الجمعة، 30 أكتوبر 2015

الاصطفاف الذي يريدونه

الاصطفاف الذي يريدونه

آيات عـرابي

منذ بداية الإنقلاب كانت ولا تزال هناك نواة صلبة تتمسك بالشرعية كاملة، ارتقى بعضهم شهداء في مجازر رابعة والنهضة وغيرها،
وبعد رابعة والنهضة أصبح من المستحيل تجاوز مسألة شرعية الرئيس الذي دفع الآلاف دماءهم وأمنهم دفاعا عنه؛ باعتباره أول ممثل حقيقي منتخب للشعب في مواجهة المؤسسة العسكرية.

في أعماق وعي المعسكر الرافض للانقلاب تكون ببطء فهم جديد لحقيقة ميليشيات العسكر، وأدرك الجميع بدرجات متفاوتة أنها مؤسسة أجنبية مزروعة في الجسد الوطني، وإن تكلم قادتها بلساننا وإن تسموا بأسمائنا، وإن أجبروا المصريين على قضاء فترة خدمة إجبارية في صفوفها.

واكتسبت الشرعية التي كانت ما تزال حتى مرحلة رابعة، مجرد دفاع عن ملايين الأصوات التي أهدرها العسكر ومن التف حولهم من الحزبيين، زخما جديدا، فهي شرعية النسيج الوطني الحقيقي للشعب في مواجهة المؤسسات المستوردة التي عينها الاحتلال قبل رحيله، ورافق ذلك انهيار متسارع في الهالة الأسطورية التي بنتها قيادات الجيش حول نفسها، وانفضاح خياناتها واكتشاف زيف انتصاراتها الوهمية وسقوط أصنامها.

في هذه المرحلة كان من الطبيعي أن تسعى النواة الصلبة الرافضة للانقلاب إلى مد حالة التمترس حول شرعية الرئيس مرسي أفقيا، خصوصا مع الفشل المتوالي الذي أظهره العسكر خلال سنتين، وهنا ظهرت أصوات تنادي بما سموه بالاصطفاف.

وهو مصطلح اكتسب قدرا غير مسبوق من سوء السمعة في الفترة الماضية.

وأصبح لا هم لهؤلاء إلا الحديث ليل نهار عن اصطفافهم، والاصطفاف الذي يريدونه هو أن تضع الملح مع السكر مع العسل مع الخل مع الزيت مع الجاز في وعاء واحد وتخلطهم جميعا.

ويصبح ساعتها على الإسلاميين أن يتقبلوا وجود فصائل علمانية تضع نفسها أصلا في موضع الخصومة الجذرية مع الإخوان المسلمين، وهو ما يعني أن تحمل التجربة بذرة فسادها منذ البداية وقد أشار الدكتور رفيق حبيب إلى هذا في أحد مقالاته.
خلف هذه الصورة المبعثرة الأجزاء وتلك الأصوات التي تعلو من وقت لآخر؛ تقف منطلقات أمريكية واضحة وهي أنه لا يجب السماح للإخوان المسلمين بالعودة للحياة السياسية اللهم، إلا كما حدث في التجربة التونسية، أو كما حدث في برلمان 2005 حين حصل الإخوان المسلمون على أكثر من 80 مقعدا (تم تزوير النسب وقتها لصالح الحزب الوطني).

ويأتي هذا في وقت استكمل فيه ممثل نتن ياهو في مصر كل الأجندة التي كلفوه بها وتم استخدامه على الوجه الأمثل، فتمت مهاجمة هياكل جماعة الإخوان المسلمين والاستيلاء على الجمعيات الخيرية بحيث يتم إضعافها فلا تعود تمثل خطرا على الواجهات التي تمثل المصالح الأمريكية والصهيونية (هكذا يفكر من يقف خلف الانقلاب)، ومن ناحية أخرى تم إخلاء رفح وحصار غزة وهدم الأنفاق وتأمين الكيان الصهيوني بشكل كبير، كما تم حقن المجتمع بجرعة من العلمنة تتطلبها مرحلة ما بعد العسكر، حتى تجد "الأكشاك" العلمانية تربة صالحة تنمو بها، بشرط الحفاظ على المؤسسة العسكرية وإنقاذها من الإنهيار؛ ولذلك تجد تلك الأصوات التي تدعو للاصطفاف المشبوه تكتب شعرا في المؤسسة العسكرية التي يعيش قادتها على المعونات الأمريكية.

ولذلك لا تستغرب أبدا أن تخرج أصوات مثل حمدين والبرادعي ووائل غنيم ليتحدثوا باسم الثورة، ولا تستغرب أن يثور الحديث عما سمي بوثيقة العشرة، التي تدعو ضمنيا إلى تجاوز شرعية الرئيس مرسي.

ولا تستغرب حين تتجاوز تلك الأصوات (التي لا ظهير لها في الشارع)، حدود المنطق الطبيعي وترحب بأمثال البرادعي على الرغم من اشتراكه في المسؤولية عن الدماء مع العسكر.

وبدلا من مخاطبة الكتل الشعبية التي خدعها الإعلام لتقف خلف شرعية الرئيس مرسي، وهو أهم نتائج الثورة، تجد هؤلاء يسعون للاصطفاف مع أشخاص لا ظهير لهم ولا يمثلون وزنا في الشارع.

على هؤلاء أن يدركوا أن معسكر الثورة أصبح أكثر وعيا ويقظة تجاه تلك الألاعيب القديمة، وأصبح يميز بين الثوار الحقيقيين، وثوار السفارات جيدا.

الإنسان أولاً

الإنسان أولاً


     الجمعة 17 محرم 1437 الموافق 30 أكتوبر 2015   

د. سلمان بن فهد العودة

ركب إلى جواري في الطائرة ذات مرة شاب غريب ، بدت عليه ملامح الحزن والكآبة والانعزال عن الآخرين ، وكأنه يتوجس خيفة من كل أحد يجالسه أو يحادثه أو يصافحه .. ويتساءل عن نوع الأذى الذي ينوي إلحاقه به !

خطر في بالي أن هذا الشاب هو بيت مغلق بأقفال ، ولكي تلج إلى هذا البيت لأي غرض كان عليك أن تبحث عن المفاتيح .

ربما تريد أن تدخل مع هذا الإنسان أو غيره في مشاركة تجارية ، أو في مشروع تقني ، أو منجز ثقافي ، أو تطمع في دعوته إلى خير ، أو حمايته من شر ، أو تريد أن تنتفع منه بحكم وجود حالة إيجابية لديه يمكن توظيفها .. وهب أنك تريد أن تقدم له خدمة ما يحتاجها ..

أنت هنا أمام ثري ، أو مبدع ، أو قارئ ، أو منحرف ، أو شحاذ ، أو ما شئت ..

هو إنسان قبل أن يكون أياً من ذلك ، ويوم ولد لم يكن له لون ولا شيء معه (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً)(النحل: من الآية78) ، (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..)(الأنعام: من الآية94) .

وأي محاولة تواصل تتجاوز مبدأ الإنسانية ستمنى بالفشل .

ومن حسن الحظ أنك أنت إنسان أيضاً فلديك الكثير من المعرفة المفصلة والواقعية عن الإنسان وحاجاته وضروراته ومداخله ومشاعره وأحاسيسه .

لم يكن بمعزل عن الحكمة الإلهية العظيمة أن يبعث الله رسله من الناس ، مثلهم يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، ويتزوجون وينجبون ، ويصحون ويمرضون ، وتصيبهم اللأواء .

ولكل إنسان أسوار لا ينبغي تقحمها ولا تجاوزها ، ومداخل تناسبه بيد أنها تحتاج إلى اللطف والبصيرة وحسن التأتي .

وحين قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ..) (رواه مسلم).

كان يرسم منهجاً نبوياً رائعاً في التعامل مع الآخرين ، أن تضع نفسك في موضع الإنسان الذي أمامك وأنت تتعامل معه ، ما الذي يروقه ويعجبه منك ؟

أن تثني عليه بخير ، ولا أحد إلا ولديه من الخير ما يمكن أن يثنى به عليه ، وبصدق ، دون خداع أو تزيّد .

أن تعرب له عن محبتك وتقديرك لشخصه الكريم .. وكيف لا تقدّر إنساناً كرمه ربه واصطفاه وأحسن خلقه ، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70) ، (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر:32) ، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) .

انظر في عينيه ، وابتسم له بصفاء ، وصافحه بحرارة ، وتحدث إليه وأنت منبسط هاش باش ، واختر الكلمات الجميلة السحرية

أُضاحك ضَيفي قَبلَ إِنزال رحله        
                  وَيُخصَب عِندي وَالمَحَلُّ جَديب
وَما الخَصبُ للأَضياف أَن يَكثُر القِرى     
                 وَلَكِنَّما وَجه الكَريم خَصيب

قبل أن تعطيه المال ، أو توفر له الاحتياج ، أو تجود عليه بما يطلب ، أعطه وجهك وقلبك واحترامك وتقديرك ، (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً)(البقرة: من الآية263) ، اصنع هذا لزوجك الذي تدوم معه عشرتك طوال الحياة ، واصنعه لولدك الذي خرج منك فأصبح كياناً مستقلاً له شخصيته وتكوينه وحسابه ومسؤوليته الكاملة في الدنيا والآخرة .

واصنعه مع زميلك في العمل أو شريكك أو جارك الذي تلقاه كل يوم أو كل صلاة .

واصنعه مع الخادم أو السائق دون ازدراء لإنسانيته أو تحقير لشخصيته ، واعتقد في داخلك أنه إن كان الله فضلك عليه في الدنيا بمال أو منصب فربما يكون فضله عليك في الآخرة بتقوى أو إيمان أو سريرة من إخلاص أو عمل صالح .

واصنعه مع الغريب الذي تراه لأول مرة ، وربما لا تراه بعدها لتوفر لديه انطباعاً إيجابياً عنك ، وعن الفئة أو الجماعة التي تنتمي إليها ، ولتمنحه قدراً من الرضا والسرور والفرح والاغتباط ، وتبعث إليه برسائل من السعادة سوف يكافؤك الله العظيم بما هو خير منها عاجلاً ، فالمعطي ينتفع أكثر من الآخذ ؛ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً .

واصنع ذلك بصفة أساسية لأولئك الناس الذين تريد أن توجههم أو تنتقدهم أو تقدم لهم نصحاً يحميهم من ردى أو يحملهم على هدى وأنت عليهم مشفق بار راشد فإياك أن تتعسف أو تتهم أو تجفو في أسلوبك فتحكم على محاولتك بالفشل المحتم حتى قبل أن تشرع فيها ، وكان الإمام أحمد يقول : " قلما أغضبت أحداً قفبل منك " .

فإلى أولئك الذين يتبوؤون مقام التعليم والدعوة والإصلاح والاحتساب نهدي هذه الكلمات النورانية النابعة من عمق التجربة ، والمتوافقة مع هدي الأنبياء ومنهجهم ، ونص القرآن ودعوته ، رزقنا الله الحكمة والبصيرة وكفانا شر نفوسنا الأمارة بالسوء .

{الأسبوع ف كيس}

{الأسبوع ف كيس}
(21)
 المسئول مش مسئول
أحمد بحيري


الخميس، 29 أكتوبر 2015

سجون مصر.. ادفع أولا إذا أردت الحياة

سجون مصر.. ادفع أولا إذا أردت الحياة
صورة حديثة لسجناء في أحد السجون المصرية (الجزيرة نت)

عبد الرحمن محمد-القاهرة
"لو عاوز كذا (إذا أردت) ادفع الأول" باتت هذه الجملة كلمة السر ومفتاح قضاء الحاجات في غياهب السجون وغرف الاحتجاز بأقسام الشرطة في مصر حسب حازم سالم أحد المعتقلين المفرج عنهم مؤخرا.
سالم وعدد من المعتقلين السابقين وذوو معتقلين حاليين توافقوا جميعا في إفادتهم للجزيرة نت على أن "الاستغلال المادي" من قبل أفراد الشرطة ضباطا وعساكر -بمختلف مستوياتهم- المسؤولين عن أوضاع المحتجزين بات ركنا أساسيا من أركان المرحلة الحالية في مصر.
ويرى مراقبون أن الفساد المالي -الذي ضربت جذوره أغلب مؤسسات الدولة في مصر- كانت سبله أكثر يسرا وسلاسة في إدارة السجون المصرية التابعة لوزارة الداخلية.
عضو التنسيقية المصرية للحقوق والحريات محمد أبو هريرة يقول إن "مصر دولة كل جهازها الإداري قائم على الرشوة والمحسوبية، ومن أكثر تلك الأجهزة جهاز الشرطة". وتابع في حديثه للجزيرة نت "للأسف عناصر الشرطة في السجون يستنزفون جميع السجناء ماديا، خصوصا السياسيين منهم".
ولفت إلى أن المؤسسات الحقوقية تتعمد تجاهل مواجهة هذا الأمر، لأنه لا سبيل أمام المعتقلين وذويهم للحصول على الحد الأدنى من الحقوق إلا من خلال هذا الطريق، حيث إنه لا قانون ولا ضمانات تحمي السجناء.
محمد أبو هريرة: عناصر الشرطة في السجون يستنزفون السجناء ماديا (الجزيرة)
حتى الهواء
"شخلل (طلع ما بجيبك) عشان تعدي" جملة استحضرها أبو طارق (معتقل سابق) ساخرا من أحد أفلام الفنان عادل إمام الشهيرة والتي رأى فيها صورة واقعية لما يحدث في سجون مصر.
وقال أبو طارق للجزيرة نت "إذا كانت جملة الفيلم هذه أتت في سياق طلب الدفع مقابل مرور عربة بضائع فهي في السجون تقال لقضاء أي مصلحة مهما كانت، من أول تنفس هواء نقي وحتى السعي للحصول على الإفراج والخروج من السجن".
وتابع موضحا "الاستغلال اليومي بالحصول على عشرات الجنيهات لقضاء أي مصلحة عادية يكون من خلال أمناء الشرطة وعناصرها من صغار الرتب، أما كبار قادتها كمأمور السجن ومن حوله من الضباط فالمبالغ التي يحصلون عليها لا بد أن تكون من فئة الألف فما فوق".
وأشار إلى أن مأمور السجن الذي قضى فيه قرابة تسعة أشهر كان يفرض على السياسيين في سجنه وعددهم يقارب ثلاثمئة سجين أن يشتروا أغراضا من كافيتريا السجن التي يشغلها لصالحه بما قيمته مئة ألف جنيه شهريا.
وتابع "لا بد أن تدفع قرابة 750 جنيها للسماح بمبيتك في المقر الأمني وليس في القسم عند العرض على النيابة، وإذا أردت أن تتحدث إلى المحامي خلال العرض فخمسون جنيها كفيلة بالإذن، ولقاؤك بعائلتك مدة عشر دقائق في النيابة لطمأنتهم يتطلب مئتي جنيه، حتى راحة يديك في الكلابش لا سبيل إليها إلا بدفع عشرة جنيهات".
أحمد سعد: الاستغلال لا يتوقف على المعتقلين بل يتجاوزهم إلى المحامين أنفسهم (الجزيرة)
المعلومة بثمن
والمعلومة أحد أشكال استغلال قيادات السجن من الشرطة للمعتقلين وذويهم، حسب أسماء نور الدين أخت أحد المعتقلين الذي كان مختفيا قسريا (رفضت ذكر اسمه).
وأوضحت للجزيرة نت "أي معلومة مهما كانت بسيطة عن المختفي قسريا ثمنها مئتا جنيه في جيب أحد القيادات، وإذا كان المختفي سعيد الحظ يسمح له بمكالمة ذويه هاتفيا لمدة دقيقتين شرط أن يدفع مبلغا مماثلا، أما إذا كانت المعلومة تعرضه للتعذيب فألف جنيه".
وكشفت أسماء نور الدين عن قيام عدد من هؤلاء القياديين بالتفاوض مع بعض المعتقلين لإيجاد سبيل لهم إلى إخلاء السبيل والخروج من السجون مقابل مبالغ مالية قد تصل إلى خمسين ألف جنيه، وربما حصل على المال ولم يف بالتزامه ليعود المعتقل إلى سجنه مرة أخرى.
بدوره، قال الناشط الحقوقي ومحامي عدد من المعتقلين أحمد سعد إن الاستغلال لا يتوقف على المعتقلين وذويهم بل يتجاوز ذلك إلى استغلال المحامين أنفسهم.
وأضاف للجزيرة نت "المحامي يضطر أحيانا إلى دفع مبالغ تبدأ من خمسين جنيها وحتى ثلاثمئة حتى يتسنى له زيارة موكله والحديث إليه رغم أن ذلك حق قانوني".
ولفت إلى أن ذلك يرجع إلى عدم وجود قانون يحكم العمل في هذا الأمر، وأن الاطمئنان إلى عدم المساءلة هو ما يساعد في تفشي هذا الفساد.
المصدر : الجزيرة

اقرأ أيضاً


حركة الخدمة التركية والخطيئة الكارثية


حركة الخدمة التركية والخطيئة الكارثية


مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

على مدى أسابيع كتب علي أصلان أحد الكتاب الرئيسيين لصحيفة زمان التركية، وهي أبرز الواجهات الإعلامية لحركة الخدمة التركية التي يقودها المفكر فتح الله غولن، سلسلة من المقالات تتناول السياسة الخارجية التركية.

توقف أصلان خاصة مع أزمات الداخل، والأزمة السورية والدور التركي فيها، ثم مع دور حزب صالح مسلم، الحزب الديمقراطي الكردي، في المشروع الدولي القادم، وموقف الإدارة الأميركية من أنقرة، وتصعيد الكونغرس الأميركي على تركيا.

مقالات أصلان منحازة لواشنطن، وموقفها من هذه القضية بالتحديد، وهي مستقبل علاقات واشنطن بتركيا العدالة، وتَناول هذه العلاقات الذي لا يخلو من تضخيم واضح يمكن أن يُدركه أي محلل سياسي، في تصغير وتحقير الكاتب لموقف الدولة التركية الاعتباري، أمام واشنطن، خاصة الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي تمتلئ واجهة الصحيفة بالحديث عنه بصفته ديكتاتورا مطلقا، وليس رئيسا منتخبا ديمقراطيا، وله سجل كبير في نقل تركيا للديمقراطية الجديدة، واستئنافها بعد مسيرة عدنان مندريس المغتالة.

وكانت حركة الخدمة هذه قد شاركت أردوغان قبل اندلاع الصراع السياسي الكبير، إثر دخول الحركة ميدان نزاع سياسي تجاوز مشاريعها السلوكية أو التربوية، وهو ميدان الجماعة منذ زمن، ثم أضحت طرفا سياسيا رئيسيا تحالف مع العدالة ثم انفصل عنه ضمن مشروع إسقاط سياسي لحزب العدالة.
"إن واقع الحرب الإقليمية الكبرى التي تستهدف ضمنيا تركيا، يُمثل تحديا كبيرا للدولة، ويحتاج مجتمعا سياسيا أكثر تماسكا مهما بلغت الخلافات، والطريق لذلك حاليا هو عبر تحقيق الغالبية الحكومية لحزب العدالة الذي عليه مسؤولية كبيرة بعد ذلك لإعادة نهضته في المجتمع التركي"
إن معرفتي بحركة الخدمة قديمة، خاصة مؤلفات الأستاذ فتح الله غولن، وكذلك تشكيل رؤيتي عنهم، فهي لم تؤخذ من إعلام حزب العدالة، بل كانت سابقة عليه، وتفصيل الموقف من هذا الصراع الشرس الخطير يحتاج إلى كتاب أبيض.

وهو مهمة الفريق الثقافي السياسي في تركيا، الحريص على تأمين ممانعة سياسية قوية، تحفظ به الدولة والمجتمع ما تحقق من مستوى ديمقراطي، لا يزال هشا أمام التحولات الكبرى، وإرث الحقبة السياسية الصعب الذي لم يصل إلى مستوى مقبول من رفع قضايا أمن الأمة التركية، عن مستوى الصراعات الموسمية الشرسة.

واليوم نحن على مقربة من جولة انتخابية مفصلية، لواقع تركيا السياسي يصوت فيها الناخبون الأتراك بالضرورة على مرحلة استقرار لتركيا من عدمها، ودلالة هذا الأمر واضحة، حيث إن تراجع العدالة لن يكون أمام تشكيل سياسي متماسك، بل فرقاء لهم إرث صراع قومي وفكري شرس، لا يؤهلهم لتأسيس تحالف يحقق أدنى درجات الممانعة للاستقرار القومي.

كما أن واقع الحرب الإقليمية الكبرى التي تستهدف ضمنيا تركيا يُمثل تحديا كبيرا للدولة، ويحتاج مجتمعا سياسيا أكثر تماسكا مهما بلغت الخلافات، والطريق لذلك حاليا هو عبر تحقيق الغالبية الحكومية لحزب العدالة الذي عليه مسؤولية كبيرة بعد ذلك لإعادة نهضته في المجتمع التركي، ومواجهة حالة الفساد المستفحل، والبيروقراطية المنهكة، لتُضم إلى منجزاته، فيعزز ثوبه الديمقراطي ويبدأ بإصلاح داخلي متين في بيته.

لكن قضية هذا المقال وعكسته مقالات أصلان وغيرها مما ينشر ويبث عبر إعلام الحركة تمثل تطورا في تأييد الموقف الأميركي وصل مستوى خطيرا في شراكة ولو كانت غير مقصودة مع أطراف معادية لتركيا الدولة وتركيا الأمة، ورابطتها بالشرق الإسلامي والأمة الكبرى، بل واستهدافها كدولة حاضنة لأقلياتها وقومياتها.

لقد احتفت سلسلة المقالات بخطاب الكونغرس ضد أنقرة، والرسائل السرية التي تُسرب للكاتب أو الصحيفة عن طريق رجال أعمال أميركيين من أصل تركي من مناهضي العدالة، أو عن طريق أعضاء الكونغرس نفسه، في شأن ملف دعم حزب صالح مسلم المناهض لتركيا، والمدعوم عبر نظام الأسد وإيران، والذي لا يحمل مشروع سلام ولا مصالحة للقوميات في تركيا وسوريا، ولا المشرق الإسلامي، إنما هو مجرد ترس لحروب إقليمية تستخدم مشروعه الانفصالي، لحسابات ضغط دولية ضد أنقرة.

وتدمج مقالات أصلان وباقي الوقع الإعلامي لحركة الخدمة في هذا الملف، مع الموقف من الدعم الأميركي المؤيَد ضمنا في مقالات الكاتب، بقضية الحقوق والحريات في الداخل التركي، باعتبارها قضية صراع رئيسية مع أردوغان وحزب العدالة.

وهنا السياق الخطير الذي تتورط فيه حركة الخدمة لتُستخدم ككارثة تاريخية ضد تركيا المسلمة والشرق الإسلامي كله، بدعم موقف اللوبي الصهيوني والمحافظين المسيحيين المتشددين في واشنطن، والشراكة معهم بدعم مشروع صالح مسلم الانفصالي، والمراهنة على أن ذلك سيحقق لهم حصارا لتركيا العدالة وأردوغان.

وهو لعب خطير بالنار، عبر التبشير بمثل هذه الثقافة والتحريض السياسي، ودعم لوبيات الموقف الأميركي المتشددة، وخلط قضايا الصراع السياسي في الداخل بالقضايا الإقليمية، والدفاع عن موقف الغرب وإدانة موقف الدولة التركية، وتصوير واقعها على أنه ديكتاتورية مطلقة.
"لقد رغب تحالف من علماء ومثقفين مسلمين، الدخول في مبادرة تسعى لصلح بين القاعدة السُنية الكبرى، التي تُمثلها العدالة والخدمة في إطارها الوطني الجامع، وإن لم يكن تسوية سياسية كاملة، بين حركة الخدمة وحزب العدالة والرئيس أردوغان"
وهذه كانت المقدمة الرئيسية التي عمَلت عليها واشنطن عبر المساهمة في تأسيس ما أُطلق عليه البيت الشيعي، وهو أول وأكبر تكتل عراقي استخدمه الأميركيون في التمهيد لثقافة الغزو الذي دمر العراق، وحركة الخدمة اليوم تُستخدم دون أن يَقصد أو يستوعب بالضرورة جناحها التربوي وربما كثير من السياسيين، مقاصد هذا التوظيف الخطير لها.

ليس من المعقول رغم كل الخلافات أن يُتعامل مع الرئيس أردوغان كأنموذج لصدام حسين، ولا أن يشبه واقع تركيا الآن بواقع العراق قبل الغزو. مع التأكيد على أننا الآن لا نناقش الحملة على العدالة والرئيس التركي التي تحمل كثيرا من المبالغات والمناكفات، وتُخفي ما حققته العدالة وفريقها الإسلامي من إنجازات.

وإنما نركز هنا على معنى تطور الاستخدام الأميركي لحركة الخدمة واندفاعها المتهور في هذا المشروع الذي يتجاوزها، ويهدم في ذهنية التركي وكل مسلم، صورة عطائها التربوي والسلوكي في مشروعها الروحي.

لن تُغير هذه المقالة ولا غيرها، من سياق الصراع المحتدم الذي يسبق الانتخابات الحالية في تركيا، ولكن لعلها تبعث رسالة مخلصة إلى أهمية ضبط صراع حركة الخدمة مع الدولة التركية، وتداخلها في الملف الإقليمي واندفاعها مع المُشرعين الأميركيين، أو موظفي البيت الأبيض، لتتحول إلى بيت سياسي جديد، يستخدمه الأميركيون استقلالا أو ضمن صفقتهم مع موسكو وإيران، لتدمير تركيا.

والواقع أنه ليس بالضرورة أن تُستنسخ تجربة الغزو للعراق، فهذا غير وارد، ولكن مشاريع الشيطان الكبير والصغير لها صور متعددة، أقربها منطقة حظر، تدفع لحرب أهلية كبرى في قلب تركيا، لا سمح الله.

لقد رغب تحالف من علماء ومثقفين مسلمين، الدخول في مبادرة تسعى لصلح بين القاعدة السُنية الكبرى، التي تُمثلها العدالة والخدمة في إطارها الوطني الجامع، وإن لم يكن تسوية سياسية كاملة، بين حركة الخدمة وحزب العدالة والرئيس أردوغان، ورغم ظروف الخلاف الحادة فإن باب التوافقات والتهدئة لا بد أن يبقى مفتوحا.

فإذا كانت المجتمعات في الصراعات تقبل بكل حل سلمي بعد إنهاكها، ومن ذلك صفقات التوافق السياسي، فمن باب أولى المبادرة إلى ذلك قبل الحريق، وتكاليف إطفاء أي حريق أكبر من تكاليف تجنبه، والحفاظ على تركيا ومشروعها الناشئ ضرورة إنسانية إن لم يكن واجبا إسلاميا وقوميا تركيا، والطريق إليه لا يمكن أن يتم بهدم بنيان حزب العدالة وفتح أبواب الصراع على تركيا.
المصدر : الجزيرة



في دقيقة .... الإثتيفاف

   في دقيقة .... 

  الإثتيفاف  





نتنياهو، هتلر، المفتي الحسيني والهولوكوست


نتنياهو، هتلر، المفتي الحسيني والهولوكوست

د.بشير موسى نافع
كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

أن يمارس رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الكذب، فهذا ليس أمراً جديداً أو مدعاة للدهشة؛ إذ أن ثمة إجماع بين قادة العالم الذين عرفوه على أن الرجل يكذب بصورة تلقائية وبدون تخطيط مسبق. 
ولكن أن ينصب نتنياهو نفسه مؤرخاً، ويبدأ في طرح نظريات تاريخية كبرى في واحدة من أكثر قضايا التاريخ الحديث حساسية، فهذا شأن آخر مختلف كلية. مساء الثلاثاء، 21 سبتمبر، ألقى نتنياهو خطاباً أمام المؤتمر الصهيوني العالمي في مدينة القدس، قال فيه بوضوح يحسد عليه أن هتلر لم يكن يريد إبادة اليهود، بل فقط إخراجهم من ألمانيا، وأن الزعيم الفلسطيني، المفتي الحاج أمين الحسيني، هو من أقنعه بالهولوكوست.ليس ذلك وحسب، بل واخترع نتنياهو محادثة حرفية كاملة بين المفتي وهتلر. 
طبقاً لرئيس الحكومة الإسرائيلية، اعترض المفتي على فكرة طرد اليهود، على أساس أنهم «سيأتون هنا. (أي إلى فلسطين)» فقال هتلر، «فماذا علي أن أفعل بهم، إذن؟» رد المفتي، «إحرقهم». 
هذه ليست زلة لسان دعائية لنتنياهو في مواجهة تصاعد الغضب الفلسطيني، فقد سبق له أن أشار لمثل هذه الأكذوبة في كتاب سابق. وهناك مؤلف واحد آخر، على الأقل، حاول الترويج لهذا الادعاء. بصورة من الصور، يمكن تفسير هذا التوجه، أي إلقاء عبء الهولوكوست على عاتق الحركة الوطنية الفلسطينية، وليس ألمانيا النازية، بأن هناك اليوم بين القيادات الإسرائيلية وأقلية أكاديمية صهيونية من وصلت به كراهية الفلسطينيين درجة إعفاء النازية من الكارثة ومحاولة إحلال الفلسطينيين محلها.
ولكن هذا لا يعني أن العالم ابتلع طعم نتنياهو. أغلب الردود على ادعاءات رئيس الحكومة الإسرائيلية جاءت من مؤرخين يهود، متخصصين في تاريخ ألمانيا النازية والهولوكوست. وإلى جانب توكيد مستشار ألمانيا أنغيلا ميركل على مسؤولية ألمانيا عن الكارثة اليهودية، خلال استقبالها نتنياهو في اليوم التالي لخطابه، لم يتردد الناطق باسم البيت الأبيض في القول بأن ادعاء نتنياهو لا يجد تأييداً من المؤرخين والأكاديميين المتخصصين.
ولكن المسألة تتطلب مزيداً من التوضيح للقاريء العربي والفلسطيني، سيما أن المفتي الحسيني، الذي قاد الحركة الوطنية الفلسطينية خلال واحدة من أكثر مراحلها حرجاً، جرى تغييبه بصورة متعمدة من السردية الوطنية الفلسطينية. ولا يجب أن تطرح علاقته بألمانيا النازية، التي لم تكن سوى حلقة صغيرة في مسيرته السياسية، وكأنها تلخص تاريخه كله.
تعود جذور الشبهات حول علاقة المفتي بالمخطط النازي لإبادة اليهود إلى محاكمات نورمبرغ، عندما ادعى دايتر يسيلسي، أحد مساعدي إدولف أيخمان، الذي لعب دوراً رئيسياً في الهولوكوست، أن المفتي التقى أيخمان واطلع منه على تفاصيل العملية النازية لإبادة اليهود. ولكن أيخمان، الذي وقع في يد الإسرائيليين في 1960 وأعدم في إسرائيل في 1962، قال في محاكمته أنه لم يلتق المفتي سوى عرض ولمرة واحدة في حفل استقبال رسمي.
وفي تعليقها على المسألة، كتبت هانا إرندت، المؤرخة وأستاذة الاجتماع والفلسفة الشهيرة، أن اتهام المفتي بصلة ما مع العملية النازية لإبادة اليهود لا يستند إلى أسس صلبة، وليس سوى شائعات.
ولكن، حتى هذا الجدل تعلق بما إن كان المفتي عرف أو لم يعرف بتفاصيل سياسة الإبادة النازية، ولم يصل مطلقاً إلى نظرية نتنياهو الهستيرية.
احتل المفتي الحسيني منذ بداية الانتداب الموقع الديني الأعلى في فلسطين، باعتباره مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى. وحتى منتصف الثلاثينات، ووفاة موسى كاظم الحسيني، رئيس اللجنة العربية العليا، لم يكن للمفتي من دور سياسي ملموس وكانت علاقاته بسلطات الانتداب البريطاني حسنة ولا يشوبها شيء من التوتر. ولكن أسهم المفتي الوطنية كانت في ارتفاع مستمر. ففي أحداث البراق في 1929، وقف المفتي إلى جانب حركة الاحتجاج الفلسطينية على محاولات اليهود تغيير الأمر الواقع في حائط البراق (حائط المبكى).
وفي 1931، عقد المفتي المؤتمر الإسلامي العام في مدينة القدس، الذي اعتبر أول خطوات حشد التأييد الإسلامي والعربي للمسألة الفلسطينية.
خلال الأشهر الأولى من الثورة الفلسطينية 1936 ـ 1939، شهد المفتي الآثار التدميرية لسياسات القمع البريطانية للفلسطينيين، وأخذت مواقفه في التغير. وقد أدى اتهام البريطانيين له بالتحريض ومحاولتهم اعتقاله إلى هروبه إلى لبنان في صيف 1937، حيث لعب دوراً رئيسياً في قيادة الثورة والحركة الوطنية من منفاه العربي.
