الأحد، 23 أغسطس 2026

الحاخامات الذين يمرحون في بلادنا

 الحاخامات الذين يمرحون في بلادنا



وائل قنديل

يلخّص الحاخام الأكبر للكيان الصهيوني، ديفيد يوسف، قصّة الاحتلال كلّها في جملة واحدة، إذ يعلن صراحةً أنّ الفلسطينيين ليسوا شعباً، بل هم "الرعاع".

 ويقول بكلمات واضحة لا تقبل التأويل خلال جولة في القدس المحتلّة: 

"يزعمون أنّهم الشعب الفلسطيني، لكنّهم ليسوا شعباً. لم يكونوا يوماً شعباً، وليس لهم أيّ حقوق". ثمّ يفصّل: "غزّة هي أرض إسرائيل، غزّة لنا، ونابلس لنا، وجنين لنا، وكلّها لنا".
ليست هذه عقيدة الحاخامات أو صقور الصهيونية الدينية فقط، بل هي المحرّك الأوّل والوحيد للسياسة الإسرائيلية في فلسطين وفي الشرق الأوسط كلّه، إذ الجميع رعاع في عيني نتنياهو، وفي عيون معارضيه، وفي عيون اليسار واليمين والوسط، وإن تباينت أساليب التعبير عنها، من الوقاحة الصاخبة عند بن غفير وسموتريتش، إلى العنصرية الهادئة لدى الآخرين من الصهاينة الذين كانوا في السلطة ويخطّطون للرجوع إليها، فذلك ما قامت عليه إسرائيل، وهو أيضاً ما تعيش من أجله، وعليه، بوصفه دستورها الذي ينظّم كلّ شيء فيها.


الترجمة العملية لتصريحات الحاخام الأكبر تجدها في خطّة وزير المالية الصهيوني، الذي لا تغادر طاقية الحاخامات رأسه، سموتريتش، الذي أعلن في مقابلة مع صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، أمس الثلاثاء، صياغةَ خطّة يعمل فيها بهدف جلب مليون مهاجر يهودي من أميركا الشمالية وأوروبا إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، خلال عقد، وهي الخطّة التي عرضها على نتنياهو، مشيراً إلى سنّ تشريعات تسمح لمجتمعات يهودية كاملة في الخارج، في إطار ما أسماه "ثورة الاستيطان"، التي يقودها، للسيطرة على ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية.


