُنفذ في منطقة نائية من العالم.

إنها تُطبّق في قلب العالم الإسلامي والعربي، وبالتالي لا يمكن أن تنجح، ولا يمكن إعادة بناء السلام عن طريق تغيير شكل الزنازين المفتوحة التي يُسجن فيها الفلسطينيون، خاصة أنهم يشكلون غالبية السكان.

قد يستغرق الأمر عدة أشهر أخرى من الحرب حتى ندرك أنه لا عودة إلى 6 تشرين الأول/ أكتوبر.

المصدر: ميدل إيست آي


الخميس، 31 أكتوبر 2024

نكسة مصر من دون حرب

 نكسة مصر من دون حرب



كاتبة صحفية وباحثة سياسية

في حفل باذخ كبير، في استاد العاصمة الإدارية الجديدة، تم حشد الأحزاب السياسية المصرية، والشخصيات العامة والوزراء، وعدد من المسؤولين، وأعداد كبيرة من موظفي الدولة وطلاب الجامعات ورجال الأمن، للاحتفال بنصر أكتوبر 1973، تحت عنوان “حكايات الأبطال”.. فوقف السيسي يحدث الحضور عن تشابه أيام حكمه الحالية مع فترة هزيمة مصر أمام إسرائيل عام 1967م.


كان كل شيء مثيراً للدهشة ويدعو للاستغراب، بدءاً من منظم الحفل والداعي إليه، الشخصية التي صعدت في مصر بسرعة الصاروخ، من مهرب للمخدرات، ومجرم سابق كما تقول تحقيقات وزارة الداخلية المصرية زمن مبارك، إذ سبق أن اختطف في عام 2008م قوة أمنية في سيناء، قوامها 25 شرطيا بينهم ضابط كبير، وقد حوكم بسببها ودخل على إثرها السجن، إلى أن وصل اليوم لأن يكون الرجل الثاني في البلاد، وزعيم التنظيم الغامض المسمى “اتحاد قبائل سيناء”، رجل الأعمال ذا الثروة الخزعبلية والنفوذ غير المفهوم، المسؤول عن المنفذ الحدودي بين مصر وقطاع غزة (معبر رفح)، وشركته المسماة “هلا” هي المسؤولة عن تنظيم عبور الأفراد والشاحنات من خلاله.. إنه السيد “إبراهيم العرجاني”.


وتتوالى دواعي الدهشة مرورا بموعد الحفل، يوم السبت 26 أكتوبر/ تشرين الأول، والذي تجاوز موعد نصر أكتوبر بما يقارب ثلاثة أسابيع، ويتزامن مع الاحتفالات اليهودية في إسرائيل، وانتهاء بتكلفة الحفل الأسطورية، التي تحدثت بعض التقديرات عن تجاوزها مئات الملايين من الجنيهات، في وقت يعلو فيه صوت مسؤولي الحكومة المصرية باستمرار عن أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها البلاد، وديون نعجز عن سدادها، وعقب أسبوعين فقط من حديث رئيس الوزراء المصري “مصطفى مدبولي” عن لجوء مصر إلى اقتصاد حرب في حالة تفاقم الأوضاع.


لم يتفوق على تلك العجائب بنظر المتابعين سوى حديث السيسي عن نكسة يونيو 67 أثناء احتفاله بالانتصار!


ولم تكن تلك هي المرة الأولى، التي يشبه فيها السيسي فترة حكمه بهزيمة مصر أمام إسرائيل، فقد فعلها من قبل في احتفال أكتوبر 2022م، وقال نصّاً: “هل مستعدين يا مصريين تضحوا وتتحملوا كما تحملتم وضحيتم من 67 إلى عام 82”.. وكأنه يشبّه فترة حكمه والأزمات التي تواجهها البلاد بفترة الاحتلال الإسرائيلي لمصر، حتى خروج المحتل منها نهائيا بمفاوضات تحرير طابا في عام 1982!. تشبيه صريح وصادق لا يحتمل التأويل أو التحريف، السيسي يرى فترة حكمه متشابهة مع فترة نكسة مصر، والاحتلال الصهيوني لأراضيها في الخامس من يونيو/ حزيران 1967.. وهذا هو رأيه هو، وليس اتهاماً قاسياً من معارضيه.


يبدو أن السيسي- بحكم مولده ونشأته في حارة اليهود- صار مهووسا بالرموز والإشارات والتنبؤات، كما يفعل مشاهير ونخب اليهود؛ ففي كل عبارة له، أو قصة يحكيها، نجد إشارة لخطة موضوعة، أو أفعال ينتويها، كما حدث من قبل حين صدم المصريين في فبراير/ شباط 2016 بعبارته الشهيرة: “والله العظيم أنا لو ينفع أتْباع لاتْباع”، لتتوالى بعدها عمليات ممنهجة لبيع أراضي ومقدرات وأصول مصر وثرواتها.


جاءت البداية مع الاتفاقية الكارثية التي تنازلت القاهرة بموجبها عن جزيرتي تيران وصنافير الاستراتيجيتين لصالح المملكة العربية السعودية، بعد شهرين وحسب من حديثه هذا عن بيع نفسه، وتحديدا في 8 أبريل/ نيسان 2016، في اتفاقية ترسيم حدود، أصبح “تيران” بموجبها مضيقا دوليا، بعدما كان مصريا خالصا، وهو المضيق الذي كان سببا مباشرا في حرب إسرائيل وهزيمتها لمصر في عام 1967، حينما قرر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر إغلاقه أمام الملاحة الإسرائيلية في 23 مايو/ أيار من العام ذاته.


شكل تنازل السيسي عن ملكية مصر لذلك المضيق الهام انتهاكا مؤلما لسيادتها، وخسارة أمنية واستراتيجية واقتصادية كبرى؛ فبعد أن كان العبور بخليج العقبة حقا أصيلا لمصر وحدها، أصبح المضيق مياها دولية، يحق لإسرائيل وغيرها من دول العالم المرور به، بينما مُنح الاحتلال فرصة ذهبية لتنمية اقتصاده وزيادة استثماراته، من خلال عقد اتفاقيات لنقل البترول إلى ميناء “إيلات” مرورا بمضيق تيران، بالإضافة إلى مساعدته على المضي قُدُما في مشروعه لحفر قناة مزدوجة تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، ويُراد لها أن تكون بديلا عن قناة السويس، كي تفقد الأخيرة أهميتها الملاحية والتجارية التي تمتعت بها لعشرات الأعوام، ما يجعل تلك الاتفاقية هزيمة كبرى لمصر، وانتصارا لدولة الاحتلال حصلت عليه دون حرب.


تلا ذلك تنازل السيسي عن شريان الحياة في مصر (نهر النيل)، بموجب اتفاقية خضوع وإذعان لدولة أثيوبيا، وافقت مصر من خلالها، على بناء أثيوبيا لسد عدائي ضخم على الحدود الأثيوبية السودانية، وفوق مجرى النيل الأزرق، وذلك في أبريل/ نيسان 2015، يحرم بلادنا من حصتها التاريخية في المياه، وهي الاتفاقية التي أعادت التمويل للسد، بعد قرار دولي بإيقافه.. وهذا أيضا يُعدّ انتصارا لدولة الاحتلال، حصلت عليه دون حرب.


 كذلك يأتي بيع مصر لموانيها المهمة على البحر المتوسط والبحر الأحمر، باتفاقيات مجحفة مع شركات إماراتية (لها علاقات مباشرة مع الكيان الصهيوني)، كالاتفاقية التي تم توقيعها في مارس/ آذار 2023 مع مجموعة “موانئ أبو ظبي”، وأعطتها حق التشغيل والانتفاع بميناء سفاجا الاستراتيجي، أحد أهم وأقدم موانئ البحر الأحمر، وكذلك ميناءي العريش وغرب بورسعيد على البحر المتوسط، ومحطات للركاب والسفن السياحية بميناء السخنة التابعة للمنطقة الاقتصادية بقناة السويس، ما يمثل أركان خيانة عظمى، وانتهاكا صارخا لأمن مصر القومي، وتفريطا في سيادتها، وتنازلا عن مراكز قوتها الإقليمية والاقتصادية.. وهذا يمكننا وصفه بأنه انتصار ضخم، حصلت عليه بدون حرب دولة الاحتلال.


يُضاف إلى هذا التنازل عن أراضي مصر ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل منطقة “رأس الحكمة” على البحر المتوسط، الواقعة بالقرب من قاعدة محمد نجيب وميناء جرجوب العسكريَّين، والتي استحوذت عليها الإمارات. وكذلك التفريط في منطقة “رأس جميلة” بمدينة شرم الشيخ، البالغة مساحتها 860 ألف فدان، بموقعها الحدودي الخطير، حيث تقع قبالة مضيق تيران مباشرة، وتطل على جزيرتي تيران وصنافير، اللتين سبق أن تنازل عنهما السيسي للسعودية.


ومؤخرا، جاء إعلان نظام السيسي عن نيته التفريط في منطقة “رأس بناس”، وهي رأس وشبه جزيرة كبيرة، وفيها محميات طبيعية وميناء، ومنطقة سياحية في جنوب محافظة البحر الأحمر، جنوبي شرقي مصر، ولها موقعها اللوجستي الخطير، وقربها من قاعدة برنيس العسكرية، التي جرى افتتاحها في 15 يناير/ كانون الثاني 2020، وهي المنوط بها حماية حدود مصر الجنوبية. هذا فضلًا عن قربها من مطار برنيس الدولي، الذي يمتلك ممرات جوية بطول 3000 متر تقريبا، ورصيفا حربيا بطول 1000 متر، يسمح بتلبية احتياجات القوات البحرية التي تحتاج إلى غاطس كبير لحاملات الطائرات والغواصات والفرقاطات.. هذه المنطقة جاء عرضها للبيع في صفقة أعلن عن طرحها رئيس الوزراء المصري “مصطفى مدبولي”، في سبتمبر/ أيلول من هذا العام، ما يُعد خسارة كبرى تُضاف لخسائر مصر، ونزيفا لأمنها القومي والاستراتيجي، وهي انتصار كذلك، حصلت عليه دون حرب دولة الاحتلال.


كما كانت السياسات الاقتصادية لنظام السيسي، والتي أوصلت مصر إلى هذا الوضع المزري، حيث أكبر مستوى من الديون الخارجية في تاريخ مصر، إذ زادت في السنوات العشر الأخيرة (وهي فترة حكم السيسي) بثلاثة أضعاف ما كانت عليه، حيث بلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر بنهاية يونيو 2013 نحو 43.233 مليار دولار، بينما بلغ بنهاية العام الماضي 168.034 مليار دولار، وذلك بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتُقدّر الفوائد المطلوب سدادها عن القروض المحلية والأجنبية لمصر بحسب موازنة (2021/ 2022) بنحو 579.6 مليار جنيه، (3.7 مليار دولار)، ليبلغ إجمالي أقساط وفوائد الديون المستحقة نحو 1.172 تريليون جنيه (7.5 مليار دولار).


هذا الواقع وصفه محللون اقتصاديون، بأنه خطة ممنهجة لاستنزاف موارد مصر، وإغراقها في دوامة لا تنتهي من الديون، تلتهم ثرواتها وتدمر حاضرها، وترهن مستقبلها لعشرات السنوات، كما تعرضها لخطر انتهاك سيادتها، وضياع أمنها القومي، بتعريض أصولها للبيع من أجل سداد تلك القروض، ‏الأمر الذي وصفه الخبير الاقتصادي البارز، الدكتور عبد الخالق فاروق، قبيل اعتقاله من قبل السلطات المصرية، في تغريدة نشرها على حسابه، قال فيها: “السيسي يحمل أجندة شيطانية خفية لتدمير وتحطيم مصر، وتقويض أركانها، وتحويلها إلى بلد يستولي عليه الأجانب”.


تدمير ممنهج سبق أن وصفت ملامحه بكل دقة، وأوضحت أركانه، صحيفة الـ”إيكونوميست” البريطانية الشهيرة في تقرير موسع لها، نشرته في أغسطس/ آب عام 2016  بعنوان “خراب مصر على يد السيسي”.


هذا التدمير والتخريب للدولة العربية الكبرى، التي تعتبرها إسرائيل عدوها الأبرز، والتي سبق أن خاضت ضدها من قبل 5 حروب، واستولت في إحداها على كامل شبه جزيرة سيناء لمدة 6 سنوات، أفلا يُعتبر ذلك انتصارا، حصلت عليه دون حرب دولة الاحتلال؟!


كذلك يقابلنا الموقف المخزي الذي كشفه الصحفي الأمريكي “بوب وودورد”، في كتابه الذي صدر مؤخرا تحت عنوان “الحرب” والذي يمكننا وصفه بأنه مشاركة فعلية من إدارة السيسي في حرب الإبادة، التي تشنها إسرائيل اليوم بحق الفلسطينيين في قطاع غزة..


فالصحفي الكبير، الذي عُرف بأنه مفجر فضيحة ووترجيت، التي تسببت في استقالة الرئيس الأمريكي الاسبق “ريتشارد نيكسون” من منصبه، قد أشار في كتابه هذا إلى الفترة التي تلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وأورد فيه أحاديث حصل عليها من وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” وفريقه الوزاري، خلال زياراتهم المكوكية للشرق الأوسط، والتي بدأها صبيحة 12 أكتوبر 2023 بزيارة إلى تل أبيب، تلاها الأردن ثم قطر والإمارات والسعودية والبحرين، وأخيرا مصر.


يقول الكاتب إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الذي وصل إلى الحكم في بلاده عبر انقلاب عسكري) قد طالب بلينكن بمطلبين اثنين، أولهما الحفاظ على اتفاقية السلام مع “إسرائيل”، والتي تم التوقيع عليها عام 1979م، وثانيهما إقناع إسرائيل بعدم تهجير الفلسطينيين إلى سيناء. ثم اقترح عليه لاحقا أن يلتقي بوزير الخارجية المصري “سامح شكري” ورئيس المخابرات السابق “عباس كامل”.


ويقول “وودورد” إنه في هذا اللقاء قدم “عباس كامل” لبلينكن وفريقه معلومات وخرائط جمعتها المخابرات المصرية عن أنفاق غزة، وطلب منه أن يوجه النصح إلى نتنياهو قائلا: “إن حماس متجذرة بعمق في قطاع غزة، ومن الصعب هزيمتها، لذا يجب على إسرائيل أن لا تدخل غزة بريًّا دفعة واحدة، بل على مراحل، وأن تنتظر حتى يخرج قادة حماس من جحورهم، وعندها يقطعوا رقابهم”.


يبدو هذا الموقف المشين متطابقا مع موقف الإدارة المتطرفة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، في نظرتها لقطاع غزة والمقاومة فيه، وهي نظرة مخالفة- بل ومضادة تماما- لأمن مصر القومي والاستراتيجي، حيث تعتبر غزة بوابة مصر الشرقية، وصمام أمانها، والمقاومة الفلسطينية فيها هي الحاجز الذي يمنع الكيان الصهيوني من المضي في خططه التوسعية التي لا يخفيها، وتحقيق حلمه بإسرائيل الكبرى، من خلال التهام شبه جزيرة سيناء.. وبالتالي، فهذا الموقف ما هو إلا انتصار جديد، حصلت عليه دون حرب دولة الاحتلال.


وأخيرا، يأتي الموقف الذي صدم الشارع المصري والعربي، واعتبروه عارا كبيرا، وسقطة لا تُغتفر للنظام المصري، وإهانة مذلة لتاريخ مصر باعتبارها الشقيقة الكبرى لإخوانها العرب، حيث كشف حركة (BDS) لمقاطعة إسرائيل عن ظهور سفينة “كاثرين” في ميناء الإسكندرية في مصر، وهي السفينة ذاتها التي رفضت عدة دول استقبالها، من بينها مالطا وناميبيا وأنغولا، لكونها تحمل شحنة عسكرية ومتفجرات، كانت في طريقها لتغذية آلة الحرب الإسرائيلية، من أجل إبادة وتفريغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين الذين يبلغ تعدادهم أكثر من 2 مليون إنسان.


فالسفينة، التي كانت تُبحر تحت علم “ماديرا” التابعة للسيادة البرتغالية، رفضت البرتغال أن ترفع علمها، فاضطرت لرفع العلم الألماني، ثم أُجبرت على الإبحار عبر طريق رأس الرجاء الصالح، لتجنب استهدافها في البحر الأحمر، ونتيجة لحملات المقاطعة، التي دعت إليها منظمات مناهضة للحرب الوحشية التي تشنها إسرائيل، فقد استجابت دول عديدة ورفضت استقبال السفينة، حتى ولو لمجرد التزود بالمؤن، إلى أن رحبت بها مصر، وأصبحت المحطة الأخيرة لها. وكانت شركة المكتب المصري للاستشارات البحرية (EMCO)، والتي يملكها رائد بحري سابق في الجيش المصري، هي المسؤولة عن استقبالها وتفريغ شحنتها الحربية، وهو ما أكده عدد من المواقع المتخصصة في البحث والاستقصاء، مثل موقع صحيح مصر، وموقع إيكاد.


عارُ وخزي، يجعلنا نتأكد تماما من أن مصر تحت حكم السيسي- كما وصفها هو بنفسه- في نكسة وهزيمة، بالضبط كـنكسة 67، وأن حكم السيسي لها ما هو إلا أسوأ أنواع الاحتلال.