في 1939، وبعد أن شعر ببوادر تغير الموقف الفرنسي من وجوده في لبنان، غادر إلى العراق، الذي كان يعيش فترة قلق وعدم استقرار سياسيين بفعل الضغوط البريطانية على حكومته ومحاولة البريطانيين دفع العراق إلى المشاركة في الحرب ضد ألمانيا.
انخرط المفتي، وبدعوة من رجالات العراق أنفسهم، في التدافعات السياسية العراقية. وبالرغم من أن عواطفه كانت أميل إلى الجناح العروبي المناهض للبريطانيين، إلا أنه نصح الحكومة العراقية بقبول المطالب البريطانية وتجنب الصدام.
في ربيع 1941، وبعد أن قامت بريطانيا بغزوها الثاني للعراق، غادر المفتي بغداد إلى طهران. ولكن إيران سرعان ما وقعت تحت سيطرة الحلفاء هي الأخرى، مما اضطر المفتي إلى المغادرة إلى إيطاليا. والحقيقة، أن اتصالات القادة القوميين العراقيين والمفتي بألمانيا بدأت في العراق.
لم يكن الحسيني نازياً ولا فاشياً، ولكنه حاول، في تلك المرحلة المبكرة من الحرب الثانية، الحصول على تعهدات من دول المحور بخصوص استقلال الدول العربية ووحدتها. ولكن مطالبه اصطدمت بأطماع إيطاليا المتوسطية، في مصر وشمال إفريقيا، وسياسة ألمانيا النازية، التي تجنبت استفزاز البريطانيين في مستعمراتهم ومناطق نفوذهم خارج القارة الأوروبية. بعد محادثات قصيرة مع المسؤولين الإيطاليين، وصل المفتي إلى برلين، والتقى هتلر في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1941. تفاصيل المقابلة، التي وصفت بالودية، تكاد تتطابق في نصها الألماني، الذي أورده الدبلوماسي الألماني غروبه، وفي مذكرات المفتي نفسه. والمؤكد أن اهتمام المفتي انصب على محاولة الحصول على إعلان من دول المحور، يؤكد على تأييد نضال العرب من أجل الاستقلال والوحدة، ولكن هتلر رفض الفكرة، محتجاً بأن مثل هذا الإعلان سيعزز موقع الفرنسيين الديغوليين في مواجهة حكومة فيشي الفرنسية المؤيدة لألمانيا.
المسألة الأساسية في هذا كله أن الهولوكوست كانت نتاج سياسة ألمانية تدريجية، مثلت معسكرات الإبادة بالغاز منذ 1943 آخر حلقاتها. 
بدأت هذه السياسة بسلسلة إجراءات قانونية وثقافية بعد وصول النازيين للحكم في 1933، بهدف تقليص دور اليهود الألمان في الحياة العامة والتضييق عليهم ودفعهم إلى الهجرة. وقد وصلت هذه الخطوات إحدى ذرواتها بما عرف بليلة تحطيم الزجاج، أو الكريستال ناخت، في 1938، التى انتهت بمقتل العشرات من اليهود وتحطيم ممتلكاتهم التجارية والاقتصادية وإحراق مئات الكنس. في العام التالي، ألقى هتلر خطبته الشهيرة التي وعد فيها بوضع نهاية لما أسماه «المسألة اليهودية» في أوروبا.
ومنذ بداية الحرب، انطلقت عمليات القتل الجماعي، وترحيل يهود ألمانيا والنمسا وبوهيميا وموافيا، ثم بولندا، إلى معسكرات الاعتقال الجماعي، سيما بعد وضع الجنرال رينهارد هاينرخ لتقريره الشهير. كان هدف النازيين الأول إجبار اليهود على العمل القسري في ظل ظروف بالغة السوء، تحت عنوان الإبادة بالعمل، وتجميعهم في أماكن قريبة من محطات القطار الرئيسية تمهيداً لما وصفه أيخمان في محاكمته بالتخلص منهم.
ومنذ بدأ الهجوم الألماني على روسيا في صيف 1941، انطلقت عمليات القتل الجماعي بالفعل، كما حدث خلال أشهر الصيف من إبادة ما يقدر بثمانين بالمئة من يهود ليتوانيا البالغ عددهم ما يقارب الربع مليون نسمة، والآلاف من يهود رومانيا. 
في بابي يار، قرب كييف، قتل 33 ألفاً من اليهود يومي 29 و20 ايلول/سبتمبر 1941؛ بل أن التجارب على استخدام الغاز في القتل الجماعي بدأت بالفعل منذ 1939، أولاً باستخدام الحاويات، ثم سيارات النقل.
بمعنى أن سياسة الإبادة كانت قد وضعت موضع التنفيذ قبل زمن طويل من لقاء المفتي الحسيني بهتلر. 
ما رآه الحسيني في ألمانيا النازية، في لحظة تقدير خاطىء للموقف بلاشك، كان دولة غربية لا تزيد عنصرية عن الأنظمة الاستعمارية الغربية الأخرى، تبرز كقوة هائلة، يمكن أن تساعد في تخليص الفلسطينيين من أزمتهم الوجودية. 
الفيدرالية الصهيونية لألمانيا لم تتردد هي الأخرى من توقيع اتفاقية الهافارا مع النازيين في 1933، لتسهيل هجرة 60 ألفاً من اليهود الألمان إلى فلسطين. وقد أشار أيخمان في محاكمته أنه زار فلسطين مرة واحدة بصحبة رئيسه هاغن في 1937 بدعوة من فانيال بولكز، ممثل الهاغناه، المنظمة الصهيونية الرئيسية، الذي سعى إلى تأسيس علاقات تعاون مع ألمانيا النازية في الشرق الأوسط.
كما ذكر المؤرخ الإسرائيلي، توم زغيف، مؤخراً أن منظمة شتيرن الصهيونية حاولت هي الأخرى الحصول على دعم النازيين ضد السلطات البريطانية في فلسطين في نهاية 1940 و1941.
المفتي لم يكن وحده من أخطأ التقدير.