على أنّ التجلّي الأوضح لهذه العقيدة، التي هي برنامج عمل لكلّ الحكومات الإسرائيلية، هو ما تراه من مشاهد يومية لطرد وإبعاد وقتل الإنسان الفلسطيني والسطو على أرضه وبيته وإنشاء بؤر استيطانية مكانها، في الضفّة الغربية، وما تعايشه يومياً منذ ثلاث سنوات في قطاع غزّة من إبادة جماعية وتطهير عرقي، وهي إجراءات وسياسات إسرائيلية ليست نتيجةً لـ"طوفان الأقصى"، بل هي السبب والمحرّك الأوّل لانتفاضة الفلسطينيين تمسّكاً بالأرض في مواجهة أوسع موجة من الإرهاب الاستيطاني، انطلقت مباشرةً مع وعد دونالد ترامب في نهاية فترة رئاسته الأولى بأنّ القدس المحتلّة هي العاصمة الأبدية للاحتلال، في طيّات ما عُرفت بـ"خطّة ترامب للسلام" أو "صفقة القرن"، التي أثارت موجاتٍ من الغضب الفلسطيني وقتها وفجّرت انتفاضة القدس.
لو أعدت قراءة ما طُرح وقتها تحت عنوان "خطّة ترامب للسلام" في ضوء وقائع العدوان الصهيوني الأوسع على غزّة منذ 7 أكتوبر (2023)، ستجدها تكاد تكون متطابقةً مع ما سُمّي "خطّة الجنرالات" التي نفّذها الاحتلال في شمال غزّة وجنوبها، وذلك في محاولة لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد، يوسّع من حدود الاحتلال ويقلّص الوجود البشري الفلسطيني، في "شبه دولة" فلسطينية، وهي كما وردت في خيال دونالد ترامب، لا حدود مشتركة لها مع محيطها العربي، فلا شيء يربطها جغرافياً بمصر، إذ تتضمّن رؤيته أو ضلالاته إلغاء معبر رفح من الوجود، كما لا يبقى أيّ رابط جغرافي بين فلسطين والأردن، ولذلك كان طبيعياً أن يتلقّاها بنيامين نتنياهو في ذلك الوقت بفرحة طفل مدلّل منحوه لعبةً نادرةً، فاندفع يعلن أنّ "ترامب أعظم صديق حظيت به إسرائيل في البيت الأبيض، وأنّ خطّته التي تتضمّن نزع سلاح المقاومة الفلسطينية هي حدث تاريخي يشبه اعتراف الرئيس الأميركي هاري ترومان بدولة إسرائيل في 1948.
بالعودة إلى تصريحات الحاخام الأكبر وخطّة سموتريتش لجلب مليون يهودي في مقابل تهجير مليون فلسطيني، يمكن، من دون أيّ مبالغة، القول إنّ العامل الأكبر في انتقال مخطّطات الاحتلال إلى مرحلة العلانية والتحدّي هو الاحتضان الكامل من دونالد ترامب لأحلام الهيمنة الصهيونية، ثمّ يأتي بعد ذلك هذا الإيمان المطلق من النظام الرسمي العربي، بأنّ ترامب هو رجل السلام وصانعه ومانحه، على نحو ما ذهب إليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أحدث تصريحاته قبل يومَين، وهو يعلن حالة فقر مدقع في أدوات الحكومات العربية حيال فلسطين، إلى الحدّ الذي تقول فيه بوضوح إنّها لا تملك سوى مناشدة الراعي دونالد ترامب، رجل السلام، لكي يتدخّل للضغط على إسرائيل.
يكذب العرب الرسميون حين يعلنون أنّه لا حيلة لديهم سوى استعطاف ترامب. إذ يمكنك أن تحصي عشرين إجراءً رادعاً يمتلكه النظام العربي لردع الكيان الصهيوني، أبسطها وأسهلها أن تتوقّف الدولة العربية الأكبر عن رهن مستقبلها في الطاقة بيد الكيان الصهيوني حتّى منتصف القرن الحالي، مقابل خمسة وثلاثين مليار دولار تدفعها من لحم المصريين الحي لاستيراد الغاز الطبيعي المسروق من فلسطين المحتلّة.
يمتلك العرب أن يكونوا عرباً بالتعريف الجامع المانع للعروبة، وأن تكون مع الشقيق ضدّ عدوك وعدوه، وأن تفعّل خيار الكرامة حين تُهان ويُعتدى عليك، وتردّ الإهانة الصاع صاعين، أو على الأقلّ، تلوّح بحقّ الرد في الوقت المناسب، وألّا تكون منبطحاً طوال الوقت أمام حاخامات الاحتلال الذين يروننا رعاعاً لا أرض لنا، ثمّ يُستقبلون بحفاوة دافئة في عواصم العرب، كما استقبلت الإمارات الحاخام الأكبر لإسرائيل (يتسحاق يوسف) في ديسمبر/ كانون الأوّل 2020 في أول زيارة رسمية لبلد عربي، لافتتاح مؤسّسات يهودية ومعبد ومدرسة دينية، وكما حدث قبلها بعام واحد في 2019، حين فتحت المنامة ذراعيها لاستقبال الحاخام الأكبر للقدس وحاخام إسرائيل السابق شلومو موشي عمار في العاصمة البحرينية، بناء على دعوة رسمية من ملك البحرين، وكما صارت زيارات وفد من الحاخامات إلى مصر طقساً يكاد يكون سنوياً للجنرال عبد الفتّاح السيسي.
يمتلك العرب الكثير من الأسلحة وأوراق الضغط، لكنّها تبقى عديمة الفائدة إلّا حين يعرف الحاكم العربي كيف يكون ممثّلاً حقيقياً لشعبه العربي، كما يمثّل نتنياهو الشخصية الإسرائيلية على الوجه الحقيقي؟


وائل قنديل

24 اغسطس 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق