الجمعة، 14 أغسطس 2026

بسملة ورفاقها!

بسملة ورفاقها!
 
كاتب صحفي وباحث

أن تكون فقيرًا، فهذا يعني -ابتداءً- أنك لست أهلاً للحياة. 
المستحقون للحياة يجب أن ينتموا إلى الفئة الجديدة من الأثرياء الذين يرابطون في منتجعات الساحل الشمالي خلال فترة الصيف. 
ماتت بسملة ذات السنوات العشر، ليس قضاءً وقدرًا، ولكن لأنها فقيرة، ولأن الفقر كتب عليها، وهي في هذه السن، أن تتكفل بأبويها. 
معادلة شيطانية آثمة ولكنها حقيقية، ما كان لأعظم المؤلفين خيالاً أن يتخيلها أو ينسج خيوطها!

فقدت الصغيرة حياتها غدرًا مع أقرانها في حادث الدواويس بالإسماعيلية؛ لأنهم فقراء معدمون لا يساوون شيئًا. ما الذي يضطر صغارًا أن يستيقظوا فجر كل يوم، ليتم شحنهم في عربات متهالكة غير مخصصة لنقل البشر؛ ويذهبوا إلى محافظة أخري ويعملوا أكثر من عشر ساعات، تحت درجة حرارة كسرت حاجز الأربعين ببضع درجات؛ نظير مائة جنيه؟! يا للهول!!

صغار يعملون، بالمخالفة للقانون والأعراف والإنسانية، بالسخرة في عام 2026، فيما يتغنى رئيس الحكومة على الشاطئ الآخر من النهر، بمنجزات لا يشعر بها سواه. 

لا تنزعج الحكومة بمثل هذه الحوادث التي تدهس حياة الفقراء، وإن تكررت كل يوم؛ لسبب وحيد، وهو لأنهم فقراء!

حادث الدواويس ليس الأول من نوعه؛ فقد سبقه، خلال فترة قصيرة، حوادث مشابهة، دفع فيها صغار الفقراء حياتهم؛ بحثًا عن الجنيهات المائة التي لا تشتري زجاجة مياه معدنية صغيرة في منتجعات أهل إيجيبت. وليس أهل مصر كأهل إيجيبت، لا يستويان مثلاً.

ما الذي فعلته الحكومة في الحوادث المشابهة السابقة، من أجل ألا يقع حادث الدواويس، وما الذي سوف تفعله لاحقًا، حتى لا يتكرر حادث الدواويس؟
لا شيء؛ لأنها ليست مشغولة بالفقراء، ولكنها مشغولة بإنشاء مدن طبية عالمية لأهل إيجيبت.

الفقراء عبء ثقيل على الحكومات التي تعمل فقط من أجل الأغنياء. الفقراء وقود المعركة. الحكومة لا تستطيع أن تمنع عمل الصغار بالسخرة. 
قانون عمل الطفل -مثل قوانين أخرى كثيرة- مجرد حبر على ورق! لا شيء سوف يتغير. سوف يتكرر حادث الدواويس من جديد. المنيا شهدت يوم الخميس الماضي حادثًا مشابهًا دون ضحايا!

الغريب أن الحكومة هُرعت بعد حادث الإسماعيلية لتسليم أسر الضحايا والمصابين مبالغ مالية، وخصصت لهم 100 رحلة عمرة. 
فهل كان يجب على بسملة ورفاقها أن يموتوا أولاً حتى تتذكر الحكومة ذويهم؟ هل لو ذهبت بسملة لوزارة التضامن الاجتماعي تطلب دعمًا لأسرتها؛ لأن جسدها النحيل لم يعد يحتمل السفر يوميًا والعمل مقابل مائة جنيه، لوجدت من يعيرها اهتمامَا ويرق قلبه من أجلها؟ ربما لو حصلت أسرة بسملة على الأربعمائة ألف جنيه وقيمة رحلة العمرة قبل موتها لكان خيرًا لها ولهم.. وللحكومة. ولكن كان يجب أن تموت أولاً؛ لأنها فقيرة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق